صدقة الفطر، وتسمى زكاة الفطر، واجبة باتفاق العلماء، وقد دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، على ما قاله بعض المفسرين، وأما السُّنة فأحاديث الباب.
وإضافة الصدقة إلى الفطر من إضافة الشيء إلى سببه، والمراد بالفطر الفطر من رمضان، فتجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان.
* * * * *
(٧١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٧١٥) وَلِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «أغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (^٢).
(٧١٦) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(٧١٧) وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» (^٤). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ».
_________________
(١) البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤).
(٢) «الكامل» لابن عدي (٧/ ٥٥)، والدارقطني (٢١٣٣).
(٣) البخاري (١٥٠٨)، ومسلم (٩٨٥).
(٤) عند البخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥).
[ ٢ / ٣٥ ]
(٧١٨) وَلأَبِي دَاوُدَ: «لا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلاَّ صَاعًا» (^١).
(٧١٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٢).
* * *
هذه الأحاديث هي الأصل في وجوب زكاة الفطر وفي مقدارها وفي بيان من تجب عليه، وفيما يجب إخراجها منه.
وفي الأحاديث فوائد، منها:
١ - وجوب زكاة الفطر.
٢ - أن مقدارها صاع، وقوله: «فَرَضَ» فسر بقدَّر وأوجب.
٣ - وجوب إخراجها من خمسة الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد ﵁ على قول بعض أهل العلم، وقيل: يجب إخراجها من قوت البلد.
٤ - وجوبها على كل مسلم ومسلمة حرًا أو عبدًا صغيرًا أو كبيرًا.
٥ - اشتراط الإسلام فيمن تجب عليه، لقوله: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
٦ - شدة تمسك أبي سعيد ﵁ بالسنة، وعدم التفاته إلى المخالفين، وذلك لما عدل الناس بالصاع نصف الصاع من البر الجيد، فقال ﵁ قولته: «أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ». أما إخراج زكاة الفطر من هذه الأصناف الخمسة فلم يكن من تعيين النبي ﷺ بل من عمل الناس، لأن هذه الخمسة هي الموجودة عندهم، فلذلك قال من قال من أهل العلم: إن هذه
_________________
(١) أبو داود (١٦١٨).
(٢) أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١٤٨٨).
[ ٢ / ٣٦ ]
الأصناف لا يتعين الإخراج منها، فيجوز الإخراج من غالب قوت البلد، ولو كانت الأصناف الخمسة موجودة، وهذا هو الراجح. وقال آخرون: لا يخرج من غيرها إلا مع عدمها، قال في المغني: «هو ظاهر المذهب» (^١).
٧ - أن إخراج زكاة الفطر نقودًا لا يجزئ.
٨ - الحكمة من زكاة الفطر، وهي أمران: طُهرة للمزكي، وطُعمة للمساكين.
٩ - وجوب إخراجها قبل صلاة العيد، والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين لفعل الصحابة ﵃ (^٢).
١٠ - أن إخراجها بعد صلاة العيد يصيرها صدقة عامة لا صدقة فطر، فيأثم من أخرها متعمدًا، ومن أخرها ناسيًا أو مخطئًا فيرجى أن تقبل صدقة فطر من أجل العذر.
* * * * *
_________________
(١) «المغني» لابن قدامة (٤/ ٢٩٢).
(٢) كابن عمر ﵄ كما في البخاري (١٥١١).
[ ٢ / ٣٧ ]