الاسْتِسْقَاءُ: طلب السُّقيا من الله تعالى، وإضافة الصَّلاة إلى الاستسقاء من إضافة الشَّيء إلى سببه، وهي سنَّةٌ عند جمهور العلماء.
وذهب أبو حنيفة إلى أنَّها لا تسنُّ؛ لأنَّها لم تثبت عنده، ولكنَّها ثابتةٌ عند غيره بأحاديث صحيحةٍ في الصَّحيحين وغيرهما كما سيأتي.
وصفتها كصفة صلاة العيد، ووقتها وقت صلاة العيد، وتسنُّ في الصَّحراء كذلك.
* * * * *
(٥٨٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: «خَرَجَ النبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (^١).
(٥٩٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وقدْ أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ». ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللهُ، لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ عَلَيْنَا قُوَّةً وَبَلاغًا إِلَى حِينٍ». ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ
_________________
(١) أحمد (٢٠٣٩)، وأبو داود (١٤١٦)، والترمذيُّ (٥٥٨)، والنسائيُّ (١٥٠٧)، وابن ماجه (١٢٦٦)، وأبو عوانة (٢٥٢٤)، وابن حبان (٢٨٦٢).
[ ١ / ٤٨٠ ]
رِدَاءَهُ، وهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللهُ سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَقَالَ: «غَرِيبٌ». وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ (^١).
(٥٩١) وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁، وَفِيهِ: «فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» (^٢).
(٥٩٢) وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ البَاقِرِ: «وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ؛ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ» (^٣).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة صلاة الاستسقاء.
٢ - الخروج إليها في خشوعٍ وتذلُّلٍ وتمهُّلٍ وتبذُّلٍ في الثِّياب.
٣ - أنَّها كصلاة العيد في صفتها ووقتها ومكانها.
٤ - أنَّ سببها تأخُّر المطر.
٥ - أنَّه ليس لها أيَّامٌ مخصوصةٌ، بل إذا حصل القحط وعد الإمام النَّاس يومًا يخرجون فيه.
٦ - أنَّ الخطبة والدُّعاء قبل الصَّلاة خلاف العيد، كما هو ظاهر حديث عائشة ﵂ وعبد الله بن زيدٍ ﵁، وإلى هذا ذهب جماعةٌ من العلماء.
وذهب آخرون إلى أنَّ ذلك بعد الصَّلاة قياسًا على صلاة العيد، ولحديثٍ روي في ذلك عن أبي هريرة ﵁ (^٤)، والأوَّل أظهر دليلًا.
_________________
(١) أبو داود (١١٧٣).
(٢) رواه البخاريُّ (١٠٢٤)، ومسلمٌ (٨٩٤). إلا أنَّه لم يذكر الجهر بالقراءة.
(٣) الدارقطنيُّ (١٧٩٨).
(٤) رواه أحمد (٨٣٢٧)، وابن ماجه (١٢٦٨)، وابن خزيمة (١٤٠٩). ولفظه: «خرج نبيُّ الله يستسقي، فصلَّى بنا ركعتين بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، ثمَّ خطبنا ودعا الله ﷿». تفرد به النعمان بن راشدٍ؛ ضعَّفه أحمد والنسائيُّ ويحيى بن معينٍ. ينظر: «البدر المنير» (٥/ ١٦١).
[ ١ / ٤٨١ ]
٧ - جواز شكوى الحال إلى من له قدرةٌ على إزالتها أو عنده سببٌ في ذلك.
٨ - الخطبة على المنبر.
٩ - افتتاح الخطبة بفواتح سورة الفاتحة.
١٠ - حمد الله والثَّناء عليه بين يدي الدُّعاء.
١١ - استحباب الدُّعاء بما في حديث عائشة ﵂.
١٢ - التَّوسُّل إلى الله بتوحيده وبغناه وفقر العباد.
١٣ - التَّذكير بما يهيِّج على الدُّعاء، ويقوِّي الرَّجاء.
١٤ - إثبات جملةٍ من صفات الله تعالى: كالإلهيَّة، والرُّبوبيَّة، والفعل، والإرادة، والغنى التَّامِّ، وإجابة الدُّعاء، والأمر، والوعد والإجابة.
١٥ - التَّوسُّل إلى الله في الدُّعاء بما يقتضي حصول المطلوب.
١٦ - مشروعيَّة رفع اليدين عند الدُّعاء في الاستسقاء والمبالغة في رفعهما.
١٧ - إثبات الأسباب الكونيَّة والشَّرعيَّة، فالدُّعاء سببٌ شرعيٌّ وإنزال المطر سببٌ كونيٌّ.
١٨ - أنَّ الغالب من لباس النَّبيِّ ﷺ حلَّةٌ؛ وهي إزارٌ ورداءٌ؛ لأنَّ القميص لا يبدو منه الإبطان.
١٩ - مشروعيَّة تحويل الرِّداء ونحوه من الثِّياب، وذلك بتغيير هيئته؛ بجعل طرفه الأيمن على منكبه الأيسر، وطرفه الأيسر على منكبه الأيمن، ويفعل مثل ذلك في البشت (المشلح) ونحوه.
٢٠ - ذمُّ القنوط من رحمة الله، وسؤال العافية منه، كما جاء في روايةٍ في دعاء الاستسقاء عند البيهقيِّ (^١).
٢١ - علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ، وذلك من سرعة إجابة دعائه ﷺ.
_________________
(١) في «معرفة السُّنَّة والآثار» (٢٢١٠).
[ ١ / ٤٨٢ ]
(٥٩٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ ﷿ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا …» فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ من لم يحضر إلى الجمعة إلَّا والإمام يخطب لا ينكر عليه.
٢ - جواز استيقاف الخطيب وتكليمه إذا دعت الحاجة.
٣ - طلب الدُّعاء من النَّبيِّ ﷺ.
٤ - ذكر السَّبب الموجب لذلك.
٥ - جواز الإخبار بما نزل من المصائب، لا على وجه التَّسخُّط.
٦ - مشروعيَّة الاستسقاء على المنبر.
٧ - مشروعيَّة رفع اليدين في الدُّعاء.
٨ - ضعف بني آدم وقلَّة صبرهم على السَّرَّاء والضَّرَّاء.
٩ - أنَّ المصائب تكون بفقد المطلوب وزيادته.
١٠ - جواز الدُّعاء بوقف المطر إذا خيف الضَّرر، ويقال له: الاستصحاء.
١١ - مشروعيَّة رفع اليدين لذلك.
١٢ - الدُّعاء بذلك على المنبر.
١٣ - إجابة الله دعاء نبيِّه ﷺ في الحال، وذلك:
_________________
(١) البخاريُّ (١٠١٤)، ومسلمٌ (٨٩٧).
[ ١ / ٤٨٣ ]
١٤ - علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ.
١٥ - مشروعيَّة الخطبة للجمعة.
١٦ - القيام في الخطبة.
١٧ - استحباب الدُّعاء بما دعا به النَّبيُّ ﷺ من قوله: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا».
١٨ - كمال قدرة الله تعالى.
١٩ - الاقتصاد في الدُّعاء.
٢٠ - جواز عدم افتتاح الدُّعاء بالحمد والصَّلاة على الرَّسول، ولعلَّ النَّبيَّ ﷺ اكتفى بما كان في أوَّل الخطبة من حمد الله والثَّناء عليه.
* * * * *
(٥٩٤) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز التَّوسُّل بالنَّبيِّ ﷺ في حياته؛ أي: بدعائه.
٢ - جواز التَّوسُّل بدعاء الصَّالحين في حياتهم.
٣ - مشروعيَّة الاستسقاء عند القحط.
٤ - إكرام عمر ﵁ لقرابة النَّبيِّ ﷺ، وفي ذلك فضيلةٌ لعمر ﵁.
٥ - فضيلة العبَّاس بن عبد المطَّلب ﵁.
٦ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يستسقى به بعد موته، ولا يطلب منه الدُّعاء.
_________________
(١) البخاريُّ (١٠١٠).
[ ١ / ٤٨٤ ]
٧ - إجماع الصَّحابة ﵃ على ذلك.
٨ - أنَّ الذُّنوب مجلبةٌ للمصائب.
٩ - أنَّ التَّوبة ترفعها، كما جاء عن العبَّاس ﵁ أنَّه قال: «اللَّهمَّ إنَّه ما نزل بلاءٌ إلَّا بذنبٍ، ولا رفع إلَّا بتوبةٍ» (^١).
١٠ - الرَّدُّ على المبتدعة الَّذين يتوسَّلون بذاته ﷺ أو بجاهه.
* * * * *
(٥٩٥) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ وَقَالَ: «إِنَّه حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب التَّعرُّض للمطر ليصيب البدن، وكشف البدن لذلك.
٢ - تعليل الأحكام، لقوله: «إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ».
٣ - أنَّ المطر أطيب ما يكون قبل وقوعه على الأرض.
٤ - أنَّ ماء المطر يخلقه الله في السَّحاب ثمَّ ينزله على من يشاء، ولعلَّ هذا -والله أعلم- هو معنى قوله: «حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»؛ أي: قريب العهد بخلق الله له، بخلاف ما إذا نزل على الأرض وسالت به الأودية، فلا تكون له هذه المزيَّة، وهي قرب العهد بربِّه.
والمطر ماءٌ مباركٌ لكثرة منافعه، فكلُّ ما ينتفع به من الحيوان والنَّبات هو من آثار الماء، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ
_________________
(١) رواه الدّينوريُّ في «المجالسة» (٧٢٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٦/ ٣٥٨).
(٢) مسلمٌ (٨٩٨).
[ ١ / ٤٨٥ ]
وَحَبَّ الْحَصِيد (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَّضِيد (١٠) رِزْقًا لِّلْعِبَادِ﴾ [ق: ٩ - ١١] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِنْ مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٤٩].
٥ - إثبات الرُّبوبيَّة العامَّة لله ﷿؛ لقوله ﷺ: «حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ».
٦ - إثبات الأفعال الاختياريَّة لله ﷿.
* * * * *
(٥٩٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا». أَخْرَجَاهُ (^١).
(٥٩٧) وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي الاسْتِسْقَاءِ: «اللَّهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كَثِيفًا، قَصِيفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، تُمْطِرُنَا منْهُ رَذَاذًا قِطْقِطًا، سَجْلًا، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ». رَوَاهُ أبو عَوَانَةَ فِي «صَحِيحِهِ» (^٢).
* * *
في هذين الحديثين فوائد، منها:
١ - استحباب هذا الدُّعاء إذا نزل المطر.
٢ - أنَّ من أسماء المطر الصَّيِّب، وهو من الصَّوب، وهو على وزن (فيعل)، والصَّوب: النُّزول، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩].
٣ - أنَّ المطر قد ينزل ولا ينفع، وهذا مشهورٌ عند النَّاس.
_________________
(١) البخاريُّ (١٠٣٢). ولم أجده في مسلمٍ.
(٢) أبو عوانة (٢٥١٤). وضعَّفه الحافظ في «التلخيص الحبير» (٢/ ٩٩).
[ ١ / ٤٨٦ ]
٤ - استحباب الدُّعاء بما في حديث سعدٍ ﵁ في الاستسقاء، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ، وفي متنه نكارةٌ، حيث يناقض آخره أوَّله؛ إذ كيف يقول: «تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا قِطْقِطًا» وقد قال: «دَلُوقًا»، والدَّلوق: المنهمر، والرَّذاذ: المطر الضَّعيف، والقطقط: المطر الصِّغار، وقصيفٌ: بمعنى قاصفٍ؛ وهو الرَّعد الشَّديد، فلا يناسب الدُّعاء بذلك.
٥ - أنَّ من أسماء الله «ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ»، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
٦ - التَّوسُّل بأسماء الله وصفاته.
* * * * *
(٥٩٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَرَجَ سُلَيْمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ، فقالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
(٥٩٩) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
في هذين الحديثين فوائد، منها:
١ - أنَّ الاستسقاء سنَّة الأنبياء.
٢ - الخروج إلى الصَّحراء للاستسقاء.
٣ - أنَّ النَّمل من عجائب المخلوقات.
٤ - أنَّ النَّملة تدرك ربَّها، وتفتقر إليه.
٥ - أنَّ النَّمل يستسقي.
_________________
(١) أحمد في «الزهد» (١١٠)، والحاكم (١٢١٦).
(٢) مسلمٌ (٨٩٦).
[ ١ / ٤٨٧ ]
٦ - أنَّ الله في السَّماء، لقوله: «مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ».
٧ - أنَّ الظَّاهر أنَّ النَّملة الَّتي استسقت هي النَّملة الَّتي أخبر الله عنها بذلك القول البليغ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُون (١٨)﴾ [النمل: ١٨]. ومن قولها البليغ ما في هذا الحديث: «اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ»، ويحتمل أن تكون غيرها.
٨ - أنَّ الله يستجيب دعاء من دعاه حتَّى الحيوان.
٩ - إثبات الأسباب.
١٠ - أنَّ الدُّعاء من أسباب السُّقيا.
١١ - فهم سليمان ﵇ لكلام النَّملة، وقد قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩].
١٢ - إطلاع الله سليمان ﵇ على ما هو من علم الغيب؛ من قوله: «فَقَدْ سُقِيتُمْ».
١٣ - أنَّه قد ينتفع الإنسان بدعاء غيره.
١٤ - أنَّ النَّاس قد يسقون بدعاء غيرهم.
١٥ - أنَّ النَّاس إذا خرجوا إلى الاستسقاء فمطروا لم يستسقوا؛ لحصول مطلوبهم.
ومن الفوائد في حديث أنسٍ ﵁:
١٦ - مشروعيَّة رفع اليدين في الاستسقاء.
١٧ - المبالغة في رفعهما لقوله: «فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء».
١٨ - إثبات العلوِّ لله تعالى.
* * * * *
[ ١ / ٤٨٨ ]