هذا الباب يشتمل على موضوعين: صلاة المسافر، وصلاة المريض.
وخصَّا بالذِّكر؛ لأنَّ صلاة المسافر تختلف عن صلاة المقيم في عدد ركعاتها، ويشرع للمسافر قصر الرُّباعيَّة ركعتين. وأمَّا صلاة المريض فتخالف صلاة الصَّحيح في صفة أدائها.
ثمَّ إنَّ السَّفر والمرض من أسباب إباحة الجمع بين الصَّلاتين.
* * * * *
(٤٨٧) وَعَنْ عَائشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٤٨٨) وَلِلْبُخَارِيِّ: «ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَر عَلَى الأَوَّلِ» (^٢).
(٤٨٩) زَادَ أَحْمَدُ: «إِلَّا المَغْرِبَ فَإنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإلَّا الصُّبْحَ فَإِنَّهَا تُطَوَّلُ فِيها الْقِرَاءَةُ» (^٣).
* * *
هذا الحديث تخبر فيه أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ عن عدد ركعات الصَّلاة أوَّل ما فرضت، وأنَّها فرضت ركعتين سفرًا وحضرًا، وأنَّه زيد في صلاة الحضر في ثلاث صلواتٍ: الظُّهر والعصر والعشاء، وأقرَّت صلاة السَّفر على ما هي عليه، وظاهر رواية أحمد أنَّ صلاة الفجر لم تزل تطوَّل فيها القراءة، والمغرب كانت ثلاثًا من أوَّل الأمر؛ لأنَّها وتر النَّهار فلم يزد فيهما.
_________________
(١) البخاريُّ (١٠٩٠)، ومسلمٌ (٦٨٥).
(٢) البخاريُّ (٣٩٣٥).
(٣) أحمد (٢٦٠٤٢).
[ ١ / ٤١٥ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الصَّلاة أوَّل ما فرضت ركعتين.
٢ - إتمام صلاة الحضر.
٣ - أنَّ ذلك كان في المدينة بعد الهجرة.
٤ - أنَّ صلاة المسافر ركعتان على ما كانت عليه.
٥ - استحباب تطويل القراءة في الفجر، وأنَّ ذلك من حكمة عدم الزِّيادة فيها.
٦ - أنَّ صلاة المغرب منذ شرعت كانت ثلاث ركعاتٍ، وأنَّه لم يزد فيها؛ لأنَّها وتر النَّهار.
٧ - وجوب قصر الصَّلاة في السَّفر، لقولها: «أوَّل ما فُرِضت الصَّلاة ركعتين، فأُقرَّت صلاة السَّفر»، وقد استدلَّ بهذا الحديث من ذهب إلى وجوب القصر، وقد اختلف العلماء في حكم القصر في السَّفر على مذاهب:
أَحَدُهَا: أنَّه واجبٌ؛ استدلالًا بهذا الحديث، وهو مذهب أبي حنيفة وابن حزمٍ.
وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّه مستحبٌّ والإتمام جائزٌ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ القصر رخصةٌ والإتمام أفضل، ولا ريب أنَّ هذا القول ضعيفٌ؛ لأنَّه خلاف هدي رسول الله ﷺ، ويردُّ عليه بحديث رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» (^١).
وَأَرْجَحُ الأَقْوَالِ -والله أعلم- هو القول بوجوب القصر فيما اتُّفق على جواز القصر فيه، ومع هذا فمن أتمَّ فلا يؤمر بالإعادة، فليس الإتمام في السَّفر كالقصر في الحضر؛ لاختلاف الأدلَّة واختلاف المذاهب.
_________________
(١) سيأتي بعد حديث عائشة ﵂ الآتي.
[ ١ / ٤١٦ ]
٨ - أنَّ مبنى الشَّريعة على التَّيسير ورفع الحرج.
٩ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة؛ لقول عائشة ﵂: «فإنَّها وتر النَّهار»، ولقولها: «فإنَّها تطوَّل فيها القراءة».
* * * * *
(٤٩٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ (^١).
(٤٩١) وَالمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: «إنَّهُ لا يَشُقُّ عَلَيَّ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (^٢).
* * *
المتواتر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يقصر في جميع أسفاره، وفي حجَّة الوداع، قال أنسٌ ﵁: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكَّة، فكان يصلِّي ركعتين ركعتين حتَّى رجعنا إلى المدينة» (^٣)، وحديث عائشة ﵂ هذا معلولٌ كما قال المصنِّف، فلم يثبت الإتمام في السَّفر عن النَّبيِّ ﷺ، ولكنَّ المحفوظ عن عائشة من فعلها؛ والصَّواب: أنَّها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان في الإتمام بمنًى، وروي عنها أنَّها قالت للنَّبيِّ ﷺ: «أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت»، فقال: «أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ» (^٤)؛ وهذا لا يصحُّ عنها، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ما كانت أمُّ المؤمنين لتخالف رسول الله ﷺ وجميع أصحابه فتصلِّي خلاف صلاتهم» (^٥).
_________________
(١) الدارقطنيُّ (٢٢٩٨). وذكر ابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٤٦٤)؛ أنَّ الحديث لا يصحُّ، ونقل عن شيخ الإسلام قوله: «هو كذبٌ على رسول الله ﷺ».
(٢) البيهقيُّ (٦٠٨٧). وإسناده صحيحٌ، ينظر: «فتح الباري» (٢/ ٥٧١).
(٣) سيأتي برقم (٤٩٥).
(٤) الدارقطنيُّ (٢٢٩٣)، وضعّفه ابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ٥٥، ٩٣).
(٥) ينظر: «زاد المعاد» (١/ ٤٦٥).
[ ١ / ٤١٧ ]
والمحفوظ أنَّها إنَّما أتمَّت بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ متأوِّلةً في ذلك أنَّه لا يشقُّ عليها.
وقوله في الحديث: «ويصوم ويفطر» هو ثابتٌ عن النَّبيِّ ﷺ في أحاديث صحيحةٍ غير هذا الحديث.
* * * * *
(٤٩٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (^١).
(٤٩٣) وَفِي رِوَايَةٍ: «كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» (^٢).
* * *
الرُّخصة هي: الحكم المتضمِّن للتَّخفيف، والمعصية: مخالفة الأمر، والعزيمة هي: الأمر المحتَّم، والعزائم هي: الواجبات، وقد تكون الرُّخصة عزيمةً إذا وجب الأخذ بها، فتكون رخصةً من وجهٍ، وعزيمةً من وجهٍ؛ كالقصر في السَّفر على القول بوجوبه، وكالأكل من الميتة عند الضَّرورة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - إثبات صفة المحبَّة لله ﷿.
٢ - التَّرغيب في الأخذ بالرُّخص الشَّرعيَّة، ومنها: القصر في السَّفر، ولأجل هذا ساقه المصنِّف في الباب.
٣ - أنَّ الأخذ بالرُّخص طاعةٌ لله، محبوبةٌ له.
٤ - إثبات صفة الكراهة لله تعالى.
_________________
(١) أحمد (٥٨٦٦)، وابن خزيمة (٢٠٢٧)، وابن حبان (٢٧٤٢).
(٢) عند ابن حبان (٣٥٦٨)، بالإسناد نفسه.
[ ١ / ٤١٨ ]
٥ - أنَّ المعاصي مكروهةٌ لله تعالى.
٦ - التَّنفير عن معصية الله.
٧ - وصف الله بالعزم فيما أوجبه على عباده.
* * * * *
(٤٩٤) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٤٩٥) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ؛ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^٢).
(٤٩٦) وَعَنِ ابْنِ عباسٍ ﵃ قَالَ: «أَقَامَ النَّبيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ». وَفِي لَفْظٍ: «بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٣).
(٤٩٧) وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ: «سَبْعَ عَشْرَةَ». وَفِي أُخْرَى: «خَمْسَ عَشْرَةَ» (^٤).
(٤٩٨) وَلَهُ عنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: «ثَمَانِيَ عَشْرَةَ» (^٥).
(٤٩٩) وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يقْصُرُ الصَّلَاةَ» (^٦). وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ.
* * *
هذه الأحاديث ظاهرة الدَّلالة على أنَّ هدي النَّبيِّ ﷺ القصر في السَّفر، وتقدَّم أنَّه ﷺ لم يثبت عنه أنَّه أتمَّ في شيءٍ من أسفاره، ويتعلَّق بهذه الأحاديث مسألتان من مسائل القصر:
_________________
(١) مسلمٌ (٦٩١).
(٢) البخاريُّ (١٠٨١)، ومسلمٌ (٦٩٣).
(٣) البخاريُّ (١٠٨٠، ٤٢٩٨).
(٤) أبو داود (١٢٣٠، ١٢٣١).
(٥) أبو داود (١٢٢٩).
(٦) أبو داود (١٢٣٥).
[ ١ / ٤١٩ ]
إِحْدَاهُمَا: المسافة الَّتي تقصر فيها الصَّلاة، وقد اختلف النَّاس في ذلك اختلافًا كثيرًا:
فذهب الجمهور إلى أنَّ الصَّلاة لا تقصر في أقلَّ من أربعة بردٍ، (وهي ثمانيةٌ وأربعون ميلًا؛ وهي ثمانون كيلو تقريبًا)؛ كما جاء عن ابن عبَّاسٍ ﵃، وسيذكره المؤلِّف (^١).
وذهبت الظَّاهريَّة إلى جواز القصر في ثلاثة أميالٍ؛ وهي من الكيلوات خمسةٌ؛ استدلالًا بحديث أنسٍ ﵁.
وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّه لا تقدير لمسافة القصر، بل يجوز القصر في كلِّ سفرٍ، طالت المسافة أو قصرت؛ كما يدلُّ لذلك حديث عائشة ﵂ في أوَّل الباب «فأُقرَّت صلاة السَّفر» (^٢).
وما ذهب إليه الجمهور من تقدير المسافة بأربعة بردٍ أضبط في التَّمييز بين ما تقصر فيه الصَّلاة وما لا تقصر، ومن يعلِّق جواز القصر على مطلق السَّفر ولا يحدُّ في ذلك مسافةً أقرب إلى ظاهر الأدلَّة، ولكن يشكل عليه اختلاف النَّاس في مصطلح السَّفر؛ فلا بدَّ من ضابطٍ؛ فقيل: إنَّه ما يحتاج النَّاس فيه إلى زادٍ ومزادٍ، وهذا أيضًا يختلف باختلاف وسائل السَّفر؛ ففي هذا العصر لا يحتاج المسافر بالطَّائرة والسَّيَّارة في كثيرٍ من الأحيان إلى حمل زادٍ، بل قد لا يحتاج مدَّة سفره إلى طعامٍ وشرابٍ؛ لقصر مدَّة رحلته، فلا بدَّ من ربط هذا الضَّابط بالسَّفر على الوسائل القديمة، ولهذا يختلف النَّاس في هذا العصر في مسمَّى السَّفر؛ فلا يسمُّون سفرًا إلَّا ما كان إلى بلادٍ بعيدةٍ، أو قريبةٍ يطول مكثه بها.
وبهذا يتبيَّن أنَّ ما ذهب إليه الجمهور أبعد عن الإشكال، ولو قيل بالعمل بالرَّأيين فيقال: يجوز القصر في كلِّ ما يسمِّيه النَّاس سفرًا؛ ولو لم يبلغ أربعة بردٍ، ولكلِّ من قصد أربعة بردٍ فصاعدًا؛ ولو لم يسمَّ سفرًا لكان له وجهٌ. والله أعلم.
_________________
(١) سيأتي برقم (٥٠٤).
(٢) تقدَّم برقم (٤٨٧).
[ ١ / ٤٢٠ ]
وأمَّا حديث أنسٍ ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميالٍ أو فراسخ صلَّى ركعتين» فالظَّاهر: أنَّه إخبارٌ عن ابتداء القصر الواقع من النَّبيِّ ﷺ في أسفاره؛ لا تحديدٌ لمسافة القصر، ولا لمسافة ابتداء القصر، وإلَّا فمن المعلوم أنَّ ثلاثة أميالٍ لا يصدق عليها اسم السَّفر بحالٍ من الأحوال.
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حكم القصر إذا أقام المسافر أثناء سفره في بلدٍ أو مكانٍ؛ وله في هذا حالان:
إِحْدَاهُمَا: ألَّا يعزم على الإقامة مدَّةً معلومةً؛ بل كلَّ يومٍ يقول: أخرج غدًا، فله القصر أبدًا.
الثَّانِيَةُ: أن يعزم على الإقامة مدَّةً؛ فإن كانت يومًا أو يومين أو ثلاثةً فله القصر، وإن كانت أكثر من ذلك فالجمهور على أنَّه إذا عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيَّامٍ أتمَّ منذ نوى الإقامة، وقيل: يقصر أبدًا؛ ما لم يعزم على الاستيطان بذلك المكان.
وبين هذين القولين أقوالٌ أخرى؛ قيل: عشرة أيَّامٍ، وقيل: خمسة عشر يومًا، وقيل: عشرون يومًا.
وحجَّة الجمهور أنَّ فرض المقيم الإتمام؛ فمتى أقام المسافر أتمَّ، وخصُّوا من ذلك إذا أقام أربعة أيَّامٍ فأقلَّ؛ لما ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقام بمكَّة عام حجَّة الوداع أربعة أيَّامٍ يقصر قبل خروجه إلى منًى، واحتجَّ القائلون بالإطلاق بآثارٍ عن بعض الصَّحابة ﵃ أنَّهم قصروا شهورًا وربَّما سنةً أو سنتين؛ ولعدم الدَّليل على تقييد مدَّة القصر.
وَأَضْبَطُ هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الجمهور من التَّقدير بأكثر من أربعة أيَّامٍ. وأمَّا القول بالإطلاق فيرد عليه أنَّ الَّذي يقيم سنين ليس هو في حال سفرٍ؛ بل في حال إقامةٍ، نعم؛ لكنَّه غير مستوطنٍ، والمقابل للسَّفر هو الإقامة، لا الاستيطان.
[ ١ / ٤٢١ ]
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ هدي النَّبيِّ ﷺ قصر الصَّلاة في السَّفر.
٢ - جواز القصر لمن قصد ثلاثة أميالٍ.
٣ - أنَّ المسافر وإن أقام في موضعٍ فإنَّه يقصر، وتقدَّم ذكر الخلاف في مدَّة الإقامة الَّتي يجوز فيها القصر.
٤ - أنَّ أطول مدَّةٍ قصر فيها النَّبيُّ ﷺ وهو مقيمٌ عشرون يومًا في غزوة تبوك؛ كما جاء في حديث جابرٍ ﵁، وعند الجمهور إذا عزم المسافر على الإقامة هذه المدَّة أتمَّ، وإن لم يعزم قصر، وعند ابن حزمٍ يقصر مطلقًا؛ وإن لم يعزم على الإقامة، ثمَّ يجب عليه الإتمام بعد العشرين يومًا.
٥ - اختلاف الرِّوايات في مدَّة إقامته ﷺ عام الفتح، والجمهور يقولون: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجمع الإقامة بتبوك ومكَّة هذه المدد المذكورة.
* * * * *
(٥٠٠) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٥٠١) وَفِي رِوَايَةِ الحَاكِمِ فِي «الأَرْبَعِينَ» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ رَكِبَ».
(٥٠٢) وَلأَبِي نُعَيْمٍ فِي «مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ»: «كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ» (^٢).
(٥٠٣) وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
* * *
_________________
(١) البخاريُّ (١١١١)، ومسلمٌ (٧٠٤).
(٢) «المسند المستخرج على صحيح مسلم» (١٥٨٢).
(٣) مسلمٌ (٧٠٦).
[ ١ / ٤٢٢ ]
هذه الأحاديث هي الأصل في مشروعيَّة الجمع بين الصَّلاتين في السَّفر لمن جدَّ به السَّير، وقد ذهب جمهور العلماء إلى ما دلَّت عليه هذه الأحاديث، وقد ذهب أكثر القائلين بجواز الجمع للمسافر إلى جوازه تقديمًا وتأخيرًا.
وذهب ابن حزمٍ إلى جواز جمع التَّأخير دون التَّقديم (^١)؛ لظاهر حديث أنسٍ ﵁ في «الصَّحيحين» (^٢).
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم جواز الجمع إلَّا للحاجِّ بعرفة ومزدلفة، وحملوا ما ورد في الجمع على الجمع الصُّوريِّ؛ وهو صلاة الأولى في آخر وقتها، والثَّانية في أوَّل وقتها، والجمع الحقيقيُّ هو فعل الصَّلاتين في وقت إحداهما.
والصَّواب: ما ذهب إليه أكثر العلماء من جواز الجمع الحقيقيِّ؛ لهذه الأحاديث. والجمع شرع تيسيرًا، والجمع الصُّوريُّ فيه حرجٌ وعسرٌ بتحرِّي آخر وقت الأولى، وأوَّل وقت الثَّانية.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ وقت الظُّهر من زوال الشَّمس.
٢ - جواز الجمع بين الظُّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السَّفر.
٣ - جواز جمع التَّقديم وجمع التَّأخير؛ بحسب الأرفق بالمسافر.
٤ - التَّصريح بتأخير الظُّهر إلى وقت العصر، وتقديم العصر إلى وقت الظُّهر، ففيه:
٥ - الرَّدُّ على من تأوَّل الأحاديث بالجمع الصُّوريِّ.
٦ - تفسير الإجمال في حديث معاذٍ ﵁ بحديث أنسٍ ﵁؛ حيث لم يصرَّح بنوع الجمع تقديمًا أو تأخيرًا، ومن جهة حال الجمع؛ وهو حال الجدِّ في السَّير.
_________________
(١) «المحلى» (١/ ١٦٥).
(٢) آنفًا.
[ ١ / ٤٢٣ ]
٧ - أنَّ الفجر لا تجمع إلى صلاةٍ أخرى، وكذا العصر لا تجمع إلى المغرب، وهذا بالإجماع.
* * * * *
(٥٠٤) وَعَنِ ابْنِ عباسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١).
(٥٠٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ أُمَّتي الَّذِينَ إِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوْسَطِ» بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَهُوَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ مُخْتَصَرًا (^٢).
* * *
هذان الحديثان لا يعوَّل عليهما لضعف إسناديهما.
وقد تقدَّم ما يتعلَّق بالحديث الأوَّل من تحديد مسافة القصر واختلاف العلماء في ذلك؛ وأنَّ المعتمد في ذلك هو الموقوف على ابن عبَّاسٍ ﵃، وقد صحَّحه الحافظ.
وأمَّا الحديث الثَّاني فهو من أحاديث الفضائل، وفضل الاستغفار معروفٌ، وأدلَّته مشهورةٌ، وحكم الفطر في السَّفر سيأتي ذكر أدلَّته، وأدلَّة المفاضلة بينه وبين الصِّيام، وأمَّا القصر في السَّفر فقد تقدَّم ذكر أدلَّته واختلاف العلماء في حكمه.
* * * * *
_________________
(١) الدارقطنيُّ (١٤٤٧). ولم أجده عند ابن خزيمة.
(٢) الطبرانيُّ في «الأوسط» (٦٥٥٨)، والبيهقيُّ في «معرفة السنن والآثار» (٦٠٧٢).
[ ١ / ٤٢٤ ]
(٥٠٦) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(٥٠٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: عَادَ النَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا، فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَ أبو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (^٢).
(٥٠٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٣).
* * *
هذه الأحاديث الثَّلاثة قد سبقت في باب صفة الصَّلاة، وتقدَّم ذكر ما يتعلَّق بها من الفوائد والأحكام.
* * * * *
_________________
(١) تقدَّم برقم (٣٧٤).
(٢) تقدَّم برقم (٣٧٥).
(٣) تقدَّم برقم (٣٣٨).
[ ١ / ٤٢٥ ]