هذا الباب يشتمل على موضوعين:
١ - صلاة الجماعة.
٢ - الإمامة.
والمقصود من هذا الباب: بيان حكم صلاة الجماعة وأحكامها وأحكام الإمامة. والإمامة من أحكام صلاة الجماعة، وإضافة الصَّلاة إلى الجماعة من إضافة الشَّيء إلى نوعه، أو إلى صفته.
وقوله: «والإمامة» معطوفٌ على الصَّلاة، والتَّقدير: باب صلاة الجماعة وباب الإمامة، وهو يشبه عطف الخاصِّ على العامِّ.
* * * * *
(٤٥٤) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٤٥٥) وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» (^٢).
(٤٥٦) وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، وَقَالَ: «دَرَجَةً» (^٣).
(٤٥٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ.
_________________
(١) البخاريُّ (٦٤٥)، ومسلمٌ (٦٥٠).
(٢) البخاريُّ (٦٤٨)، ومسلمٌ (٦٤٩).
(٣) البخاريُّ (٦٤٦).
[ ١ / ٣٨٧ ]
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
(٤٥٨) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٤٥٩) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى المَسْجِدِ. فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلّى دَعَاهُ؛ فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَجِبْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
(٤٦٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ (^٤).
* * *
هذه الأحاديث تضمَّنت حكم صلاة الجماعة وبيان فضلها، فأمَّا حكمها فقد اختلف فيه أهل العلم على مذاهب:
أَحَدُهَا: أنَّها واجبةٌ على الأعيان من الرِّجال المكلَّفين، واستدلَّ لهذا القول بأدلَّةٍ؛ منها: أحاديث أبي هريرة ﵁ الثَّلاثة، وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃، وهي ظاهرة الدَّلالة على الوجوب.
الثَّانِي: أنَّها سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، واستدلُّوا بأحاديث فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ؛ كحديث ابن عمر ﵃ وحديث أبي هريرة ﵁ المذكورين في الباب، فتارك الجماعة عندهم تاركٌ لما هو أفضل، وهذه حجَّةٌ ضعيفةٌ؛ فإنَّ الأفضليَّة لا تنافي الوجوب، ولا جواب لهم عن أدلَّة الموجبين لصلاة الجماعة.
_________________
(١) البخاريُّ (٦٤٤)، ومسلمٌ (٦٥١).
(٢) البخاريُّ (٦٥٧)، ومسلمٌ (٦٥١).
(٣) مسلمٌ (٦٥٣).
(٤) ابن ماجه (٧٩٣)، والدارقطنيُّ (١٥٥٥)، وابن حبان (٢٠٦٤)، والحاكم (٨٩٧).
[ ١ / ٣٨٨ ]
وَالثَّالِثُ: أنَّها فرض كفايةٍ، تجب إقامتها في مسجدٍ من البلد أو في مساجد البلد، ولعلَّهم في هذا قصدوا إلى الجمع بين الأدلَّة، ولكنَّ أدلَّة الوجوب لا تحتمل فرض الكفاية، فالرَّسول ﷺ همَّ بتحريق بيوت المتخلِّفين مع إقامة صلاة الجماعة في مسجده ﷺ.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ صلاة الجماعة شرطٌ؛ فلا تصحُّ صلاة منفردٍ ما دامت الجماعة الرَّاتبة باقيةً، فمن صلَّى قبل فراغها لم تصحَّ صلاته؛ كصلاة الجمعة، لا تصحُّ صلاة الظُّهر ممَّن تجب عليهم إلَّا بعد انقضائها.
وذهب بعض الشُّرَّاح إلى أنَّ الأحاديث لم تدلَّ على وجوب الجماعة إلَّا في مسجده ﷺ (^١)، ولا وجه لهذا التَّخصيص؛ فليس في شيءٍ من الأحاديث التَّقييد بمسجده ﷺ، وقد كان للصَّحابة ﵃ في عصره ﷺ مساجد يصلُّون فيها غير مسجده.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ صلاة الجماعة في المسجد تفضل على صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين ضعفًا أو خمسٍ وعشرين درجةً أو جزءًا، والضِّعف والدَّرجة والجزء معناها واحدٌ، وهو مقدارٌ من الأجر.
وهذا التَّفاوت في مقدار التَّضعيف والدَّرجات بين سبعٍ وعشرين وخمسٍ وعشرين، قيل: إنَّه راجعٌ إلى أنَّ الرَّسول ﷺ أخبر أوَّلًا بخمسٍ وعشرين ثمَّ أخبر بسبعٍ وعشرين زيادةً تفضَّل الله بها. وقيل: إنَّ ذلك راجعٌ إلى تفاوت الجماعات في الكثرة والقلَّة والبعد والقرب في المساجد. والله أعلم.
٢ - أنَّ الجماعة الَّتي لها هذا التَّضعيف والتَّفضيل هي الجماعة الرَّاتبة، الَّتي تقام في المسجد، يدلُّ لذلك حديث أبي هريرة ﵁ الَّذي اختصره المؤلِّف،
_________________
(١) هو الصنعانيُّ.
[ ١ / ٣٨٩ ]
ولفظه: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ولا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ». فعلَّل التَّضعيف بما ذكر من التَّطهُّر والخروج إلى المسجد، وكتابة الخطى، وصلاة الملائكة.
٣ - التَّرغيب في صلاة الجماعة.
٤ - سعة فضل الله تعالى بمضاعفة الحسنات لعباده.
٥ - صحَّة صلاة الفذِّ ولو ترك الجماعة من غير عذرٍ؛ لأنَّه ﷺ أثبت لها قدرًا من الثَّواب تزيد عليه صلاة الجماعة بخمسٍ وعشرين أو سبعٍ وعشرين.
٦ - وجوب صلاة الجماعة على كلِّ مكلَّفٍ قادرٍ من الرِّجال.
٧ - جواز القسم بدون استحلافٍ؛ للتَّأكيد وبيان أهمِّيَّة الأمر.
٨ - جواز القسم بهذه الصِّيغة «والَّذي نفسي بيده» وإثبات اليد لله.
٩ - أنَّه لا يلزم من الهمِّ بالشَّيء فعله، فقد يمنع منه مانعٌ.
١٠ - جواز معاقبة المتخلِّف عن الجماعة من غير عذرٍ.
١١ - جواز التَّعزير بإتلاف المال.
١٢ - جواز التَّخلُّف عن صلاة الجماعة الرَّاتبة لتغيير منكرٍ يفوت.
١٣ - وجوب الصَّلاة جماعةً في المسجد.
١٤ - أنَّ إقامة صلاة الجماعة في البيوت لا يسقط وجوب صلاة الجماعة في المسجد؛ لقوله ﷺ: «لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ»، ولم يقل: لا يصلُّون جماعةً.
١٥ - أنَّ الصَّلاة ثقيلةٌ على المنافقين، وأثقلها صلاة العشاء والفجر.
١٦ - عظم أجر هاتين الصَّلاتين.
١٧ - إيثار المنافقين لمنافع الدُّنيا -وإن كانت زهيدةً- على ثواب الآخرة.
[ ١ / ٣٩٠ ]
١٨ - التَّحذير من مشابهة المنافقين في ذلك.
١٩ - التَّخلُّف عن صلاة الجماعة من سمات المنافقين.
٢٠ - فضل العلم لأهله العاملين، وأنَّه يحمل على العمل.
٢١ - سقوط الجماعة بالأعذار الشَّرعيَّة؛ كالمرض والخوف وغيرهما.
٢٢ - أنَّ مناط وجوب الجماعة سماع النِّداء، فمن لم يسمع النِّداء لبعده لم تجب عليه، ولا عبرة بسماع النِّداء بمكبِّرات الصَّوت مع بعد المكان، ويشهد له قوله ﷺ في حديث الأعمى: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قال: نعم. قال: «فَأَجِبْ».
٢٣ - أنَّ العمى ليس عذرًا في ترك الجماعة إذا كان الأعمى يمكنه الحضور.
٢٤ - جواز رجوع العالم عن فتواه لمقتضٍ يوجب ذلك.
٢٥ - أنَّ صلاة الجماعة واجبةٌ على الأعيان من وجوهٍ:
- همُّ النَّبيِّ ﷺ بتحريق بيوت المتخلِّفين عن شهود الصَّلاة.
- أنَّه لم يرخِّص للأعمى حين طلبه الرُّخصة في التَّخلُّف عن صلاة الجماعة.
- قوله ﷺ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»، وهذا الحديث استدلَّ به من قال إنَّ الجماعة شرطٌ، فلا تصحُّ صلاة المتخلِّف إلَّا إذا فاتته صلاة الجماعة كالجمعة، واستدلَّ به من قال بوجوب الجماعة على الأعيان، فيأثم المتخلِّف وإن كانت صلاته صحيحةً. وأمَّا من قال: إنَّ الجماعة سنَّةٌ أو فرض كفايةٍ، فتأوَّلوا هذا الحديث على معنى: لا صلاة كاملةٌ.
٢٦ - أنَّ المرأة لا يجب عليها حضور الجماعة.
* * * * *
[ ١ / ٣٩١ ]
(٤٦١) وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟»، قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَدْرَكْتُمَا الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
يزيد بن الأسود العامريُّ ﵁ كما جاء في المسند، وليس هو يزيد بن الأسود الجُرشيُّ ﵀ الذي كان معاوية ﵁ يقدِّمه في الاستسقاء لصلاحه؛ رجاء بركة دعائه، كما كان عمر ﵁ يفعل ذلك مع العبَّاس ﵁ عمِّ النَّبيِّ ﷺ، وكانت صلاة يزيد العامريِّ مع النَّبيِّ ﷺ في حجَّة الوداع بمنًى.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة إعادة الصَّلاة لمن صلَّى ثمَّ أدركها مع الإمام، وقد اختلف العلماء في هذا الموضع في مسألتين:
أولاهما: أيُّ الصَّلاتين يعتدُّ بها المكلَّف لفرضه؟ على ثلاثة مذاهب:
١ - قيل: الفريضة الأولى، والثَّانية نافلةٌ.
٢ - وقيل: بالعكس.
٣ - وقيل: يفوَّض الأمر إلى الله يختار لعبده الأولى أو الثَّانية.
والأوَّل هو الصَّواب؛ لقوله ﷺ: «فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ»، والظَّاهر عود الضَّمير إلى الصَّلاة مع الإمام.
_________________
(١) أحمد (١٧٤٧٤)، وأبو داود (٥٧٥)، والترمذيُّ (٢١٩)، والنَّسائيُّ (٨٥٧)، وابن حبان (١٥٦٥).
[ ١ / ٣٩٢ ]
والمسألة الثَّانية: هل تشرع إعادة الصَّلاة لمن أدركها مع الإمام في جميع الصَّلوات الخمس؟ هذا هو ظاهر عموم الحديث. وقيل: لا تعاد في وقت النَّهي، فلا تعاد الفجر والعصر. وسبب الحديث يردُّ هذا القول، وهو أنَّ قصَّة الرَّجلين إنَّما كانت في صلاة الفجر.
وقيل: لا تعاد صلاة المغرب؛ لأنَّها وتر النَّهار، وهذا التَّعليل لا ينهض لمعارضة عموم الحديث.
٤ - فضيلة يزيد بن الأسود ﵁ لحجِّه مع النَّبيِّ ﷺ وصلاته معه.
٥ - صحَّة صلاة من صلَّى في بيته؛ لقول الرَّجلين: «قد صلَّينا في رحالنا».
٦ - أنَّ من صلَّى ثمَّ جاء إلى مسجد جماعةٍ ولم يصلِّ الإمام فإنَّه يؤمر بالصَّلاة معهم، وينهى عن الجلوس في المسجد والنَّاس يصلُّون؛ لئلَّا يتَّهم بترك الصَّلاة.
٧ - اجتناب مواقف التُّهم.
٨ - أنَّ الصَّلاة الثَّانية نافلةٌ والأولى هي الفريضة.
٩ - التَّثبُّت قبل الإنكار.
١٠ - تفقُّد الإمام لمن في المسجد.
١١ - أنَّ استدعاء المخطئ يوجب خوفه من العقاب.
١٢ - إقامة الصَّلوات الخمس في مسجد الخيف أيَّام منًى.
١٣ - جواز إعادة صلاة الفجر مع الإمام ومثلها العصر، خلافًا لمن منع ذلك من أجل النَّهي عن الصَّلاة في الوقتين.
١٤ - تخصيص عموم أحاديث النَّهي عن الصَّلاة بعد الفجر وبعد العصر بذوات الأسباب؛ كتحيَّة المسجد وصلاة الكسوف.
* * * * *
[ ١ / ٣٩٣ ]
(٤٦٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، ولا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، ولا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا، ولا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (^١).
* * *
هذا أوَّل الأحاديث المتعلِّقة بالإمامة من أحاديث الباب، وهو أصلٌ في باب الإمامة، والإمام هو من يتقدَّم غيره حسًّا أو معنًى، والإمام في الصَّلاة هو: من يقتدى به ويتبع في صلاة الجماعة، وقد تضمَّن هذا الحديث صفة الائتمام، والاقتداء بالإمام.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة اتِّخاذ الإمام في صلاة الجماعة، وهو واجبٌ بل لا تمكن صلاة الجماعة إلَّا بإمامٍ.
٢ - الحكمة من جعل الإمام، وهي الائتمام به.
٣ - أنَّ الائتمام بالإمام هو أعظم المقصود من جعله، وهو ما يفيده الحصر «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ».
٤ - إثبات الجعل الشَّرعيِّ.
٥ - وجوب الائتمام بالإمام، وذلك بالإتيان بأفعال الصَّلاة كلِّها وبعض الأقوال من بعده.
_________________
(١) أبو داود (٦٠٣). وأصله في البخاريِّ (٧٣٤)، ومسلمٍ (٤١٧).
[ ١ / ٣٩٤ ]
٦ - أنَّه لا يجب الائتمام به في النِّيَّة كمن يصلِّي الظُّهر خلف من يصلِّي العصر.
٧ - تحريم التَّقدُّم على الإمام، وهو ما يعرف بمسابقة الإمام.
٨ - وجوب مراعاة صفة الائتمام في تكبيرة الإحرام وفي الرُّكوع وفي الرَّفع منه وفي التَّسميع وفي السُّجود والقيام والقعود.
٩ - أنَّ المأموم يقول: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، بعد قول الإمام: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».
١٠ - صحَّة إمامة القاعد.
١١ - اتِّباعه في القعود، وقد ثبت ذلك من فعله ﷺ حين صلَّى قاعدًا، وأشار إلى من كان خلفه أن اجلسوا، وقد اختلف العلماء في قعود المأموم إذا كان الإمام قاعدًا، فقيل: إنَّ ذلك منسوخٌ بحديث عائشة ﵂ الآتي، وفيه أنَّ أبا بكرٍ ﵁ ابتدأ الصَّلاة قائمًا، ثمَّ جاء النَّبيُّ ﷺ، وذلك في مرضه ﵊، فجلس عن يسار أبي بكرٍ ﵁، فكان أبو بكرٍ يقتدي بالنَّبيِّ ﷺ قائمًا، ويقتدي النَّاس بصلاة أبي بكرٍ قيامًا، فجمع بينهما بعض أهل العلم (^١) فقال: إن ابتدأ الصَّلاة قاعدًا صلَّى من خلفه قعودًا، وإن ابتدأ الصَّلاة قائمًا ثمَّ عرض له ما يوجب القعود صلَّى من خلفه قيامًا، وخصَّ الإمام أحمد ذلك بالإمام الرَّاتب.
وعلى هذا فقوله ﷺ: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» مخصِّصٌ لقوله ﷺ لعمران بن حصينٍ ﵁: «صَلِّ قَائِمًا» (^٢).
* * * * *
_________________
(١) هو الإمام أحمد. «المغني» (٣/ ٦٢).
(٢) تقدَّم برقم (٣٧٤).
[ ١ / ٣٩٥ ]
(٤٦٣) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث من أحاديث الحثِّ على التَّقدُّم إلى صلاة الجماعة مثل حديث «خير صفوف الرِّجال أوَّلها» (^٢) وحديث «لو يعلم النَّاس ما في النِّداء والصَّفِّ الأوَّل …» الحديث (^٣).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تفقُّد النَّبيِّ ﷺ لأصحابه ﵃.
٢ - تفقُّد الإمام لجماعة مسجده.
٣ - موعظة الإمام لمن رأى منه تقصيرًا فيما ينبغي.
٤ - الأمر بالتَّقدُّم إلى صلاة الجماعة.
٥ - الأمر بالائتمام بالنَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة، وهو يحتمل الائتمام العامَّ، ذكره عياضٌ (^٤) فيكون كقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» (^٥)، ويحتمل أن يراد به ائتمام المأموم بالإمام، وأكثر الشُّرَّاح على هذا، فيكون كقوله: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (^٦) وهذان الاحتمالان يجريان في قوله: «وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» فيكون معنى «وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» إمَّا: فليقتد بكم من يجيء بعدكم من التَّابعين، وإمَّا: فليقتد بكم من خلفكم من الصُّفوف المتأخِّرة، وذلك باستدلالهم على ما يفعله الإمام بما يفعله أهل الصُّفوف المتقدِّمة، وبناءً على هذا قال بعضهم: إنَّ المسبوق إذا أدرك المأمومين ركوعًا فركع معهم أدرك
_________________
(١) مسلمٌ (٤٣٨).
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢).
(٣) رواه مسلمٌ (٤٣٧)، عن أبي هريرة ﵁.
(٤) ينظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلمٍ» (٢/ ٣٥١).
(٥) تقدَّم برقم (٣٧٣).
(٦) تقدَّم برقم (٤٦٢).
[ ١ / ٣٩٦ ]
الرَّكعة مستدلًّا بهذا الحديث، وهذا ضعيفٌ! فإنَّ المعوَّل في إدراك الرَّكعة إدراك الرُّكوع مع الإمام.
٦ - التَّحذير الشَّديد من التَّأخُّر عن حضور صلاة الجماعة، لقوله ﷺ في آخر حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁: «وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ».
٧ - أنَّ من عقوبة السَّيِّئة السَّيِّئة بعدها، وشواهد هذا كثيرةٌ.
* * * * *
(٤٦٤) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجْرَةً بِخَصَفَةٍ، فَصَلَّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ …» الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
قوله: «احتجر»؛ أي: احتجز مكانًا من المسجد ليصلِّي فيه من اللَّيل صلاة تطوُّعٍ. والخصفة: ما ينسج من خوص النَّخل، ومعناه: جعل الخصفة حاجزًا دون النَّاس، وقوله: «فتتبَّع إليه رجالٌ»؛ أي: شعر به رجالٌ فطلبوا موضعه واجتمعوا إليه، فصلَّوا بصلاته ﷺ، وفي الحديث أنَّهم انتظروه ليلةً فلم يخرج إليهم ﷺ ثمَّ قال لهم: «فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ».
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز احتجاز مكانٍ من المسجد للانفراد فيه ما لم يضيِّق على المصلِّين، ومن هذا القبيل الخباء للمعتكف.
٢ - حرص الصَّحابة ﵃ على الخير.
٣ - صلاة النَّافلة جماعةً إذا لم يتَّخذ ذلك راتبًا.
_________________
(١) البخاريُّ (٧٣١)، ومسلمٌ (٧٨١).
[ ١ / ٣٩٧ ]
٤ - جواز الائتمام بمن دخل في الصَّلاة منفردًا.
٥ - أنَّ صلاة التَّطوُّع في البيت أفضل منها في المسجد.
٦ - التَّرغيب في الصَّلاة في البيوت.
٧ - أنَّ الصَّلاة المكتوبة الأفضل أن تكون في المسجد، وتقدَّم حكم صلاة الجماعة وأنَّها واجبةٌ.
٨ - رحمة النَّبيِّ ﷺ بأمَّته وخشيته ممَّا يشقُّ عليهم.
٩ - أنَّ العمل المفروض لا خيار فيه للمكلَّف.
١٠ - أنَّ صلاة النَّبيِّ ﷺ في المسجد تطوُّعًا كصلاته في بيته؛ أي: في الفضل، وهذا خاصٌّ به ﵊.
١١ - جواز أن يكون بين الإمام والمأموم حاجزٌ.
* * * * *
(٤٦٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ وَ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضل معاذٍ ﵁؛ وذلك من جهة حرصه على الصَّلاة مع النَّبيِّ ﷺ، ومن جهة رغبته في الصَّلاة، لذلك يطيل فيها.
٢ - صحَّة صلاة المفترض خلف المتنفِّل، فإنَّ صلاة معاذٍ ﵁ الثَّانية نافلةٌ.
_________________
(١) البخاريُّ (٧٠٥)، ومسلمٌ (٤٦٥).
[ ١ / ٣٩٨ ]
٣ - جواز إعادة الصَّلاة جماعةً لسببٍ.
٤ - التَّحذير ممَّا ينفِّر عن الصَّلاة.
٥ - مشروعيَّة التَّأليف على الدِّين وتحبيب العبادة للنَّاس في حدود ما دلَّت عليه السُّنَّة.
٦ - الإنكار على من خالف السُّنَّة ولو كان مجتهدًا والإغلاظ له.
٧ - بيان مقدار القراءة في صلاة العشاء.
٨ - الإرشاد إلى قراءة هذه السُّور ونحوها من أوساط المفصَّل في صلاة العشاء.
٩ - أنَّ السُّنَّة القراءة بالسُّورة كلِّها، لقوله: «اقْرَأْ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ [سورة الشمس] و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [سورة الأعلى]»، ولم يثبت أنَّه ﷺ قسم السُّورة بين ركعتين إلَّا ما ورد من قراءته ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون (١)﴾ [المؤمنون]، حيث أخذته سعلةٌ فركع عند قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين (٤٥)﴾ [المؤمنون: ٤٥] (^١)، وورد أنه ﷺ قرأ في الفجر بالصافات.
* * * * *
(٤٦٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ -فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ- قَالَتْ: «فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أبو بكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بكْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
تقدَّمت الإشارة إلى هذا الحديث في مسألة إمامة القاعد؛ في الكلام على قوله ﷺ: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ» (^٣).
_________________
(١) رواه البخاريُّ معلقًا (١/ ٢٥١)، ووصله مسلمٌ (٤٥٥)، عن عبد الله بن السائب ﵃.
(٢) البخاريُّ (٧١٣)، ومسلمٌ (٤١٨).
(٣) تقدَّم برقم (٤٦٢).
[ ١ / ٣٩٩ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الرَّسول ﷺ بشرٌ تعرض له العوارض البشريَّة كالمرض.
٢ - فضل أبي بكرٍ ﵁ على سائر الصَّحابة ﵃.
٣ - جواز الاستنابة في الإمامة.
٤ - جواز عزل النَّائب في الإمامة أثناء الصَّلاة، لكن ذلك لا ينبغي إلَّا في أوَّل الصَّلاة؛ لئلَّا يلزم من ذلك تمام صلاة المأموم قبل الإمام، فإن وقع ذلك سلَّم المأموم الَّذي تمَّت صلاته وتابع المسبوق مع الإمام، وإن انتظر من تمَّت صلاته حتَّى يسلِّم الإمام فحسنٌ. والله أعلم.
٥ - صلاة المأموم قائمًا خلف الإمام القاعد، قيل: هذا الحديث ناسخٌ للحديث المتقدِّم: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ»، وقيل بالفرق بين ما إذا ابتدأ الصَّلاة قاعدًا فيصلِّي المأموم خلفه قاعدًا أو ابتدأها قائمًا ثمَّ اعتلَّ فجلس فيستمرُّ المأموم قائمًا. وبهذا جمع الإمام أحمد بين الحديثين كما تقدَّم.
٦ - جواز التَّبليغ عن الإمام لحاجةٍ؛ كضعف صوته أو بعد المأموم.
٧ - جواز استعمال مكبِّر الصَّوت عند الحاجة من غير مبالغةٍ.
٨ - جواز الانتقال من الإمامة إلى الائتمام.
٩ - جواز انتقال المأمومين من إمامٍ إلى إمامٍ.
١٠ - الإشارة إلى استخلاف أبي بكرٍ ﵁.
* * * * *
(٤٦٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (٧٠٣)، ومسلمٌ (٤٦٧).
[ ١ / ٤٠٠ ]
موضوع الحديث هو بعض ما يجب على الإمام للمأمومين، وهو التَّخفيف.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الإمامة في صلاة الجماعة.
٢ - أنَّ الإمام ليس له أن يصلِّي كيف شاء.
٣ - وجوب مراعاة الإمام للمأمومين بالتَّخفيف، ما لم يؤدِّ إلى الإخلال بواجبات الصَّلاة، بل قال بعض العلماء: إنَّ التَّخفيف الَّذي أمر به النَّبيُّ ﷺ هو ما كان يفعله ﵊.
٤ - أنَّ ذلك رعايةٌ لحال الضُّعفاء وذوي الحاجات.
٥ - أنَّ رعاية المأمومين عامٌّ في الفرض والنَّفل.
٦ - في الحديث شاهدٌ لقاعدة يسر هذا الدِّين.
٧ - أنَّ من صلَّى وحده له أن يطوِّل ما شاء ما لم يؤدِّ إلى خروج الوقت أو يخرج العبادة إلى صورة البدعة.
٨ - أنَّ من صلَّى بقومٍ محصورين يعلم رضاهم فهو كمن صلَّى وحده.
* * * * *
(٤٦٨) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيّ ﷺ حَقًّا، قَالَ: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (^١).
(٤٦٩) وَعَنْ أبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ
_________________
(١) البخاريُّ (٤٣٠٢)، وأبو داود (٥٨٥)، والنَّسائيُّ (٦٣٥).
[ ١ / ٤٠١ ]
سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا -وفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا- ولا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، ولا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ؛ إِلَّا بِإِذْنِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٤٧٠) وَلاِبْنِ مَاجَه: مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: «وَلَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، ولا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، ولا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا». وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ (^٢).
* * *
هذه الأحاديث فيها بيان الأحقِّ بالإمامة، ومن لا تصحُّ إمامته، دلَّ على المسألة الأولى الحديثان الأوَّلان، الأوَّل منهما في البخاريِّ، والثَّاني في مسلمٍ، ودلَّ على المسألة الثَّانية الحديث الثَّالث، وهو عند ابن ماجه، وقال فيه المصنِّف: «وإسناده واهٍ»، فهو ضعيفٌ شديد الضَّعف.
والحديثان فيهما فوائد، منها:
١ - فضيلة عمرو بن سلمة ﵁، حيث كان أكثر حفظًا للقرآن مع صغر سنِّه.
٢ - صحَّة إمامة الصَّبيِّ.
٣ - أنَّ الأحقَّ بالإمامة من كان أكثر حفظًا للقرآن؛ لقوله ﷺ: «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، وفي الحديث الآخر: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ»، والظَّاهر أنَّ المراد بالأقرأ هو: الأكثر حفظًا، وبهذا يزول ما يظنُّ من التَّعارض. والأصل: أنَّه لا يعتدُّ بما يحفظ من القرآن إلَّا مع سلامة القراءة من اللَّحن والتَّحريف.
٤ - قبول رواية الواحد.
_________________
(١) مسلمٌ (٦٧٣).
(٢) ابن ماجه (١٠٨١). وفي إسناده عبد الله بن محمد العدوي، متروك الحديث، قال عنه وكيع: «يضع الحديث»، وقال عنه ابن حبان: «منكر الحديث جدًّا». ينظر: «التقريب» (٣٢٢).
[ ١ / ٤٠٢ ]
٥ - أنَّ الحجَّة فيما صحَّ عن رسول الله ﷺ.
٦ - عمل الصَّحابة ﵃ بظاهر الدَّليل.
٧ - سرعة انقيادهم ﵃ لأمر الرَّسول ﷺ وتواضعهم لمن رفعه الله بالعلم؛ وإن كان أصغر سنًّا.
٨ - وجوب الأذان للصَّلاة المكتوبة إذا دخل وقتها.
٩ - فضل الإمامة على الأذان.
١٠ - أنَّ المؤذِّن لا يراعى فيه ما يراعى في الإمام من الصِّفات كالعلم والسِّنِّ، لقوله: «فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ» ولم يقيِّده بشيءٍ.
١١ - صحَّة صلاة المفترض خلف المتنفِّل؛ لأنَّ صلاة الصَّبيِّ في حقِّه نافلةٌ.
١٢ - فضيلة القرآن العظيم.
١٣ - فضل حامل القرآن.
من فوائد الحديث الثاني:
١٤ - أنَّ الأمر يرد بصيغة الخبر؛ لقوله: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ»؛ أي: ليؤمَّ القوم.
١٥ - تقديم الأقرأ في الإمامة، وإن كان دون غيره في العلم بالسُّنَّة.
١٦ - تقديم الأعلم بالسُّنَّة عند التَّساوي في القراءة.
١٧ - التَّقديم بالهجرة عند التَّساوي في القراءة والسُّنَّة.
١٨ - التَّقديم بالسِّنِّ مع التَّساوي في القراءة والسُّنَّة والهجرة.
١٩ - تقديم الوالي في الإمامة في ولايته؛ لقوله: «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ».
٢٠ - الأدب في ترك الجلوس في المكان الخاصِّ بصاحب المنزل.
٢١ - أنَّه إذا أذن عن طيب نفسٍ فلا حرج في الجلوس على تكرمته (^١).
_________________
(١) قال النوويُّ في شرحه لمسلمٍ (٥/ ١٧٤): «التكرمة: الفراش ونحوه ممَّا يبسط لصاحب المنزل ويختصُّ به».
[ ١ / ٤٠٣ ]
الحديث الثالث -وهو ضعيفٌ- اشتمل على ثلاث مسائل:
- الأُولَى: النَّهي عن إمامة الأعرابيِّ -وهو البدويُّ- للمهاجر، وفي معناه المقيم في الحضر، ولكنَّه معارضٌ بالأحاديث الصَّحيحة كما تقدَّم، فالصَّواب: تقديم الأعرابيِّ على المهاجر والحضريِّ إذا كان أقرأ.
- الثَّانِيَةُ: النَّهي عن إمامة المرأة للرَّجل. وهذا الحديث وإن كان لا يصحُّ، فقد دلَّ على عدم صحَّة إمامة المرأة للرَّجل أدلَّةٌ أخرى، منها: أنَّه كما لا يصحُّ أن تصافَّ المرأة الرِّجال فلا تصحُّ إمامتها لهم من باب أولى، ومنها: عمل المسلمين المطَّرد؛ فلا يعلم عن أحدٍ أنَّه جعل المرأة إمامًا للرِّجال، وقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم صحَّة إمامة المرأة للرِّجال، وهو الصَّواب المقطوع به، وخصَّ من ذلك إمامة المرأة لأهل بيتها من النِّساء والخدم، ويدخل في ذلك الصِّبيان والمماليك؛ لحديث أمِّ ورقة ﵂ الآتي (^١).
- الثَّالِثَةُ: النَّهي عن إمامة الفاجر (وهو المظهر للفسق) للمؤمن التَّقيِّ. وقد اختلف العلماء في صحَّة إمامة الفاسق، فذهب الجمهور إلى أنَّ إمامته لا تصحُّ، فلا تصحُّ الصَّلاة خلفه إلَّا أن يكون سلطانًا، أو يلزم من ترك الصَّلاة خلفه تعطيل الشَّعائر؛ كالجمعة والعيد، وقيل: تصحُّ إمامته ولكن إذا أمكن الصَّلاة خلف العدل فهو أولى وأفضل.
* * * * *
(٤٧١) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢).
_________________
(١) سيأتي برقم (٤٨٢).
(٢) أبو داود (٦٦٧)، والنَّسائيُّ (٨١٤)، وابن حبان (٢١٦٦).
[ ١ / ٤٠٤ ]
(٤٧٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٤٧٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٤٧٤) وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^٣).
* * *
هذه الأحاديث الأربعة تضمَّنت أحكام الصُّفوف في صلاة الجماعة، وموقف المأموم من الإمام.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب رصِّ الصُّفوف بحيث لا يكون فيها فُرَجٌ.
٢ - وجوب تقريب الصُّفوف بعضها من بعضٍ، ويعرف ذلك بالعرف.
٣ - وجوب تسوية الصَّفِّ بحيث لا يكون فيه تقدُّمٌ ولا تأخُّرٌ.
٤ - أنَّ التَّسوية تضبط بالمحاذاة بين الأعناق.
٥ - ترغيب الرِّجال في التَّقدُّم إلى الصَّلاة والصُّفوف الأولى.
٦ - أنَّ أفضل الصُّفوف الصَّفُّ الأوَّل ثمَّ الثَّاني ثمَّ الثَّالث.
٧ - أنَّ شرَّ صفوف الرِّجال آخرها، ومعنى «شرُّها»؛ أي: أقلُّها فضلًا.
٨ - أنَّ صفوف النِّساء عكس صفوف الرِّجال في الفضل، فخيرها آخرها وشرُّها أوَّلها.
٩ - جواز حضور النِّساء صلاة الجماعة من غير ترغيبٍ في ذلك.
_________________
(١) مسلمٌ (٤٤٠).
(٢) البخاريُّ (٧٢٦)، ومسلمٌ (٧٦٣).
(٣) البخاريُّ (٧٢٧)، ومسلمٌ (٦٥٨).
[ ١ / ٤٠٥ ]
١٠ - أنَّ النِّساء يصلِّين مع الجماعة صفوفًا.
١١ - اعتبار أحكام صفوف النِّساء بصفوف الرِّجال إلَّا في المتقدِّم والمتأخِّر من الصُّفوف، وعليه؛ فلا تصلِّي المرأة منفردةً خلف صفوف النِّساء.
١٢ - صحَّة مصافَّة الصَّغير.
١٣ - صحَّة صلاة المميِّز.
١٤ - أنَّ موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام.
١٥ - صحَّة صلاة من وقف عن يسار الإمام، وقال بعض أهل العلم: لا تصحُّ، والصَّواب الأوَّل.
١٦ - جواز الحركة في الصَّلاة، إذا دعت الحاجة؛ فإنَّ الرَّسول ﷺ أخذ برأس ابن عبَّاسٍ ﵃ وأداره من ورائه.
١٧ - أنَّ موقف الاثنين من الإمام خلفه.
١٨ - أنَّ موقف المرأة الواحدة في صلاة الجماعة خلف الرِّجال.
١٩ - جواز صلاة النَّافلة جماعةً في بعض الأحيان، بحيث لا تكون عادةً.
٢٠ - أنَّ العمل بأحكام الصُّفوف من تمام الصَّلاة، ولا يحصل ذلك إلَّا بالتَّعاون.
* * * * *
(٤٧٥) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
(٤٧٦) وَزَادَ أبو دَاوُدَ فِيهِ: «فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ» (^١).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (٧٨٣)، وأبو داود (٦٨٤).
[ ١ / ٤٠٦ ]
هذا الحديث هو الأصل لما ذهب إليه الجمهور من إدراك الرَّكعة مع الإمام بإدراك الرُّكوع، حتَّى الَّذين قالوا بوجوب الفاتحة على المأموم، قالوا: يسقط وجوبها عن المسبوق إذا أدرك الرُّكوع، وذهب آخرون من أهل العلم من الظَّاهريَّة وغيرهم إلى أنَّ الرَّكعة لا تدرك بالرُّكوع لفوات القراءة، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لأبي بكرة: «وَلَا تَعُدْ»، وحمل الجمهور قوله ﷺ: «وَلَا تَعُدْ» على الرُّكوع دون الصَّفِّ، ويؤيِّد ما ذهب إليه الجمهور ما جاء في السُّنن أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا ولا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» (^١).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضل الحرص على الخير ما لم يؤدِّ إلى مخالفةٍ شرعيَّةٍ.
٢ - فضيلة أبي بكرة ﵁.
٣ - صحَّة صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ، لكن يعارضه الحديثان الآتيان، وهذا على تقدير أنَّه ركع ورفع قبل أن يصل إلى الصَّفِّ، أمَّا إذا دخل في الصَّفِّ راكعًا فقد زال الانفراد بإدراك الرُّكوع.
٤ - عدم وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، أو سقوطها عن المسبوق، على الخلاف في حكم القراءة على المأموم.
٥ - نهي الإنسان عن السُّرعة لإدراك الإمام في ركوعه.
٦ - حسن معاملة النَّبيِّ ﷺ لأصحابه ﵃ وحسن تعليمه.
٧ - أنَّه ينبغي الدُّعاء لمن علم منه حسن القصد.
٨ - أنَّ من ارتكب محظورًا جاهلًا فلا إثم عليه.
٩ - النَّهي عن الدُّخول في الصَّلاة قبل الدُّخول في الصَّفِّ.
١٠ - جواز الحركة لإتمام الصَّفِّ، ومن ذلك الحركة لسدِّ الفرجة القريبة.
_________________
(١) رواه أبو داود (٨٩٣)، والحاكم (٧٨٦)، عن أبي هريرة ﵁، وصحَّح إسناده.
[ ١ / ٤٠٧ ]
(٤٧٧) وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ ﵁؛ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
(٤٧٨) وَلَهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁: «لَا صَلَاةَ لمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (^٢).
(٤٧٩) وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَابِصَةَ: «أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوِ اجْتَرَرْتَ رَجُلًا؟» (^٣).
* * *
هذان الحديثان هما عمدة من قال من العلماء: لا تصحُّ صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ، وفي حكم صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ ثلاثة مذاهب:
الأَوَّلُ: ذهب الجمهور إلى الصِّحَّة، وضعَّفوا هذين الحديثين، واستدلُّوا بحديث أبي بكرة ﵁ المتقدِّم، فإنَّه ركع دون الصَّفِّ، واستدلُّوا بوقوف أمِّ أنسٍ ﵂ خلفهم وحدها. قال أنسٌ ﵁: «فصففت واليتيم وراءه -أي: رسول الله ﷺ والعجوز من ورائنا» (^٤).
الثَّانِي: وذهب آخرون إلى أنَّها لا تصحُّ صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ مطلقًا، واستدلُّوا بهذين الحديثين: حديث وابصة وطلقٍ ﵃ وقالوا: إنَّهما صالحان للاحتجاج؛ أي: بمجموعهما، وردُّوا القدح فيهما، وأمَّا ركوع أبي بكرة ﵁ خلف الصَّفِّ فقد نهاه النَّبيُّ ﷺ عن ذلك، وأمَّا وقوف المرأة وحدها فذلك حكمٌ يختصُّ بالمرأة مع الرِّجال؛ لتعذُّر مصافَّتها لهم، فلا يصحُّ لها الانفراد خلف الصَّفِّ مع النِّساء.
_________________
(١) أحمد (١٨٠٠٣)، وأبو داود (٦٨٢)، والترمذيُّ (٢٣٠)، وابن حبان (٢١٩٩).
(٢) هو عند ابن حبان (٢٢٠٢) من رواية عليِّ بن شيبان ولم أجده من رواية طلق ﵁.
(٣) الطبرانيُّ في «الكبير» (٣٩٤).
(٤) تقدَّم برقم (٤٧٥).
[ ١ / ٤٠٨ ]
الثَّالِثُ: الفرق بين من تعذَّر عليه الدُّخول في الصَّفِّ، ومن فرَّط في ذلك، فالأوَّل معذورٌ، وسقط عنه وجوب المصافَّة لعجزه، فإنَّه لا واجب مع العجز، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيميَّة (^١)، وهذا المذهب قويٌّ من حيث القواعد والأصول، والمذهب الثَّاني قويٌّ من حيث ظاهر الحديثين، فإنَّه ﷺ لم يستفصل الَّذي أمره أن يعيد الصَّلاة، وكذا قوله ﵊: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» فيه عمومٌ وإطلاقٌ، واختار هذا القول شيخنا الشَّيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀ (^٢).
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تعليم الجاهل.
٢ - وجوب المصافَّة في صلاة الجماعة.
٣ - تحريم الانفراد خلف الصَّفِّ أو خلف الإمام إذا كان وحده.
٤ - بطلان صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ.
٥ - أمر من صلَّى وحده خلف الصَّفِّ بالإعادة.
٦ - عموم هذه الأحكام للرِّجال والنِّساء، لقوله: «لَا صَلَاةَ لمُنْفَرِدٍ»، وخصَّ من ذلك المرأة الواحدة مع الرِّجال؛ لحديث أنسٍ ﵁ المتقدِّم (^٣).
٧ - أنَّ من جاء ولم يجد مكانًا في الصَّفِّ فله أن يجترَّ رجلًا من الصَّفِّ برضاه، وقد قال بذلك بعض أهل العلم (^٤)، ومنعه آخرون؛ لضعف الحديث في ذلك، والأظهر: أنَّه جائزٌ وهو من الإحسان على من خشي فوات الرَّكعة لعدم من يصافُّه.
* * * * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٢٣).
(٢) «مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀» (١٢/ ٢١٩).
(٣) تقدَّم برقم (٤٧٤).
(٤) حكاه ابن المنذر عن عطاءٍ والنخعيِّ، ينظر: «المجموع» للنووي (٤/ ١٩٠).
[ ١ / ٤٠٩ ]
(٤٨٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ولا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الإقامة للصَّلاة المكتوبة.
٢ - رفع الصَّوت بالإقامة حتَّى يسمعها من كان خارج المسجد.
٣ - لزوم الأدب في المشي إلى الصَّلاة في الهيئة والحركة، ولو خشي الماشي فوات بعض الصَّلاة.
٤ - النَّهي عن الإسراع المنافي للسَّكينة والوقار؛ السَّكينة في الحركة، والوقار في الهيئة.
٥ - دخول المسبوق مع الإمام بأيِّ حالٍ من أحوال الصَّلاة.
٦ - أنَّ ما يدركه المسبوق مع الإمام أوَّل صلاته، لقوله: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، وهذا هو الصَّحيح، وقيل: إنَّ ما يدركه آخر صلاته؛ لقوله في روايةٍ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» (^٢) حملوا القضاء على المعنى الاصطلاحيِّ عند الأصوليِّين، وهو: فعل العبادة بعد خروج وقتها، والصَّحيح: أنَّ القضاء في لغة الشَّرع هو أداء الفعل المأمور به في وقته أو بعد وقته كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]؛ أي: أدِّيت وفرغ منها، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠].
٧ - تعظيم أمر الصَّلاة بالمشي إليها والدُّخول فيها.
٨ - وجوب الإتمام على المسافر إذا ائتمَّ بالمقيم، ولو كان في آخر ركعةٍ.
_________________
(١) البخاريُّ (٦٣٦)، ومسلمٌ (٦٠٢).
(٢) عند أحمد (٧٢٥٠)، والنَّسائيِّ (٨٦٠)، وابن حبان (٢١٤٥).
[ ١ / ٤١٠ ]
(٤٨١) وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ ﷿». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - التَّرغيب في صلاة الجماعة.
٢ - فضل صلاة الاثنين على صلاة الواحد، والثَّلاثة على صلاة الاثنين.
٣ - أنَّه كلَّما كانت الجماعة أكثر كانت الصَّلاة أفضل.
٤ - فضل الصَّلاة في المسجد الَّذي يكون أكثر جماعةً ما لم يعارض ذلك مصلحةٌ راجحةٌ، وهذا كلُّه في الصَّلاة الَّتي تشرع لها الجماعة، وأهمُّها الصَّلاة المكتوبة.
٥ - إثبات المحبَّة لله تعالى.
٦ - أنَّ الجماعة ليست شرطًا لصحَّة الصَّلاة.
٧ - أنَّ الاثنين جماعةٌ.
٨ - تفاضل الأعمال بأسبابٍ.
٩ - مشروعيَّة إقامة جماعةٍ لمن فاتتهم الجماعة الرَّاتبة، ويشهد لذلك حديث: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟» (^٢).
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٥٥٤)، والنَّسائيُّ (٨٤٢)، وابن حبان (٢٠٥٦).
(٢) رواه أحمد (١١٤٠٨)، وأبو داود (٥٧٤)، والترمذيُّ وحسَّنه (٢٢٠)، وابن حبان (٢٣٩٧)، والحاكم (٧٦١).
[ ١ / ٤١١ ]
(٤٨٢) وَعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ﵂؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز صلاة النِّساء جماعةً.
٢ - إمامة المرأة للنِّساء، بل قيل: ومن يكون من أهل الدَّار من الصِّبيان، والخدم؛ كمملوك المرأة، قال الفقهاء: «وتقوم وسطهنَّ» (^٢).
٣ - أنَّ الأمر يأتي للإباحة.
٤ - فضل أمِّ ورقة ﵂.
٥ - أنَّ صلاة النِّساء في البيوت أفضل من صلاتهنَّ في المسجد، ومع هذا فالحديث مختلفٌ في صحَّته، وجمهور الفقهاء على تصحيحه.
* * * * *
(٤٨٣) وعَنْ أَنَس ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى». رَوَاهُ أحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ (^٣).
(٤٨٤) وَنَحْوُهُ لاِبْنِ حِبَّانَ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (^٤).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضيلة عبد الله بن أمِّ مكتومٍ ﵁ في دينه وعقله وعلمه.
٢ - صحَّة إمامة الأعمى في الصَّلاة.
٣ - صحَّة توليته الإمارة، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ استخلفه على المدينة أميرًا وإمامًا.
_________________
(١) أبو داود (٥٩٢)، وابن خزيمة (١٦٧٦).
(٢) «المجموع» للنووي (٤/ ١٨٧).
(٣) أحمد (١٣٠٠٠)، وأبو داود (٥٩٥).
(٤) ابن حبان (٢١٣٤).
[ ١ / ٤١٢ ]
٤ - أنَّ الجهاد لا يجب على الأعمى، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].
٥ - مشروعيَّة نصب الإمام في الصَّلاة.
٦ - مشروعيَّة نصب الأمير للجماعة.
٧ - جواز نسبة الرَّجل إلى أمِّه إذا كان لا يكره ذلك.
٨ - ضعف اشتراط البصر في القاضي.
* * * * *
(٤٨٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (^١).
* * *
الحديث وإن كان ضعيفًا فمعناه صحيحٌ في الجملة، تشهد له نصوصٌ من السُّنَّة الصَّحيحة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الصَّلاة على من مات من الموحِّدين، وهي فرض كفايةٍ، وخصَّ من هذا الحكم؛ شهيد المعركة، وترك الإمام الصَّلاة على بعض النَّاس زجرًا له عن بعض الأفعال؛ كقاتل نفسه.
٢ - عدم الصَّلاة على من مات من المشركين والمنافقين.
٣ - صحَّة الصَّلاة خلف أئمَّة المسلمين أبرارًا كانوا أو فجَّارًا، وهذا مذهب أهل السُّنَّة والجماعة.
_________________
(١) الدارقطنيُّ (١٧٦١).
[ ١ / ٤١٣ ]
٤ - صحَّة الصَّلاة خلف الفاسق المسلم، والصَّلاة خلف العدل أولى، وقيل: لا تصحُّ الصَّلاة خلف الفاسق، والصَّحيح الأوَّل، وكذا المبتدع إلَّا أن يخرج ببدعته من الإسلام (^١).
* * * * *
(٤٨٦) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (^٢).
* * *
هذا الحديث وإن كان ضعيفًا فمعناه صحيحٌ عند أهل العلم، ويدلُّ له قوله ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ولا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (^٣)، أمَّا ما يعتدُّ به المسبوق ممَّا يدركه مع الإمام فهذا يرجع فيه إلى الدَّليل المبين، وقد جاء عنه ﷺ قوله: «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا ولا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (^٤)، وهذه الأحاديث تفيد أنَّ المسبوق يدخل مع الإمام في أيِّ حالٍ من أحوال الصَّلاة ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا، ولكنَّه لا يعتدُّ بما أدركه بعد الرُّكوع.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ المسبوق يدخل مع الإمام في أيِّ حالٍ من أحوال الصَّلاة.
٢ - أنَّه لا ينتظر حتَّى يشرع في الرَّكعة الَّتي بعدها.
٣ - أنَّ المسبوق يؤجر على دخوله مع الإمام فيما لا يعتدُّ به.
* * * * *
_________________
(١) تقدَّم في شرح: «ولا فاجرٌ مؤمنًا» برقم (٤٧٠).
(٢) الترمذيُّ (٥٩١).
(٣) تقدَّم برقم (٤٨٠).
(٤) رواه أبو داود (٨٩٣)، والحاكم (٧٨٦)، عن أبي هريرة ﵁، وصحح إسناده.
[ ١ / ٤١٤ ]