إضافة الصَّلاة إلى التَّطوُّع من إضافة الشَّيء إلى نوعه، والتَّطوُّع أصله ما يفعله الإنسان بطواعيةٍ منه من غير أن يُفرَض عليه، والمراد به في الاصطلاح: كلُّ عبادةٍ ليست واجبةً، ويسمَّى نافلةً، فصلاة التَّطوُّع: هي النَّوافل من الصَّلوات مطلقةً أو مقيَّدةً، وهي مقابلةٌ للصَّلاة المفروضة، ولهذا قال ﷺ للَّذي سأله عن الصَّلوات الخمس؛ هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (^١).
وآكد صلاة التَّطوُّع: الوتر، ثمَّ الرَّواتب، ثمَّ قيام رمضان، ثمَّ ذوات الأسباب، ومن فضل الله على عباده أن شرع لهم أنواع النَّوافل في أنواع العبادات؛ من الصَّلاة، والصَّدقة، والصِّيام، والحجِّ؛ زيادةً في حسناتهم، وجبرًا لنقص الفرائض.
* * * * *
(٤٠٣) عَنْ رَبيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ ﵁، قَالَ: قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «سَلْ»، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. فَقَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟»، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
المراد بكثرة السُّجود؛ كثرة الصَّلاة، وقوله ﷺ لربيعة ﵁: «سَلْ»؛ أي: سلني ما شئت ممَّا ينفعك، وكان ربيعة ﵁ يخدم النَّبيَّ ﷺ أحيانًا، وقوله: «أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ» معناه: أسألك الشَّفاعة لي في مرافقتك في
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٤٦)، ومسلمٌ (١١)، عن طلحة بن عبيد الله ﵁.
(٢) مسلمٌ (٤٨٩).
[ ١ / ٣٦٥ ]
الجنَّة. وليس المراد أن يكون في منزلة النَّبيِّ ﷺ، وإنَّما المراد: دخوله الجنَّة مع النَّبيِّ ﷺ.
وقوله: «أعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ» معناه: أعنِّي في شفاعتي لك على نجاة نفسك وفوزك بنيل مطلوبك؛ أعنِّي على ذلك بكثرة السُّجود، وقوله ﷺ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» معناه: أو تسألني غير ذلك؟ والمعنى: ألك حاجةٌ غير ما ذكرت تسألنيها؟ قال: «هو ذاك»؛ أي: مطلوبي هو ما ذكرت من مرافقتك في الجنَّة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تسابق الصَّحابة ﵃ على خدمة النَّبيِّ ﷺ.
٢ - فضل ربيعة بن كعبٍ ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ.
٣ - إكرام النَّبيِّ ﷺ لأصحابه ﵃، خصوصًا من يخدمه؛ لقوله ﷺ: «سَلْ».
٤ - علوُّ همَّة ربيعة بن كعبٍ ﵁؛ حيث لم يطلب شيئًا من منافع الدُّنيا.
٥ - طلب الشَّفاعة من النَّبيِّ ﷺ في حياته.
٦ - إجابة النَّبيِّ ﷺ ربيعة ﵁ إلى ما طلب.
٧ - أنَّ شفاعة النَّبيِّ ﷺ سببٌ لنيل المطلوب، لكنَّه لا يغني عن الأسباب الشَّرعيَّة من أداء الفرائض والنَّوافل.
٨ - فضل الصَّلاة.
٩ - أنَّ السُّجود أفضل أركان الصَّلاة، واستدلَّ له بقوله ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وهُوَ سَاجِدٌ» (^١) وقيل: القيام أفضل؛ لتقديمه في قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، واختار شيخ الإسلام أنَّ القيام ذكره أفضل، والسُّجود فعله أفضل (^٢).
_________________
(١) رواه مسلمٌ (٤٨٢)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٠).
[ ١ / ٣٦٦ ]
١٠ - التَّرغيب في الإكثار من نوافل الصَّلاة.
١١ - أنَّ ذلك من أسباب دخول الجنَّة.
* * * * *
(٤٠٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «حَفِظْتُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٤٠٥) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «وَرَكْعَتَيْنِ بعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ» (^٢).
(٤٠٦) وَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» (^٣).
(٤٠٧) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لا يَدَعُ أَرْبَعًا قبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٤).
(٤٠٨) وَعَنْهَا ﵂، قَالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥).
(٤٠٩) وَلِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (^٦).
(٤١٠) وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَومٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(٤١١) وَفِي رِوَايَةٍ: «تَطَوُّعًا» (^٧).
(٤١٢) وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» (^٨).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (١١٨٠)، ومسلمٌ (٧٢٩).
(٢) البخاريُّ (٩٣٧)، ومسلمٌ (٧٢٩).
(٣) مسلمٌ (٨٨ - ٧٢٣).
(٤) البخاريُّ (١١٨٢).
(٥) البخاريُّ (١١٦٣)، ومسلمٌ (٩٤ - ٧٢٤).
(٦) مسلمٌ (٧٢٥)، عن عائشة ﵂.
(٧) مسلمٌ (٧٢٨).
(٨) الترمذيُّ (٤١٥).
[ ١ / ٣٦٧ ]
هذه الأحاديث هي الأصل في السُّنن الرَّواتب التَّابعة للصَّلوات المكتوبة، فمنها قبليَّةٌ ومنها بعديَّةٌ.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ سنن الرَّواتب ثنتا عشرة ركعةً، دلَّ حديث ابن عمر ﵃ على عشرٍ منها، ودلَّ حديث عائشة ﵂ على زيادة ركعتين قبل الظُّهر، وحديث أمِّ حبيبة ﵂ على أنَّها اثنتا عشرة ركعةً.
٢ - أنَّ راتبة الظُّهر القبليَّة أربع ركعاتٍ؛ قيل: بسلامٍ، وقيل: بسلامين، وهو الرَّاجح؛ لأنَّ المعروف من هديه ﷺ في صلاة اللَّيل والنَّهار أنَّه يسلِّم من كلِّ ركعتين.
وقيل في الجمع بين حديث عائشة ﵂ وحديث ابن عمر ﵃ أنَّه من قبيل تنوُّع العبادات، وعلى هذا فتكون راتبة الظُّهر إمَّا ركعتين أو أربع ركعاتٍ، وقيل: يؤخذ بحديث عائشة ﵂؛ لأنَّه مشتملٌ على زيادة علمٍ، ويؤيِّد ذلك قولها: «لا يدع أربعًا قبل الظُّهر»، وحديث أمِّ حبيبة ﵂ المذكور.
٣ - أنَّ راتبة الظُّهر البعديَّة ركعتان.
٤ - أنَّ راتبة المغرب ركعتان بعدها، وكذلك العشاء.
٥ - أنَّ راتبة الفجر ركعتان قبلها، فهذه اثنتا عشرة ركعةً.
٦ - استحباب أن تكون راتبة المغرب والعشاء والفجر في البيت، وكذا سنَّة الجمعة.
٧ - أنَّ السُّنَّة بعد الجمعة ركعتان على ما في حديث ابن عمر ﵃، وجاء عند مسلمٍ من حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا
[ ١ / ٣٦٨ ]
أَرْبَعًا» (^١)، فالأوَّل فعله ﷺ، والثَّاني قوله ﷺ، والمعروف في الأصول أنَّ القول أقوى من الفعل.
وعلى هذا فالسُّنَّة بعد الجمعة أربع ركعاتٍ، سواءٌ صلَّاها في المسجد أو البيت، وإن صلَّى ركعتين في المسجد وركعتين في البيت فحسنٌ؛ لأنَّ ذلك يتضمَّن الجمع بين الحديثين.
وقال بعض أهل العلم: إن صلَّاها في المسجد صلَّى أربعًا، وإن صلَّى في البيت صلَّى ركعتين.
٨ - فضل الرَّكعتين قبل الفجر.
٩ - أنَّ ركعتي الفجر آكد من سائر الرَّواتب فلا تترك في حضرٍ ولا سفرٍ.
١٠ - شدَّة تعاهد النَّبيِّ ﷺ لركعتي الفجر.
١١ - أنَّ السُّنَّة تخفيف ركعتي الفجر، ويدلُّ له حديث عائشة ﵂ الآتي: «كان النَّبيُّ ﷺ يخفِّف الرَّكعتين اللَّتين قبل صلاة الصُّبح» (^٢).
١٢ - فضل صلاة الفجر؛ لأنَّها أولى بالفضل من راتبتها.
١٣ - أنَّه لا راتبة للعصر قبليَّةٌ ولا بعديَّةٌ، ولا للمغرب ولا للعشاء راتبةٌ قبلهما.
١٤ - من حكمة السُّنن الرَّواتب زيادة حسنات العبد ممَّا يزيد في ثوابه، ومن حكمتها جبر نقص الفرائض.
١٥ - حقارة الدُّنيا وما فيها بجنب عمل الآخرة وإن قلَّ؛ لأنَّ الدُّنيا فانيةٌ والآخرة باقيةٌ.
* * * * *
_________________
(١) مسلمٌ (٨٨١).
(٢) سيأتي الحديث برقم (٤١٨).
[ ١ / ٣٦٩ ]
(٤١٣) وَلِلْخَمْسَةِ عَنْهَا ﵂: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (^١).
(٤١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى أرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ (^٢).
(٤١٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ: قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ»، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
(٤١٦) وَفِي رِوَايَةِ ابْن حِبَّانَ: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» (^٣).
(٤١٧) وَلِمُسْلِمٍ: عَنِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْن بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَانَ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا» (^٤).
* * *
هذه الأحاديث الأربعة تضمَّنت أنواعًا من سنن الصَّلوات في أوقات الصَّلوات المكتوبة، ولكنَّها ليست من الرَّواتب الَّتي تتأكَّد المحافظة عليها وتقضى إذا فاتت.
وفيها فوائد، منها:
١ - مشروعيَّة أربع ركعاتٍ قبل الظُّهر، وهي من الرَّواتب كما تقدَّم.
٢ - مشروعيَّة أربع ركعاتٍ بعد الظُّهر، واثنتان منها من الرَّواتب كما تقدَّم.
٣ - مشروعيَّة أربع ركعاتٍ قبل صلاة العصر، وليست من الرَّواتب.
_________________
(١) أحمد (٢٦٧٧٢)، وأبو داود (١٢٦٩)، والترمذيُّ (٤٢٧)، والنَّسائيُّ (١٨١٣)، وابن ماجه (١١٦٠).
(٢) أحمد (٥٩٨٠)، وأبو داود (١٢٧١)، والترمذيُّ (٤٣٠)، وابن خزيمة (١١٩٣).
(٣) البخاريُّ (١١٨٣)، وابن حبان (١٥٨٨).
(٤) مسلمٌ (٨٣٦).
[ ١ / ٣٧٠ ]
٤ - فضل هذه الرَّكعات؛ لقوله: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً …».
٥ - التَّرغيب في صلاة ركعتين قبل المغرب وأنَّهما غير واجبتين، لقوله: «لِمَنْ شَاءَ».
٦ - حرص الصَّحابة على هاتين الرَّكعتين، يؤيِّده ما جاء في الحديث الآخر؛ أنَّهم كانوا يبتدرون السَّواري (^١).
٧ - إقرار النَّبيِّ ﷺ لهم على ذلك.
٨ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ ربَّما صلَّى هاتين الرَّكعتين، فدلَّ على هذه السُّنَّة قوله وفعله وتقريره ﷺ، وقول أنسٍ ﵁: «فلم يأمرنا ولم ينهنا» يدلُّ على أنَّه لم يبلغه أمر الرَّسول ﷺ بهما كما في حديث عبد الله بن مغفَّلٍ ﵁.
* * * * *
(٤١٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٤١٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١)﴾ [الكافرون]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ [الإخلاص]». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
(٤٢٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٤).
(٤٢١) وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^٥).
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٦٢٥)، ومسلمٌ (٨٣٧)، عن أنسٍ ﵁.
(٢) البخاريُّ (١١٦٥)، ومسلمٌ (٩٢ - ٧٢٤).
(٣) مسلمٌ (٧٢٦).
(٤) البخاريُّ (١١٦٠).
(٥) أحمد (٩٣٦٨)، وأبو داود (١٢٦١)، والترمذيُّ (٤٢٠).
[ ١ / ٣٧١ ]
هذه الأحاديث الأربعة اشتملت على سننٍ تتعلَّق بركعتي الفجر، والأحاديث الثَّلاثة الأولى صحيحةٌ، والرَّابع الَّذي فيه الأمر بالضَّجعة صحَّحه بعضهم كالتِّرمذيِّ، وضعَّفه آخرون، بل قال ابن تيميَّة: إنَّه باطلٌ (^١).
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - تخفيف ركعتي الفجر.
٢ - أنَّ من سنَّة النَّبيِّ ﷺ قراءة سورتي الإخلاص (^٢) في ركعتي الفجر بعد الفاتحة.
٣ - فضل سورتي الإخلاص.
٤ - مشروعيَّة الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر، وقد اختلف النَّاس في ذلك؛ فقيل: هذه الضَّجعة واجبةٌ؛ لحديث الأمر بها، وشذَّ ابن حزمٍ فرأى أنَّ من لم يضطجع لم تصحَّ صلاته (^٣)، وهذا من عجائبه، فأيُّ علاقةٍ بين هذه الضَّجعة وصلاة الفجر؟! وقيل: سُنَّةٌ؛ لفعله ﷺ، وقيل: إنَّها ليست مشروعةً؛ لأنَّ اضطجاع الرَّسول ﷺ للرَّاحة فهو أمرٌ عاديٌّ ولم يكن للتَّشريع، ولأنَّ الأمر بها لم يصحَّ، وقد صحَّ عن ابن عمر ﵁ أنَّه إذا رأى من يضطجع في المسجد بعد الرَّكعتين حصبه بالحصى (^٤).
وأظهر هذه الأقوال: القول الثَّالث، وهو أنَّها غير مشروعةٍ فإنَّها أشبه بالعادات الَّتي تقتضيها الحاجة.
* * * * *
_________________
(١) نقله عنه ابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٣١٩).
(٢) أي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١)﴾ فكلٌّ منهما تسمى سورة الإخلاص.
(٣) «المحلى» لابن حزمٍ (٣/ ١٩٦).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٣٤٨)، وصحَّحه المصنف في «فتح الباري» (٣/ ٤٤).
[ ١ / ٣٧٢ ]
(٤٢٢) وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٤٢٣) وَلِلْخَمْسَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى». وَقَالَ النَّسَائِيُّ: «هَذَا خَطَأٌ» (^٢).
(٤٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٣).
* * *
الحديثان اشتملا على فضل صلاة اللَّيل وصفتها، ومعنى «مَثْنَى»: ثنتين ثنتين؛ أي: كلُّ ركعتين بسلامٍ، ومعنى «تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»؛ أي: تجعل صلاته وترًا.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - ورود الأمر بصيغة الخبر.
٢ - صفة صلاة اللَّيل، وهي: التَّسليم من كلِّ ركعتين، ويستثنى من هذا الوتر، فإنَّه يجوز لثلاثٍ متَّصلةٍ بسلامٍ واحدٍ، ويجوز بخمسٍ وسبعٍ وتسعٍ.
٣ - أنَّه لا حدَّ لعدد صلاة اللَّيل، خلافًا لمن أوجب الاقتصار على إحدى عشرة.
٤ - ختم صلاة اللَّيل بالوتر.
_________________
(١) البخاريُّ (٩٩٠)، ومسلمٌ (٧٤٩).
(٢) أحمد (٤٧٩١)، وأبو داود (١٢٩٥)، والترمذيُّ (٥٩٧)، والنَّسائيُّ (١٦٦٥)، وابن ماجه (١٣٢٢)، وابن حبان (٢٤٨٢).
(٣) مسلمٌ (١١٦٣).
[ ١ / ٣٧٣ ]
٥ - أنَّ الوتر يكون ركعةً في بعض الأحيان.
٦ - أنَّ وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر.
٧ - أنَّ ختم صلاة اللَّيل بركعةٍ يصيِّرها كلَّها وترًا، وإن لم تكن الرَّكعة متَّصلةً بالصَّلاة قبلها.
٨ - أنَّ صلاة النَّهار مثنى مثنى كصلاة اللَّيل، لكن قال النَّسائيُّ عن رواية «والنَّهار» إنَّها خطأٌ، ولو لم تصحَّ هذه الرِّواية فإنَّ مجموع الأحاديث الواردة في التَّطوُّع بالصَّلاة يدلُّ على أنَّ صلاة النَّهار مثنى مثنى كصلاة اللَّيل، فإنَّه لم يحفظ أنَّه ﷺ صلَّى أربعًا بسلامٍ واحدٍ.
٩ - أنَّ صلاة اللَّيل أفضل من صلاة النَّهار؛ المطلق أفضل من المطلق، والمقيَّد أفضل من المقيَّد.
١٠ - أنَّ أفضل الصَّلاة بعد الفريضة صلاة اللَّيل.
١١ - أنَّ الفرض أفضل من التَّطوُّع.
١٢ - التَّرغيب في صلاة اللَّيل تطوُّعًا، ويدلُّ لهذا ثناؤه تعالى في كثيرٍ من الآيات على أصحاب قيام اللَّيل؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون (١٧) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨].
١٣ - تفاضل الأعمال والعاملين.
* * * * *
(٤٢٥) وَعَنْ أَبِي أيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ
[ ١ / ٣٧٤ ]
بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ وَقْفَهُ (^١).
(٤٢٦) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «ليْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ المَكْتُوبَةِ، وَلكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (^٢).
(٤٢٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: «إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الْوِتْرُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣).
(٤٢٨) عَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»، قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْوِتْرُ مَا بيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٤).
(٤٢٩) وَرَوَى أَحْمَدُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَه (^٥).
(٤٣٠) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ﵃، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَليْسَ مِنَّا»، أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٦).
(٤٣١) وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ (^٧).
* * *
_________________
(١) أبو داود (١٤٢٢)، والنَّسائيُّ (١٧١١)، وابن ماجه (١١٩٠)، وابن حبان (٢٤٠٧).
(٢) رواه النَّسائيُّ (١٦٧٥)، والترمذيُّ (٤٥٤)، والحاكم (١١١٩).
(٣) ابن حبان (٢٤٠٩).
(٤) أحمد (٣٩/ ٤٤٢)، وأبو داود (١٤١٨)، والترمذيُّ (٤٥٢)، وابن ماجه (١١٦٨)، والحاكم (١١٤٩).
(٥) أحمد (٦٦٩٣).
(٦) أبو داود (١٤١٩)، والحاكم (١١٤٧).
(٧) أحمد (٢٣٠١٩).
[ ١ / ٣٧٥ ]
هذه الأحاديث اشتملت على حكم الوتر وصفته، والوتر من صلاة اللَّيل، وهي: صلاةٌ مقيَّدةٌ بعددٍ؛ أقلُّه واحدةٌ، ويجوز بثلاثٍ وخمسٍ وسبعٍ، وكلُّها بسلامٍ واحدٍ.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الوتر سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، بل هو أوكد نوافل الصَّلاة، وهذا مذهب الجمهور، واستدلُّوا بحديث عليٍّ ﵁: «ليس الوتر بحتمٍ كهيئة المكتوبة»، وبحديث جابرٍ ﵁: «إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الْوِتْرُ» وحملوا ما ورد من الأمر به ونحوه على تأكيد الاستحباب، ولو كان واجبًا لكان صلاةً سادسةً، وقد قال ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فقال الرَّجل: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (^١). وقال بعض أهل العلم بوجوب الوتر؛ لقوله ﷺ في حديث أبي أيُّوب ﵁: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، وهذا اللَّفظ يستعمل في الواجب، والمتأكِّد الَّذي ليس بواجبٍ، واستدلَّ للوجوب بحديث بريدة ﵁: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»، لكنَّ الحديث فيه مقالٌ (^٢)، فلا ينهض لمعارضة الأحاديث الصَّحيحة.
٢ - فضل الوتر.
٣ - أنَّ وقت الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثَّاني، كما يدلُّ له حديث خارجة ﵁.
٤ - جواز الوتر بثلاثٍ وخمسٍ وسبعٍ بلا تشهُّدٍ ولا سلامٍ إلَّا في آخرها، وقد ورد الوتر بتسع ركعاتٍ، لكن يتشهَّد في الثَّامنة ولا يسلِّم، ويتشهَّد في التَّاسعة ويسلِّم (^٣).
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٤٦)، ومسلمٌ (١١) عن طلحة بن عبيد الله ﵁.
(٢) في إسناده أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكيُّ، مختلفٌ فيه، وقال المصنف في «التقريب» (٣٧٢): «صدوقٌ يخطئ».
(٣) رواه مسلمٌ (٧٤٦)، عن عائشة ﵂.
[ ١ / ٣٧٦ ]
٥ - أنَّ الوتر سنَّةٌ سنَّها الرَّسول ﷺ بقوله وبفعله.
٦ - حرصه ﷺ في التَّخفيف عن أمَّته، وخوفه ممَّا يشقُّ عليهم.
٧ - أنَّ ما شرع الله من الوتر وغيره من العبادات نعمٌ من الله على عباده يعرِّضهم بها لجزيل الثَّواب؛ لقوله في حديث خارجة ﵁: «إِنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ».
* * * * *
(٤٣٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ ولا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ولا يَنَامُ قَلْبِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٤٣٣) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا ﵂: «كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ» (^٢).
(٤٣٤) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا» (^٣).
(٤٣٥) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «مِنْ كُلِّ اللّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَانْتَهى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (^٤).
* * *
هذه الأحاديث الأربعة الَّتي روتها أمُّ المؤمنين ﵂ اشتملت على هديه ﷺ في قيام اللَّيل والوتر، وأنَّه أنواعٌ.
_________________
(١) البخاريُّ (١١٤٧)، ومسلمٌ (٧٣٨).
(٢) البخاريُّ (١١٤٠)، ومسلمٌ (٧٣٨).
(٣) مسلمٌ (٧٣٧)، والبخاري (١١٧٠) غير أنه لم يذكر الوتر بخمس.
(٤) البخاريُّ (٩٩٦)، ومسلمٌ (٧٤٥).
[ ١ / ٣٧٧ ]
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مداومته ﷺ على قيام اللَّيل.
٢ - إطالته ﷺ للصَّلاة في قيام اللَّيل، وتحمُّل مشقَّة ذلك.
٣ - أنَّ الغالب عليه في صلاته ﷺ أنَّه لا يزيد على إحدى عشرة ركعةً في رمضان ولا في غيره.
٤ - أنَّه ﷺ كان يستريح في تهجُّده فيصلِّي أربعًا ثمَّ يستريح ثمَّ يصلِّي أربعًا، ثمَّ يستريح، ثمَّ يصلِّي ثلاثًا، والصَّحيح: أنَّ الأربع بسلامين؛ لقوله ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى» (^١)، ولحديث ابن عبَّاسٍ ﵃: «أنَّه ﷺ صلَّى ركعتين ثمَّ ركعتين …» (^٢)، وقولها: «ثمَّ يصلِّي ثلاثًا» يحتمل أن تكون بسلامٍ، ويحتمل أن تكون بسلامين؛ لأنَّ الوتر يكون واحدةً وثلاثًا وخمسًا كما تقدَّم.
٥ - أنَّه ﷺ قد يوتر في آخر صلاته بركعةٍ، وقد يوتر بخمسٍ لا يجلس إلَّا في آخرها.
٦ - أنَّه ﷺ قد يصلِّي ثلاث عشرة، ولكنَّ ذلك قليلٌ.
٧ - وصف الصَّلاة بالحسن، وحسن الصَّلاة إكمالها بواجباتها وسننها وتناسبها.
٨ - أنَّ صلاة الرَّسول ﷺ غايةٌ في الحسن.
٩ - أنَّ نومه ﷺ لا كنوم غيره، فإنَّه ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه، فيغيب بالنَّوم عن الأمور الخارجة عنه ممَّا حوله ولا يغيب عن أحواله الباطنة، لذلك كان نومه غير ناقضٍ، وقد ثبت أنَّه ﷺ ينام حتَّى يكون له غطيطٌ ثمَّ يخرج إلى الصَّلاة. رواه البخاريُّ (^٣)، وفي روايةٍ: «فخرج فصلَّى ولم يتوضَّأ» (^٤). وفي هذا دليلٌ على أنَّ غطيط النَّائم ليس عيبًا.
_________________
(١) تقدَّم برقم (٤٢٣).
(٢) البخاريُّ (٩٩٢).
(٣) البخاريُّ (١١٧)، عن ابن عباسٍ ﵃.
(٤) البخاريُّ (٦٩٨).
[ ١ / ٣٧٨ ]
١٠ - أنَّه ﷺ قد يوتر في أوَّل اللَّيل، وفي وسطه، والغالب على هديه ﷺ أنَّه يوتر في آخر اللَّيل.
* * * * *
(٤٣٦) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ اللهِ! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ؛ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
عبد الله بن عمرٍو ﵃ أحد عبَّاد الصَّحابة وحفَّاظهم، لذلك خصَّه النَّبيُّ ﷺ بهذه الوصيَّة، وحكمها عامٌّ، ولعلَّ فيها إشارةً؛ أنَّ من الاجتهاد في العبادة ما يؤدِّي إلى الانقطاع، وكان عبد الله يجتهد في العبادة كثيرًا.
وفيه فوائد، منها:
١ - فضيلة عبد الله بن عمرٍو ﵃.
٢ - فضل قيام اللَّيل.
٣ - المحافظة على قيام اللَّيل.
٤ - استحباب المداومة على نوافل الطَّاعات، وفي الحديث: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» (^٢).
٥ - ذمُّ الانقطاع عمَّا تعوَّده العبد من الخير، والحذر من أسبابه.
٦ - أنَّ من عرف بما يذمُّ عليه واشتهر؛ يجوز ذكره به تحذيرًا من مثل حاله، فإنَّ الرَّسول ﷺ سمَّى ذلك الرَّجل، ولكنَّ عبد الله لم يرد ذكر اسم ذلك الرَّجل فكنَّى عنه بفلانٍ، وفلانٌ في اللُّغة كنايةٌ عمَّن لا يراد ذكر اسمه العلم، ويقال في الأنثى: فلانة.
_________________
(١) البخاريُّ (١١٥٢)، ومسلمٌ (١١٥٩).
(٢) رواه البخاريُّ (٦٤٦٥)، ومسلمٌ (٧٨٢)، عن عائشة ﵂.
[ ١ / ٣٧٩ ]
(٤٣٧) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ؛ فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
(٤٣٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٤٣٩) وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلةٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣).
(٤٤٠) وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى]، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١)﴾ [الكافرون]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ [الإخلاص]». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (^٤).
(٤٤١) وَزَادَ: «وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرهِنَّ».
(٤٤٢) وَلأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَفِيهِ: «كُلُّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي الأَخِيرَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ» (^٥).
(٤٤٣) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦).
(٤٤٤) وَلاِبْنِ حِبَّانَ: «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ» (^٧).
_________________
(١) أحمد (٨٧٧)، وأبو داود (١٤١٦)، والترمذيُّ (٤٥٣)، والنَّسائيُّ (١٦٧٤)، وابن ماجه (١١٦٩)، وابن خزيمة (١٠٦٧).
(٢) البخاريُّ (٩٩٨)، ومسلمٌ (٧٥١).
(٣) أحمد (١٦٢٩٦)، وأبو داود (١٤٣٩)، والترمذيُّ (٤٧٠)، والنَّسائيُّ (١٦٧٨)، وابن حبان (٢٤٤٩).
(٤) أحمد (٢١١٤١)، وأبو داود (١٤٢٣)، والنَّسائيُّ (١٧٠٠).
(٥) أبو داود (١٤٢٤)، والترمذيُّ (٤٦٣).
(٦) مسلمٌ (٧٥٤).
(٧) ابن حبان (٢٤٠٨).
[ ١ / ٣٨٠ ]
(٤٤٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^١).
(٤٤٦) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ خَافَ أَلَّا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(٤٤٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ، فَأَوْتِرُوا قبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣).
* * *
هذه عشرة أحاديث تضمَّنت جملةً من أحكام الوتر، وبيانها يأتي ضمن ذكر الفوائد، وهي:
١ - فضل حفَّاظ القرآن القائمين به.
٢ - تأكُّد الوتر في حقِّهم أكثر من غيرهم.
٣ - أنَّ من أسماء الله الوتر.
٤ - إثبات صفة المحبَّة لله.
٥ - أنَّ الله يحبُّ الوتر، وهذا مجملٌ تبيِّن مواضعه الأحاديث الدَّالَّة على استحباب الوتر أو وجوبه، فإنَّه يجب في: الطَّواف، والسَّعي، ورمي الجمار، والسُّجود على سبعة أعضاءٍ، ويستحبُّ في الوضوء، وفي تغسيل الميِّت، وفي أكل التَّمرات قبل الذَّهاب لصلاة عيد الفطر.
٦ - أنَّ محلَّ الوتر آخر الصَّلاة باللَّيل.
_________________
(١) أحمد (١١٢٦٤)، وأبو داود (١٤٣١)، والترمذيُّ (٤٦٥)، وابن ماجه (١١٨٨).
(٢) مسلمٌ (٧٥٥).
(٣) الترمذيُّ (٤٦٩).
[ ١ / ٣٨١ ]
٧ - استحباب الوتر أوَّله لمن خاف ألَّا يقوم آخره، ويشهد لذلك وصيَّة النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة ﵁ أن يوتر قبل أن ينام (^١).
٨ - استحباب الوتر آخر اللَّيل لمن وثق أنَّه يقوم في هذا الوقت.
٩ - أنَّ آخر وقت الوتر قبل طلوع الفجر، يدلُّ لذلك عدَّة أحاديث.
١٠ - أنَّه إذا طلع الفجر ذهب وقت صلاة اللَّيل والوتر.
١١ - النَّهي عن الوتر مرَّتين، فمن أوتر أوَّل اللَّيل فلا يوتر آخره؛ لقوله ﷺ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ»، لكن من بدا له أن يصلِّي بعد الوتر فلا حرج عليه، لكن لا يوتر مرَّةً أخرى.
وذهب بعض السَّلف إلى أنَّ من أوتر أوَّل اللَّيل وأراد أن يصلِّي آخره صلَّى ركعةً يشفع بها الوتر السَّابق، ثمَّ يصلِّي ما بدا له ثمَّ يوتر، وهذا خلاف قوله ﷺ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلةٍ»، بل يتضمَّن الوتر ثلاث مرَّاتٍ! ومن جهة النَّظر: كيف توصل ركعةٌ بركعةٍ قد مضى عليها ساعاتٌ؟! ولم تنو هذه الرَّكعة اللَّاحقة.
١٢ - أنَّ من نام عن الوتر أو نسيه قضاه في النَّهار لكن يشفعه، فمن كان يوتر بثلاثٍ صلَّى أربعًا، أو بخمسٍ صلَّى ستًّا، لما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه إذا فاته ورده من اللَّيل صلَّى من الضُّحى ثنتي عشرة ركعةً (^٢).
١٣ - مشروعيَّة قراءة السُّور الثَّلاث في الوتر: الأعلى، الكافرون، الإخلاص، كلُّ سورةٍ في ركعةٍ.
١٤ - قراءة المعوِّذتين مع سورة الإخلاص.
١٥ - فضل هذه السُّور الثَّلاث، ويدلُّ لذلك أنَّ ﴿سَبِّحِ﴾ [سورة الأعلى] كان يقرأ بها النَّبيُّ ﷺ في الجمعة والعيدين، وسورتي (الكافرون) و(الإخلاص)
_________________
(١) رواه البخاريُّ (١٩٨١)، ومسلمٌ (٧٢١)، عن أبي هريرة ﵁ قال: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ … وأن أوتر قبل أن أنام».
(٢) رواه مسلمٌ (٧٤٦)، عن عائشة ﵂.
[ ١ / ٣٨٢ ]
يقرأ بهما في ركعتي الفجر وركعتي الطَّواف. وسورة (الإخلاص) تعدل ثلث القرآن.
* * * * *
(٤٤٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٤٤٩) وَلَهُ عَنْهَا ﵂ أَنَّهَا سُئِلَتْ: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» (^٢).
(٤٥٠) وَلَهُ عَنْهَا ﵂: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإنِّي لَأُسَبِّحُهَا» (^٣).
(٤٥١) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤).
(٤٥٢) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ (^٥).
(٤٥٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ بَيْتِي، فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» (^٦).
* * *
هذه الأحاديث تبيِّن حكم صلاة الضُّحى وصفتها، وإضافة الصَّلاة إلى الضُّحى من إضافة الشَّيء إلى سببه وهو وقتها كصلاة الظُّهر وصلاة الفجر ونحو ذلك.
_________________
(١) مسلمٌ (٧١٩).
(٢) مسلمٌ (٧١٧).
(٣) مسلمٌ (٧١٨).
(٤) رواه مسلمٌ (٧٤٨). ولم أجده عند الترمذيِّ.
(٥) الترمذيُّ (٤٧٣).
(٦) ابن حبان (٢٥٣١).
[ ١ / ٣٨٣ ]
وقد دلَّ على مشروعيَّة صلاة الضُّحى سننٌ قوليَّةٌ وفعليَّةٌ، فأمَّا القوليَّة؛ فما جاء في وصيَّة النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة ﵁ (^١)، وقوله ﷺ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» وفيه: «وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (^٢)، وحديث زيد بن أرقم ﵁ المذكور في الباب. وأمَّا الفعليَّة؛ فهذه الأحاديث الَّتي ساقها الحافظ ﵀، عن عائشة ﵂.
وهذه الأحاديث تدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يداوم على صلاة الضُّحى، ولم يكن يداوم على عددٍ معيَّنٍ من الصَّلاة؛ فتارةً يصلِّي الضُّحى أربعًا، وتارةً ثمانيًا، وثبت أنَّه ﷺ صلَّى ضحى يوم الفتح بمكَّة ثماني ركعاتٍ (^٣)، لكن قال بعض أهل العلم: إنَّ هذه صلاة الفتح؛ أي صلَّى هذه الصَّلاة شكرًا لله ﷿ على نعمة الفتح.
لذا اختلف العلماء: فذهب الجمهور إلى استحباب صلاة الضُّحى واستحباب المداومة عليها، وكره بعضهم المداومة عليها. واختار شيخ الإسلام استحباب المداومة عليها لمن لا يقوم آخر اللَّيل؛ أخذًا من وصيَّة النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة ﵁ (^٤)، وقد أوصاه أن يوتر قبل أن ينام.
والرَّاجح -والله أعلم-: هو القول الأوَّل، وهو أنَّه يستحبُّ المداومة عليها، لحديث أبي هريرة وأبي ذرٍّ ﵃، وأمَّا حديث عائشة ﵂: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي سبحة الضُّحى قطُّ، وإنِّي لأسبِّحها» فأحسن ما يقال في الجواب عنه: إنَّه مرجوحٌ في مقابل الأحاديث الصَّحيحة من فعله ﷺ وقوله، فإنَّه لا
_________________
(١) رواه البخاريُّ (١٩٨١)، ومسلمٌ (٧٢١)، عن أبي هريرة ﵁ قال: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ … وركعتي الضُّحى …».
(٢) رواه مسلمٌ (٧٢٠)، عن أبي ذرٍّ ﵁.
(٣) رواه البخاريُّ (٣٥٧)، ومسلمٌ (٣٣٦)، عن أمِّ هانئ ﵂، وذلك حين ذهبت إلى رسول الله ﷺ تشتكي عليًّا ﵁، وتطلب منه ﷺ أن يجير من أجارت.
(٤) «الفتاوى الكبرى» (٢/ ١٢٨).
[ ١ / ٣٨٤ ]
يمكن الجمع بين قولها: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الضُّحى أربعًا» وقولها: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي سبحة الضُّحى قطُّ، وإنِّي لأسبِّحها» فإنَّ هذا تقابلٌ بين النَّفي والإثبات في أمرٍ واحدٍ عن راوٍ واحدٍ. وفي قولها: «وإنِّي لأسبِّحها» مع قولها: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي سبحة الضُّحى» نكارةٌ (^١)، فاللَّائق أن تقول: فأنا لا أسبِّحها؛ أي: اقتداءً بتركه ﷺ.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة صلاة الضُّحى.
٢ - فضل صلاة الضُّحى.
٣ - أنَّ أقلَّها ركعتان.
٤ - أنَّ أكثرها ثمان ركعاتٍ، وما زاد فمن التَّطوُّع المطلق، وقيل: لا حدَّ لأكثرها (^٢)؛ لقول عائشة ﵂: «ويزيد ما شاء الله».
٥ - أنَّ وقتها من ارتفاع الشَّمس إلى أن يقوم قائم الظَّهيرة.
٦ - أنَّ أفضل وقتها حين ترمض الفصال؛ أي: حين تجد حرَّ الرَّمضاء.
٧ - أنَّ الرَّسول ﷺ لم يكن يداوم على صلاة الضُّحى، وإن كانت أحاديثه القوليَّة تقتضي استحباب المداومة عليها.
٨ - استحباب صلاة ركعتين لمن قدم من سفرٍ، وتكون في مسجدٍ، كما دلَّ لذلك حديث كعب بن مالكٍ وحديث جابرٍ ﵃، قال كعبٌ ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين» (^٣).
_________________
(١) قال بالنكارة أيضًا ابن عبد البرِّ. «التمهيد» (٨/ ١٤٥).
(٢) «فتح الباري» (٣/ ٥٤).
(٣) رواه البخاريُّ (٤٤١٨)، ومسلمٌ (٢٧٦٩).
[ ١ / ٣٨٥ ]
٩ - فضل الأوّاب؛ وهو الرَّجَّاع إلى الله بفعل الصَّالحات والتَّوبة من السَّيِّئات.
١٠ - تسمية صلاة الضُّحى سبحةً، وتسمية التَّنفُّل بالصَّلاة مطلقًا تسبيحًا، كما قال ابن عمر ﵃: «لو كنت مسبِّحًا لأتممت» (^١).
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاريُّ (١١٠١)، ومسلمٌ (٦٨٩).
[ ١ / ٣٨٦ ]