(٨٣٤) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي».
وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ»، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ.
ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَرَقِيَ الصَّفَا، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى إِلَى الْمَرْوَةِ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ، كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا … فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ:
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَى، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا. حَتَّى
[ ٢ / ١٤٨ ]
إِذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ. ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ. حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا. فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ مطولًا (^١).
* * *
هذا الحديث أطول حديث وأوفاه تضمن مناسك الحج، فلم يخرج عنه إلا القليل من أحكام الحج، ويعرف هذا الحديث بحديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ، وقد عني به العلماء بشرحه وذكر فوائده، وإليك ما تيسر ذكره من فوائده على وفق سياق مسلم في صحيحه، فإن الحافظ ابن حجر اختصر مواضع منه.
_________________
(١) مسلم (١٢١٨).
[ ٢ / ١٤٩ ]
وفيه فوائد كثيرة، منها:
١ - فضيلة جابر بن عبد الله ﵁ لنقله صفة حج النبي ﷺ منذ خرج من المدينة إلى أن قضى المناسك.
٢ - أن النبي ﷺ لم يحج بعد هجرته إلا في السنة العاشرة.
٣ - توافد الناس على المدينة للحج مع الرسول ﷺ.
٤ - كثرة من حج معه ﷺ لقول جابر ﵁: «نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْل ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْل ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْل ذَلِكَ».
٥ - أن ميقات المدينة ذو الحليفة.
٦ - استفتاء المسلم والمسلمة العالم عمّا أشكل من أمر الدين.
٧ - الاستنابة في الاستفتاء.
٨ - استحباب الغسل للإحرام، حتى الحائض والنفساء.
٩ - أن محمد بن أبي بكر ولد في ذي الحليفة.
١٠ - أن الحيض والنفاس لا يمنع من الإحرام.
١١ - أن إهلال النبي ﷺ بنسكه حين استوت به راحلته على البيداء، وهي بيداء ذي الحليفة قبل أن يبرح منها، وهذا هو الذي أدركه جابر ﵁، وقد ذكر غيره أنه أهلَّ في مصلاه، وذكر ابن عمر ﵄ أنه حين استقلت به راحلته، وجمع بين ذلك؛ بأن كلًّا ذكر من إهلال رسول الله ﷺ ما أدركه.
١٢ - مشروعية التلبية للمحرم.
١٣ - أنها شعار الإحرام في الحج والعمرة، وبها يكون الدخول في النسك مع النية.
[ ٢ / ١٥٠ ]
١٤ - تضمن التلبية للتوحيد ولذا قال جابر: «أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ»، ومعنى «لَبَّيْكَ» الإجابة والإقامة على الطاعة، واللفظ يدل على التكرار، فالمعنى: إجابة لك يا ألله بعد إجابة، وإقامة على طاعتك بعد إقامة، وهذا الذكر أي التلبية لا يشرع إلا في الإحرام.
١٥ - أن تلبية النبي ﷺ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ».
١٦ - لزوم النبي ﷺ لهذه التلبية.
١٧ - إقراره للناس على ما يلبون به كقولهم: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ».
١٨ - أن النبي ﷺ وأصحابه أحرموا بالحج، وهذا من حجة من قال: إن النبي ﷺ أحرم مفردًا، لذلك قال: الإفراد أفضل، وقد اختلفت الروايات في النسك الذي أحرم به النبي ﷺ، وأكثرها وأصرحها أنه أهل قارنًا، أي أهل بحج وعمرة، ومن الرواة من قال: إنه أحرم متمتعًا، والقران يسمى تمتعًا في لغة الصحابة ﵃، بل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال المفسرون: إنه يشمل القران والتمتع الخاص. وقد استوفى الإمام ابن القيم الروايات في إحرام النبي ﷺ، وجزم بأن النبي ﷺ كان قارنًا، واستدل على ذلك بروايات صحيحة صريحة، وأجاب عن كل ما خالفها في بحث لا نظير له، تضمنه كتاب «زاد المعاد» (^١).
١٩ - البداءة بالبيت لكل من قدم مكة محرمًا.
٢٠ - استحباب طواف القدوم لمن كان مفردًا أو قارنًا أما من كان متمتعًا فإنه يطوف للعمرة.
٢١ - البداءة في الطواف باستلام الركن، وهو الحجر الأسود.
_________________
(١) «زاد المعاد» (٢/ ١٠٧).
[ ٢ / ١٥١ ]
٢٢ - مشروعية الرمل في طواف القدوم، ويكون في الأشواط الثلاثة الأولى، ويسمى الخَبَب، وهو الإسراع مع تقارب الخُطى.
٢٣ - استحباب المشي في الأشواط الأربعة الأخيرة.
٢٤ - أن الرمل يكون من الحجر إلى الحجر.
٢٥ - مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف.
٢٦ - استحباب فعلهما خلف مقام إبراهيم.
٢٧ - تذكر الآية عند ذلك ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وتلاوتها.
٢٨ - استحباب قراءة سورتي الإخلاص بعد الفاتحة في ركعتي الطواف، الكافرون في الأولى، وقل هو الله أحد في الثانية.
٢٩ - العود لاستلام الركن بعد الصلاة عند مقام إبراهيم.
٣٠ - الخروج إلى الصفا للسعي، واستحباب الموالاة بينه وبين الطواف.
٣١ - استحباب صعود الصفا.
٣٢ - استحباب التكبير والتهليل وما بعده، وتكرار ذلك ثلاثًا، والدعاء بين ذلك.
٣٣ - جواز السجع في الدعاء والذكر من غير تكلف.
٣٤ - مشروعية الطواف بين الصفا والمروة، والبداءة فيه بالصفا.
٣٥ - استحباب السعي في بطن الوادي، ومحله الآن فيما بين العلمين الأخضرين.
٣٦ - أن المروة منتهى السعي.
٣٧ - أنه يشرع على المروة من الوقوف والذكر مثل ما يشرع على الصفا.
٣٨ - أن الطواف بين الصفا والمروة سبع مرات.
[ ٢ / ١٥٢ ]
٣٩ - أن الذهاب إلى المروة سعية، ورجوعه إلى الصفا سعية، فينتهي الشوط السابع بالمروة.
٤٠ - الرد على ابن حزم في قوله: إن السعي يكون أربع عشرة طوفة، بحيث يبدأ بالصفا وينتهي بالصفا.
٤١ - مشروعية فسخ الإحرام والتحلل بعمرة لمن كان مفردًا أو قارنًا، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقيل: يحرم، وما أمر به النبي ﷺ أصحابه خاص بهم في تلك الحجة، وقيل: يجب الفسخ إلى التمتع على كل من أحرم مفردًا أو قارنًا ولم يسق الهدي، وقيل: إن الفسخ مستحب وهو أوسط الأقوال وأرجحها، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وقد خالفه تلميذه ابن القيم فاختار وجوب الفسخ (^٢).
٤٢ - أن جمهور الصحابة قد حلوا، لأنهم لم يسوقوا هدايا.
٤٣ - أن من ساق الهدي لا يتحلل من إحرامه، بل يبقى حتى يوم النحر، وكان النبي ﷺ قد ساق مئة بدنة بعضها جاء به من المدينة، وبعضها جاء به علي ﵁ من اليمن.
٤٤ - أن الذين ساقوا الهدي من الصحابة قلة.
٤٥ - جواز تعليق الإحرام على إحرام الغير، كما فعل علي وأقره النبي ﷺ.
٤٦ - أن فاطمة ﵂ قد حلّت لأنها لم تهد شيئًا.
٤٧ - أن من حل من إحرامه جاز له الاكتحال والزينة.
٤٨ - أن أحكام الإحرام بالعمرة كأحكام الإحرام بالحج، لقوله ﷺ: «فَإِنَّ العُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الحَجِّ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ» (^٣)، وقوله ﷺ في الحديث الآخر:
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٣١ - ٣٣).
(٢) «زاد المعاد» (٢/ ١٩٣).
(٣) رواه مسلم (١٢٤١)؛ عن ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ١٥٣ ]
«وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ» (^١) وهذا مطرد في محظورات الإحرام، وأما في المناسك فيتفقان في الإحرام والتلبية والطواف والسعي والحلق أو التقصير.
٤٩ - إنكار الرجل على أهله أو غيرهم ما يظنه حرامًا، ودفع إنكاره بالحجة.
٥٠ - التثبت فيما يُنسب إلى النبي ﷺ من الأحكام.
٥١ - استحباب تأكيد الفتوى لمريد الاستثبات لقوله ﷺ: «صَدَقت، صَدَقت».
٥٢ - أن الإحرام بالحج للمحلين بمكة إنما يشرع يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي يوم التروية لأن الناس يُروُّون فيه الماء لما بعده؛ لأن المشاعر لم يكن فيها عيون وآبار.
٥٣ - مشروعية التوجه إلى منى في ضحى ذلك اليوم.
٥٤ - الإقامة بمنى والمبيت بها ليلة التاسع، وهذا المبيت من مناسك الحج وهو مستحب لا واجب.
٥٥ - أن السنة بمنى عدم الجمع بين الصلوات.
٥٦ - استحباب الذهاب إلى عرفة بعد طلوع الشمس من اليوم التاسع.
٥٧ - استحباب النزول دون عرفة إذا تيسر ذلك.
٥٨ - أن النبي ﷺ نزل بنمرة، وهي قريبة من عرفة، ولهذا قال: فلما أتى عرفة، معناه: كان قريبًا منها نزل بنمرة.
٥٩ - جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها، وهذا بالإجماع.
٦٠ - أنه يستحب للإمام أو نائبه أن يخطب الناس قبل صلاة الظهر والعصر.
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٨٩)، ومسلم (١١٨٠)؛ عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه ﵁.
[ ٢ / ١٥٤ ]
من فوائد خطبة النبي ﷺ بعرفة:
٦١ - تغليظ حرمة دماء المسلمين وأموالهم فيما بينهم.
٦٢ - إثبات حرمة البلد مكة، وشهر ذي الحجة، ويوم عرفة.
٦٣ - تغليظ تحريم المعصية بحرمة الزمان والمكان.
٦٤ - إبطال النبي ﷺ كل شيء من أمر الجاهلية.
٦٥ - إبطال ما كان في الجاهلية من عقود محرمة؛ كعقد الربا، وهو معنى وضع الربا، وذلك لا يُسقط رأس المال، ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
٦٦ - إبطال الدماء التي كانت في الجاهلية، فلا يطالب فيها بقصاص ولا دية.
٦٧ - أنه لا فرق في ذلك بين قرشي وغيره، فالشريعة لا تحابي أحدًا لنسبه أو لشرفه.
٦٨ - أن العباس كان تاجرًا في الجاهلية.
٦٩ - تأخر تحريم ربا الجاهلية.
٧٠ - أن من عادة العرب الاسترضاعَ في بعض القبائل، ومن ذلك ابن ربيعة ابن الحارث، وقد كان النبي ﷺ مسترضعًا في بني سعد، وظئره حليمة السعدية كما هو مذكور في السيرة النبوية.
٧١ - الوصية بتقوى الله في النساء.
٧٢ - التحذير من ظلمهن.
٧٣ - التذكير بعظم شأن عقد النكاح، وقد قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِّيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢١].
[ ٢ / ١٥٥ ]
٧٤ - بيان حق الرجل على امرأته، ومن ذلك ألا تأذن في بيته لأحد يكرهه، لقوله: «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ»، وكنى بالفراش عن البيت؛ لأن الغالب أن من دخل البيت جلس على الفراش.
٧٥ - جواز ضرب الرجل امرأته إذا تركت ما هو من حقه الواجب عليها، فعلًا أو تركًا، لقوله: «فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ»، والضرب المبرح هو الذي يترك أثرًا في البدن، وذلك بما لا يزيد على عشرة أسواط، لقوله ﷺ: «لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلا فِي حَدِّ مِنْ حُدُودِ اللهِ» (^١).
٧٦ - بيان حق المرأة على زوجها، لقوله ﷺ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».
٧٧ - أن نفقة المرأة غير مقدرة، بل تختلف باختلاف الأحوال والأعراف.
٧٨ - أن التمسك بكتاب الله عصمة من الضلال.
٧٩ - استشهاد النبي ﷺ أصحابه على البلاغ، وشهادتهم بذلك، واستشهاده الله عليهم.
٨٠ - أن الله في العلو، وجواز الإشارة بالإصبع إليه ﷾.
٨١ - مشروعية جمع الحاج بعرفة بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، وقد أجمع العلماء على استحباب هذا الجمع.
٨٢ - أن أهل مكة يجمعون ويقصرون مع الإمام؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه قال: أتموا يا أهل مكة، وإلى هذا ذهب جمع من العلماء، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم (^٢)، ثم قيل: إن جمعهم وقصرهم للسفر، وقيل: إنه نسك من أنساك الحج، والأول أظهر، وذهب أكثر العلماء إلى أن أهل مكة لا يقصرون، لأن مسافة المناسك لا تبلغ مسافة القصر.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨)، عن أبي بردة الأنصاري ﵁. وسيأتي في (باب التعزير وحكم الصائل) (١٤١٨).
(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٦/ ٧٢)، و«زاد المعاد» لابن القيم (٢/ ٢٣٤).
[ ٢ / ١٥٦ ]
٨٣ - أن المسافر لا يصلي جمعة؛ لأن النبي ﷺ لم يجهر بالقراءة، ولم يخطب خطبتين، وكان يوم عرفة يوم الجمعة ولم يحفظ عنه ﷺ أنه صلى الجمعة في أي من أسفاره البتة.
٨٤ - مشروعية التلبية.
٨٥ - مشروعية صلاة الجماعة في السفر.
٨٦ - أن المجموعتين تكونان بأذان واحد وإقامتين.
٨٧ - مشروعية الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ثم قيل يجب، وقيل: يستحب، والثاني أظهر.
٨٨ - أن وقت الوقوف بعرفة يبدأ بعد الزوال وهذا مذهب جمهور العلماء، وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه؛ أنه يبدأ بطلوع الفجر، لحديث عروة بن مضرِّس ﵁ (^١).
٨٩ - أن موقف النبي ﷺ عند الصخرات التي عند جبل إلال، وهو ما يسميه بعض العلماء جبل الرحمة، ولا أصل لهذه التسمية، وهو شرقي عرفة، وقال فيه النبي ﷺ: «وَقَفْتُ هَا هُنَا بِعَرَفَةَ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» وعند الإمام أحمد: «وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» (^٢).
٩٠ - وجوب الوقوف إلى غروب الشمس، وقد جعل بعض العلماء الوقوف جزءًا من الليل ركنًا من أركان الحج.
٩١ - مشروعية الدفع من عرفة بعد تحقق الغروب.
٩٢ - أن النبي ﷺ حج راكبًا، وهذا بالإجماع، ولذا قيل: إن الركوب في الحج أفضل.
_________________
(١) سيأتي في (باب صفة الحج ودخول مكة) (٨٥١).
(٢) رواها أحمد (١٦٧٥١)؛ عن جبير بن مطعم ﵁.
[ ٢ / ١٥٧ ]
٩٣ - الندب إلى الرفق في السير، ومراعاة الحال، لقوله: «كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ»، وفي حديث: «فإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» (^١).
٩٤ - فضيلة أسامة بن زيد ﵄ لإرداف النبي ﷺ له من عرفة إلى مزدلفة.
٩٥ - تأخير صلاة المغرب إلى المزدلفة.
٩٦ - مشروعية الجمع في مزدلفة بين المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان واحد وإقامتين، وهذا الجمع مجمع عليه بين العلماء، ومن وصل إلى مزدلفة في وقت المغرب فهو مخير بين جمع التقديم والتوقيت، أي: يصلي كل صلاة في وقتها.
٩٧ - أن السنة ترك التنفل بين الصلاتين المجموعتين.
٩٨ - أن ظاهر حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لم يقم تلك الليلة، لقوله: «ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ»، ولكنه معارض بأنه ﷺ كان مستيقظًا في آخر الليل؛ بدليل أنه أذن للضعفة بالدفع، واستأذنه بعض أزواجه كسودة ﵂ فأذن لها.
٩٩ - أن النبي ﷺ أتى المشعر بعد صلاة الفجر ووقف عنده داعيًا ومهللًا ومكبرًا، وقال: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (^٢)، والمشعر جبل صغير وقد بني مكانه المسجد.
١٠٠ - مشروعية الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفة للمشركين، فكانوا لا يدفعون إلا بعد طلوع الشمس.
١٠١ - فضيلة الفضل بن عباس ﵄، وانظر فوائد قصته فيما تقدم، في الباب الأول (^٣).
١٠٢ - لقط حصى الجمرات من مزدلفة أو من الطريق، وهي حُصيَّات مثل حصى الخذف، وهي ما يرميه الإنسان من بين أصابعه، وقدَّرها الفقهاء بين الحِمِّص والبُنْدُق.
_________________
(١) رواه البخاري (١٦٦٦)، ومسلم (١٢٨٠)، عن أسامة بن زيد ﵄.
(٢) رواه مسلم (١٢١٨). وهو ضمن حديث جابر المتقدم.
(٣) هو حديث ابن عباس برقم (٨٠٨).
[ ٢ / ١٥٨ ]
١٠٣ - أن السنة رمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر، وجمرة العقبة خارج منى، وهي حد منى مما يلي مكة.
١٠٤ - مشروعية رمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات.
١٠٥ - التكبير مع كل حصاة.
١٠٦ - أنه لا يرمي في ذلك اليوم غير جمرة العقبة.
١٠٧ - أن مناسك هذا اليوم: رمي جمرة العقبة، ونحر الهدي، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة والسعي لمن لم يكن سعى قبل ذلك.
١٠٨ - أن السنة أن تكون المناسك على هذا الترتيب.
١٠٩ - الأكل من لحم الهدي.
١١٠ - تحري الأكل من كل واحدة، لأنه ﷺ أمر أن يؤخذ من كل بدنة بَضعة.
١١١ - فضيلة علي ﵁ لإشراك النبي ﷺ له في الهدي.
١١٢ - أن سقاية البيت لبني عبد المطلب.
١١٣ - أن في ذلك فضيلة لهم، لقوله ﷺ: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ».
١١٤ - استحباب الشرب من ماء زمزم.
١١٥ - جواز الشرب من الدلو.
١١٦ - ترك العمل الفاضل إذا ترتبت عليه مفسدة راجحة؛ لقوله ﷺ: «فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» فإنه ﷺ من أهل السقاية.
١١٧ - فضيلة خدمة الحاج بالسقي من ماء زمزم وغير ذلك قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩].
[ ٢ / ١٥٩ ]
١١٨ - صلاة النبي ﷺ الظهر ذلك اليوم بمكة، وروى غير جابر ﵁ أنه صلاها بمنى (^١)، فمن العلماء من سلك طريقة الترجيح، ومنهم من سلك طريقة الجمع، وذلك بأن يقال: صلى بمكة، ثم صلى بأصحابه بمنى، فتكون له الأولى فريضة، والثانية نافلة كما كان يفعل مثل ذلك معاذ ﵁ مع أصحابه، وقد صلى مع النبي ﷺ صلاة العشاء، والجمع إذا أمكن أولى من الترجيح.
* * * * *
(٨٣٥) وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (^٢).
(٨٣٦) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَحَرْتُ هَا هُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَا هُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَا هُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
(٨٣٧) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤).
(٨٣٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّهُ كَانَ لا يَقْدُمُ مَكَّةَ إِلا بَاتَ بِذِي طُوَى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥).
* * *
اشتملت هذه الأحاديث على جملة من هديه ﷺ في المناسك.
_________________
(١) كما في حديث ابن عمر ﵄ عند مسلم (١٣٠٨)؛ «أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى».
(٢) مسند الشافعي (٧٩٧).
(٣) مسلم (١٢١٨). وتقدم في أول الباب.
(٤) البخاري (١٥٧٧)، ومسلم (١٢٥٨).
(٥) البخاري (١٥٧٣)، ومسلم (١٢٥٩).
[ ٢ / ١٦٠ ]
وفي الأحاديث فوائد، منها:
١ - استحباب هذا الدعاء المذكور في حديث خزيمة ﵁ بعد التلبية، ولكن الحديث ضعيف.
٢ - أن نحر الهدي لا يختص بالموضع الذي نحر فيه رسول الله ﷺ بل منى كلها منحر، بل ورد في رواية: «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» (^١).
٣ - أنه لا يستحب تحري الموضع الذي نحر فيه رسول الله ﷺ لقوله: «فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ».
٤ - استحباب الوقوف بموقفه ﷺ بعرفة.
٥ - أن عرفة كلها موقف.
٦ - استحباب الوقوف عند المشعر بمزدلفة.
٧ - أن المزدلفة كلها موقف.
٨ - استحباب مخالفة الطريق في دخول مكة والخروج منها، وكان ذلك من هديه ﷺ في ذهابه ورجوعه في بعض عباداته، كما في ذهابه ﷺ إلى المصلى في العيدين، وكما في ذهابه إلى عرفة ورجوعه منها، والأظهر في هذا الاقتصار على ما ورد. وانظر ما تقدم في العيدين في الكلام على حديث جابر ﵁ (^٢).
٩ - أن النبي ﷺ كلما قدم مكة يبيت بذي طوى.
١٠ - استحباب دخول مكة في الحج والعمرة ضحى.
١١ - استحباب الغسل لدخول مكة، ويغني عنه اليومَ الغسل للإحرام لقرب العهد، كمن يحرم من السيل، فينوي بالغسل الأمرين.
* * * * *
_________________
(١) رواه أحمد (١٤٤٩٨)، وأبو داود (١٩٣٧)، وابن ماجه (٣٠٤٨)، وابن خزيمة (٢٧٨٧)، والحاكم (١٦٩٣)، عن جابر ﵁. وأصله في مسلم (١٢١٨).
(٢) المتقدم برقم (٥٧١).
[ ٢ / ١٦١ ]
(٨٣٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا، وَالْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا (^١).
(٨٤٠) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا أَرْبَعًا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٨٤١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّه كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. وَفِي رِوَايَةٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ بالبيت وَيَمْشِي أَرْبَعَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(٨٤٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤).
(٨٤٣) وَعَنْ عُمَرَ ﵁؛ أَنَّهُ قَبَّلَ الحَجَرَ الأَسْوَدَ، فَقَالَ: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥).
(٨٤٤) وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقْبِّلُ المِحْجَنَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦).
(٨٤٥) وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧).
* * *
هذه الأحاديث السبعة اشتملت على جملة من أحكام الطواف بالبيت.
_________________
(١) الحاكم (١٦٧٤)، والشافعي، ومن طريقه البيهقي (٩٨٢٠).
(٢) البخاري (١٦٠٢)، ومسلم (١٢٦٦).
(٣) البخاري (١٦٠٤)، ومسلم (١٢٦١).
(٤) مسلم (١٢٦٩).
(٥) البخاري (١٥٩٧)، ومسلم (١٢٧٠).
(٦) مسلم (١٢٧٥).
(٧) أحمد (١٧٩٥٢)، وأبو داود (١٨٨٣)، والترمذي (٨٥٩)، وابن ماجه (٢٩٥٤).
[ ٢ / ١٦٢ ]
وفيها فوائد، منها:
١ - استحباب تقبيل الحجر الأسود، وهذا بالإجماع.
٢ - استحباب السجود على الحجر بعد تقبيله أي: وضع الجبهة عليه إن صح فيه الحديث.
٣ - فضل الحجر الأسود.
٤ - أنه لا يضر ولا ينفع.
٥ - أن تقبيل المسلمين له لا لذاته، بل تأسيًا بالنبي ﷺ.
٦ - أنه لا سنة إلا فيما سنه رسول الله ﷺ.
٧ - استحباب الرمل في الطواف الأول ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر، لما تقدم في حديث جابر ﵁ (^١) ولحديث ابن عمر ﵄ المذكور هنا.
٨ - استحباب المشي في الأشواط الأربعة.
٩ - أن أصل هذه السنة (الرمل) و(المشي) قصةُ الصحابة ﵃ في عمرة القضية حين قال المشركون: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين اليمانيين، ويمشوا أربعًا، ثم صار الرمل سنة في الطواف الأول عند مقدم الحاج والمعتمر.
١٠ - استحباب استلام الركنين اليمانيين، وهو مسحهما باليد اليمنى.
١١ - أنه لا يستلم من البيت إلا الركنان اليمانيان.
١٢ - فضيلة عمر بن الخطاب ﵁.
١٣ - جواز خطاب الجماد لفظًا لا حقيقة في مقام الخبر عنه لا الطلب.
١٤ - استلام الحجر الأسود باليد أو بالعصا، وتقبيل اليد أو العصا.
_________________
(١) تقدم في أول (باب صفة الحج) (٨٣٤).
[ ٢ / ١٦٣ ]
١٥ - استحباب الاضطباع في الطواف الأول في الحج أو العمرة، والاضطباع جعل وسط الرداء تحت الإبط الأيمن وطرفيه فوق الكتف الأيسر، مأخوذ من الضَّبْع، وهو العَضُد.
١٦ - جواز الإحرام بغير اللون الأبيض.
* * * * *
(٨٤٦) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٨٤٧) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّقَلِ -أَوْ قَالَ فِي الضَّعَفَةِ- مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٨٤٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ ثَبِطَةً -تَعْنِي ثَقِيلَةً- فَأَذِنَ لَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(٨٤٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيَّ، وفيه انقطاع (^٤).
(٨٥٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، وإسناده على شرط مسلم (^٥).
(٨٥١) وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلاتَنَا هَذِهِ -يَعْنِي: بِالْمُزْدَلِفَةِ- فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ
_________________
(١) البخاري (١٦٥٩)، ومسلم (١٢٨٥).
(٢) البخاري (١٨٥٦)، ومسلم (١٢٩٣).
(٣) البخاري (١٦٨٠)، ومسلم (١٢٩٠).
(٤) أحمد (٢٠٨٢)، وأبو داود (١٩٤٠)، والترمذي (٨٩٣)، وابن ماجه (٣٠٢٥). تنبيه: الحديث أخرجه النسائي (٣٠٦٤)، وعزاه الحافظ إليه في «الفتح» (٣/ ٥٢٨)، وحسَّنه.
(٥) أبو داود (١٩٤٢).
[ ٢ / ١٦٤ ]
ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
* * *
هذه الأحاديث الستة اشتملت على جملة من أحكام المناسك من التلبية والوقوف بعرفة والمبيت والدفع من مزدلفة، ورمي جمرة العقبة.
وفيها فوائد، منها:
١ - أن المحرم مخير إن شاء لبَّى، وإن شاء كبَّر.
٢ - جواز الدفع من مزدلفة آخر الليل للضعفة.
٣ - أن سودة أم المؤمنين ﵂ ممن رخَّص لهم الرسول ﷺ.
٤ - أن مَنْ دفع من مزدلفة آخر الليل جاز له رمي جمرة العقبة قبل الفجر، وجازت له الإفاضة إلى البيت، كما في حديث أم سلمة ﵂، ومن هذه الأحاديث أخذ العلماء جواز الدفع من مزدلفة ورمي جمرة العقبة، والإفاضة إلى البيت بعد نصف الليل.
٥ - أن مَنْ دفع مِنْ الشَّبَبة لا يرمون إلا بعد طلوع الشمس، لحديث ابن عباس ﵄، وفيه انقطاع (^٢)، كما قال المصنف ﵀. وقد أخذ به بعض أهل العلم، والجمهور على أن كل من دفع من مزدلفة آخر الليل فله أن يرمي ولو قبل طلوع الشمس.
٦ - إن إدراك الحج لا يكون إلا بالوقوف بعرفة، فهو ركن الحج الأعظم، لحديث عروة بن مضرس، وهو معنى قوله ﷺ: «فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ»، أي: أدرك الحج، وقوله: «وَقَضَى تَفَثَهُ» أصل التَّفَث الوسخ والأذى، ومعنى
_________________
(١) أحمد (١٦٢٠٨)، وأبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي (٣٠٤١)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وابن خزيمة (٢٨٢٠).
(٢) لأنه من رواية الحسن العُرَني، عن ابن عباس ﵄، ولم يسمع منه. ينظر: «التقريب» للحافظ (١٢٥٢).
[ ٢ / ١٦٥ ]
قضائه: إزالته، وذلك عند التحلل، بعد رمي الجمرة والنحر، فيزيل ما يحتاج إلى إزالته بحلق الرأس، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، فعبَّر بقضاء التَّفَث عن قضاء المناسك في يوم النحر، تعبيرًا بالمسبَّب عن السبب، والتعبير بالماضي في الحديث هو من التعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، والله أعلم. وبسبب هذا المجاز اختلفت عبارات المفسرين في قضاء التَّفَث؛ فمنهم من يفسره بأداء المناسك، ومنهم من يفسره بإزالة الأذى من حلق الشعر، وتقليم الأظفار، وقد يفسرون التَّفَث بغير ذلك.
٧ - أن الوقوف بعرفة يجزئ ليلًا أو نهارًا، والجمهور قيدوه بما بعد الزوال، وقال الإمام أحمد: يجوز الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة لإطلاق حديث عروة ﵁. والراجح قول الجمهور لفعله ﷺ، فإنه لم يقف إلا بعد الزوال والمسلمون معه، فهو مقيِّد لإطلاق حديث عروة.
٨ - أن الوقوف بعرفة لا يقدر بوقت؛ فيجزئ ولو لحظة، إلا أن من وقف نهارًا وجب عليه الوقوف إلى الليل، وعدَّ بعض أهل العلم الوقوف جزءًا من الليل ركنًا.
* * * * *
(٨٥٢) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبيرُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(٨٥٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵃ قَالا: «لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
_________________
(١) البخاري (١٦٨٤).
(٢) البخاري (١٦٨٦ - ١٦٨٧).
[ ٢ / ١٦٦ ]
(٨٥٤) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: «هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٨٥٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(٨٥٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، ثُمَّ يُسْهِلُ، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٣).
(٨٥٧) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «وَالْمُقَصِّرِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤).
* * *
هذه الأحاديث الستة اشتملت على جملة من المناسك؛ لوقت الدفع من مزدلفة، ورمي جمرة العقبة، وموقف الرامي منها، ووقت رميها، وصفته.
وفي الأحاديث فوائد، منها:
١ - أن المشركين كانوا لا يدفعون إلا بعد طلوع الشمس، ويقولون: «أَشْرِقْ ثَبِيرُ، كَيْمَا نُغِيرُ».
٢ - أن السنة الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، مخالفة للمشركين.
_________________
(١) البخاري (١٧٤٩)، ومسلم (١٢٩٦).
(٢) مسلم (١٢٩٩).
(٣) البخاري (١٧٥١).
(٤) البخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١).
[ ٢ / ١٦٧ ]
٣ - أن من مقاصد الشريعة مخالفة أهل الجاهلية.
٤ - مشروعية التلبية إلى جمرة العقبة.
٥ - مشروعية رمي جمرة العقبة وحدها في ذلك اليوم.
٦ - أن السنة في رمي جمرة العقبة أن يستقبلها جاعلًا البيت عن يساره، ومنى عن يمينه.
٧ - مشروعية رمي الجمار الثلاث في أيام التشريق بعد الزوال.
٨ - رمي كل جمرة بسبع حصيات.
٩ - استحباب التكبير مع كل حصاة.
١٠ - البداءة بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف.
١١ - استحباب الوقوف طويلًا والدعاء بعد رمي الجمرة الأولى وبعد رمي الجمرة الثانية.
١٢ - أنه لا يوقف بعد جمرة العقبة.
١٣ - استحباب الموالاة والترتيب في رمي الجمار الثلاث.
١٤ - أن الحلق والتقصير نسك. لا إطلاق من محظور، كما قال به بعضهم.
١٥ - فضل الحلق على التقصير، والمشهور أن دعاء النبي ﷺ للمحلقين والمقصرين كان في الحديبية بعد إبرام الصلح، وقيل: لعله وقع في حجة الوداع أيضًا، والله أعلم.
١٦ - أن التقصير مجزئ.
١٧ - أن أكثر الناس يحبون تقصير الشعر لا حلقه، وما حلق النبي ﷺ إلا في حج أو عمرة.
* * * * *
(٨٥٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ الْعَاصِ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: «اذْبَحْ وَلا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟
[ ٢ / ١٦٨ ]
قَالَ: «ارْمِ وَلا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلا قَالَ: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٨٥٩) وَعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
(٨٦٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبُوْ دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (^٣).
(٨٦١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^٤).
(٨٦٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥).
(٨٦٣) وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْخَصَ لِرُعَاةِ الإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (^٦).
* * *
هذه الأحاديث الستة تضمنت جملة من أحكام الحج ومناسكه، منها:
١ - استحباب وقوف العالم للناس ليسألوه.
٢ - أن من قدم وأخر في مناسك يوم النحر نسيانًا أو جهلًا فلا حرج عليه، واختلف العلماء في المتعمد للتقديم والتأخير، فقيل: يأثم، وقيل: لا
_________________
(١) البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦).
(٢) البخاري (١٨١١).
(٣) أحمد (٢٥١٠٣)، وأبو داود (١٩٧٨).
(٤) أبو داود (١٩٨٥).
(٥) البخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥).
(٦) أحمد (٢٣٧٧٥)، وأبو داود (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٥)، والنسائي (٣٠٦٩)، وابن ماجه (٣٠٣٧)، وابن حبان (٣٨٨٨).
[ ٢ / ١٦٩ ]
يأثم، لعموم قوله: «فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلا قَالَ: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ»، ومعلوم أنه قد يكون بعض ذلك تهاونًا، والله أعلم.
٣ - أن الرمي قبل الذبح، وأن الذبح قبل الحلق.
٤ - أن هذه الثلاثة قبل الإفاضة إلى مكة.
٥ - أن التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير، فيحل للحاج كل ما حرم عليه بالإحرام إلا النساء، فلا يحل له الجماع ولا المباشرة، وقال بعض العلماء: يحصل التحلل الأول برمي جمرة العقبة، والأول أظهر لحديث عائشة: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ …»، ويؤيده أن المحصر والمعتمر لا يتحلل إلا بالحلق أو التقصير.
٦ - مشروعية النحر والحلق للمحصر، وأنه ينحر قبل أن يحلق، فإن حديث المسور بن مخرمة ﵄ طرف من حديث طويل في قصة صلح الحديبية.
٧ - أن النساء ليس عليهن حلق، بل ولا يستحب لهن ذلك، بل الواجب عليهن التقصير، وقد اختلف العلماء في حلق المرأة رأسها في غير النسك، فقيل: يحرم، وقيل: يكره، فإن شعر المرأة جمال لها. كاللحية للرجل، ويحرم عليهن التشبه بالرجال، وبالكافرات في هيئة شعورهن.
٨ - وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق.
٩ - الرخصة في ترك المبيت لأهل الأعذار، كالرعاة والسقاة، وسائر القائمين بخدمات الحجاج كالأطباء ورجال الأمن.
١٠ - أن سقاية زمزم من مآثر بني هاشم.
١١ - جواز جمع رمي الجمار الثلاث ليومين في يوم لأهل الأعذار من الرعاة ونحوهم، فالمتعجل يرمي ليومين في يوم النفر الأول، والمتأخر يرمي ليومين في أول أيام التشريق، ثم يرمي يوم النفر الثاني.
[ ٢ / ١٧٠ ]
١٢ - أن أحكام الشريعة مبناها على التيسير كما في جواز التقديم والتأخير، وترك المبيت، وجواز جمع الجمار. وهذا من رحمة الله بعباده.
١٣ - أنه يجب رمي كل يوم في يومه، فلا يجوز تأخيره إلا من عذر.
١٤ - منع التوكيل في الرمي؛ لأن النبي ﷺ لم يرخص للرعاة بالتوكيل، والأظهر جوازه لمن له عذر، كما في الرمي عن الصبيان.
١٥ - العناية برواحل الحجاج.
* * * * *
(٨٦٤) وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ …» الحَدِيْثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٨٦٥) وَعَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ ﵂ قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الرُّؤوسِ فَقَالَ: «أَلَيْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ …» الحَدِيْثَ. رواه أبُوْ دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^٢).
(٨٦٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
(٨٦٧) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٤).
(٨٦٨) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٥).
_________________
(١) البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩).
(٢) أبو داود (١٩٥٣).
(٣) مسلم (١٢١١).
(٤) أبو داود (٢٠٠١)، والنسائي في «الكبرى» (٤١٥٦)، وابن ماجه (٣٠٦٠)، والحاكم (١٧٩٨). ولم أجده في «المسند».
(٥) البخاري (١٧٦٤).
[ ٢ / ١٧١ ]
(٨٦٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ -أَيْ: النُّزُولَ بِالأَبْطَحِ- وَتَقُولُ: «إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ لأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٨٧٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
هذه الأحاديث السبعة اشتملت على جملة من أحكام الحج.
وفيها فوائد، منها:
١ - استحباب الخطبة في يوم النحر، وفي أصل حديث أبي بكرة ﵁ قوله ﷺ: «إنَّ دِماءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وأعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا».
٢ - استحباب الخطبة في أوسط أيام التشريق وهو اليوم الثاني عشر، وهو يوم النفر الأول، وقد اضطرب الشراح في المراد بأوسط أيام التشريق؛ فقال بعضهم: هو الثاني عشر، وهو الصواب، فإن أيام التشريق هي الأيام الثلاثة بعد يوم النحر، وقال بعضهم: المراد بأوسط أيام التشريق هو الحادي عشر، وهذا لا يستقيم على كل تقدير، فالحادي عشر هو أول أيام التشريق، ويوم النحر ليس معدودًا من أيام التشريق، ولو عُدَّ منها لما كان الحادي عشر أوسطها، وسبب الإشكال قول الراوية: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الرُّؤوسِ»، ويوم الرؤوس هو الحادي عشر، قيل: بالاتفاق، وهذا هو الذي حمل من قال: إن أوسط أيام التشريق في قوله ﷺ: هو الحادي عشر، وإذا صح الاتفاق على أن يوم الرؤوس هو الحادي عشر فالأشبه أن الراوية أطلقت يوم الرؤوس على الثاني عشر، الذي هو أوسط أيام التشريق.
_________________
(١) مسلم (١٣١١).
(٢) البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨).
[ ٢ / ١٧٢ ]
٣ - أن ظاهر حديث سراء بنت نبهان ﵂ أن أوسط أيام التشريق يسمى يوم الرؤوس، وفيه البحث المتقدم، وسمي يوم الرؤوس لأنه اليوم الذي يأكل فيه الناس رؤوس الهدايا والضحايا.
٤ - أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، فإن عائشة ﵂ لما حاضت، وكانت أحرمت بعمرة، ثم دخل عليها وقت الحج ولما تطهر، أمرها النبي ﷺ أن تحرم بالحج فصارت قارنة، ولهذا قال ﷺ: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ففيه الرد على من قال: إن القارن عليه طوافان وسعيان.
٥ - أن الحاج لا يرمل في طواف الإفاضة.
٦ - أن الرمل إنما يشرع في الطواف الأول، طواف العمرة أو طواف القدوم، كما تقدم.
٧ - النزول بالمحَصَّب، وهو الذي يسمى الأبطَح في أعلى مكة، وهو مسيل الوادي، وقد تغيّرت المعالم، وبنيت البيوت في موضع ذلك الوادي، وصُرف السيل عن مجراه، وقد اختلف العلماء في حكم النزول بالمحصَّب ليلة الرابع عشر من ذي الحجة، فقيل: إنه مستحب، وهو من المناسك، وقيل: لا يستحب، وليس من المناسك، ونزول الرسول ﷺ به لا للتشريع، بل لأنه كان أسمح لخروجه كما قالت ذلك عائشة أم المؤمنين ﵂.
٨ - وجوب الطواف بالبيت قبل النفر من مكة، ويسمى طواف الوداع.
٩ - أنه لا يجب على الحائض فلا تحتبس بمكة من أجله، وطواف الوداع قيل: واجب على الحاج، وقيل: وعلى المعتمر أيضًا، وقيل: يجب على كل خارج من مكة.
[ ٢ / ١٧٣ ]
١٠ - جواز إبهام الآمر، وهو النبي ﷺ، ولهذا قال العلماء: إن قوله «أُمِرَ النَّاسُ» أو «أُمِرْنَا» له حكم الرفع إلى النبي ﷺ.
١١ - منع الحائض من اللبث في المسجد.
* * * * *
(٨٧١) وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِئَةِ صَلاةٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في المفاضلة بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ، وفضل الصلاة فيهما، والمراد بالمسجد الحرام المصلى حول الكعبة، وذلك لأمرين:
١ - أن المسجد هو الذي يقصد للصلاة.
٢ - أن الموازنة في الحديث بين المساجد -وهي المواضع المعروفة المعدَّة للصلاة- وهي التي أفضلها المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ، وعلى هذا فلا يرد إطلاق المسجد الحرام على عموم مكة وسائر الحرم؛ فإن ذلك من قبيل المجاز الذي علاقته الجزئية، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن فضل الصلاة في المسجد الحرام لا يختص بالمسجد حول الكعبة، بل يعم سائر الحرم تمسكًا بإطلاق اسم المسجد الحرام على عموم الحرم، والأول أظهر، أو هو الصواب، والله أعلم.
_________________
(١) أحمد (١٦١١٧)، وابن حبان (١٦٢٠).
[ ٢ / ١٧٤ ]
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - فضل الصلاة في مسجده ﷺ على سائر المساجد إلا المسجد الحرام.
٢ - أن الصلاة في مسجده ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد.
٣ - فضل المسجد الحرام على مسجد الرسول ﷺ.
٤ - أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في مسجده ﷺ، وأفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه، وقد اختلف العلماء في الصلاة التي يتعلق بها هذا الفضل؛ فقيل: إن ذلك خاص بالصلاة المفروضة، وقيل: إن ذلك عام في الفرض والنفل، والظاهر أنه عام في الفريضة والنافلة التي تتعلق بالمسجد كتحية المسجد. وأما ما لا يتعلق بالمسجد ففعلها في البيت أفضل كقيام الليل والرواتب.
٥ - أن المراد بالمسجد الحرام المصلى حول الكعبة.
٦ - الترغيب في الصلاة في المسجدين.
٧ - تفاضل العبادات باعتبار فضل المكان.
* * * * *
[ ٢ / ١٧٥ ]