الكسوف والخسوف هو: ذهاب ضوء أحد القمرين، وقيل: الكسوف أخصُّ بالشَّمس والخسوف أخصُّ بالقمر، قال تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَر (٨)﴾ [القيامة: ٨]. ويقال: كسفت الشَّمس وانكسفت وخسفت.
وقد ثبت كسوف الشَّمس على عهد رسول الله ﷺ مرَّةً، ولم ينقل أنَّ القمر خسف على عهد رسول الله ﷺ، ولم يثبت كسوف الشَّمس في عهده ﷺ أكثر من مرَّةٍ.
وقد ذكر العلماء السَّبب الكونيَّ للكسوف والخسوف، وأنَّ كسوف الشَّمس يكون بحيلولة القمر بينها وبين الأرض فيحجب ضوءها، وخسوف القمر بحيلولة الأرض بينه وبين الشَّمس، فإنَّ نور القمر يستمدُّه من ضوء الشَّمس بإذن الله، فما يرى من ظلمةٍ في القمر عند كسوفه هو ظلُّ الأرض، وما يرى من ظلمةٍ في قرص الشَّمس هو جرم القمر.
ويذكر الفلكيُّون أنَّهم يدركون وقت الكسوف بالحساب، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميَّة وابن القيِّم وقرَّراه، وهما إمامان مرضيَّان، ومؤتمنان على الشَّريعة، ولا ريب أنَّ الاشتغال بمعرفة وقت الكسوف من الفضول الَّذي لا فائدة فيه، وليس في علم المسلم للكسوف قبل حدوثه فائدةٌ، بل يهوِّن أمره، ولو كان في تقدُّم العلم به خيرٌ لأطلع الله عليه نبيَّه ﷺ بل فجأهم كسوف الشَّمس فقام النَّبيُّ ﷺ فزعًا يجرُّ رداءه، ولكن على المسلمين أن يفعلوا ما شرع الله لهم عند الكسوف ولو علموا ذلك من قبل، وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ في خطبته بعد صلاة الكسوف حكمة الله في حدوث كسوف الشَّمس والقمر فقال: «إِنَّ
[ ١ / ٤٧٤ ]
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ» (^١)، وفي روايةٍ للبخاريِّ: «وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ» (^٢).
وإضافة الصَّلاة إلى الكسوف من إضافة الشَّيء إلى سببه. واتَّفق العلماء على شرعيَّة صلاة الكسوف، والجمهور على أنَّها سنَّةٌ، وقيل: واجبةٌ، وهو ظاهر الأدلَّة، كما سيأتي.
* * * * *
(٥٧٦) عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فقالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(٥٧٧) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «حَتَّى تَنْجَلِي» (^٤).
(٥٧٨) وَلِلْبُخَارِيِّ؛ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» (^٥).
(٥٧٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
(٥٨٠) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: «الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» (^٦).
(٥٨١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: «انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَصَلَّى، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا،
_________________
(١) هذا حديث الباب برقم (٥٧٦).
(٢) البخاريُّ (١٠٥٩) عن أبي موسى ﵁.
(٣) البخاريُّ (١٠٤٣)، ومسلمٌ (٩١٥). هذا لفظ البخاريِّ إلا قوله: «حَتَّى تنكَشِفَ» فقد تفرَّد به مسلمٌ.
(٤) البخاريُّ (١٠٦٠). لكن بلفظ: «حَتَّى يَنْجَلِي».
(٥) البخاريُّ (١٠٤٠).
(٦) البخاريُّ (١٠٦٥)، ومسلمٌ (٩٠١).
[ ١ / ٤٧٥ ]
ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وقدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(٥٨٢) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «صَلَّى حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» (^٢).
(٥٨٣) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ (^٣).
(٥٨٤) وَلَهُ: عَنْ جَابِرٍ ﵁: «صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» (^٤).
(٥٨٥) وَلأَبِي دَاوُدَ: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: «صَلَّى، فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلكَ» (^٥).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ للنَّبيِّ ﷺ ابنًا اسمه إبراهيم، وهو من سرِّيَّته مارية، ولمَّا ولد قال: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» (^٦)، وفيه: استحباب التَّسمية باسم الأب أدنى أو أعلى إذا كان الاسم حسنًا.
٢ - أنَّ إبراهيم مات صغيرًا.
٣ - أنَّ الشَّمس كسفت في يوم موته.
_________________
(١) البخاريُّ (١٠٥٢)، ومسلمٌ (٩٠٧).
(٢) مسلمٌ (٩٠٨).
(٣) رواه أحمد (١٢١٦). وقد أشار إليه مسلمٌ في آخر حديث ابن عباسٍ ﵃ الذي قبل هذا، فقال في آخره: «وعن عليٍّ مثل ذلك».
(٤) مسلمٌ (٩٠٤).
(٥) أبو داود (١١٨٢).
(٦) رواه البخاريُّ (١٣٠٣)، ومسلمٌ (٢٣١٥)، عن أنسٍ ﵁.
[ ١ / ٤٧٦ ]
٤ - أنَّ موت إبراهيم ليس سببًا في كسوف الشَّمس.
٥ - إبطال عقائد الجاهليَّة في كسوف الشَّمس والقمر.
٦ - ثبوت أنَّ الشَّمس انكسفت على عهد رسول الله ﷺ.
٧ - مشروعيَّة الصَّلاة للكسوف.
٨ - الجهر فيها بالقراءة.
٩ - أنَّه لا يعمل بالحساب في صلاة الكسوف بل بالرُّؤية، لقوله: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا».
١٠ - مشروعيَّة النِّداء لها بلفظ: «الصَّلاة جامعةٌ»، ويجوز في الكلمتين الرَّفع على المبتدأ والخبر، والنَّصب على الإغراء؛ أي: احضروا الصَّلاة، وجامعةً حالٌ.
١١ - أنَّ صلاة الكسوف ركعتان؛ في كلِّ ركعةٍ ركوعان وسجدتان.
١٢ - تطويل صلاة الكسوف، وأنَّ كلَّ ركنٍ أطول من الَّذي بعده، إلَّا أن ينجلي؛ فلا تطوَّل.
١٣ - مشروعيَّة الخطبة بعد الصَّلاة.
١٤ - أنَّ أصحَّ الرِّوايات في صلاة الكسوف أنَّ في كلِّ ركعةٍ ركوعين.
١٥ - أنَّه قد ورد في رواياتٍ أنَّ في كلِّ ركعةٍ ثلاثة ركوعاتٍ وأربعة ركوعاتٍ وخمسة ركوعاتٍ، والرَّاجح الأوَّل، وهو ما جاء في حديث عائشة وابن عبَّاسٍ ﵃، متَّفقٌ على حديثهما، ونظرًا إلى أنَّ الكسوف لم يحدث إلَّا مرَّةً في عهد رسول الله ﷺ فقد رجَّح كثيرون من أهل العلم ما دلَّ عليه حديث ابن عبَّاسٍ وعائشة ﵃؛ لأنَّه لا يمكن الجمع بينهما وبين الأحاديث الَّتي فيها الزِّيادة على ركوعين، فسلكوا طريق التَّرجيح.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وقد ورد في أحاديث صلاة النَّبيِّ ﷺ صلاة الكسوف؛ أنَّه عرضت عليه الجنَّة والنَّار في مقامه وهو يصلِّي، وقد رآه الصَّحابة مرَّةً تقدَّم ومرَّةً تأخَّر، فأخبرهم ﷺ بسبب ذلك، وبيَّن لهم حكمة الكسوف، وأبطل اعتقادات الجاهليَّة.
وممَّا جاء في خطبته ﷺ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ» (^١).
١٦ - الأمر بالصَّلاة والصَّدقة والدُّعاء عند الكسوف.
* * * * *
(٥٨٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا جَثَا النبيُّ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً ولا تَجْعَلْهَا عَذَابًا». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ (^٢).
(٥٨٧) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: «هَكَذَا صَلَاةُ الآيَاتِ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ (^٣).
(٥٨٨) وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ؛ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلَهُ؛ دُونَ آخِرِهِ (^٤).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - شدَّة خوفه ﷺ من ربِّه.
٢ - مشروعيَّة هذا الدُّعاء عند هبوب الرِّيح الشَّديدة «اللَّهمَّ اجعلها رحمةً ولا تجعلها عذابًا».
_________________
(١) رواه البخاريُّ (١٠٤٤)، ومسلمٌ (٩٠١)، عن عائشة ﵂.
(٢) الشافعيُّ في «مسنده» (٥٠٢)، والطبرانيُّ في «الكبير» (١١٥٣٣).
(٣) البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٦٣٨١).
(٤) أخرجه البيهقيُّ من طريق الشافعيِّ في «السنن الكبرى» (٦٣٨١). ونقل قول الشافعيِّ: «ولو ثبت هذا الحديث عندنا عن عليٍّ ﵁ لقلنا به».
[ ١ / ٤٧٨ ]
٣ - أنَّ الرِّيح تكون رحمةً وتكون عذابًا، وتكون رحمةً لقومٍ وعذابًا لآخرين، تكون رحمةً؛ كالرِّيح الَّتي تسوق السَّحاب، وتكون عذابًا؛ كالرِّيح الَّتي أرسلت على عادٍ، وتكون رحمةً لقومٍ وعذابًا لآخرين؛ كالرِّيح الَّتي نصر بها الرَّسول ﷺ والمؤمنون على الأحزاب.
٤ - مشروعيَّة الصَّلاة للزَّلزلة.
٥ - أنَّها كصلاة الكسوف.
٦ - مشروعيَّة الصَّلاة لكلِّ آيةٍ يخوِّف الله بها عباده؛ كالرِّيح الشَّديدة، وكالصَّواعق والرَّعد القاصف المرعب. وقول ابن عبَّاسٍ ﵃: «هَكَذَا صَلَاةُ الآيَاتِ» يحتمل أن يكون قال ذلك باجتهاده قياسًا على صلاة الكسوف، ويحتمل أن يكون مرفوعًا، فيكون دليلًا له على صلاته في الزَّلزلة.
٧ - مشروعيَّة اللَّجأ إلى الله في الشَّدائد بالصَّلاة والدُّعاء، والتَّوبة والاستغفار.
* * * * *
[ ١ / ٤٧٩ ]