التطوع هو النافلة، مأخوذ من قوله ﷺ للرجل لما قال في الزكاة: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ» (^١)، فصدقة التطوع ما زاد على الفريضة، وتكون بالمال وبكل أنواع النفع، وتطلق الصدقة في لسان الشرع على كل نافلة من العبادات القولية والفعلية، كما قال ﷺ: «كُلُّ سُلامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ؛ يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ …» (^٢) الحديثَ.
وإضافة الصدقة إلى التطوع من إضافة الشيء إلى نوعه. ومن فضل الله على عباده أن شرع لهم أنواع النوافل زيادة في حسناتهم، وجبرًا لنقص ما فرض الله عليهم.
* * * * *
(٧٢٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ …» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(٧٢١) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١)؛ عن طلحة بن عبيد الله ﵁.
(٢) رواه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩)؛ عن أبي هريرة ﵁.
(٣) البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١).
(٤) ابن حبان (٣٣١٠)، والحاكم (١٥١٧).
[ ٢ / ٣٨ ]
في الحديث الأول ذكر سبعة أصناف من الناس، اختص كل صنف بنوع من أنواع الطاعات التي تكون سببًا لإظلالهم يوم القيامة بظل الله، وهو الظل الذي يظل الله به عباده، ويقيهم به حر الشمس حين تدنو من رؤوس الخلائق، وإضافة الظل إلى الله من إضافة المخلوق إلى خالقه، لا من إضافة الصفة إلى الموصوف، فليس الحديث من أحاديث الصفات، بل من أحاديث أحوال القيامة، والسبعة هم -كما في الحديث-: «إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا؛ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
واقتصر المصنف على ما يناسب الباب.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - أن من الثواب المعجَّل في يوم القيامة أن يكون العبد في ظل الله.
٢ - فضل العدل في الرعية.
٣ - فضل الشاب الذي نشأ في عبادة الله على من كان صلاحه في الكبر؛ لأن الشاب سيكون أكثر عملًا من الكبير لو استويا في العمر، ولقوة دواعي المعصية في الشباب وضعفها حال الكبر.
٤ - فضل حب المساجد وتعلق القلب بها في جميع الأحوال؛ لأنها بيوت الله يذكر فيها اسم الله كثيرًا، ويسبح له فيها بالغدو والآصال.
٥ - فضل الحب في الله والثبات على ذلك في الاجتماع والافتراق.
٦ - فضل الخوف من الله، وأنه أعظم وازع عن اقتراف الفاحشة مع قيام دواعيها.
[ ٢ / ٣٩ ]
٧ - فضل إخفاء الصدقة، والمبالغة في ذلك، لما في ذلك من كمال الإخلاص، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، سواء كانت الصدقة فريضة أو نافلة، إلا أن يكون المال ظاهرًا، فيستحب إظهار إخراج الزكاة حتى لا يتهم المسلم بأنه لا يزكي، وكذا إذا كان في إظهار الصدقة مصلحة كالتأسي به.
٨ - فضل الذكر في حال الغيبة عن الناس.
٩ - فضل الخوف من الله عند ذكره.
١٠ - فضل البكاء من خشية الله.
١١ - أن هذه الأعمال السبعة سبب للوقاية من حر يوم القيامة، وذكر العدد لا مفهوم له، فالصوم والجهاد وبر الوالدين هي من أسباب إظلال الله للعبد يوم القيامة.
١٢ - اشتراك الأصناف السبعة في جنس الجزاء المذكور «يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» مع تنوع طاعاتهم، فإن منها المتعدي نفعه، ومنها القاصر.
١٣ - أنه لا مفهوم للفظ الرجل في هذه الأصناف، فالمرأة كذلك تشركهم في هذا الفضل، إلا في اثنين منها، وهو قوله: «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ». وكذلك قوله: «إِمَامٌ عَادِلٌ»؛ لأن المرأة لا تكون إمامًا للأمة.
وفي الحديث الثاني من الفوائد:
١٤ - تفسير الظل في الحديث المتقدم.
١٥ - فضل الصدقة.
١٦ - تفاوت الناس في الظل بحسب تفاوتهم في الأعمال.
١٧ - أن في هذا الحديث شاهدًا للصنف السادس في حديث السبعة المتقدم.
١٨ - إثبات يوم القيامة.
[ ٢ / ٤٠ ]
١٩ - الفصل فيه بين الناس، ولذا سمي يوم الفصل.
٢٠ - شدة حر يوم القيامة، وأنه لا يقي منه إلا ظل الله الذي يقي به من شاء من عباده؛ بسبب أعمالهم.
* * * * *
(٧٢٢) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظمأٍ سَقَاهُ اللهُ مِنْ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ لِيْنٌ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - أن الجزاء من جنس العمل.
٢ - أن الصدقة ليست خاصة بالذهب والفضة، بل تكون كساءً وطعامًا وشرابًا.
٣ - زيادة فضل الصدقة بحسب حاجة المتصدق عليه.
٤ - أن في الجنة ثيابًا وطعامًا وشرابًا، وقد بيّن الله ذلك في كتابه بيانًا مفصّلًا، وذكر أنواعًا من ذلك.
٥ - أن ثياب أهل الجنة خضر، وقد جاء ذلك في القرآن في موضعين: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]، ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]، ولون الخضرة في المتعة أفضل الألوان.
٦ - أن كلًّا من أنواع الصدقة المذكورة سبب لدخول الجنة.
٧ - أن هذا الثواب مشروط بإسلام المتصدِّق والمتصدَّق عليه، وشدة حاجته.
_________________
(١) أبو داود (١٦٨٢).
[ ٢ / ٤١ ]
(٧٢٣) وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
(٧٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (^٢).
* * *
في هذين الحديثين فوائد، منها:
١ - فضل المعطي على المتصدَّق عليه، فإن اليد العليا: هي يد المتصدِّق المعطي، واليد السفلى: هي يد السائل المتصدَّق عليه، كما جاء في حديثٍ أن يد المعطي هي العليا، ويد السائل هي السفلى (^٣)، وعكس قوم من الصوفية فقالوا: «يد الآخذ هي العليا»، ذكره الحافظ ابن حجر، ثم قال: «حكى ابن قتيبة ذلك عن قوم ثم قال: ما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة» (^٤).
٢ - ذمُّ المسألة.
٣ - الترغيب في التعفف.
_________________
(١) البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤).
(٢) أحمد (٨٧٠٢)، وأبو داود (١٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٤)، وابن حبان (٣٣٤٦)، والحاكم (١٥٠٩).
(٣) رواه البخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣)؛ عن ابن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر -وذكر الصدقة والتعفف والمسألة-: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُليَا المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ».
(٤) «فتح الباري» (٣/ ٢٩٨). كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى.
[ ٢ / ٤٢ ]
٤ - أن من تجب نفقتهم من الأهل والعيال أحق بالصدقة من البعيد، والإنفاق عليهم أفضل من الصدقة على البعيد؛ لأن النفقة عليهم واجبة، والواجب أفضل من المستحب.
٥ - فضل الصدقة عن غنى وسعة، وأنها أفضل من الصدقة مع الفقر والحاجة؛ لأن النفس تكون أسمح في الغالب، ولا يعارض ذلك ما جاء في الحديث؛ «أَفضَلُ الصَّدَقةِ جُهدُ المُقِلِّ»، فإن الصدقة مع قلة ذات اليد عن سماحة من الإيثار الذي أثنى الله به على الأنصار في قوله سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقد يقال: إن معنى «أَفْضَلُ» أي: من أفضل.
٦ - أن الجزاء من جنس العمل.
٧ - أن من يحمل نفسه على العفة يجعلها الله له سجية.
٨ - أن الذي يستغني بما يسره الله له يغنيه الله، ويجعل الغنى في قلبه، ويزيده من رزقه.
٩ - تفاضل العاملين في الدرجات، لقوله: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى».
١٠ - تفاضل الأعمال، لقوله: «وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ».
١١ - حرص الصحابة على العلم بأفضل الأعمال.
* * * * *
(٧٢٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَصَدَّقُوا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ» قَالَ:
[ ٢ / ٤٣ ]
عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَبْصَرُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - الحث على الصدقة.
٢ - جواز إخبار الإنسان بما عنده من المال لغرض صحيح.
٣ - سؤال الإنسان عن كيفية التصرف الشرعي بماله.
٤ - أن نفقة الإنسان على نفسه ومن تلزمه نفقته صدقة إذا ابتغى بذلك وجه الله، كما قال النبي ﷺ لسعد ﵁: «وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا» (^٢).
٥ - أن نفقة الإنسان على نفسه لحفظ حياته والتقوِّي على طاعة الله مقدمة على غيره.
٦ - تقديم الولد على الخادم في النفقة، والمراد بالخادم المملوك، فإن عجز السيد عن نفقة المملوك وجب عليه أن يعتقه أو يبيعه، وأما الزوجة فإنها مقدمة على الخادم، فإن النفقة عليها من قبيل المعاوضة، وهي وإن لم تذكر هنا، فهي مذكورة في سنن أبي داود في أصل الحديث، أي: حديث الباب؛ فيكون المذكورون في الحديث أربعة: النفس، والزوجة، والولد، والخادم، واختلف الرواة بتقديم المذكورين، فقدم بعضهم الزوجة على الولد، وقدم آخرون الولد على الزوجة.
_________________
(١) أبو داود (١٦٩١)، والنسائي (٢٥٣٤)، وابن حبان (٤٢٣٥)، والحاكم (١٥١٤). جاء في جميع مصادر التخريج زيادة قوله: «قال: عندي آخر، قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ»».
(٢) رواه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨)؛ عن سعد بن أبي وقاص ﵁.
[ ٢ / ٤٤ ]
واختلف الفقهاء في ذلك؛ فذهب كثير من العلماء إلى تقديم الزوجة على الولد، وذهب آخرون إلى تقديم الولد على الزوجة؛ لأنه بَضعة من الإنسان، فهو كنفسه، وهذا كله إذا ضاق ما في يده، ومع السعة لا يحتاج إلى مراعاة هذا الترتيب.
٧ - أن ما زاد على النفقات الواجبة فله التصرف فيه بما شاء من إمساكه أو صرفه في مباح أو مستحب لقوله: «أَنْتَ أَبْصَرُ».
* * * * *
(٧٢٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصلٌ في اشتراك المتعاونين على البر والنفقة في الأجر.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - جواز تصدق المرأة من طعام البيت بغير إذن زوجها إذا لم تعلم منه كراهة ذلك.
٢ - حصول الأجر لها في ذلك إذا صحت نيتها ولم تسرف فيما تتصدق به، لقوله: «غَيْرَ مُفْسِدَةٍ»، والإفساد: إما بإعطاء الفقير فوق حاجته، أو ما يؤدي إلى حرمان من تجب نفقته على الزوج من أهل البيت.
٣ - حصول أجر هذه الصدقة لخازن الطعام إذا سمحت نفسه بما يخرجه، وكانت له نية صالحة.
٤ - حصول أجر هذه الصدقة لرب البيت بسبب اكتسابه لما تُصدِّق به.
_________________
(١) البخاري (١٤٢٥)، ومسلم (١٠٢٤).
[ ٢ / ٤٥ ]
٥ - أن الثلاثة في الأجر سواء، كما هو ظاهر الحديث، وللعلماء تفصيل في ذلك.
٦ - الترغيب في الصدقة.
٧ - سعة فضل الله وكرمه.
٨ - فضل السماحة مع الأهل ومحبة فعل الخير، لذا قد يؤجر على ما لم ينوه نية خاصة.
٩ - سعادة الرجل بالمرأة الصالحة والخادم الصالح؛ فإنهما يعينانه على الخير.
* * * * *
(٧٢٧) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في صدقة المرأة على زوجها وأولادها.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - الحث على الصدقة.
٢ - حرص نساء الصحابة على العلم.
٣ - فضيلة زينب امرأة ابن مسعود ﵄، وذلك بسؤالها عن أمر دينها، ورغبتها في الصدقة، وحسن سؤالها النبي ﷺ.
_________________
(١) البخاري (١٤٦٢).
[ ٢ / ٤٦ ]
٤ - جواز تولِّي المرأة السؤال بنفسها.
٥ - التثبت فيما أشكل من فتوى بعض العلماء بسؤال الأعلم.
٦ - جواز ذكر من شُكَّ في فتواه عند المفتي الأعلم.
٧ - أن صدقة المرأة على زوجها وولدها أفضل من الصدقة على البعيد، وهذا في صدقة التطوع لا خلاف فيه، وأما الزكاة والصدقة الواجبة؛ فقيل: لا يجوز صرفها في الزوج والأولاد، وقيل: يجوز، وهو أظهر؛ لأنه لا تجب عليها النفقة لزوجها وولدها.
٨ - فضل ابن مسعود ﵁ بصحة فتواه وتصديق النبي ﷺ له.
٩ - تصديق العالم لمن سبقه في الفتوى.
١٠ - التصريح بالحكم في حكم المسألة، ولو تقدم ما يدل عليه، حيث قال ﷺ: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ»، ثم فصّل.
١١ - تصرف المرأة في مالها دون إذن زوجها.
* * * * *
(٧٢٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٧٢٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(٧٣٠) وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِي بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوهُ أَوْ مَنَعُوهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٣).
_________________
(١) البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠).
(٢) مسلم (١٠٤١).
(٣) البخاري (١٤٧١).
[ ٢ / ٤٧ ]
(٧٣١) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمَسْأَلَةُ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، إِلاَّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ فِي أَمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^١).
* * *
هذه الأحاديث هي الأصل في ذمِّ سؤال الناس أموالَهم وما يُرَّخص فيه.
وفيها فوائد، منها:
١ - تحريم سؤال الناس أموالهم من غير ضرورة.
٢ - أن من عقوبة اتخاذ سؤال الناس حرفة أن يأتي من هذا حاله يوم القيامة ووجهه عارٍ عن اللحم، وفي هذا فضيحة له.
٣ - أن من قبح المسألة أنها تذهب بماء الوجه، وتورث قلة الحياء.
٤ - الترهيب من سؤال الناس تكثُّرًا، أي: رغبة في كثرة المال، فهو من الكبائر.
٥ - أن المال المكتسب بالسؤال المحرم حرام وسبب للعذاب بالنار، لقوله ﷺ: «إِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا».
٦ - أن العقاب بقدر العمل: ﴿وَمَنْ جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُون (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
٧ - الإرشاد إلى العمل باكتساب المال الحلال، والاستغناء عن سؤال الناس.
٨ - أن الاحتطاب من وجوه الكسب الطيب.
٩ - أن ما ينبت في الأرض الموات من الحطب وغيره مباح يملكه آخذه، ولو ليبيعه.
_________________
(١) الترمذي (٦٨١).
[ ٢ / ٤٨ ]
١٠ - أن الاكتساب بالاحتطاب ونحوه من أفضل المكاسب.
١١ - أنه لا غضاضة على الرجل أن يحمل على ظهره إذا احتاج إلى ذلك، وحمل الإنسان متاعه على رأسه أو ظهره من أسباب التواضع.
١٢ - أن مشقة المسألة تقع على الوجه؛ لأنه أداتها.
١٣ - أنه لا مذمة ولا مذلة في سؤال السلطان؛ لأنه لا يُسأل مالَه، وإنما يُسأل ما اؤتمن عليه من مال المسلمين.
١٤ - جواز السؤال فيما لا بد منه وهو حال الضرورة، كما سيأتي في حديث قبيصة ﵁.
* * * * *
[ ٢ / ٤٩ ]