جمع المصنِّف في هذا الباب أحاديث صفة الصَّلاة، وجعلها تحت بابٍ واحدٍ ولم يصنِّفها أبوابًا كما يصنع أكثر المصنِّفين، ولهذا كان هذا الباب أطول أبواب كتاب الصَّلاة، وموضوع هذا الباب هو الغاية من كتاب الصَّلاة، وما قبله وسيلةٌ وما بعده توابع ومكمِّلاتٌ.
* * * * *
(٢٩٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاة فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
(٢٩٤) وَلاِبْنِ مَاجَه بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ: «حتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا» (^٢).
(٢٩٥) وَمِثلُهُ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ (^٣). وَفِي لَفْظٍ لأَحْمَدَ: «فَأَقِمْ صُلْبَكَ حتَّى تَرْجِعَ العِظَامُ» (^٤).
(٢٩٦) وَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: «إِنَّهَا لَنْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللهَ، وَيَحْمَدَهُ، وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ» (^٥).
_________________
(١) البخاريُّ (٦٢٥١)، ومسلمٌ (٣٩٧)، وأحمد (٩٦٣٥)، وأبو داود (٨٥٦)، والتِّرمذيُّ (٣٠٣)، والنَّسائيُّ (٨٨٣)، وابن ماجه (١٠٦٠).
(٢) نفس المصدر.
(٣) أحمد (١٨٩٩٧)، وابن حبان (١٧٨٧).
(٤) أحمد (١٨٩٩٥).
(٥) أبو داود (٨٥٨)، والنَّسائيُّ (١١٣٥).
[ ١ / ٢٧٨ ]
(٢٩٧) وَفِيهَا: «فَإِنْ كَان مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وَكَبِّرْهُ، وَهَلِّلْهُ» (^١).
(٢٩٨) وَلأَبِي دَاوُدَ: «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللهُ» (^٢).
(٢٩٩) وَلاِبْنِ حِبَّانَ: «ثُمَّ بِمَا شِئْتَ» (^٣).
* * *
هذا الحديث يعرف عند العلماء بحديث المسيء في صلاته، فإنَّ سببه أنَّ رجلًا دخل المسجد فصلَّى ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ، فقال ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ …» ردَّه ثلاثًا، فقال: يا رسول الله، والَّذي بعثك بالحقِّ لا أحسن غير هذا فعلِّمني، فعلَّمه النَّبيُّ ﷺ.
والحديث أصلٌ في صفة الصَّلاة وأكمل بيانٍ قوليٍّ في ذلك، واتَّفق العلماء على وجوب ما تضمَّنه من ذلك، وأنَّ الصَّلاة لا تصحُّ بترك شيءٍ ممَّا جاء فيه، إلَّا الاستفتاح على ما جاء في حديث رفاعة ﵁.
وقد عزاه المصنِّف إلى السَّبعة من المصنِّفين، واعتمد أحد ألفاظ البخاريِّ كما ذكر، وأضاف إلى ذلك بعض الرِّوايات الَّتي فيها زيادة بيانٍ من حديث أبي هريرة ﵁ ومن حديث رفاعة بن رافعٍ ﵁.
وفي الحديث فوائد كثيرةٌ، منها:
١ - بداءة الدَّاخل للمسجد بالصَّلاة.
٢ - مشروعيَّة السَّلام على من كان في المسجد.
٣ - مشروعيَّة السَّلام لمن جاء إلى مجلس علمٍ.
٤ - تكرار السَّلام بتكرُّر المجيء.
_________________
(١) أبو داود (٨٦١)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (١٦٤٣).
(٢) أبو داود (٨٥٩).
(٣) ابن حبان (١٧٨٧).
[ ١ / ٢٧٩ ]
٥ - حسن تعليمه ﷺ للجاهل، ومن ذلك ترديده له؛ ليشعر بالخطأ ويتطلَّع إلى التَّعليم، ولهذا قال في الثَّالثة: «والَّذي بعثك بالحقِّ ما أحسن غير هذا، فعلِّمني».
٦ - حسن أدب هذا الرَّجل ﵁.
٧ - أنَّ من صلَّى وترك ركنًا من الصَّلاة أو شرطًا لم يكن مصلِّيًا الصَّلاة الشَّرعيَّة؛ فلا تصحُّ صلاته.
٨ - وجوب الإعادة على من صلَّى كذلك ولو كان جاهلًا ما دام في الوقت.
٩ - العذر بالجهل فيما مضى وخرج وقته من العبادات ما لم يكن ذلك عن تفريطٍ.
١٠ - وجوب الوضوء على من قام إلى الصَّلاة إذا لم يكن توضَّأ قبل ذلك.
١١ - وجوب إسباغ الوضوء.
١٢ - وجوب استقبال القبلة في الصَّلاة، وهذان شرطان من شروط الصَّلاة باتِّفاق العلماء؛ الطَّهارة واستقبال القبلة.
١٣ - وجوب القيام في الصَّلاة على من كان قادرًا.
١٤ - وجوب تكبيرة الإحرام حال القيام لمن كان قادرًا، وهي ركنٌ لا تنعقد الصَّلاة بدونها.
١٥ - أنَّ معنى التَّكبير قول (الله أكبر) فلا يقوم غير هذا اللَّفظ مقامه، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الصَّواب.
١٦ - وجوب قراءة شيءٍ من القرآن في الصَّلاة على من يحفظ شيئًا منه.
[ ١ / ٢٨٠ ]
١٧ - تعيُّن سورة الفاتحة لمن يحفظها، والقراءة ركنٌ في الصَّلاة لا تصحُّ بدونها مع القدرة.
١٨ - أنَّ من ليس معه شيءٌ من القرآن ولا يقدر على تعلُّمه يجزئه أن يذكر الله ويحمده ويكبِّره.
١٩ - أنَّ الرُّكوع في الصَّلاة فرضٌ.
٢٠ - وجوب الطُّمأنينة في الرُّكوع وأنَّه لا يجزئ إلَّا بها.
٢١ - وجوب الاعتدال من الرُّكوع ووجوب الطُّمأنينة فيه، فلا تصحُّ الصَّلاة بدونهما خلافًا للحنفيَّة.
٢٢ - أنَّ السُّجود في الصَّلاة فرضٌ، وقد اتَّفق المسلمون على هذا، كما تجب فيه الطُّمأنينة.
٢٣ - وجوب الرَّفع من السُّجود، ووجوب الطُّمأنينة بين السَّجدتين خلافًا لأبي حنيفة ﵀.
٢٤ - وجوب السَّجدة الثَّانية والطُّمأنينة فيها وإن لم تذكر في أكثر الرِّوايات، وهي في إحدى روايات البخاريِّ، وقد انعقد الإجماع على فرض هذه السَّجدة (^١).
٢٥ - أنَّ كلَّ ما تقدَّم فرضٌ في كلِّ ركعةٍ من الصَّلاة، لقوله ﷺ: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا».
٢٦ - وجوب التَّرتيب بين أركان الصَّلاة على وفق ما جاء في هذا الحديث.
٢٧ - أنَّ التَّسميع والتَّحميد وتكبيرات الانتقال والتَّسبيح في الرُّكوع والسُّجود ليست من واجبات الصَّلاة إلَّا أن يدلَّ لها دليلٌ آخر.
_________________
(١) حكاه في «المغني» (٢/ ٢٠٨).
[ ١ / ٢٨١ ]
٢٨ - وجوب هذه الأركان في كلِّ صلاةٍ فرضًا كانت أو نفلًا إلَّا ما خصَّه الدَّليل.
٢٩ - جواز الحلف على الخبر وإن لم يستحلف المخبر، لقول الرَّجل: والَّذي بعثك بالحقِّ.
٣٠ - الحلف بالله بذكر فعلٍ من أفعاله.
٣١ - ثناء السَّائل على المسؤول.
٣٢ - اعتراف السَّائل على نفسه بالجهل لحثِّ العالم على تعليمه.
٣٣ - يسر الشَّريعة الإسلاميَّة؛ لقوله ﷺ: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا».
٣٤ - أنَّ الاستفتاح بعد التَّكبير من تمام الصَّلاة.
٣٥ - استحباب الزِّيادة على الفاتحة بما تيسَّر من القرآن.
* * * * *
(٣٠٠) وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ولا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
هذا الحديث أشمل حديثٍ ورد في سنن الصَّلاة الفعليَّة.
_________________
(١) البخاريُّ (٨٢٨).
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقد اشتمل على فوائد، منها:
١ - حرص الصَّحابة ﵃ على العلم وعلى الاقتداء بالنَّبيِّ ﷺ.
٢ - مشروعيَّة تكبيرة الإحرام، وهي من أركان الصَّلاة.
٣ - رفع اليدين حذو المنكبين عند تكبيرة الإحرام.
٤ - إمكان اليدين من الرُّكبتين حال الرُّكوع، وذلك بقبضهما باليدين مفرَّجتي الأصابع.
٥ - هصر الظَّهر حال الرُّكوع؛ وهو تسويته، فلا يكون مقوَّسًا.
٦ - الاعتدال بعد الرُّكوع حتَّى يكون كما كان قبله، وهذا الاعتدال ركنٌ كما تقدَّم في حديث المسيء.
٧ - وضع اليدين -أي: الكفَّين- على الأرض حال السُّجود.
٨ - صفة وضع اليدين بأن تكون الكفَّان مبسوطتين غير مفترش الذِّراعين.
٩ - استقبال القبلة بأطراف أصابع الرِّجلين حال السُّجود، وذلك بأن يجعل بطون الأصابع إلى الأرض.
١٠ - صفة الجلوس في التَّشهُّد الأوَّل؛ وذلك بأن يقعد على رجله اليسرى وينصب اليمنى، ومثله الجلوس بين السَّجدتين.
١١ - صفة الجلوس في التَّشهُّد الأخير، وهي أن يقدِّم رجله اليسرى إلى يمينه وينصب اليمنى، ويقعد على مقعدته؛ وتسمَّى هذه الجلسة: التَّورُّك. وتسمَّى جلسة التَّشهُّد الأوَّل: الافتراش. هذا؛ وقد اختلف العلماء في التَّورُّك والافتراش؛ والرَّاجح بالدَّليل ما ذكرناه؛ وهو: أنَّ المصلِّي يجلس في التَّشهُّد الأوَّل مفترشًا، وفي التَّشهُّد الأخير متورِّكًا، وذلك في الصَّلاة ذات التَّشهُّدين كالظُّهر والعصر. وأمَّا الصَّلاة التي ليس فيها إلا تشهُّدٌ واحدٌ؛ كالفجر والجمعة وما شابههما من النَّوافل، فلا تورُّك فيها، وهذا مشهور مذهب الإمام أحمد ﵀.
[ ١ / ٢٨٣ ]
١٢ - مشروعيَّة الرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة، وهما من أركانها كما تقدَّم، وكلُّ ما ذكر في الحديث فهو من سنن الصَّلاة إلَّا تكبيرة الإحرام، والرُّكوع، والاعتدال، والسُّجود؛ فإنَّها أركانٌ.
* * * * *
(٣٠١) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ …» إِلَى قَوْلِهِ: «مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ …» إِلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٣٠٢) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «أَنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ» (^٢).
* * *
هذا الحديث من أصحِّ ما ورد من أذكار الاستفتاح وأدعيته في الصَّلاة، وأطولها، وظاهر الرِّواية المشهورة أنَّ المراد إذا قام إلى الصَّلاة المكتوبة، لكن إذا صحَّت الرِّواية الَّتي أشار إليها المصنِّف أنَّ ذلك في قيام اللَّيل اختصَّ هذا الاستفتاح بصلاة اللَّيل، وقد يترجَّح ذلك بأنَّ هذا الاستفتاح طويلٌ فلا يناسب السَّكتة الَّتي ذكرها أبو هريرة ﵁ بقوله: «كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر للصَّلاة سكت هنيهةً» (^٣)؛ فإنَّه يدلُّ على أنَّها قليلةٌ تناسب الدُّعاء الَّذي ذكر في الحديث، وقد اختصر المصنِّف حديث عليٍّ ﵁ واكتفى بذكر طرفٍ منه؛ لأنَّ منهجه في هذا الكتاب الاختصار.
وفي الحديث فوائد كثيرةٌ، منها:
١ - مشروعيَّة هذا الاستفتاح.
_________________
(١) مسلمٌ (٧٧١).
(٢) هذه الرواية ليست في مسلمٍ.
(٣) رواه البخاريُّ (٧٤٤)، ومسلمٌ (٥٩٨).
[ ١ / ٢٨٤ ]
٢ - عظم شأنه بما اشتمل عليه من معاني التَّوجُّه والتَّذلُّل والتَّعظيم لله.
وقوله: «وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ».
فيه فوائد، منها:
٣ - استحضار الإخلاص في العمل.
٤ - ذكر توحيد الرُّبوبيَّة المقتضي لإخلاص العبادة له سبحانه.
٥ - أنَّ الحنيف هو المخلص لله في عبادته.
٦ - أنَّ ذلك لا يتمُّ إلَّا بالبراءة من الشِّرك والمشركين.
وقوله: «إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
فيه فوائد، منها:
٧ - استحضار تحقيق العبوديَّة والتَّوحيد في جميع الأحوال وفي جميع أنواع العبادة الَّتي من أعظمها الصَّلاة والنُّسك.
٨ - أنَّ الذَّبح لله عبادةٌ كالصَّلاة، والذَّبح لغيره شركٌ.
٩ - أنَّ التَّوحيد لا يتحقَّق إلَّا بتخصيصه تعالى بالعبادة مع نفي الشُّركاء، وهذا معنى لا إله إلَّا الله.
١٠ - أنَّ التَّوحيد أعظم ما أمر الله به.
١١ - أنَّه بالتَّوحيد يكون الإنسان مسلمًا ويدخل في عداد المسلمين، والإسلام هو: الاستسلام لله بتوحيده وطاعته.
١٢ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ عبدٌ لله، يأمره وينهاه.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقوله: «اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ».
فيه فوائد، منها:
١٣ - إثبات اسم الله (الملك)، وصفة الملك له على كلِّ شيءٍ.
١٤ - إثبات تفرُّده بالإلهيَّة.
١٥ - التَّوسُّل إلى الله بربوبيَّته باسمه (الملك)، وبتفرُّده بالإلهيَّة.
١٦ - إثبات الرُّبوبيَّة العامَّة.
١٧ - اختصاص المخلوق بالعبوديَّة، والخالق بالرُّبوبيَّة.
١٨ - توسُّل العبد بربوبيَّته تعالى له وبعبوديَّته لربِّه.
١٩ - أنَّ ظلم النَّفس بالذُّنوب من شأن الإنسان.
٢٠ - التَّوسُّل إلى الله بالاعتراف بذلك.
٢١ - تأكيد الاعتراف بالذَّنب مع تنويع اللَّفظ، فقوله: «ظَلَمْتُ نَفْسِي» اعترافٌ، وقوله: «اعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي» تأكيدٌ.
٢٢ - مشروعيَّة الاستغفار من جميع الذُّنوب.
٢٣ - أنَّ كلَّ ما تقدَّم من التَّوسُّلات لطلب المغفرة.
٢٤ - إعظام الرَّغبة إلى الله لطلب المغفرة من جميع الذُّنوب.
٢٥ - أنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا الله.
٢٦ - التَّوسُّل إلى الله بذلك لطلب المغفرة.
٢٧ - مشروعيَّة طلب الهداية لأحسن الأخلاق والوقاية من سيِّئها.
[ ١ / ٢٨٦ ]
٢٨ - أنَّه لا يقدر على ذلك إلَّا الله.
٢٩ - من حسن هذا الدُّعاء طلب الكمال في الفضائل والسَّلامة من كلِّ الرَّذائل، وطلب الكمال في الفضائل لقوله: «لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ»، والسَّلامة من كلِّ الرَّذائل لقوله: «وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا»، فالخير يدعى فيه بالأكمل والأفضل، والشَّرُّ تطلب السَّلامة من جميعه.
٣٠ - إثبات هداية التَّوفيق، والرَّدُّ على القدريَّة لقوله: «اهْدِنِي» و«اصْرِفْ عَنِّي».
٣١ - التَّوسُّل إلى الله بتفرُّده بذلك.
قوله: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
فيه فوائد، منها:
٣٢ - أنَّ التَّلبية لا تختصُّ بالإحرام بل تشرع في هذا الاستفتاح.
٣٣ - إظهار الاستجابة لدعوة الله والطَّاعة لأمره «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك» ومعناه: إجابةٌ لك بعد إجابةٍ، وإسعادٌ بعد إسعادٍ.
٣٤ - الثَّناء على الله بأنَّ الخير كلَّه عنده، وهو المتصرِّف فيه بالعطاء والمنع.
٣٥ - إثبات اليد لله.
٣٦ - أنَّ الشَّرَّ لا يضاف إلى الله اسمًا ولا صفةً ولا فعلًا، فأسماؤه كلُّها حسنى، وصفاته كلُّها صفات كمالٍ، وأفعاله كلُّها عدلٌ وحكمةٌ، وإنَّما يوجد الشَّرُّ في مخلوقاته وليس فيها شرٌّ محضٌ؛ لأنَّ كلَّ ما خلقه سبحانه فله فيه حكمةٌ، فوجوده موجب الحكمة.
[ ١ / ٢٨٧ ]
٣٧ - الاستعانة بالله والتَّوكُّل عليه في قوله: «أَنَا بِكَ»، والتَّوجُّه إليه بعبادته وطاعته في قوله: «وَإِلَيْكَ».
٣٨ - تضمُّن الكلمتين «أَنَا بِكَ» «وَإِلَيْكَ» توحيد الرُّبوبيَّة وتوحيد العبادة.
٣٩ - تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ في قوله: «تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ».
٤٠ - الثَّناء على الله بكثرة الخير في قوله: «تَبَارَكْتَ».
٤١ - الاستغفار من جميع الذُّنوب، وهو طلب المغفرة منه تعالى.
٤٢ - إظهار التَّوبة إلى الله من جميع الذُّنوب، وحقيقتها: الرُّجوع إلى الله بالنَّدم، والإقلاع عن المعاصي، وعقد العزم على تركها.
٤٣ - الجمع بين الاستغفار والتَّوبة.
٤٤ - أنَّ جماع ما اشتمل عليه هذا الاستفتاح التَّذلُّل لله وتعظيمه والثَّناء عليه وتمجيده والتَّوسُّل إليه بذلك في حصول المرغوب والنَّجاة من المرهوب.
٤٥ - افتقار النَّبيِّ ﷺ إلى ربِّه في جلب المنافع ودفع المضارِّ.
٤٦ - تحقيق النَّبيِّ ﷺ لمقام العبوديَّة بما اشتمل عليه هذا الذِّكر من التَّذلُّل وإظهار الافتقار مع التَّمجيد لله والثَّناء عليه.
* * * * *
(٣٠٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَّ بيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (٧٤٤)، ومسلمٌ (٥٩٨).
[ ١ / ٢٨٨ ]
هذا أصحُّ حديثٍ ورد في الاستفتاح، ولكنَّ هذا الاستفتاح دعاءٌ محضٌ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب السَّكتة بعد تكبيرة الإحرام.
٢ - الإسرار في الاستفتاح.
٣ - فضل أبي هريرة ﵁، وحرصه على العلم، وحسن أدبه؛ لقوله -كما في رواية مسلمٍ-: «بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله: أرأيت سكوتك …».
٤ - التَّوجُّه إلى الله بطلب الوقاية من الخطايا، وهي الذُّنوب بأنواعها؛ ما وقع منها وما لم يقع، فما لم يقع؛ فالوقاية منه بالعصمة والحفظ، وهو مضمون الجملة الأولى، وما وقع؛ فبالمغفرة والعفو، وهو مضمون الجملة الثَّانية والثَّالثة.
٥ - أنَّ ضمان المغفرة لا يوجب ترك الاستغفار وعدم الخوف من الذُّنوب، فالرَّسول ﷺ مع أنَّ الله قد غفر له من ذنبه ما تقدَّم وما تأخَّر فإنَّه يدعو بهذا الدُّعاء ويستغفر كثيرًا.
٦ - مشروعيَّة التَّكبير عند الدُّخول في الصَّلاة.
٧ - أنَّ السُّكوت يطلق على الإسرار بالكلام.
٨ - أنَّ الذُّنوب دنس القلوب فناسب طلب النَّقاء منها نقاءً تامًّا.
٩ - أنَّ الثَّوب الأبيض يظهر عليه الوسخ وإن قلَّ.
١٠ - أنَّ الذُّنوب قذرٌ تطلب الطَّهارة منها.
١١ - أنَّ الذُّنوب تورث حرارةً وخبثًا، فناسب ذكر الماء والثَّلج والبرد.
١٢ - أنَّ الصَّلاة ليس فيها سكوتٌ بل كلُّها ذكرٌ.
* * * * *
[ ١ / ٢٨٩ ]
(٣٠٤) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غَيْرُكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا، وَهُوَ مَوْقُوفٌ (^١).
(٣٠٥) وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الخَمْسَةِ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بعْدَ التَّكْبِيرِ: «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ» (^٢).
* * *
أثر عمر وحديث أبي سعيدٍ ﵃ اشتملا على أشهر الاستفتاحات في الصَّلاة وأوجزها وأفضلها كلماتٍ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غَيْرُكَ»، وكان عمر ﵁ يجهر به في الصَّلاة، كما اشتمل حديث أبي سعيدٍ ﵁ على الاستعاذة بعد الاستفتاح.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة هذا الاستفتاح.
٢ - اشتماله مع تكبيرة الإحرام على أربع الكلمات الَّتي عليها مدار غالب أنواع الذِّكر وهي: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر).
٣ - فضل هذا الاستفتاح بتمحُّضه للذِّكر بلفظ الخطاب لله.
٤ - تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ.
٥ - الجمع بين الحمد والتَّسبيح في جملةٍ واحدةٍ في قوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ».
٦ - الثَّناء على الله ببركة أسمائه وهي كثرة الخير.
٧ - التَّمجيد لله بقوله: «وَتَعَالَى جَدُّكَ»؛ أي: جلَّت عظمتك.
_________________
(١) مسلمٌ (٣٩٩)، والدارقطنيُّ (١١٤٢).
(٢) أحمد (١١٤٧٣)، وأبو داود (٧٧٥)، والتِّرمذيُّ (٢٤٢)، والنَّسائيُّ (٨٩٨)، وابن ماجه (٨٠٤).
[ ١ / ٢٩٠ ]
٨ - توحيد الله في إلهيَّته بنفي الإلهيَّة عن غيره وإثباتها له سبحانه.
٩ - مشروعيَّة الاستعاذة بالله من الشَّيطان قبل القراءة، كما يدلُّ له قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].
١٠ - التَّوسُّل إلى الله في ذلك باسميه تعالى: السَّميع العليم.
١١ - الاستعاذة بالله من همز الشَّيطان ونفخه ونفثه، وهمزه: الخنق، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشِّعر الباطل.
١٢ - أنَّ القدوة من النَّاس ينبغي له أن يجهر بما يخفى على النَّاس من الأمور الشَّرعيَّة.
* * * * *
(٣٠٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ، وَالقِرَاءَةَ بِ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. وَكَان إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بيْنَ ذَلِكَ. وَكَان إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا. وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا. وَكَان يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَيَنْصِبُ اليُمْنَى. وَكَان يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاة بِالتَّسْلِيمِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١)، وَلَهُ عِلَّةٌ.
* * *
هذا الحديث يشبه حديث أبي حميدٍ السَّاعديِّ ﵁ المتقدِّم (^٢) من حيث شموله لكثيرٍ ممَّا يشرع في الصَّلاة، بل هو موافقٌ لحديث أبي حميدٍ ﵁ في أكثر ما جاء فيه، فهو من أصول أحاديث صفة الصَّلاة، والحديث رواه مسلمٌ فهو صحيحٌ عنده، وقد أعلَّه بعضهم بأنَّ أبا الجوزاء الرَّاوي عن عائشة ﵂ لم يسمع هذا الحديث منها؛ لأنَّه جاء في بعض الرِّوايات أنَّه أرسل إليها رسولًا
_________________
(١) مسلمٌ (٤٩٨).
(٢) تقدَّم برقم (٣٠٠).
[ ١ / ٢٩١ ]
فسألها، وهذا ما أشار إليه الحافظ بقوله: «وله علَّةٌ»، ولكنَّ الرَّاجح: ما ذهب إليه مسلمٌ فإنَّه على شرطه؛ لأنَّ المعاصرة وإمكان السَّماع كافيان في الحكم باتِّصال رواية الثِّقة عن شيخه، وأبو الجوزاء مع عائشة ﵂ متحقِّقٌ فيه ذلك فوجب حمله على الاتِّصال، والله أعلم.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استفتاح الصَّلاة بالتَّكبير، وهي تكبيرة الإحرام وهي ركنٌ.
٢ - استفتاح القراءة ب: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، ويحتمل أنَّ المراد السُّورة، ويحتمل أنَّ المراد الآية الأولى؛ فيدلُّ على عدم ذكر البسملة. وقراءة الفاتحة من أركان الصَّلاة كما تقدَّم في حديث المسيء.
٣ - مشروعيَّة الرُّكوع في الصَّلاة، وهو من أركانها.
٤ - أنَّ من صفة الرُّكوع ألَّا يصوِّب المصلِّي رأسه؛ أي: بأن يخفضه إلى الأرض، ولا يشخصه؛ أي: لا يرفعه، بل يكون محاذيًا لظهره.
٥ - مشروعيَّة الاعتدال من الرُّكوع والطُّمأنينة فيه، وهو من أركان الصَّلاة.
٦ - مشروعيَّة السُّجود، وهو من أركان الصَّلاة.
٧ - مشروعيَّة الجلوس بين السَّجدتين والطُّمأنينة فيه، وهو من أركان الصَّلاة.
٨ - مشروعيَّة السَّجدة الثَّانية، وحكمها حكم الأولى.
٩ - مشروعيَّة التَّشهُّد بعد كلِّ ركعتين، وهذا في الغالب، وإلَّا فيشرع التَّشهُّد في الثَّالثة من المغرب، وفي الوتر بواحدةٍ، وقد لا يتشهَّد في الوتر إلَّا في الثَّالثة أو الخامسة أو السَّابعة.
١٠ - مشروعيَّة السَّلام، وبه التَّحلُّل من الصَّلاة، وقيل: إنَّه ركنٌ، وقيل: سنَّةٌ، والأوَّل أظهر، وهو قول الجمهور من العلماء (^١).
_________________
(١) ينظر: «شرح مسلمٍ» للنوويِّ (٤/ ٢١٥).
[ ١ / ٢٩٢ ]
١١ - النَّهي عن عقبة الشَّيطان، وهي الإقعاء، وفسِّر الإقعاء بأن يجعل المصلِّي ظهور قدميه إذا جلس إلى الأرض ويفرِّق بينهما ويجلس بمقعدته على الأرض، وفسِّر بأن يقعد على مقعدته وينصب فخذيه وساقيه ويتَّكئ بيديه، وهذا تفسير أبي عبيدة (^١).
١٢ - النَّهي عن افتراشٍ كافتراش السَّبع، وهو بسط الذِّراعين على الأرض حال السُّجود.
١٣ - مشروعيَّة الافتراش في الجلوس في الصَّلاة، وهو أن يفرش المصلِّي رجله اليسرى فيجلس عليها وينصب اليمنى، وذلك من سنن الصَّلاة.
١٤ - التَّشبيه للتَّقبيح والتَّنفير.
* * * * *
(٣٠٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃: «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٣٠٨) وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: «يَرْفَعُ يَدَيْهِ حتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ» (^٣).
(٣٠٩) وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَكِنْ قَالَ: «حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ» (^٤).
* * *
هذه الأحاديث اشتملت على سنَّةٍ من سنن الصَّلاة، وهي رفع اليدين في هذه المواضع وهي ثلاثةٌ: عند تكبيرة الإحرام، وعند الرُّكوع، والرَّفع منه، وصفة هذا الرَّفع: أن يرفع المصلِّي يديه حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه كما
_________________
(١) ينظر: «غريب الحديث» لابن سلامٍ (١/ ٢٦٥).
(٢) البخاريُّ (٧٣٥)، ومسلمٌ (٣٩٠).
(٣) أبو داود (٧٣٠).
(٤) مسلمٌ (٣٩١).
[ ١ / ٢٩٣ ]
في حديث مالك بن الحويرث مستقبلًا ببطونهما القبلة، وقد ورد رفع اليدين في موضعٍ رابعٍ، وهو عند القيام من التَّشهُّد الأوَّل كما جاء عن ابن عمر ﵃ في روايةٍ عند البخاريِّ (^١)، وما ذكر فيه الرَّفع سوى هذه المواضع كالرَّفع عند السُّجود فهو عند المحقِّقين شاذٌّ، وقد ذهب جمهور العلماء إلى الرَّفع في هذه المواضع الأربعة، وذهب أبو حنيفة إلى عدم رفع اليدين إلَّا عند تكبيرة الإحرام، وهذه الأحاديث ظاهرة الدَّلالة على خلافه، والله أعلم.
وقد جاءت آثارٌ تدلُّ على استحباب رفع اليدين عند التَّكبيرات الزَّوائد في صلاة العيدين والاستسقاء والتَّكبيرات في صلاة الجنازة، ويلاحظ أنَّ هذا الرَّفع عند التَّكبير في هذه المواضع كلِّها مرتبطٌ بالقيام، فهو مناسبٌ لما ورد من مشروعيَّة التَّكبير عند الصُّعود كما كان الصَّحابة ﵃ إذا علوا الثَّنايا كبَّروا وإذا هبطوا سبَّحوا (^٢).
* * * * *
(٣١٠) وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى يَدِهِ اليُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ». أَخْرَجَه ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣).
* * *
هذا الحديث فيه مشروعيَّة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصَّدر في الصَّلاة حال القيام، وصفة ذلك أن يضع يده اليمنى على كفِّه اليسرى والرُّسغ والسَّاعد كما جاء في حديث وائل بن حجرٍ؛ وحديث وائلٍ هذا أصحُّ من حديث عليٍّ ﵁، وفيه قال: «إنَّ من السُّنَّة في الصَّلاة وضع الأكفِّ على الأكفِّ تحت
_________________
(١) البخاريُّ (٧٣٩).
(٢) رواه أبو داود (٢٥٩٩)، عن ابن عمر ﵃. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود».
(٣) ابن خزيمة (٤٧٩)، وأصل الحديث في مسلمٍ (٤٠١) دون قوله: «على صدره»، فهي زيادةٌ تفرد بها مؤمل بن إسماعيل، لكنَّ الحديث له شواهد وطرقٌ يتقوى بها، وصحَّحه النوويُّ في «خلاصة الأحكام» (١٠٩٦).
[ ١ / ٢٩٤ ]
السُّرَّة» (^١) فإنَّه حديثٌ ضعيفٌ، وقد اختلف العلماء في مكان وضع اليدين؛ فقيل: على الصَّدر، وقيل: فوق السُّرَّة، وقيل: تحت السُّرَّة، وقيل بالتَّخيير، والرَّاجح هو الأوَّل، والأمر في هذا واسعٌ.
* * * * *
(٣١١) وَعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٣١٢) وَفِي رِوَايَةٍ لاِبْنِ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (^٣).
(٣١٣) وَفِي أُخْرَى لأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إمَامِكُم؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (^٤).
* * *
هذا الحديث هو عمدة من أوجب قراءة الفاتحة على كلِّ مصلٍّ، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا، والحديث معيِّنٌ لما يجب من القراءة في الصَّلاة؛ فيفسَّر به قوله ﷺ في حديث المسيء: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» (^٥) وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ قراءة الفاتحة ركنٌ في الصَّلاة فتجب على الإمام والمنفرد، وذهب أبو حنيفة إلى صحَّة صلاة من لم يقرأ الفاتحة (^٦)
_________________
(١) رواه أبو داود (٧٥٦)، وأحمد (٨٧٥). قال النوويُّ ﵀ في «خلاصة الأحكام» (١٠٩٧): «اتفقوا على تضعيفه؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطيِّ، منكر الحديث، مجمعٌ على ضعفه».
(٢) البخاريُّ (٧٥٦)، ومسلمٌ (٣٩٤).
(٣) ابن حبان (١٧٩٤)، عن أبي هريرة ﵁، والدارقطنيُّ (١٢٢٥)، وقال: «هذا إسنادٌ صحيحٌ».
(٤) أحمد (٢٢٧٥٠)، وأبو داود (٨٢٣)، والتِّرمذيُّ (٣١١)، وابن حبان (١٧٨٥).
(٥) تقدَّم برقم (٢٩٤).
(٦) «المغني» (٢/ ١٤٦).
[ ١ / ٢٩٥ ]
مستدلًّا بحديث: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثلاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ» (^١).
واختلف القائلون بوجوب قراءة الفاتحة في وجوبها على المأموم على مذاهب:
١ - أنَّها لا تجب على المأموم مطلقًا، لكن يستحبُّ له أن يقرأها في سكتات الإمام وما يسرُّ فيه، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، واستدلُّوا بحديث: «مَنْ كَان لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (^٢).
٢ - وجوب القراءة مطلقًا؛ أي: في الصَّلاة السِّرِّيَّة والجهريَّة، واستدلُّوا بعموم حديث عبادة هذا، وبرواية أحمد وأبي داود وغيرهما لهذا الحديث، وفيه أنَّه قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟»، قلنا: نعم، قال: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
وأجاب القائلون بعدم وجوب القراءة على المأموم عن هذا الحديث بأنَّه من قول عبادة ﵁، ورجَّح ذلك الإمام ابن تيميَّة ﵀ (^٣).
٣ - أنَّ القراءة تجب على المأموم في السِّرِّيَّة دون الجهريَّة جمعًا بين حديث عبادة: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، وحديث: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (^٤) وفيه: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (^٥)، وهذا القول أرجح في النَّظر؛ لكن يشكل عليه حديث: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ» إلَّا إذا صحَّ أنَّه من قول عبادة ﵁.
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٣٩٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه ابن ماجه (٨٥٠)، والدارقطنيُّ (١٢٣٣) عن جابرٍ ﵁. قال المصنف في «الفتح» (٢/ ٢٤٢): «لكنه حديثٌ ضعيفٌ عند الحفاظ وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطنيُّ وغيره».
(٣) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١٧٦).
(٤) رواه البخاريُّ (٣٧٨)، ومسلمٌ (٤١١)، عن أنس بن مالكٍ، وأبي هريرة وعائشة ﵃.
(٥) رواه مسلمٌ (٤٠٤).
[ ١ / ٢٩٦ ]
ومن العجب أنَّ الظَّاهر من تقرير شيخ الإسلام ابن تيميَّة أن يذهب إلى القول الأوَّل. وممَّا يحسن ذكره هنا أنَّ شيخنا عبد العزيز بن بازٍ ﵀ يرى أنَّ الفاتحة في حقِّ المأموم واجبةٌ وليست ركنًا (^١) فلا تجب مع النِّسيان ولا على المسبوق إذا أدرك الإمام في الرُّكوع، وهو قولٌ متوسِّطٌ يرتفع به الحرج، ويقوِّيه سعة الخلاف، وتعارض ظواهر الأدلَّة.
* * * * *
(٣١٤) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاة بِ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٣١٥) زَادَ مُسْلِمٌ: «لا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)﴾ [الفاتحة: ١] فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ ولا فِي آخِرِهَا».
(٣١٦) وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ: «لا يَجْهَرُونَ بِ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)﴾ [الفاتحة: ١]» (^٣).
(٣١٧) وَفِي أُخْرَى لاِبْنِ خُزَيْمَةَ: «كَانُوا يُسِرُّونَ» (^٤).
وعلى هذا يحمل النَّفي في رواية مسلمٍ، خلافًا لمن أعلَّها.
(٣١٨) وَعَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)﴾ [الفاتحة: ١]، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ: ﴿وَلَا الضَّالِّين (٧)﴾ قَالَ: آمِينَ. وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الجُلُوسِ: اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَقُولُ إِذَا
_________________
(١) ينظر: «مجموع فتاوى ابن بازٍ» (١٢/ ١٠٢).
(٢) البخاريُّ (٧٤٣)، ومسلمٌ (٣٩٩).
(٣) رواه أحمد (١٢٨٤٥)، والنَّسائيُّ (٩٠٦)، وابن خزيمة (٤٩٦). وهذا لفظ أحمد وإسناده على شرط الشيخين.
(٤) رواه ابن خزيمة (٤٩٨). وإسناده ضعيف؛ فيه سويد بن عبد العزيز ضعَّفه أحمد وابن معينٍ، ينظر: «التهذيب» (٤/ ٢٧٦).
[ ١ / ٢٩٧ ]
سَلَّمَ: وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
(٣١٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا قَرَأْتُمُ الفَاتِحَةَ فَاقْرَؤُوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ فَإِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَوَّبَ وَقْفَهُ (^٢).
(٣٢٠) وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: «آمِينَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (^٣).
(٣٢١) وَلأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُهُ (^٤).
* * *
اشتملت هذه الأحاديث على حكم الجهر والإسرار بالبسملة في الصَّلاة الجهريَّة، وقد دلَّت روايات حديث أنسٍ ﵁ على هدي رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وعمر ﵃ في ذلك وأنَّهم كانوا لا يجهرون ب ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، بل كانوا يقرؤونها سرًّا، وهذا يفسِّر قوله: «كانوا يفتتحون الصَّلاة ب ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾؛ أي: يفتتحون القراءة في الصَّلاة بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ فليس المراد أنَّهم لا يقرؤون البسملة.
ويشكل على حديث أنسٍ ﵁ حديث أبي هريرة ﵁ فإنَّه صريحٌ بأنَّه قرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، وأضاف جملة صلاته إلى الرَّسول ﷺ، وقد جمع بين الحديثين بأنَّ الهدي الغالب من النَّبيِّ ﷺ هو الإسرار بالبسملة، وقد يجهر بها أحيانًا، وعلى هذا فالسُّنَّة هي الإسرار ويجوز الجهر، وقد تنازع العلماء في ذلك على مذاهب:
_________________
(١) النَّسائيُّ (٩٠٤)، وابن خزيمة (٤٩٩).
(٢) الدارقطنيُّ (١١٩٠).
(٣) الدارقطنيُّ (١٢٧٤)، والحاكم (٨١٥).
(٤) أبو داود (٩٣٣)، والتِّرمذيُّ (٢٤٨).
[ ١ / ٢٩٨ ]
أَحَدُهَا: القول بما دلَّت عليه هذه الرِّوايات على ما تقدَّم (^١)، وهو الصَّواب.
الثَّانِي: الجهر بالبسملة دائمًا على أنَّها آيةٌ من الفاتحة (^٢)، واستدلَّ من قال ذلك بحديث أبي هريرة ﵁، وتأوَّل قول أنسٍ ﵁: «كانوا يفتتحون الصَّلاة ب ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾» بأنَّه أراد اسم السُّورة، فكأنَّه قال: يفتتحون الصَّلاة بالفاتحة، وأعلَّ رواية مسلمٍ الصَّريحة في عدم ذكر البسملة، كما أشار الحافظ (^٣).
الثَّالِثُ: القول بعدم قراءة البسملة لا سرًّا ولا جهرًا تمسُّكًا بأكثر روايات حديث أنسٍ ﵁، ولأنَّ البسملة ليست آيةً من الفاتحة عنده، أو ليست آيةً من القرآن كما هو أحد الأقوال في عدِّ البسملة من القرآن (^٤). الثَّاني: أنَّها آيةٌ من كلِّ سورةٍ (^٥). الثَّالث: أنَّها آيةٌ من سورة الفاتحة (^٦)، والصَّواب: أنَّها آيةٌ من القرآن أنزلت للفصل بين السُّور والدَّلالة على بداياتها، ولهذا أثبتها الصَّحابة أمام كلِّ سورةٍ.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ السُّنَّة ترك الجهر بالبسملة.
٢ - أنَّ هذا ممَّا مضى عليه الخلفاء الرَّاشدون.
٣ - أنَّ هذه السُّنَّة لم تنسخ.
_________________
(١) وهو قول الحنفية والحنابلة، ينظر: «المغني» (٢/ ١٤٩).
(٢) وهو قول الشافعية، ينظر: «المجموع» (٣/ ٢٩٨).
(٣) ينظر: «فتح الباري» (٢/ ٢٢٨).
(٤) وهو قول مالكٍ، والمشهور عن أبي حنيفة. ينظر: «الحاوي الكبير» للماوردي (٢/ ١٠٥).
(٥) وهو قول الشافعية. ينظر: المصدر السابق.
(٦) وهو قول قراء مكة والكوفة وفقهائهما، وعليه الشافعيُّ وأصحابه، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة. ينظر: «المجموع» للنووي (٣/ ٢٩٠).
[ ١ / ٢٩٩ ]
٤ - أنَّ قول أنسٍ ﵁: «لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في أوَّل قراءةٍ ولا في آخرها» يريد ترك الجهر، وهذا يفسِّر قوله: «يفتتحون الصَّلاة ب ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾».
٥ - أنَّ البسملة ليست آيةً من الفاتحة، ويدلُّ له الحديث القدسيُّ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي …» الحديث (^١).
٦ - تضعيف مذهب من يرى الجهر بالبسملة دائمًا.
٧ - جواز الجهر بها أحيانًا لبيان الجواز، كما هو ظاهر حديث أبي هريرة ﵁.
٨ - فضيلة سورة الفاتحة.
٩ - أنَّ من أسماء الفاتحة أمَّ القرآن؛ أي: أصله؛ لأنَّ معانيه أجملت فيها.
١٠ - أنَّ من صفة الصَّلاة التَّكبير في كلِّ خفضٍ ورفعٍ، قيل: إنَّ ذلك واجبٌ، وقيل: إنَّه سنَّةٌ.
١١ - أنَّ السُّنَّة للإمام إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّين (٧)﴾ أن يقول: «آمِينَ» يجهر بها الإمام والمأموم.
١٢ - تحرِّي أبي هريرة ﵁ صفة صلاة النَّبيِّ ﷺ وإرشاده النَّاس لذلك؛ لقوله ﵁: «والَّذي نفسي بيده إنِّي لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ».
* * * * *
(٣٢٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵃ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: إنِّي لا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْه، قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، ولا إِلَهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٣٩٥)، عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٠٠ ]
الْعَظِيمِ …» الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالحَاكِمُ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - يسر هذا الدِّين.
٢ - وجوب القراءة في الصَّلاة.
٣ - سقوط القراءة عمَّن لا يستطيع حفظ شيءٍ من القرآن.
٤ - أنَّ من لا يستطيع شيئًا من القرآن يجزئه أن يقول: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، ولا إِلَهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ».
٥ - وجوب تعلُّم الفاتحة على من يستطيع ذلك.
٦ - تصديق المكلَّف فيما يخبر به عن حاله في أمر دينه؛ لأنَّه مؤتمنٌ عليه.
٧ - فضيلة هذا الذِّكر؛ لكونه بدلًا عن الفاتحة.
* * * * *
(٣٢٣) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَة الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، ويُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، ويَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
_________________
(١) أحمد (١٩١١٠)، وأبو داود (٨٣٢)، والنَّسائيُّ (٩٢٣)، وابن حبان (١٨٠٨)، والدارقطنيُّ (١١٩٥)، والحاكم (٨٨٣).
(٢) البخاريُّ (٧٥٩)، ومسلمٌ (٤٥١).
[ ١ / ٣٠١ ]
هذا الحديث من أحاديث صفة الصَّلاة المتعلِّقة بالقراءة فيها.
وفيه فوائد، منها:
١ - قراءة الفاتحة في كلِّ ركعةٍ من الظُّهر والعصر.
٢ - قراءة سورةٍ مع الفاتحة في الأوليين من الظُّهر والعصر.
٣ - الإسرار في القراءة في الظُّهر والعصر.
٤ - جواز الجهر ببعض الآيات بقدر ما يسمع القريب.
٥ - تطويل الإمام للرَّكعة الأولى من الصَّلاة؛ ومن حكمة ذلك أن يدرك النَّاس الصَّلاة من أوَّلها.
٦ - الاقتصار على قراءة الفاتحة في الرَّكعتين الأخريين من الظُّهر والعصر.
٧ - حرص الصَّحابة ﵃ على معرفة صفة الصَّلاة من النَّبيِّ ﷺ.
* * * * *
(٣٢٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَة]، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. وفِي الأُولَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ عَلَى قدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَالأُخْرَيَينِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث من أحاديث صفة الصَّلاة المبيِّنة لمقدار القيام في صلاتي الظُّهر والعصر.
_________________
(١) مسلمٌ (٤٥٢).
[ ١ / ٣٠٢ ]
وفيه فوائد، منها:
١ - أنَّ ما ذكر في الحديث من قدر قيامه ﷺ في الظُّهر والعصر كان بالحزر، وهو التَّقدير بالظَّنِّ.
٢ - أنَّ من طرق العلم الحزر من ذوي الخبرة بالشَّيء.
٣ - أنَّ القيام في الرَّكعتين الأوليين من الظُّهر بمقدار ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾.
٤ - أنَّ مقدار القيام في الرَّكعتين الأخريين من الظُّهر على النِّصف من الأوليين.
٥ - أنَّ الأوليين من العصر بمقدار الأخريين من الظُّهر.
٦ - أنَّ الرَّكعتين الأخريين من العصر على النِّصف من الأوليين.
٧ - عدم الاقتصار على الفاتحة في الرَّكعتين الأخريين من الظُّهر والعصر؛ لأنَّ الفاتحة لا تبلغ ربع ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، فضلًا عن نصفها، ولا منافاة بين هذا الحديث وحديث أبي قتادة ﵁ السَّابق الدَّالِّ على الاقتصار على الفاتحة، فيقال: الغالب هو الاقتصار، وقد يزيد النَّبيُّ ﷺ على الفاتحة في بعض الأحيان، وما دلَّ عليه حديث أبي قتادة ﵁ أقوى ممَّا دلَّ عليه حديث أبي سعيدٍ ﵁ وأرجح؛ لأنَّ حديث أبي قتادة ﵁ خبرٌ عن علمٍ وحديث أبي سعيدٍ ﵁ خبرٌ عن ظنٍّ.
٨ - أنَّ صلاة الظُّهر في جملتها أطول من صلاة العصر.
* * * * *
(٣٢٥) وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵀ قَالَ: كَانَ فُلَانٌ يُطِيلُ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ العَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي المغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ، وفِي
[ ١ / ٣٠٣ ]
الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ. فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَذَا». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (^١).
* * *
هذا الحديث يتضمَّن بيان مقدار القيام والقراءة في الصَّلاة.
وفيه فوائد، منها:
١ - أنَّ من هديه ﷺ تطويل الرَّكعتين الأوليين من الظُّهر والعصر.
٢ - تخفيف صلاة العصر، وقد دلَّ على ذلك حديث أبي قتادة وحديث أبي سعيدٍ المتقدِّمان (^٢).
٣ - أنَّ هديه ﷺ في صلاة المغرب القراءة بقصار المفصَّل؛ مثل: (الضُّحى)، و(الشَّرح)، و(التِّين).
٤ - أنَّه ﷺ كان يقرأ في العشاء بأوساط المفصَّل؛ مثل: (سبِّح، والغاشية، والبروج).
٥ - أنَّه ﷺ كان يقرأ في الفجر بطوال المفصَّل؛ مثل: (الذَّاريات، والطُّور، والنَّجم).
وما ذكر هو الغالب من فعله ﷺ، كما ثبت أنَّه ﷺ قرأ في المغرب ب (الطُّور) (^٣)، بل قرأ ب (الأعراف) (^٤)، وثبت أنَّه ﷺ قرأ في العشاء ب (التِّين) (^٥)، وأنَّه ﷺ قرأ في الفجر ب (الزَّلزلة) (^٦)، وثبت أنَّه ﷺ قرأ في المغرب ب (المرسلات) (^٧)،
_________________
(١) النَّسائيُّ (٩٨١).
(٢) تقدَّم برقم (٣٢٣)، (٣٢٤).
(٣) ينظر: البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣)؛ من حديث جبير بن مطعم ﵁.
(٤) ينظر: ما أخرجه البخاري (٧٦٤) وغيره؛ من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(٥) ينظر: ما أخرجه البخاري (٧٦٩)، ومسلم (٤٦٤)؛ من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٦) ينظر: ما أخرجه أبو داود (٨١٦). وصحح إسناده في عمدة القاري (٦/ ٤٦)، والنووي في الخلاصة (١٢٢٦).
(٧) ينظر: ما أخرجه البخاري (٧٦٣)، ومسلم (٤٦٢)؛ من حديث ابن عباس ﵃.
[ ١ / ٣٠٤ ]
فلا ينبغي المداومة في المغرب على قصار المفصَّل، وأوصى النَّبيُّ ﷺ معاذًا ﵁ أن يقرأ ب (سبِّح)، و(الشَّمس)، و(اللَّيل)، وذلك في صلاة العشاء (^١).
٦ - الثَّناء على من أشبهت صلاته وهديه صلاة النَّبيِّ ﷺ وهديه.
٧ - أنَّ من طرق رفع الحديث تشبيه الفعل بفعل النَّبيِّ ﷺ، ولهذا ثبت رفع هذا الحديث بقول أبي هريرة ﵁: «ما صلَّيت وراء أحدٍ أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا».
* * * * *
(٣٢٦) عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بالطُّورِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
هذا الحديث تحمَّله جبير بن مطعمٍ ﵁ قبل أن يسلم، فقد قدم المدينة في فداء أسارى بدرٍ، وسمع الرَّسول ﷺ يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطُّور، قال: «فلمَّا بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥] كاد قلبي أن يطير»، وذلك لشعوره بعظمة معنى الآية، وهو التَّنبيه على أنَّه لا بدَّ للنَّاس من خالقٍ، فليسوا خالقين لأنفسهم، ولا خلقوا من غير شيءٍ، فإنَّ ذلك ممتنعٌ في العقل.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز القراءة في المغرب من طوال المفصَّل، واستحباب ذلك أحيانًا.
٢ - تفسير حديث أبي هريرة ﵁ المتقدِّم بأنَّه كان ﷺ يقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، وأنَّ ذلك ليس دائمًا بل غالبًا.
_________________
(١) ينظر: ما أخرجه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥)؛ من حديث جابر بن عبد الله ﵃.
(٢) البخاريُّ (٧٦٥)، ومسلمٌ (٤٦٣).
[ ١ / ٣٠٥ ]
٣ - فضيلة جبير بن مطعمٍ ﵁.
٤ - جواز تحمُّل الحديث في حال الكفر ثمَّ روايته بعد الإسلام.
٥ - إرشاد القرآن إلى الدَّلائل العقليَّة في التَّوحيد وغيره من أصول الدِّين.
* * * * *
(٣٢٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَة]، وَ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان]». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٣٢٨) وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «يُدِيمُ ذَلِكَ» (^٢).
* * *
هذا الحديث يدلُّ على خصيصةٍ من خصائص يوم الجمعة، ويوم الجمعة هو أفضل أيَّام الأسبوع، كما جاء عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» (^٣)، ولهذا اليوم خصائص كونيَّةٌ وشرعيَّةٌ، فمن الخصائص الكونيَّة ما جاء في الحديث (^٤) أنَّه فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنَّة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم السَّاعة. ومن خصائصه الشَّرعيَّة: صلاة يوم الجمعة، وهي أعظم خصائص ذلك اليوم.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضل يوم الجمعة.
٢ - أنَّ السُّنَّة تطويل القراءة في صلاة الفجر.
٣ - أنَّ من السُّنَّة قراءة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَة]، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان] في فجر يوم الجمعة، والمداومة على ذلك. ورأى بعض العلماء ترك
_________________
(١) البخاريُّ (٨٩١)، ومسلمٌ (٨٨٠).
(٢) في «الصغير» (٩٨٦).
(٣) رواه مسلمٌ (٨٥٤)، عن أبي هريرة ﵁.
(٤) المتقدِّم.
[ ١ / ٣٠٦ ]
ذلك أحيانًا؛ لئلَّا يظنَّ وجوب قراءتهما، وأنَّه لا يقوم مقامَهما غيرُهما من سور القرآن.
ومن غلط بعض النَّاس ظنُّه أنَّ المقصود من قراءة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ هو السَّجدة، وأنَّه يحصل المقصود بقراءة أيِّ سورةٍ فيها سجدةٌ، وقد نبَّه على ذلك العلَّامة ابن القيِّم وذكر أنَّ حكمة قراءة هاتين السُّورتين في فجر الجمعة؛ أنَّهما متضمِّنتان لما حدث ويحدث في يوم الجمعة من بدء الخلق وقيام السَّاعة، ففيه خلق آدم وفيه تقوم السَّاعة، والله أعلم.
* * * * *
(٣٢٩) عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ، فَمَا مَرّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ، ولا آيَةُ عَذَابٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).
* * *
هذا الحديث أصله في مسلمٍ (^٢) مطوَّلًا، وفيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأ البقرة والنِّساء وآل عمران قبل أن يركع وكان إذا مرَّ بآية تسبيحٍ سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ، فأطال القيام والرُّكوع والاعتدال والسُّجود، وفيه أنَّه قال في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، وفي سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»، وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا وعزاه إلى الخمسة، وكان الأولى أن يشير إلى طوله وأنَّ أصله في مسلمٍ.
وفي اللفظ الذي ذكره المؤلف فوائد، منها:
١ - فضيلة حذيفة ﵁ لصلاته مع النَّبيِّ ﷺ في قيام اللَّيل في بعض اللَّيالي.
_________________
(١) أحمد (٢٣٢٤٠)، وأبو داود (٨٧١)، والتِّرمذيُّ (٢٦٢)، والنَّسائيُّ (١٠٠٧)، وابن ماجه (١٣٥١).
(٢) مسلمٌ (٧٧٢).
[ ١ / ٣٠٧ ]
٢ - الجهر بالقراءة في صلاة اللَّيل.
٣ - تدبُّر القرآن عند تلاوته واستحضار معانيه.
٤ - التَّعوُّذ عند آيات العذاب.
٥ - السُّؤال عند آيات الرَّحمة، وذلك مختصٌّ بصلاة النَّافلة؛ إذ لم ينقل أحدٌ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه فعل ذلك في الفريضة.
٦ - جواز صلاة النَّافلة جماعةً بصفةٍ عارضةٍ لا دائمةٍ؛ كصلاة الزَّائر والضَّيف مع صاحب البيت.
* * * * *
(٣٣٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا وَإني نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث اشتمل على حكمين من أحكام الرُّكوع والسُّجود أحدهما تركٌ والآخر فعلٌ.
وفيه فوائد، منها:
١ - أنَّ الرَّسول ﷺ يؤمر وينهى، والآمر والنَّاهي له ربُّه، وأمره ونهيه أمرٌ ونهيٌ للأمَّة، فهو أسوةٌ لهم ﷺ.
٢ - النَّهي عن قراءة القرآن في الرُّكوع.
٣ - النَّهي عن قراءة القرآن في السُّجود، والأصل في النَّهي التَّحريم، ويؤكِّد النَّهي تأكيد الخبر عنه ب «ألا» و«إنَّ».
٤ - الأمر بتعظيم الرَّبِّ في الرُّكوع.
٥ - الأمر بالاجتهاد في الدُّعاء في السُّجود.
_________________
(١) مسلمٌ (٤٧٩).
[ ١ / ٣٠٨ ]
٦ - أنَّ الرُّكوع أخصُّ بذكر الله وتعظيمه، ويجوز فيه الدُّعاء.
٧ - أنَّ السُّجود أخصُّ بالدُّعاء، ويشرع فيه التَّسبيح، ومنه: سبحان ربِّي الأعلى.
٨ - أنَّ الدُّعاء في السُّجود سببٌ للإجابة.
٩ - جواز بناء الأفعال المضافة لله للمفعول، وإن كان مقتضاها خيرًا، كما في قوله: «نُهِيتُ» و«يُسْتَجَابَ لَكُمْ».
١٠ - أنَّ أفضل ذكرٍ في الصَّلاة قراءة القرآن، ومحلُّه منها القيام، وهو اللَّائق به دون الرُّكوع والسُّجود.
١١ - أنَّ من قرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا متعمِّدًا عالمًا بالنَّهي بطلت صلاته، وهذا مذهب الظَّاهريَّة وهو قويٌّ.
١٢ - إثبات اسم (الرَّبِّ) لله ﷿ غير مضافٍ بل معرَّفًا ب (أل).
* * * * *
(٣٣١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة هذا الذِّكر في الرُّكوع والسُّجود.
٢ - جواز الدُّعاء في الرُّكوع.
٣ - مشروعيَّة التَّسبيح في السُّجود.
٤ - تأويل القرآن بفعل المأمور به، فإنَّ عائشة ﵂ ذكرت أنَّ الرَّسول ﷺ بعد أن نزل عليه قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ
_________________
(١) البخاريُّ (٨١٧)، ومسلمٌ (٤٨٤).
[ ١ / ٣٠٩ ]
تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣] كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يتأوَّل القرآن، وذلك في آخر حياته، فإنَّ سورة النَّصر قد دلَّت على دنوِّ أجله ﷺ كما قال ابن عبَّاسٍ ﵃ فيها: إنَّها أجل رسول الله ﷺ أعلمه له؛ أي: جعل له علامةً.
٥ - كمال عبوديَّة النَّبيِّ ﷺ لربِّه لكثرة تحميده وتسبيحه واستغفاره.
٦ - اشتمال هذا الذِّكر على تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ ووصفه بكلِّ كمالٍ على وجه الإجمال.
٧ - أنَّ الرَّسول ﷺ محتاجٌ إلى الاستغفار؛ مع علوِّ قدره، فكيف بمن دونه، وقد كان ﷺ يكثر من الاستغفار في الصَّلاة وخارج الصَّلاة.
* * * * *
(٣٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوع، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائمٌ: «رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ»، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنِ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث من أصول الأحاديث في صفة الصَّلاة.
وفيه فوائد، منها:
١ - افتتاح الصَّلاة بالتَّكبير، وهذه هي تكبيرة الإحرام الَّتي لا تنعقد الصَّلاة بدونها.
_________________
(١) البخاريُّ (٧٨٩)، ومسلمٌ (٣٩٢).
[ ١ / ٣١٠ ]
٢ - التَّكبير في كلِّ خفضٍ ورفعٍ وانتقالٍ في أفعال الصَّلاة، ولهذا تُسمَّى هذه التَّكبيرات: تكبيرات الانتقال، ومحلُّها حال الانتقال في الصَّلاة من ركنٍ إلى ركنٍ، وخصَّ من هذا الرَّفع من الرُّكوع، وهذه التَّكبيرات مشروعةٌ للإمام والمأموم والمنفرد، واختلف العلماء في حكمها، فذهب الجمهور إلى أنَّها سنَّةٌ، وذهب آخرون إلى أنَّها واجبةٌ وهو قولٌ قويٌّ لمداومته ﷺ على ذلك، وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^١).
٣ - عظم شأن هذه الكلمة «الله أكبر».
٤ - أنَّ الله أكبر من كلِّ شيءٍ؛ في ذاته وصفاته ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ﴾ [الأنعام: ١٩].
٥ - ما يشرع من الذِّكر عند الرَّفع من الرُّكوع؛ وهو «سمع الله لمن حمده»؛ ومعناه: استجاب، وهو مناسبٌ للذِّكر عند الاعتدال.
٦ - ما يشرع من الذِّكر حال الاعتدال؛ وهو «ربَّنا ولك الحمد»، أو «اللَّهمَّ ربَّنا ولك الحمد»، مع الواو وبدونها، كما جاءت بذلك الرِّوايات، والتَّسميع والتَّحميد قيل: إنَّهما من واجبات الصَّلاة وقيل: سنَّةٌ، وهما مشروعان للإمام والمنفرد. وأمَّا المأموم فيشرع له: التَّحميد دون التَّسميع لقوله ﷺ: «وَإِذَا قَالَ -أَيِ: الإِمَامُ-: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا ولَكَ الْحَمْدُ» (^٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّه يشرع له التَّسميع كالإمام والمنفرد، والأوَّل هو الصَّحيح للحديث، وفيه: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» ففرَّق بين التَّكبير والتَّسميع.
* * * * *
_________________
(١) سيأتي برقم (٣٧٣).
(٢) سيأتي في (باب صلاة الجماعة والإمامة) برقم (٤٦٢).
[ ١ / ٣١١ ]
(٣٣٣) عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّموَاتِ ومِلْءَ الأرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث اشتمل على أطول ذكرٍ مشروعٍ حال القيام بعد الرُّكوع، وقد تضمَّن معاني عظيمةً من التَّحميد والتَّمجيد لله تعالى.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة هذا الذِّكر بعد الرَّفع من الرُّكوع للإمام والمأموم والمنفرد، والقدر المجزئ منه: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
٢ - أنَّ الحمد كلَّه مستحقٌّ لله تعالى، وهذا يتضمَّن إثبات جميع المحامد له سبحانه، وهي صفات الكمال.
٣ - أنَّ ما يستحقُّه الرَّبُّ تعالى من الحمد لا نهاية له.
٤ - جواز التَّجوُّز بوصف الأمور المعنويَّة بما يختصُّ بالأمور الحسِّيَّة، وذلك في قوله: «مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ».
٥ - إثبات المشيئة لله تعالى.
٦ - التَّوجُّه إلى الله بالخطاب في مقام الثَّناء.
٧ - فضل هذا التَّحميد؛ لقوله: «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ»؛ أي: هذا الحمد أحقُّ ما قال العبد.
٨ - الاعتراف لله بالعبوديَّة، وهذه العبوديَّة هي العامَّة، لكنَّها في هذا السِّياق تتضمَّن العبوديَّة الخاصَّة.
٩ - أنَّ الله تعالى هو المعطي المانع.
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٤٧٧).
[ ١ / ٣١٢ ]
١٠ - كمال قدرته ﷾، وكمال عجز الخلق، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
١١ - أنَّ الحظوظ من المال والسُّلطان لا تمنع صاحبها ممَّا أراده الله به، ولا تنجيه من عذابه، فالجدُّ هو: الحظُّ، وقوله: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»؛ أي: لا ينفع ذا الحظِّ منك حظُّه، وقد ضمَّن فعل «ينفع» معنى: ينجي ويخلِّص.
١٢ - وجوب التَّوكُّل على الله في جميع الأمور، وتعليق القلب به ﷿ خوفًا ورجاءً.
* * * * *
(٣٣٤) عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ عَلَى الْجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ، والرُّكْبَتَينِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْن». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث اختصر منه المؤلِّف قوله ﷺ: «وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ ولا الشَّعَرَ»؛ أي: وأمرت ألَّا نكفت … إلخ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الرَّسول عبدٌ لله يأمره وينهاه.
٢ - جواز بناء الفعل للمفعول في أفعال الله للعلم به.
٣ - أنَّ من كلام الله الأمر والنَّهي.
٤ - وجوب السُّجود على سبعة أعظمٍ مع القدرة، وهي مبيَّنةٌ في لفظ الحديث.
٥ - وجوب السُّجود على الأنف مع الجبهة، وهما عضوٌ واحدٌ.
_________________
(١) البخاريُّ (٨١٢)، ومسلمٌ (٤٩٠).
[ ١ / ٣١٣ ]
٦ - أنَّ من ترك السُّجود على واحدٍ من الأعظم السَّبعة لم يفعل ما أمر به، فإن كانت الجبهة لم يصحَّ سجوده مطلقًا، وإن كان غيرها وكان ترك السُّجود على العضو عمدًا لم يصحَّ سجوده، وإن كان سهوًا فالأظهر أنَّه يصحُّ سجوده.
٧ - أنَّ السُّجود على أطراف القدمين يجزئ وإن كانت الأصابع لغير القبلة.
٨ - التَّعليم بالإشارة.
٩ - أنَّ الإشارة منزَّلةٌ منزلة الكلام إذا دلَّت على المراد.
١٠ - أنَّ اليد إذا أطلقت فالمراد بها الكفُّ، فقوله ﷺ: «وَالْيَدَيْنِ»؛ أي: الكفَّين؛ لما ورد من النَّهي عن بسط الذِّراعين في السُّجود، كما تقدَّم في حديث عائشة ﵂.
١١ - وجوب إبقاء الشَّعر والثِّياب على حالها عند السُّجود، وذلك من كمال السُّجود وكمال التَّواضع لله، ولكن لا أثر لمخالفة ذلك في صحَّة السُّجود، فمن كفَّ ثوبه أو شعره عند السُّجود فقد أساء، وسجوده صحيحٌ، وقيل: كفُّ الشَّعر والثَّوب مكروهٌ، وهو قول أكثر العلماء.
١٢ - أنَّ من حسن البيان الإجمال ثمَّ التَّفصيل، لقوله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ …» ثمَّ فصَّلها.
* * * * *
(٣٣٥) عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٣٣٦) وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا سَجَدتَّ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (٨٠٧)، ومسلمٌ (٤٩٥).
(٢) مسلمٌ (٤٩٤).
[ ١ / ٣١٤ ]
هذان الحديثان اشتملا على بعض هيئة السُّجود، لكنَّ حديث ابن بحينة ﵁ فعلٌ، وحديث البراء ﵁ قولٌ.
وفيهما فوائد، منها:
١ - حرص الصَّحابة على العلم روايةً وتبليغًا حتَّى في دقائق المسائل.
٢ - مجافاة اليدين عن الجنبين في السُّجود، والمبالغة في ذلك ما لم يؤذ أحدًا.
٣ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يداوم على لبس القميص؛ لأنَّه لو كان لابسًا قميصًا لم ير بياض إبطيه.
٤ - وجوب وضع الكفَّين على الأرض في السُّجود، وهما من الأعضاء السَّبعة كما تقدَّم.
٥ - وجوب رفع المرفقين عن الأرض؛ لأنَّ وضعهما على الأرض يستلزم ما نهي عنه من افتراشٍ كافتراش السَّبع أو الكلب، والله أعلم.
* * * * *
(٣٣٧) وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَان إذَا رَكَعَ فَرَّجَ بيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ». رَوَاهُ الحَاكِم (^١).
(٣٣٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢).
_________________
(١) رواه الحاكم مفرقًا في موضعين من «المستدرك» من طريقين وصحَّح إسنادهما؛ الأول: من طريق عمرو بن عونٍ: «كان إذا ركع فرَّج بين أصابعه» ورقمه (٨١٧)، والثاني: من طريق الحارث بن عبد الله الخازن: «كان إذا سجد ضمَّ أصابعه»، ورقمه (٨٢٩).
(٢) النَّسائيُّ (١٦٦٠)، وابن خزيمة (٩٧٨).
[ ١ / ٣١٥ ]
(٣٣٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
* * *
مجموع هذه الأحاديث تضمَّن بعض السُّنن في الرُّكوع والسُّجود، وهيئة الجلوس لمن صلَّى قاعدًا، وما يشرع من الذِّكر بين السَّجدتين.
وفيها فوائد، منها:
١ - حرص الصَّحابة ﵃ على معرفة هدي النَّبيِّ ﷺ في صلاته حتَّى في الأمور الدَّقيقة.
٢ - أنَّ السُّنَّة تفريج أصابع اليدين حال وضعهما على الرُّكبتين في الرُّكوع.
٣ - ضمُّ أصابع اليدين حال وضعهما على الأرض في السُّجود، وهذا هو المناسب لحال السُّجود كتفريج الأصابع حال الرُّكوع.
٤ - أنَّ المصلِّي قاعدًا يكون متربِّعًا في محلِّ القيام، والتَّربُّع معروفٌ.
٥ - مشروعيَّة الدُّعاء بين السَّجدتين بما في حديث ابن عبَّاسٍ ﵃.
٦ - فضل هذا الدُّعاء لما اشتمل عليه من المطالب العظيمة مع إيجازه، فقد تضمَّن طلب خير الدُّنيا والآخرة والسَّلامة من الشُّرور في الدُّنيا والآخرة.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٨٥٠)، والتِّرمذيُّ (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨)، والحاكم (٩٦٧). وعند التِّرمذيِّ وابن ماجه: «وَاجْبُرْنِي» بدل «وَعَافِنِي»، وعند ابن ماجه: «وَارْفَعْنِي» بدل: «وَاهْدِنِي»، فتكون الكلمات بمجموع الروايات سبع كلماتٍ.
[ ١ / ٣١٦ ]
(٣٤٠) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في جلسة الاستراحة في الصَّلاة، وهي أن يستوي المصلِّي جالسًا قبل أن ينهض للرَّكعة الثَّانية أو الرَّابعة، فتكون في الرَّكعة الأولى والثَّالثة، ولهذا قال: «فإذا كان في وترٍ من صلاته».
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضيلة مالك بن الحويرث ﵁، فإنَّه وفد على النَّبيِّ ﷺ وبعض قومه ليتعلموا، وأعظم ما علَّمهم النَّبيُّ ﷺ صفة الصَّلاة، ولهذا أوصاهم بوصايا تختصُّ بالصَّلاة.
٢ - أنَّ من هدي النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة جلسة الاستراحة.
وقد اختلف العلماء؛ هل فعلها النَّبيُّ ﷺ تشريعًا؟ فتكون من سنن الصَّلاة أو فعلها للحاجة لمَّا ثقل ﷺ، وفي ذلك ثلاثة مذاهب:
الأَوَّلُ: أنَّها سنَّةٌ.
الثَّانِي: أنَّها ليست سنَّةً بل هي أمرٌ عاديٌّ تقتضيه بعض الأحوال.
الثَّالِثُ: أنَّها سنَّةٌ لمن احتاج إليها.
والأوَّل هو الرَّاجح، فمالك بن الحويرث الَّذي رواها هو الَّذي روى: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (^٢)، ولم ينفرد مالك بن الحويرث في روايته لجلسة الاستراحة بل قد رواها أبو حميدٍ السَّاعديُّ ﵁.
* * * * *
_________________
(١) البخاريُّ (٨٢٣).
(٢) سيأتي برقم (٣٧٣).
[ ١ / ٣١٧ ]
(٣٤١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٣٤٢) وَلأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: «فَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» (^٢).
(٣٤٣) وَعَنْهُ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ». صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣).
(٣٤٤) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ، إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَليٍّ، أَفَكَانوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ (^٤).
(٣٤٥) عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃ قَالَ: عَلَّمَنِي رسُولُ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ؛ فَإنَّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عَلَيْكَ، إنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٥).
(٣٤٦) وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ: «وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ» (^٦).
_________________
(١) البخاريُّ (٣١٧٠)، ومسلمٌ (٦٧٧).
(٢) أحمد (١٢٦٥٧)، والدارقطنيُّ (١٦٩٣). إسناده ضعيفٌ؛ لأنَّ فيه ثلاث عللٍ: الأولى: سوء حفظ أبي جعفرٍ الرازي، وهو عيسى بن ماهان. ينظر: «الكامل في ضعفاء الرجال» (١٤٠٠). والثانية: أنَّ الربيع بن أنسٍ البكريَّ صدوقٌ له أوهامٌ، كما قال المصنف في «التقريب» (١٨٨٢). والثالثة: نكارته لمخالفته لما ثبت في «الصحيحين» أنه ﷺ قنت شهرًا ثمَّ تركه.
(٣) ابن خزيمة (٦٢٠).
(٤) أحمد (١٥٨٧٩)، والتِّرمذيُّ (٤٠٢)، والنَّسائيُّ (١٠٧٩)، وابن ماجه (١٢٤١).
(٥) أحمد (١٧١٨)، وأبو داود (١٤٢٥)، والتِّرمذيُّ (٤٦٤)، والنَّسائيُّ (١٧٤٤)، وابن ماجه (١١٧٨).
(٦) الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٢٧٠١)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٣١٣٨).
[ ١ / ٣١٨ ]
(٣٤٧) زَادَ النَّسائيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ: «وَصَلَّى اللهُ عَلَى النَّبِيِّ» (^١).
(٣٤٨) وَلِلْبَيْهَقِيِّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ». وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ (^٢).
* * *
أصل معنى القنوت: الخضوع، وقد جاء في القرآن عامًّا وخاصًّا؛ فالعامُّ: هو الخضوع القهريُّ لله تعالى، وهو موجب ربوبيَّته العامَّة؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُون (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦]. والخاصُّ: هو الخضوع ودوام الطَّاعة اختيارًا؛ كقوله سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، وكقوله ﷿: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
ويدخل في هذا النَّوع السُّكوت في الصَّلاة، كما قال زيد بن أرقم ﵁: «لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أمرنا بالسُّكوت، ونهينا عن الكلام» (^٣)؛ أي: كلام النَّاس.
ويدخل فيه طول القيام كما في الحديث: «أَفْضَلُ الصَّلَاة طُولُ الْقُنُوتِ» (^٤)؛ أي: القيام، قال النَّوويُّ: «المراد بالقنوت هنا القيام باتِّفاق العلماء» (^٥).
ومنه الدُّعاء في الصَّلاة حال القيام قبل الرُّكوع أو بعده، وهذا هو المقصود بالقنوت في هذه الأحاديث، وقد تضمَّنت هذه الأحاديث ثلاثة أنواعٍ من هذا القنوت:
١ - قنوت النَّوازل؛ دعاءٌ لقومٍ أو على قومٍ.
٢ - القنوت في الفجر.
٣ - القنوت في الوتر.
_________________
(١) النَّسائيُّ (١٧٤٥).
(٢) البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٣١٤١).
(٣) تقدَّم برقم (٢٤١).
(٤) رواه مسلمٌ (٧٥٦)، عن جابرٍ ﵁.
(٥) ينظر: «شرح النوويِّ على مسلمٍ» (٦/ ٣٥).
[ ١ / ٣١٩ ]
فأمَّا القنوت في النَّوازل فلا خلاف فيه بين العلماء، وقد جاءت فيه أحاديث صحيحةٌ، في «الصَّحيحين» وغيرهما، ومنها حديث أنسٍ ﵁، وهو أوَّل هذه الأحاديث «أنَّ رسول الله ﷺ قنت شهرًا، بعد الرُّكوع، يدعو على أحياءٍ من أحياء العرب، ثمَّ تركه»، وحديث أنسٍ ﵁ أيضًا عند ابن خزيمة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يقنت إلَّا إذا دعا لقومٍ، أو دعا على قومٍ».
وأمَّا القنوت في الفجر دائمًا فذهب إليه الشَّافعيُّ ﵀ مستدلًّا بما عند أحمد والدَّارقطنيِّ عن أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ «فأمَّا في الصُّبح فلم يزل يقنت حتَّى فارق الدُّنيا»، وذهب الجمهور إلى عدم مشروعيَّته، وضعَّفوا رواية أحمد، وتأوَّلوا القنوت في رواية أحمد بطول القيام، واستدلُّوا بأنَّ الَّذين نقلوا صفة صلاة النَّبيِّ ﷺ لم يذكروا أنَّه كان يدعو في صلاة الفجر بعد الرُّكوع إلَّا قنوت النَّوازل؛ وبقول طارقٍ الأشجعيِّ ﵁ لمَّا سأله ابنه سعدٌ: «هل كان النَّبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليٌّ يقنتون في الفجر؟ قال: أي بنيَّ محدثٌ».
وقول الجمهور هو الصّواب، فليس من سنن صلاة الفجر الدُّعاء بعد الرُّكوع، ومن الممتنع أن يكون ذلك من هدي النَّبيِّ ﷺ ولا ينقله أحدٌ، ولا ينقلون شيئًا ممَّا كان يدعو به، لكن من يرى القنوت في الفجر يجوز أن يصلِّي خلفه من لا يرى القنوت، كما هو الشَّأن في المختلف فيه من واجبات الصَّلاة وشروطها. والظَّاهر: أنَّه لا يتابعه في القنوت بل يشتغل بالذِّكر المشروع في هذا الموضع.
وأمَّا القنوت في الوتر فاستدلَّ له بحديث الحسن ﵁ قال: «علّمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهنَّ في قنوت الوتر: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ …»».
وقد اختلف العلماء في قنوت الوتر على مذاهب:
[ ١ / ٣٢٠ ]
أَحَدُهَا: أنَّه لا يشرع مطلقًا، واستدلُّوا بأنَّه لم ينقل أنَّ النَّبيَّ ﷺ قنت في الوتر، وضعَّفوا حديث الحسن ﵁ أو لم يبلغهم (^١).
الثَّانِي: أنَّه مستحبٌّ مطلقًا؛ أي: كلَّ العام، لحديث الحسن ﵁ (^٢).
الثَّالِثُ: أنَّه لا يشرع إلَّا في رمضان (^٣).
الرَّابِعُ: أنَّه لا يشرع إلَّا في النِّصف الأخير من رمضان (^٤)، واستدلَّ لهذا القول بما جاء عن جمعٍ من الصَّحابة منهم: عليٌّ وابن عمر وأبيٌّ ﵃ أنَّهم كانوا لا يقنتون إلَّا في النِّصف الثَّاني من رمضان (^٥)، والرَّاجح أنَّه جائزٌ مطلقًا، لكن لا تنبغي المداومة عليه؛ لأنَّه ليس من السُّنَّة المشهورة الثَّابتة.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة القنوت في الصَّلوات الخمس كلِّها أو بعضها؛ دعاءً لأسرى المسلمين والمستضعفين، ودعاءً على الكفرة المعتدين، ويعرف هذا القنوت عند العلماء بقنوت النَّوازل. وقد استفاضت بذلك الأحاديث عن النَّبيِّ ﷺ.
٢ - أنَّ قنوت النَّوازل لا يكون دائمًا، بل بحسب الأسباب المقتضية له.
٣ - مشروعيَّة القنوت في صلاة الفجر.
_________________
(١) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٢٠٧) عن طاوسٍ، وروي ذلك عن محمد بن نصرٍ عن ابن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير. وروي عن مالكٍ مثل ذلك. ينظر: «المدونة» (١/ ٢٢٤).
(٢) ذكره عن الحسن قتادة. ينظر: «المصنف» لعبد الرزاق (٣/ ١٢١).
(٣) حكاه النوويُّ عن مالكٍ في «المجموع» (٣/ ٥١٠).
(٤) ينظر: «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢٠٦).
(٥) أثر أبيٍّ ﵁ رواه أبو داود (١٤٢٨)، وضعَّفه النوويُّ في «خلاصة الأحكام» (١٩١٥). وأثر عليٍّ ﵁ رواه البيهقيُّ في «الكبرى» (٤٦٣١)، وكذلك أثر ابن عمر ﵃ (٤٦٣٣). ينظر: «مختصر قيام الليل للمروزي» (٣١٤).
[ ١ / ٣٢١ ]
٤ - أنَّ القنوت في صلاة الفجر سنَّةٌ دائمةٌ من صفة الصَّلاة؛ لقوله في الحديث: «فأمَّا في الصُّبح فلم يزل يقنت حتَّى فارق الدُّنيا»، ولكن هذه الرِّواية ضعيفةٌ.
٥ - أنَّ القنوت في الفجر دائمًا بدعةٌ؛ لقول طارقٍ الأشجعيِّ ﵁ لمَّا سئل عن القنوت في الفجر: هل كان رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليٌّ يقنتون في الفجر، قال طارقٌ: أي بنيَّ، محدثٌ؛ أي: القنوت محدثٌ.
٦ - مشروعيَّة القنوت في الوتر.
٧ - الدُّعاء فيه بما جاء في حديث الحسن ﵁.
٨ - فضل هذا الدُّعاء، لتعليم النَّبيِّ ﷺ الحسن ﵁ لهذا الدُّعاء ولما اشتمل عليه من المعاني الجليلة، وقد اشتمل على دعاء المسألة في جمله الخمس الأولى، وقد تضمَّنت طلب الهداية والعافية والولاية والبركة والوقاية من الشُّرور، فتضمَّنت طلب الخير عاجلًا وآجلًا والسَّلامة من الشَّرِّ عاجلًا وآجلًا.
كما تضمَّنت الجمل الأربع الأخيرة إثبات ربوبيَّته سبحانه، وتنزيهه عن كلِّ نقصٍ، وكمال قدرته.
٩ - أنَّ العباد قسمان: أولياء الله وأعداء الله؛ لأنَّه لا يذلُّ من والاه ولا يعزُّ من عاداه.
١٠ - أنَّ العزَّة للمؤمنين، ولا عزَّة للكافرين بحالٍ من الأحوال.
١١ - أنَّ من المطالب العظيمة في الدُّعاء الدُّخول في عباد الله الصَّالحين ممَّن هداهم الله وعافاهم وتولَّاهم، ومن ذلك قول سليمان ﵇: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين (١٩)﴾ [النمل: ١٩].
١٢ - ختم دعاء القنوت بالصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ، كما في رواية النَّسائيِّ.
١٣ - فقر العبد إلى ربِّه في جميع أموره.
* * * * *
[ ١ / ٣٢٢ ]
(٣٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ (^١).
(٣٥٠) وَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^٢).
(٣٥١) فَإِنَّ لِلأَوَّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵃. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزيْمَةَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا (^٣).
* * *
هذان الحديثان اشتملا على هيئة الهويِّ من القيام إلى السُّجود، لكنَّهما متعارضان، فحديث أبي هريرة ﵁ يدلُّ على وضع اليدين قبل الرُّكبتين، وحديث وائلٍ ﵁ يدلُّ على تقديم الرُّكبتين قبل اليدين.
ولذلك اختلف العلماء، فذهب الأكثر إلى حديث وائلٍ ﵁، فقالوا بتقديم الرُّكبتين على اليدين، وقالوا: إنَّ حديث أبي هريرة ﵁ مقلوبٌ، وإنَّ أصله: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ» بدليل حديث وائلٍ ﵁؛ ولأنَّ تقديم اليدين قبل الرُّكبتين لا يناسب قوله ﷺ في الحديث: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»، فإنَّ البعير يقدِّم يديه، فيناقض آخر الحديث أوَّله.
وذهب آخرون إلى حديث أبي هريرة ﵁ في تقديم اليدين قبل الرُّكبتين، قالوا: لأنَّه أقوى من حديث وائلٍ ﵁؛ لأنَّ له شاهدًا من حديث ابن عمر ﵃ كما ذكر المصنِّف، ومنعوا دعوى القلب، قالوا في قوله ﷺ: «لَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»: إنَّه يتضمَّن النَّهي عن تقديم الرُّكبتين وشبَّه ذلك ببروك البعير؛ لأنَّ ركبتي البعير في يديه.
_________________
(١) أبو داود (٨٤٠)، والتِّرمذيُّ (٢٦٩)، والنَّسائيُّ (١٠٩٠).
(٢) أبو داود (٨٣٨)، والتِّرمذيُّ (٢٦٨)، والنَّسائيُّ (١٠٨٨)، وابن ماجه (٨٨٢).
(٣) رواه ابن خزيمة (٦٢٧)، والبخاريُّ معلقًا (١/ ١٥٩).
[ ١ / ٣٢٣ ]
فتبيَّن أنَّ مسلك أهل القول الأوَّل هو الجمع بين الحديثين، ومسلك أهل القول الثَّاني هو التَّرجيح لحديث أبي هريرة ﵁ على حديث وائلٍ ﵁، بل ضعَّفوه وزعم بعضهم أنَّه باطلٌ.
والصَّواب: أنَّ حديث وائلٍ ﵁ له شاهدٌ من حديث أنسٍ ﵁ عند الحاكم (^١) وغيره (^٢)، فيقوى بذلك، ويؤيِّده ما جاء عن عددٍ من الصَّحابة أنَّهم كانوا يقدِّمون الرُّكبتين قبل اليدين (^٣)، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من أئمَّة الحديث كأحمد وإسحاق رحمهما الله.
وذهب بعض أهل العلم إلى التَّخيير؛ لتكافؤ الأدلَّة.
وعلى كلٍّ فالأمر واسعٌ، ومثل هذه المسألة لا ينبغي التَّشدُّد فيها، ولا ريب أنَّ تقديم الرُّكبتين قبل اليدين في السُّجود هو المناسب؛ لأنَّ به ترتيب أعضاء السُّجود، فيضع المصلِّي ركبتيه فيديه فجبهته، وعند النُّهوض بالعكس، والله أعلم.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ فوائد، منها:
١ - النَّهي -عند السُّجود من قيامٍ- عن بروكٍ كبروك البعير، قيل: معناه تقديم اليدين، وقيل: معناه تقديم الرُّكبتين، فعلى الأوَّل يوافق آخر الحديث أوَّله، وتكون الجملة الثَّانية مؤكِّدةً ومفسِّرةً للجملة الأولى، وعلى المعنى الثَّاني يكون آخر الحديث مخالفًا لأوَّله، ولهذا قال من قال: إنَّه انقلب على الرَّاوي، وإنَّ أصل الحديث: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ».
_________________
(١) المستدرك (٨٢٢) وقال الحاكم: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة ولم يخرجاه». اه.
(٢) البيهقي في السنن الكبرى (٢٤٦٤).
(٣) ينظر: صحيح ابن خزيمة (٦٢٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢٤٦٤) ومعرفة السنن والآثار للبيهقي (٨٨٤).
[ ١ / ٣٢٤ ]
٢ - النَّهي عن التَّشبُّه بالحيوان في الصَّلاة كما جاء في مواضع: عن نقرٍ كنقر الغراب، والتفاتٍ كالتفات الثَّعلب، وانبساطٍ كانبساط الكلب.
٣ - بيان الرَّسول ﷺ لهيئة الصَّلاة في جميع أفعالها.
٤ - أنَّ المصلِّي يضع يديه قبل ركبتيه، كما تفيده الجملة الثَّانية.
٥ - أنَّ المصلِّي يضع ركبتيه قبل يديه كما تفيده الجملة الأولى عند الأكثر.
وفي حديث وائلٍ فوائد، منها:
٦ - بيان هيئة السُّجود من قيامٍ، وذلك بوضع الرُّكبتين قبل اليدين.
٧ - بيان النَّبيِّ ﷺ لهيئات أفعال الصَّلاة بفعله، ويدخل ذلك في قوله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُوني أُصَلِّي» (^١).
٨ - حرص الصَّحابة ﵃ على معرفة هديه ﷺ في الصَّلاة وغيرها من العبادة، ونقلهم ذلك للأمَّة.
* * * * *
(٣٥٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(٣٥٣) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وأَشَارَ بِالّتِي تَلِي الإبْهَامَ» (^٢).
* * *
هذا الحديث فيه بيانٌ لشيءٍ من هيئة الجلوس للتَّشهُّد في الصَّلاة.
_________________
(١) سيأتي برقم (٣٧٣).
(٢) مسلمٌ (٥٨٠).
[ ١ / ٣٢٥ ]
وفيه فوائد، منها:
١ - وضع اليد اليسرى على الرُّكبة اليسرى في جلوس التَّشهُّد، وجاء في غير هذا الحديث: «على فخذه اليسرى» (^١)، ولا منافاة بينهما.
٢ - وضع اليد اليمنى على الرُّكبة اليمنى في جلسة التَّشهُّد أو على فخذه اليمنى كما ورد في غير هذا الحديث (^٢).
٣ - قبض ثلاثة الأصابع: الخنصر والبنصر والوسطى، والإشارة بالسَّبَّابة، وهو معنى «عقد ثلاثةً وخمسين»، وقيل: معنى ثلاثةً وخمسين؛ أن يقبض الخنصر والبنصر ويحلِّق الوسطى مع الإبهام.
٤ - تقييد هذه الهيئة بما فيها من عقد الأصابع والإشارة بجلسة التَّشهُّد، وإلى هذا ذهب الأكثر.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّها لا تختصُّ بجلسة التَّشهُّد، بل تكون في الجلسة بين السَّجدتين أيضًا.
* * * * *
(٣٥٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: الْتَفَتَ إلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ، والصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(٣٥٥) وَلِلنَّسَائِيِّ: «كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ» (^٤).
(٣٥٦) وَلأَحْمَدَ: «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ» (^٥).
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٥٧٩)، عن عبد الله بن الزبير ﵃.
(٢) المصدر السابق.
(٣) البخاريُّ (٨٣١، ٨٣٥)، ومسلمٌ (٤٠٢).
(٤) النَّسائيُّ (١٢٧٦).
(٥) أحمد (٣٥٦٢).
[ ١ / ٣٢٦ ]
(٣٥٧) وَلِمُسْلِمٍ: عَنِ ابْنِ عَباسٍ ﵃ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَواتُ الطَّيِّبَاتُ للهِ …» (^١) إِلَى آخرِهِ.
* * *
حديث ابن مسعودٍ ﵁ هذا أصحُّ حديثٍ وأتمُّ حديثٍ في التَّشهُّد، وهو الأصل في وجوبه، ويشهد له حديث ابن عبَّاسٍ ﵃.
وفيه فوائد، منها:
١ - وجوب التَّشهُّد في الصَّلاة بأيِّ نوعٍ من أنواع التَّشهُّد الوارد، وأولاها ما رواه ابن مسعودٍ ﵁.
ومحلُّ التَّشهُّد في الجلوس بعد كلِّ ركعتين، وفي الرَّكعة الأخيرة من الصَّلاة، كما قالت عائشة ﵂: «وكان يقول في كلِّ ركعتين التَّحيَّة» وتقدَّم (^٢). ولهذا كان في الصَّلاة الثُّلاثيَّة والرُّباعيَّة تشهُّدان.
فأمَّا التَّشهُّد الأوَّل فقيل: إنَّه واجبٌ، ويسقط بالسَّهو، ويجبر بسجدتين قبل السَّلام كما سيأتي في حديث عبد الله بن بحينة ﵁ في باب سجود السَّهو.
وقيل: التَّشهُّد الأوَّل سنَّةٌ؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ أتى بالسُّجود بدلًا عنه؛ لجبر الصَّلاة، ولا يلزم من ذلك وجوبه.
وأمَّا التَّشهُّد الَّذي قبل السَّلام فإنَّه فرضٌ؛ لقول ابن مسعودٍ ﵁: «كنَّا نقول قبل أن يفرض علينا التَّشهُّد …» وذكره. وفي روايةٍ: «فإذا فعل ذلك فقد تمَّت صلاته» (^٣)، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد به التَّشهُّد الأخير.
٢ - الثَّناء على الله بما يستحقُّه من التَّحيَّات -وهي: التَّعظيمات- والصَّلوات -وهي شاملةٌ للفرض والنَّفل- والطَّيِّبات -وهي: الأعمال الصَّالحة قوليَّةً أو فعليَّةً-، وفي الحديث الصَّحيح: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا» (^٤).
_________________
(١) مسلمٌ (٤٠٣).
(٢) تقدَّم برقم (٣٠٥).
(٣) أبو داود (٨٥٧).
(٤) رواه مسلمٌ (١٠١٥)، عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٢٧ ]
٣ - أنَّ الله سبحانه هو المستحقُّ لكلِّ أنواع التَّعظيم.
٤ - وجوب الإخلاص لله تعالى في الصَّلاة وغيرها؛ وذلك بأن يبتغي بها وجه الله، ولا تكون مقبولةً إلَّا كذلك.
٥ - وجوب السَّلام على النَّبيِّ ﷺ في هذا التَّشهُّد بالصِّيغة المذكورة.
٦ - الدُّعاء للنَّبيِّ ﷺ بالسَّلامة والرَّحمة والبركة، وتقديم السَّلام على الرَّحمة والبركة يرجع إلى معنى أنَّ التَّخلية قبل التَّحلية.
٧ - مشروعيَّة السَّلام على النَّبيِّ ﷺ في حياته وبعد مماته، وبلفظ الخطاب، لقوله: «أَيُّهَا النَّبِيّ» وقد جاء عن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه لمَّا مات النَّبيُّ ﷺ كان يقول: «السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ» (^١) وهذا اجتهادٌ منه ﵁، والصَّواب: لزوم اللَّفظ الَّذي علَّمه النَّبيُّ ﷺ أصحابه وكانوا يقولونه في حياته ﷺ وهم غائبون عنه، وهو لا يسمعهم.
٨ - وجوب سلام المصلِّي على نفسه في هذا التَّشهُّد وعلى جميع عباد الله الصَّالحين من الملائكة والإنس والجنِّ، كما يدلُّ لهذا العموم قوله ﷺ: «فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» متَّفقٌ عليه (^٢).
٩ - أنَّ الأصل في اللَّفظ العامِّ أن يشمل جميع أفراده؛ لقوله: «فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ».
١٠ - أنَّ اللَّفظ المضاف والمحلَّى ب (أل) الَّتي للجنس من صيغ العموم، لقوله: «عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ».
١١ - فضل النَّبيِّ ﷺ على جميع عباد الله الصَّالحين؛ لتخصيصه بالسَّلام وتقديمه عليهم وعلى النَّفس.
١٢ - مشروعيَّة الدُّعاء للمؤمنين مع دعاء الإنسان لنفسه، وهذا من أنواع الإحسان إلى الغير، كما جاء في الاستغفار ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [محمد: ١٩].
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٦٢٦٥).
(٢) البخاريُّ (٦٢٣٠)، ومسلمٌ (٤٠٢).
[ ١ / ٣٢٨ ]
١٣ - مشروعيَّة البداءة بالنَّفس في الدُّعاء العامِّ.
١٤ - وجوب ذكر الشَّهادتين في هذا التَّشهُّد.
١٥ - فضل هذا التَّشهُّد لما اشتمل عليه من تعظيم الله وتوحيده والشَّهادة لرسوله ﷺ بالعبوديَّة والرِّسالة والسَّلام عليه وعلى جميع عباد الله الصَّالحين.
١٦ - أنَّ توحيد الله لا يتحقَّق إلَّا بالنَّفي والإثبات؛ نفي الإلهيَّة عمَّا سوى الله وإثباتها له وحده.
١٧ - أنَّ الاعتقاد في الرَّسول ﷺ هو الشَّهادة له بالعبوديَّة والرِّسالة، خلافًا لأهل الغلوِّ والجفاء في حقِّه ﷺ.
١٨ - مشروعيَّة الدُّعاء بعد هذا التَّشهُّد، وأولى ذلك -بعد الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ: الاستعاذة بالله من أربعٍ، كما قال ﷺ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ؛ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (^١).
١٩ - جواز ذكر الرَّسول ﷺ بلفظ الخطاب نحو: (الصَّلاة والسَّلام عليك يا رسول الله) و(بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله) ما لم يخش توهُّم السَّامع دعاء الرَّسول ﷺ.
٢٠ - افتقار الرَّسول ﷺ إلى ربِّه ﷿.
٢١ - أنَّ العباد منهم الصَّالح وغير الصَّالح، وحقيقة الصَّلاح الإيمان والتَّقوى.
٢٢ - تأكيد الإقرار لله بالتَّوحيد ولنبيِّه بالعبوديَّة والرِّسالة، وذلك لقوله: «أَشْهَدُ» في الموضعين.
٢٣ - أنَّ التَّوحيد نفي الإلهيَّة عمَّا سوى الله وإثباتها له سبحانه.
٢٤ - وجوب إخلاص العبادة لله؛ لأنَّ ذلك مقتضى شهادة أن لا إله إلَّا الله.
_________________
(١) سيأتي برقم (٣٦١).
[ ١ / ٣٢٩ ]
٢٥ - علوُّ قدر النَّبيِّ ﷺ وشرفه، حيث وصف بالعبوديَّة الخاصَّة وبالرِّسالة وقرنت الشَّهادة له بذلك بالشَّهادة لله بالتَّوحيد.
٢٦ - في وصف الرَّسول ﷺ بالعبوديَّة والرِّسالة ردٌّ على أهل الغلوِّ والجفاء.
٢٧ - وجوب اتِّباع الرَّسول ﷺ وتحريم الابتداع في الدِّين؛ لأنَّ ذلك مقتضى أنَّه رسول الله ﷺ.
٢٨ - جواز الدُّعاء بعد التَّشهُّد بما يحبُّ الإنسان من خير الدُّنيا والآخرة.
٢٩ - أنَّ من مواضع الدُّعاء والإجابة دبر الصَّلاة وقبل السَّلام.
٣٠ - عظم شأن هذا الذِّكر (التَّشهُّد)، لقوله: «كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن» (^١) «وأمره أن يعلِّمه النَّاس» (^٢).
٣١ - الوصيَّة لمن تعلَّم علمًا أن يعلِّمه النَّاس، وهو من تبليغ الشَّرع الَّذي قال فيه الرَّسول ﷺ: «فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (^٣).
٣٢ - إثبات الإجازة في الرِّواية.
* * * * *
(٣٥٨) عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيّ، فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٤٠٣).
(٢) أحمد (٣٥٦٢).
(٣) رواه البخاريُّ (٧٠٧٨)، ومسلمٌ (١٦٧٩).
(٤) أحمد (٢٣٩٣٧)، وأبو داود (١٤٨١)، والتِّرمذيُّ (٣٤٧٧)، والنَّسائيُّ (١٢٨٣)، وابن حبان (١٩٦٠)، والحاكم (٨٤٣).
[ ١ / ٣٣٠ ]
هذا الحديث أصلٌ في افتتاح الدُّعاء بحمد الله والصَّلاة على رسوله ﷺ.
وفيه فوائد، منها:
١ - جواز الجهر بالذِّكر في الصَّلاة لقوله: «سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته».
٢ - البداءة في الدُّعاء في الصَّلاة بحمد الله والصَّلاة على رسول الله، والظَّاهر: أنَّ محلَّ هذا هو التَّشهُّد، فيدلُّ على وجوب التَّشهُّد والصَّلاة على الرَّسول ﷺ، ويكون المراد بحمد الله هو قوله: «التَّحِيَّاتُ للهِ …» إلخ، وأمَّا دعاء الاستفتاح أو في السُّجود أو بين السَّجدتين فلا يقول أحدٌ بمشروعيَّة افتتاحها بالحمد والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ.
٣ - وجوب التَّشهُّد والصَّلاة على الرَّسول ﷺ قبل الدُّعاء الَّذي قبل السَّلام، أمَّا الدُّعاء قبل التَّشهُّد فهو استعجالٌ منهيٌّ عنه.
٤ - أنَّ الدُّعاء قبل التَّشهُّد لا يبطل الصَّلاة.
٥ - مشروعيَّة تعليم الجاهل.
٦ - ترك المسيء في صلاته حتَّى يفرغ فيعلَّم.
* * * * *
(٣٥٩) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَرَنَا اللهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: «قُولُوا: اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(٣٦٠) وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِيهِ: «فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟» (^١).
* * *
_________________
(١) مسلمٌ (٤٠٥)، وابن خزيمة (٧١١).
[ ١ / ٣٣١ ]
هذا أحد الأحاديث الدَّالَّة على صفة الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة، وتعرف بالصَّلاة الإبراهيميَّة لذكر إبراهيم ﵇ فيها، وقد روى الصَّلاة الإبراهيميَّة جمعٌ من الصَّحابة ﵃ بألفاظٍ مختلفةٍ، منها هذا الحديث واتَّفقت معظم الرِّوايات الصَّحيحة على ذكر محمَّدٍ وآل محمَّدٍ في الصَّلاة والتَّبريك، واختلفت في ذكر إبراهيم وآل إبراهيم، ففي بعضها ذكر إبراهيم، وفي بعضها ذكر آل إبراهيم، وفي بعضها الجمع بينهما.
وقد تنازع النَّاس في حكم الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة؛ فذهب الجمهور إلى أنَّها سنَّةٌ وليست واجبةً، وذهب جمعٌ من العلماء إلى القول بالوجوب، بل قال بعضهم: إنَّها ركنٌ في التَّشهُّد الأخير، وروي القول بالوجوب عن جماعةٍ من الصَّحابة ﵃ على ما ذكر الشَّوكانيُّ (^١).
والقول بالوجوب دون الرُّكنيَّة هو أوسط المذاهب وأقربها للصَّواب، والله أعلم.
ولا يظهر من الأدلَّة اختصاص الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ بالتَّشهُّد الأخير؛ لأنَّ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ قرينة السَّلام عليه في الآية، وقد ذكر السَّلام عليه ﷺ في التَّشهُّد الَّذي علَّمه النَّبيُّ ﷺ أصحابه ﵃ فلمَّا سألوه عن كيفيَّة الصَّلاة عليه ﷺ وعلَّمهم إيَّاها قال: «وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ» كما في حديث أبي مسعودٍ ﵁ هذا.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - حرص الصَّحابة ﵃ على العلم.
٢ - الرُّجوع في معرفة الشَّرع إلى النَّبيِّ ﷺ.
٣ - فضل النَّبيِّ ﷺ وآله، وفضل إبراهيم ﵇ وآله.
_________________
(١) ينظر: «نيل الأوطار» (٤/ ٣٦٠).
[ ١ / ٣٣٢ ]
٤ - أنَّ صلاة المؤمنين على النَّبيِّ ﷺ دعاؤهم أن يصلِّي الله عليه، وصلاته تعالى على نبيِّه هو الثَّناء عليه؛ كما قال أبو العالية: «الصَّلاة من الله ثناؤه على عبده، وصلاة الملائكة الدُّعاء» (^١) وهو سؤال الله أن يصلِّي عليه، كما تقدَّم.
٥ - جواز ذكر النَّبيِّ ﷺ باسمه العلم «محمَّدٍ» في مقام الصَّلاة عليه.
٦ - أنَّه لا يشرع وصفه بالسَّيِّد في الصَّلاة عليه في الصَّلاة.
٧ - مشروعيَّة التَّبريك على النَّبيِّ ﷺ وآله في الصَّلاة.
٨ - مشروعيَّة الصَّلاة والتَّبريك على إبراهيم وآله في الصَّلاة.
٩ - جواز الاقتصار على ذكر إبراهيم دون الآل، وعلى ذكر الآل دون إبراهيم، وجواز الجمع بينهما.
١٠ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى (الحميد) و(المجيد)، وما دلَّا عليه من صفتي الحمد والمجد، و«حَمِيدٌ»؛ بمعنى محمودٍ، و«مَجِيدٌ»؛ أي: ذو مجدٍ، وهو الرِّفعة والشَّرف وكمال الأوصاف، ومعنى «بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ»؛ أي: اجعل البركة عليه، وأسبغها عليه.
١١ - مناسبة ذكر هذين الاسمين.
١٢ - أنَّ المطلوب من الصَّلاة والبركة هو من آثار هذين الاسمين.
١٣ - أنَّ أشهر أسمائه ﷺ (محمَّدٌ)، وهو علمٌ وصفةٌ.
١٤ - تشبيه الصَّلاة على النَّبيِّ وآله بالصَّلاة على إبراهيم وآله، وكذا التَّبريك، وذلك في الكيفيَّة والكمِّيَّة، وقد قيل: إنَّ هذا يقتضي تفضيل إبراهيم على محمَّدٍ صلَّى الله عليهما وسلَّم في أمر الصَّلاة، على قاعدة أنَّ المشبَّه به أمكن في الوصف من المشبَّه، وهو مشكلٌ على ما هو متقرِّرٌ من فضل محمَّدٍ
_________________
(١) حكاه البخاريُّ (٣/ ٢٨٠)، في باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
[ ١ / ٣٣٣ ]
ﷺ على إبراهيم ﷺ، لذلك احتاج من قال بذلك إلى الجواب عنه، فطوَّلوا الكلام، وعندي أنَّه يرفع هذا الإشكال أن يقال: إنَّ الكاف للتَّعليل أو التَّشبيه في مطلق الوصف بقطع النَّظر عن الكمِّيَّة والكيفيَّة.
* * * * *
(٣٦١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، ومِنْ عَذَابِ القَبْرِ، ومِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٣٦٢) وفِي رِوَايَةٍ لمسلمٍ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُم مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ …».
(٣٦٣) وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵁ أَنهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ: «قلِ: اللهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
هذان الحديثان تضمَّنا طلب الوقاية من جميع الشُّرور في الدُّنيا والآخرة، فهما من أنفع الأدعية ومن جوامع الدُّعاء.
وفيهما فوائد، منها:
١ - مشروعيَّة الاستعاذة بالله من هذه الأربع بعد التَّشهُّد الأخير، وقيل: إنَّ هذا الدُّعاء واجبٌ لأمر النَّبيِّ ﷺ.
٢ - أنَّ آخر الصَّلاة قبل السَّلام موضعٌ للدُّعاء، فيستحبُّ في هذا الموضع.
٣ - أنَّه لا يعيذ ولا يعصم من هذه الشُّرور إلَّا الله.
_________________
(١) البخاريُّ (١٣٧٧)، ومسلمٌ (٥٨٨)، والذي في البخاريِّ هو من فعله ﷺ وليس من قوله.
(٢) البخاريُّ (٨٣٤)، ومسلمٌ (٢٧٠٤).
[ ١ / ٣٣٤ ]
٤ - إثبات جهنَّم دار الكافرين، وأنَّها أعظم ما يحذر ويتَّقى؛ ولذلك بدأ بها.
٥ - إثبات عذاب القبر، واستحباب الاستعاذة بالله منه.
٦ - استحباب الاستعاذة بالله من فتنة المحيا والممات، والمراد: من شرِّهما، كما جاء في روايةٍ (^١)، والمراد بفتنة المحيا: فتن الدُّنيا؛ من فتن الشَّهوات والشُّبهات، والمراد بفتنة الممات: فتنة الإنسان في قبره بسؤاله عن ربِّه ودينه ونبيِّه.
٧ - استحباب الاستعاذة بالله من المسيح الدَّجَّال، وهو الأعور الكذَّاب الَّذي يخرج في آخر الزَّمان، وفتنته هي الابتلاء به، وبما معه من الخوارق، وقد حذَّر منه النَّبيُّ ﷺ وأنذره أمَّته، ووَصَفَه.
٨ - فضل هذا الاستغفار الَّذي علَّمه النَّبيُّ ﷺ لأبي بكرٍ، واستحبابه لا سيَّما في الصَّلاة.
٩ - فضل الاعتراف لله بظلم النَّفس.
١٠ - أنَّ ذلك من أنواع الاستغفار.
١١ - أنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا الله.
١٢ - التَّوسُّل إلى الله بالإقرار بذلك في مغفرة الذُّنوب.
١٣ - طلب الاستغفار بصيغة الطَّلب «اغفر لي».
١٤ - التَّواضع لله عند طلب المغفرة بأنَّ ذلك محض فضله، وذلك بقوله: «مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ».
١٥ - الجمع بين طلب المغفرة والرَّحمة، فبالمغفرة تكون النَّجاة من المرهوب، وبالرَّحمة يحصل الفوز بالمطلوب.
١٦ - إثبات هذين الاسمين: «الْغَفُورُ» و«الرَّحِيمُ» لله تعالى، وما دلَّا عليه من صفتي المغفرة والرَّحمة له ﷿.
_________________
(١) وهي عند النَّسائيِّ (٥٥٢٠)، وابن حبان (١٠١٩)، وابن خزيمة (٧٢١).
[ ١ / ٣٣٥ ]
١٧ - التَّوسُّل إلى الله بأسمائه وصفاته.
١٨ - أنَّ استغفار العبد ودعاءه ربَّه مقتضٍ فقره وظلمه لنفسه، ومقتضٍ أنَّ الله غفورٌ رحيمٌ.
١٩ - فضل أبي بكرٍ ﵁ وحرصه على العلم.
٢٠ - أنَّ سؤال العالم سببٌ لاستخراج علمه فينتفع به السَّائل وغيره.
٢١ - أنَّ السُّؤال عن العلم غير مذمومٍ بل محمودٌ.
٢٢ - فضل الأدعية النَّبويَّة واستحباب معرفتها وحفظها.
* * * * *
(٣٦٤) وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (^١).
* * *
هذا الحديث أحد الأحاديث الدَّالَّة على مشروعيَّة التَّسليم من الصَّلاة، وقد روى ذلك جمعٌ من الصَّحابة ﵃ من فعله ﷺ وقوله، كما قال ﷺ في الصَّلاة: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (^٢).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة التَّسليم من الصَّلاة، وبه يكون الخروج منها.
وقد ذهب الجمهور إلى وجوب التَّسليم؛ لمداومته ﷺ ولقوله: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، ولكنَّهم اختلفوا: هل الواجب تسليمتان أو تسليمةٌ واحدةٌ؟ ذهب الأكثر إلى الثَّاني.
_________________
(١) أبو داود (٩٩٧).
(٢) رواه أحمد (١٠٠٦)، وأبو داود (٦١)، والتِّرمذيُّ (٣)، وابن ماجه (٢٧٥)، عن علي ﵁. وصحح المصنف إسناده في «فتح الباري» (٢/ ٣٢٢).
[ ١ / ٣٣٦ ]
وذهب بعضهم إلى وجوب التَّسليمتين، وهذا هو الأقوى دليلًا، ولا سيَّما في الفريضة.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم وجوب التَّسليم، فيمكن الخروج من الصَّلاة بأيِّ فعلٍ أو قولٍ منافٍ (^١).
٢ - مشروعيَّة التَّسليم عن اليمين وعن الشِّمال.
٣ - فضل اليمين للبداءة به.
٤ - مشروعيَّة الجمع في التَّسليم بين السَّلام والرَّحمة والبركة، لكنَّ أكثر من روى التَّسليم لا يذكر فيه «وبركاته»، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنَّ زيادة (وبركاته) شاذَّةٌ، ومنهم شيخنا الشَّيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀ (^٢)، وعدَّها بعضهم من تنوُّع الذِّكر، وهذا التَّسليم هو سلامٌ على الملائكة والمصلِّين، فينبغي للمصلِّي أن ينوي به ذلك والخروج من الصَّلاة.
٥ - عظم شأن الصَّلاة حيث افتتحت بالذِّكر وختمت به.
٦ - اشتمال التَّسليم على جماع الخير، وهو السَّلامة من الأضرار والمكروهات، والظَّفر بالمنافع والمحبوبات.
* * * * *
(٣٦٥) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لَا إِلهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
* * *
_________________
(١) ينظر: «بدائع الصنائع» للكاساني (١/ ٥٨).
(٢) ينظر: «حاشية سماحة الشيخ عبد العزيز بن بازٍ على البلوغ» (٢٣٨).
(٣) البخاريُّ (٨٤٤)، ومسلمٌ (٥٩٣).
[ ١ / ٣٣٧ ]
هذا من أصحِّ الأحاديث في الذِّكر بعد الصَّلاة، وقد كتب به المغيرة إلى معاوية ﵃، وقد اشتمل على أفضل الذِّكر «لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له» كما قال النَّبيُّ ﷺ: «أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^١).
والمراد بدبر الصَّلاة في هذا الحديث وأمثاله: ما بعد السَّلام، وقد تضمَّنت جمل الحديث النَّصَّ على نوعي التَّوحيد؛ توحيد الإلهيَّة، وتوحيد الرُّبوبيَّة، ممَّا يدلُّ على عظم شأن هذا الذِّكر.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مداومته ﷺ على هذا الذِّكر بعد كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ.
٢ - استحباب هذا الذِّكر وتأكُّده بعد كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ.
٣ - بطلان كلِّ معبودٍ سوى الله.
٤ - إثبات الإلهيَّة لله وحده.
٥ - وجوب إفراده تعالى بالعبادة.
٦ - تحريم الشِّرك.
٧ - مشروعيَّة تأكيد ما تضمَّنته كلمة التَّوحيد لقوله: «وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ»، ف «وحده» تأكيد الإثبات، و«لا شريك له» تأكيد النَّفي.
٨ - إثبات تمام الملك وعمومه له سبحانه.
٩ - إثبات الحمد كلِّه له سبحانه.
١٠ - إثبات الحكمة لله في خلقه وأمره.
_________________
(١) رواه مالكٌ في «الموطأ» (٥٧٢) إلى قوله «لا شريك له»، مرسلًا عن عبيد الله بن كريز، والتِّرمذيُّ (٣٥٨٥) عن عمرو بن شعيبٍ بتمامه. وحسَّنه الألبانيُّ بمجموع طرقه وشواهده في «الصحيحة» (١٥٠٣).
[ ١ / ٣٣٨ ]
١١ - إثبات قدرته ﷾ على كلِّ شيءٍ لقوله: «وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
١٢ - إثبات تفرُّده سبحانه بالعطاء والمنع، ففيه شاهدٌ لقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد (٣٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون (٣٨)﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٧].
١٣ - أنَّه لا ينجي أحدًا ممَّا أراده الله به من سوءٍ؛ قوَّةٌ ولا مالٌ ولا سلطانٌ.
١٤ - كمال قدرته ﷾، وكمال عجز الخلق، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
١٥ - أنَّ الحظوظ من المال والسُّلطان لا تمنع صاحبها ممَّا أراده الله به ولا تنجيه من عذابه، فالجدُّ هو: الحظُّ، وقوله: «وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»؛ أي: لا ينفع ذا الحظِّ منك حظُّه. وقد ضمِّن فعل «يَنْفَعُ» معنى ينجِّي ويخلِّص.
١٦ - وجوب التَّوكُّل على الله في جميع الأمور وتعليق القلب به ﷿ خوفًا ورجاءً.
* * * * *
(٣٦٦) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: إنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ كَان يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (٢٨٢٢).
[ ١ / ٣٣٩ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ من هديه ﷺ التَّعوُّذ بالله من هذه المذكورات دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ.
٢ - استحباب هذا التَّعوُّذ دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ أسوةً بالنَّبيِّ ﷺ.
والدُّبر في هذا الحديث يحتمل أن يراد به آخر الصَّلاة قبل السَّلام؛ لأنَّه موضع الدُّعاء، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيميَّة.
ويحتمل أن يراد به ما بعد السَّلام كما جاء في أحاديث الذِّكر بعد الصَّلاة كحديث المغيرة ﵁ المتقدِّم وحديث أبي هريرة ﵁ الآتي وغيرهما، والأمر محتملٌ.
٣ - استحباب تكرار فعل التَّعوُّذ مع كلِّ هذه المذكورات.
٤ - ذمُّ البخل والجبن، واستحباب التَّعوُّذ منهما، والجبن هو: البخل بالنَّفس في مواضع البذل، فهو أخصُّ من البخل.
٥ - استحباب الاستعاذة بالله من الهرم، وهو أرذل العمر؛ لأنَّه يفقد به الإنسان عقله، فيفقد ما كان قد علمه، فلا يعلم حينئذٍ شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥].
٦ - استحباب التَّعوُّذ من فتنة الدُّنيا، والمراد: جميع فتنها؛ فتن الشَّهوات والشُّبهات.
٧ - استحباب الاستعاذة بالله من عذاب القبر.
٨ - إثبات عذاب القبر.
٩ - افتقار الرَّسول ﷺ إلى ربِّه، وحاجته إلى عصمته والوقاية من الشُّرور.
* * * * *
[ ١ / ٣٤٠ ]
(٣٦٧) عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث يدلُّ ظاهره على أوَّل دعاءٍ وذكرٍ بعد السَّلام من الصَّلاة المكتوبة.
وفيه فوائد، منها:
١ - مداومته ﷺ على هذا الذِّكر بعد الصَّلاة.
٢ - استحباب البداءة بالذِّكر بعد الصَّلاة بما جاء في هذا الحديث قبل الانصراف عن القبلة، كما صرِّح بذلك في حديث عائشة ﵂ عند مسلمٍ (^٢).
٣ - مشروعيَّة الاستغفار ثلاثًا بعد الصَّلاة إمَّا بلفظ: (أستغفر الله) أو (اللَّهمَّ اغفر لي).
٤ - الجمع بين الدُّعاء والثَّناء على الله.
٥ - السِّرُّ في تقديم الاستغفار على الثَّناء في هذا الموضع -والله أعلم- هو استشعار التَّقصير في الصَّلاة، ولذا شرع ختم العمل به في قيام اللَّيل والحجِّ والصَّلاة كما في هذا الحديث.
٦ - إثبات اسم الله «السَّلام»، ووصفه بمعناه، والتَّوسُّل به.
٧ - مشروعيَّة طلب السَّلامة من جميع الشُّرور.
٨ - أنَّ السَّلامة لا تطلب إلَّا من الله ﷾؛ لأنَّه مالكها وحده كما يفيده الحصر بتقديم الجارِّ والمجرور «وَمِنْكَ السَّلامُ».
_________________
(١) مسلمٌ (٥٩١).
(٢) مسلمٌ (٥٩٢)، وهو قولها ﵂: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا سلَّم لم يقعد إلَّا مقدار ما يقول: «اللَّهمَّ أنت السَّلام ومنك السَّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»».
[ ١ / ٣٤١ ]
٩ - الثَّناء على الله بالبركة، وهي كثرة الخير الَّتي لا نهاية لها، وبركته تعالى ذاتيَّةٌ كما يدلُّ لذلك فعل «تبارك»، وهذا الفعل لا يسند إلَّا إلى الله أو إلى اسمه؛ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]، وهو تعالى يجعل البركة فيمن شاء وما شاء.
١٠ - وصفه تعالى بالجلال، وهو العظمة.
١١ - وصفه تعالى بالإكرام؛ لأنَّه الَّذي يكرم أولياءه، ويحتمل أنَّ ذا الجلال والإكرام؛ أي: المستحقُّ للإجلال والإكرام؛ بتعظيمه وتوحيده وطاعته.
١٢ - أنَّ زيادة: «وَتَعَالَيْتَ» بعد: «تَبَارَكْتَ» بدعةٌ؛ أي: في هذا الموضع.
* * * * *
(٣٦٨) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المئَةِ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ، وإن كَانتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٣٦٩) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ» (^٢).
* * *
مضمون هذا الحديث هو: ما أرشد النَّبيُّ ﷺ الفقراء إليه، حين شكوا إليه سبق الأغنياء لهم بالصَّدقة بفضول أموالهم، وأخبرهم ﷺ أنَّهم إذا فعلوا ذلك
_________________
(١) مسلمٌ (٥٩٧).
(٢) رواه مسلمٌ (٥٩٦)؛ من حديث كعب بن عجرة ﵁، ولفظ الحديث: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ -أَوْ فَاعِلُهُنَّ- دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَة».
[ ١ / ٣٤٢ ]
سبقوا غيرهم ولم يسبقهم إلَّا من فعل مثل فعلهم، وهذا الذِّكر من أصحِّ ما ورد من الذِّكر بعد الصَّلاة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب هذا الذِّكر بعد كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ.
٢ - استحباب المواظبة عليه.
٣ - فضل هذا الذِّكر.
٤ - أنَّ المواظبة عليه سببٌ لمغفرة الذُّنوب، فيدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
٥ - فضل هذه الكلمات الثَّلاث؛ فإنَّ معنى «سَبَّحَ اللهَ»، «وَحَمِدَ اللهَ»، «وَكَبَّرَ اللهَ»؛ أي قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، وأكثر الأذكار مداره عليها مع كلمة لا إله إلَّا الله، وقد فسِّرت بها الباقيات الصَّالحات، وأدلَّة فضلهنَّ كثيرةٌ كقوله ﷺ: «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ ولا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^١)، وقد ورد الذِّكر بهنَّ دبر كلِّ صلاةٍ.
٦ - اعتبار العدد المنصوص من النَّبيِّ ﷺ دون زيادةٍ أو نقصٍ في حصول القدوة وترتُّب الجزاء.
٧ - تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وهو معنى (سبحان الله).
٨ - إثبات الحمد كلِّه لله، وإثبات جميع صفات الكمال، وهو معنى (الحمد لله).
٩ - أنَّ الله أكبر من كلِّ شيءٍ، وهو معنى (الله أكبر).
١٠ - توضيح المعاني بالتَّمثيل والتَّشبيه بالمحسوس؛ لقوله: «وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٢٦٩٥)؛ عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٤٣ ]
١١ - أنَّ صفة هذا الذِّكر بالبداءة بالتَّسبيح مفردًا بعددٍ، ثمَّ التَّحميد ثمَّ التَّكبير، ويجوز جمع الكلمات الثَّلاث؛ لقوله في الحديث الآخر: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ».
* * * * *
(٣٧٠) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ؛ لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ (^١).
* * *
هذا الحديث من أشهر الأحاديث الواردة في الدُّعاء دبر الصَّلوات وهذا الدُّعاء من أجمع الدَّعوات وأنفعها.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضيلة معاذٍ ﵁؛ حيث نوَّه النَّبيُّ ﷺ بمحبَّته له، بقوله ﷺ -كما جاء في أصل الحديث-: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، وبتخصيصه بحمل هذه الوصيَّة.
٢ - فضل هذا الدُّعاء.
٣ - استحباب هذا الدُّعاء دبر كلِّ صلاةٍ، وهو محتملٌ أن يكون محلُّه قبل السَّلام أو بعد السَّلام، ورجَّح بعضهم أنَّ محلَّه قبل السَّلام؛ لأنَّه موضعٌ للدُّعاء.
٤ - مشروعيَّة الاستعانة بالله.
٥ - أنَّ أفضل ما تكون الاستعانة بالله على محابِّه.
٦ - فقر العبد إلى ربِّه في القيام بعبادته وطاعته.
٧ - الفرق بين الذِّكر والشُّكر، فالذِّكر: ما شرعه الله تعالى من الثَّناء عليه وتعظيمه بالقلب واللِّسان، والشُّكر: هو القيام بما شرع الله تعالى في مقابل
_________________
(١) أحمد (٢٢١١٩)، وأبو داود (١٥٢٢)، والنَّسائيُّ (١٣٠٢).
[ ١ / ٣٤٤ ]
إنعامه؛ من طاعته وعبادته قولًا وفعلًا ظاهرًا وباطنًا، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُون (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
٨ - أنَّ حسن العبادة من أهمِّ المطالب، وحسنها يكون بتحقيق الإخلاص لله والمتابعة للرَّسول ﷺ.
٩ - تفاضل النَّاس في العبادة.
١٠ - التَّنبيه على الأمور المهمَّة؛ بتقديم ما يدلُّ على ذلك؛ لقوله: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، وقوله: «أُوصِيكَ»، وفي روايةٍ أنَّه أخذ بيده.
* * * * *
(٣٧١) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
(٣٧٢) وَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانِيُّ: وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ [الإخلاص] (^٢).
* * *
هذا الحديث من أدلَّة فضل آية الكرسيِّ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ فأمَّا «آية الكرسيِّ» فقد ثبت في الصَّحيح أنَّها أعظم آيةٍ في كتاب الله (^٣)، وأنَّ من قرأها في ليلةٍ لم يزل عليه من الله حافظٌ، ولا يقربه شيطانٌ (^٤)، وأمَّا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ فقد ثبت في الصَّحيح أنَّها تعدل ثلث القرآن (^٥)، وقد كان النَّبيُّ
_________________
(١) النَّسائيُّ في «الكبرى» (٩٨٤٨)، والطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٧٥٣٢). وصحَّحه المنذريُّ في «الترغيب» (٢٣٢٩) وعزاه إلى ابن حبان في كتاب (الصلاة) المفرد، ولم يخرجه في «صحيحه».
(٢) «المعجم الكبير» (٧٥٣٢)، وأنكر الطبرانيُّ هذه الزيادة، وصحَّحها المنذريُّ في «الترغيب» (٢/ ٢٦١) والهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٠٢).
(٣) رواه مسلمٌ (٨١٠) عن أبيّ بن كعبٍ ﵁.
(٤) رواه البخاريُّ (٢٣١١) عن أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه البخاريُّ (٥٠١٥)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، ومسلمٌ (٨١١)، عن أبي الدَّرداء ﵁.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ﷺ يقرأ بها بعد الفاتحة في الوتر (^١) وفي الرَّكعة الثَّانية من ركعتي الفجر (^٢)، وركعتي الطَّواف (^٣).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب قراءة آية الكرسيِّ دبر كلِّ صلاةٍ.
٢ - فضل آية الكرسيِّ.
٣ - استحباب قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾.
٤ - فضل هذه السُّورة، وفضل هذه الآية والسُّورة راجعٌ إلى ما تضمَّنتا من توحيد الله وأسمائه وصفاته وتنزيهه.
٥ - أنَّ المواظبة على قراءتهما دبر كلِّ صلاةٍ من أسباب دخول الجنَّة.
٦ - أنَّ دخول الجنَّة لا يكون إلَّا بعد الموت.
٧ - إثبات وجود الجنَّة.
* * * * *
(٣٧٣) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٤).
* * *
_________________
(١) رواه التِّرمذيُّ (٤٦٢)، والنَّسائيُّ (١٧٠١)، عن ابن عباسٍ ﵁. قال التِّرمذيُّ: «وفي الباب عن عليٍّ وعائشة وعبد الرحمن بن أبزى ﵁ عن أبي بن كعبٍ ﵁، ويروى عن عبد الرحمن بن أبزى ﵁، عن النبيِّ ﷺ». وصحَّح إسناده النوويُّ في «خلاصة الأحكام» (١٨٨٥).
(٢) رواه مسلمٌ (٧٢٦)، عن أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه مسلمٌ (١٢١٨)، عن جابر بن عبد الله ﵃.
(٤) البخاريُّ (٦٣١)، وقد تقدَّم أصل الحديث (٢١٦). وهذه الجملة المذكورة هنا في حديث مالكٍ ﵁ هي جزءٌ منه، وقد انفرد بها البخاريُّ عن بقية أصحاب الكتب الستة.
[ ١ / ٣٤٦ ]
هذا الحديث من جوامع الكلم، وهو يدلُّ على وجوب أخذ صفة الصَّلاة من صلاته ﷺ، وهو نظير قوله ﷺ في الحجِّ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» (^١). وهذا الحديث هو ما وصَّى به النَّبيُّ ﷺ مالك بن الحويرث ﵁ ومن معه حين وفدوا عليه ﷺ فقال عند توديعهم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وقال: «وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»، وقد أحسن المؤلِّف في وضعه هذا الحديث عقب أحاديث صفة الصَّلاة، فهو من حسن الختام.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ صلاته ﷺ بما فيها من أقوالٍ وأفعالٍ بيانٌ لما أمر الله به من إقام الصَّلاة.
٢ - وجوب الاقتداء به ﷺ في صفة الصَّلاة.
٣ - بيان الأحكام بالأفعال.
* * * * *
(٣٧٤) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
(٣٧٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنْ صَحَّحَ أبو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (^٣).
* * *
هذان الحديثان من أحاديث صفة صلاة أهل الأعذار، وفي الحديث الأوَّل أنَّ عمران ﵁ كان به بواسير، فسأل النَّبيَّ ﷺ عن الصَّلاة، فأمره بما جاء في هذا الحديث، والحديثان من أدلَّة تعليق الواجبات بالاستطاعة.
_________________
(١) رواه مسلمٌ (١٢٩٧)، عن جابرٍ ﵁.
(٢) البخاريُّ (١١١٧).
(٣) البيهقيُّ في «الصغرى» (٥٩٠)، وفي «الكبرى» (٣٦٦٩).
[ ١ / ٣٤٧ ]
وفيهما فوائد، منها:
١ - وجوب القيام في الصَّلاة مع القدرة في الفرض والنَّفل لإطلاق الحديث، لكن جاء ما يدلُّ على جواز القعود في النَّافلة، فقد كان ﷺ يصلِّي بعض صلاته في اللَّيل قاعدًا، وقال ﷺ: «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» (^١) واتَّفق العلماء على جواز صلاة النَّافلة من قعودٍ.
٢ - أنَّ من عجز عن القيام يصلِّي قاعدًا، ويسجد إن استطاع وإلَّا أومأ بالرُّكوع والسُّجود، ويجعل السُّجود أخفض من الرُّكوع.
٣ - جواز القعود على أيِّ صفةٍ كانت، والأفضل أن يكون متربِّعًا.
٤ - أنَّ من عجز عن القعود يصلِّي مضطجعًا على جنبه الأيمن أو الأيسر، والأيمن أفضل، قال الفقهاء: فإن لم يستطع فمستلقيًا ويومئ برأسه للرُّكوع والسُّجود، وقد جاء في روايةٍ تعزى إلى النَّسائيِّ: «وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا» (^٢).
٥ - أنَّ من لم يستطع السُّجود يومئ، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وأمَّا قوله: «وَإِلَّا فَأَوْمِ» فلم يثبت في الرِّواية (^٣).
٦ - أنَّ من لا يستطيع السُّجود على الأرض لا يتَّخذ ما يسجد عليه من وسادةٍ ونحوها.
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٧٣٥)، وأبو داود (٩٥٠)، والنَّسائيُّ (١٦٥٨)، عن عبد الله بن عمرو ﵃. واللفظ لغير مسلمٍ.
(٢) هذه الزيادة ليست في «الصُّغرى» ولا في «الكبرى»، ولا في «تحفة الأشراف»، وقد عزاها إلى النَّسائيِّ: الزيلعيُّ في «نصب الراية» (٢/ ١٧٥)، والمصنف في «التلخيص الحبير» (١/ ٤٠٧)، والمناويُّ في «فيض القدير» (٤/ ١٩٨)، وغيرهم. وربما تكون هذه اللفظة من المفقود من «سنن النَّسائيِّ»، والله أعلم.
(٣) مراد الشيخ حفظه الله؛ ما جاء في بعض نسخ (البلوغ) وفيه هذه الزيادة معزوةً إلى البخاريِّ من حديث عمران بن حصينٍ، وليست في البخاريِّ، كما أنَّها ليست في بقية نسخ (البلوغ)، ولذا لم نذكرها.
[ ١ / ٣٤٨ ]
٧ - اليسر في أحكام الشَّريعة، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٨ - أنَّ المرض لا يسقط وجوب الصَّلاة.
٩ - أنَّ المريض يصلِّي بحسب حاله.
١٠ - عظم أمر الصَّلاة في الدِّين.
١١ - سؤال المسلم عمَّا أشكل عليه في أمر دينه.
* * * * *
[ ١ / ٣٤٩ ]