(٧٧٢) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ»، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ»، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - فضل يوم عرفة.
٢ - فضل صيامه.
٣ - فضل يوم عاشوراء.
٤ - فضل صيامه.
٥ - فضل يوم الاثنين.
٦ - فضل اليوم الذي ولد فيه الرسول ﷺ، ولا يلزم من ذلك تخصيصه بعبادة ولا احتفال.
٧ - فضل اليوم الذي بُعث فيه الرسول ﷺ وأنزل عليه فيه القرآن، ويحتمل أن يكون التفضيل خاصًا بعين ذلك اليوم الذي حصلت فيه هذه النعم.
٨ - أن يوم عرفة أفضل من يوم عاشوراء.
٩ - أن من أسباب تفاضل الأعمال تفاضلَ الزمان.
١٠ - أن من مكفرات الذنوب الأعمال الصالحة، سواء كانت فرضًا أو تطوعًا، وهذا التكفير يختص بالصغائر.
١١ - السؤال عن فضائل الأعمال.
_________________
(١) مسلم (١١٦٢).
[ ٢ / ٨٧ ]
١٢ - أن أثر السبب قد يكون سابقًا، وقد يكون متأخرًا عنه.
١٣ - أن الأسباب قد تتوارد على مسبَّب واحد، فقد يستقل به الأول، وقد يقوِّي بعضها بعضًا.
* * * * *
(٧٧٣) وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - مشروعية صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان.
٢ - فضل صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان، وأنه يعدل صيام الدهر.
٣ - عظم فضل الله على عباده بمضاعفة حسناتهم.
٤ - أن الأفضل المبادرة بصيامها بعد عيد الفطر، لقوله: «أَتْبَعَهُ سِتًّا».
٥ - حصول الثواب ولو صامها متفرقة، والتتابع أفضل.
٦ - وجوب تقديم قضاء رمضان على الست؛ لقوله: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ …»، ومن كان عليه قضاء من رمضان لا يصدق عليه أنه صام رمضان بل بعضَه، فعليه أن يقضي ولو أدى ذلك إلى تأخير صيام الست عن شوال، وقد قال بعض العلماء: من لم يتمكن من صيام الست في شوال صامها في ذي القعدة؛ لأن باب التطوع واسع، وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ (^٢).
* * * * *
_________________
(١) مسلم (١١٦٤).
(٢) «الفتاوى السعدية» (ص ٢٣٠).
[ ٢ / ٨٨ ]
(٧٧٤) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِلا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - فضل الصيام تطوعًا.
٢ - فضل الإخلاص في العبادة.
٣ - فضل الصوم مع الجهاد في سبيل الله، إذا لم يُضعف عن أعمال الجهاد.
٤ - أن الأعمال الصالحة تقي صاحبها من النار.
٥ - إثبات النار التي أعدها الله للكافرين، ويعاقب بها العاصين.
٦ - التعبير عن كمال النجاة من النار ببعد المسافة التي لا تُقطع إلا في سبعين عامًا.
٧ - خصوصية عدد السبعة والسبعين والسبعمئة في الأحكام الشرعية والجزائية والكونية.
* * * * *
(٧٧٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٢).
* * *
_________________
(١) البخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣).
(٢) البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦).
[ ٢ / ٨٩ ]
في الحديث فوائد، منها:
١ - هدي النبي ﷺ في صوم التطوع.
٢ - تحري الرسول ﷺ -والله أعلم- لصيام داود ﵇ وهو شطر الدهر، وذلك بسرد الصوم أيامًا ثم سرد الفطر أيامًا.
٣ - أن من تَحرَّى صوم داود ﵇ إن شاء صام يومًا وأفطر يومًا، وإن شاء صام يومين أو أكثر وأفطر مثلها.
٤ - استحباب صيام أكثر شعبان.
٥ - أنه ﷺ لم يكن يخفي صيامه عن أهله.
٦ - مراقبتهم لصومه وفطره ﷺ.
٧ - أن سرده ﷺ للصوم والفطر باعتبار الشهر، وعليه يجري قولهم: «حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ»، و«حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ»، أي: في هذا الشهر، ويؤيد ذلك قول عائشة ﵂: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلا رَمَضَانَ».
٨ - أنه ﷺ لم يكن يصوم شهر محرم.
* * * * *
(٧٧٦) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - الأمر بصيام أيام البيض من كل شهر، وقد قيل في حكمة تخصيصها بالصوم: إن لياليها هي التي يقع فيها الكسوف -بإذن الله- وفي الصوم دفع
_________________
(١) النسائي (٢٤٢١)، والترمذي (٧٦١)، وابن حبان (٣٦٥٥).
[ ٢ / ٩٠ ]
لما يُخشى من الشر الذي قد يكون عند الكسوف، وعلى هذا فصومها لدفع المكروه، وما شُرع عند الكسوف من الصلاة والدعاء للرفع والدفع، قال ﷺ: «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» (^١).
٢ - أن الأمر يأتي للاستحباب، ويحتمل أن يكون هذا الأمر للوجوب؛ فيكون منسوخًا بفرض صيام رمضان، كما يقتضيه حديث معاذ ﵁ عند أحمد وأبي داود والحاكم (^٢) في أحوال الصيام، وأنه شرع أولًا صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد جاء ذكر ذلك عن جمع من الصحابة والتابعين.
٣ - فضل صيام هذه الأيام على سائر أيام الشهر، وتعرف هذه الأيام بأيام البيض، أي أيام الليالي البيض، لأن لياليها هي ليالي الإبدار واكتمال نور القمر وبقائه إلى آخر الليل، وخص من صيام هذه الأيام؛ الثالث عشر من ذي الحجة، لأنه داخل في أيام التشريق، وقد نُهي عن صيامها للحاج وغيره إلا لمن لم يجد الهدي من متمتع وقارن، كما سيأتي في حديث عائشة وابن عمر ﵃ (^٣).
* * * * *
(٧٧٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(٧٧٨) وَزَادَ أبُوْ دَاوُدَ: «غَيْرَ رَمَضَانَ» (^٥).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم صوم التطوع على المرأة ذات الزوج إذا كان حاضرًا إلا بإذنه.
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٤٠)؛ عن أبي بكرة ﵁. وتقدم (٥٧٩).
(٢) أحمد (٢٢١٢٤)، وأبو داود (٥٠٧)، والحاكم (٣١٤٤).
(٣) سيأتي برقم (٧٨١).
(٤) البخاري (٥١٩٥)، ومسلم (١٠٢٦).
(٥) أبو داود (٢٤٥٨).
[ ٢ / ٩١ ]
٢ - جواز ذلك في غيبته بغير إذنه، وكذا إذا لم تكن عنده، أو كان الزوج لا يحتاج إلى الاستمتاع بها.
٣ - أن قضاء المرأة لصوم رمضان لا يفتقر إلى إذن الزوج، لكن إذا كان وقت القضاء موسَّعًا استُحب أن تستأذنه، ولا يجبُ عليها تأخير القضاء من أجل الزوج حتى يضيق وقتُه، وأما ما أوجبته على نفسها بالنذر فلا تصومه إلا بإذنه إلا أن يكون أذن لها بعقده، وإذا شرعت المرأة في صوم يوم من القضاء ولو قبل أن يضيق وقته حَرُمَ على الزوج أن يفسده، لأن الصوم الواجب يجب إتمامه، بخلاف التطوع.
٤ - عظم حق الزوج على المرأة.
٥ - أنه لا اعتبار بمنعه لامرأته من صوم التطوع والنوافل تحكمًا أو كراهةً للتديّن.
* * * * *
(٧٧٩) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم صيام يومي العيد، عيد الفطر وعيد الأضحى، وتحريم نذر صيامهما، وأنه لا يجوز الوفاء به لأنه معصية.
٢ - أن من شرع في صيامهما ناسيًا أو جاهلًا وجب عليه الفطر.
٣ - أن يوم الأضحى والفطر عيدا المسلمين.
٤ - أن الدين والعبادة ما شرعه الله سواءٌ وافق الهوى أو خالفه، بدليل أن الفطر في العيدين هو العبادة لا الصوم.
_________________
(١) البخاري (١٩٩١)، ومسلم (٨٢٧، ١١٣٨).
[ ٢ / ٩٢ ]
٥ - أن عبادة هذين اليومين بالفطر، وبما شرع الله فيهما من الذكر والصلاة والصدقة والنسك.
* * * * *
(٧٨٠) وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ ﷿». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - فضل أيام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة.
٢ - استحباب الإكثار من ذكر الله فيها مطلقًا ومقيدًا.
٣ - وجوب الفطر فيها، وخُص من ذلك صيامُها عن هدي التمتع والقران كما في الحديث الآتي.
٤ - الإشارة إلى استحباب الأكل من لحوم الهدايا والضحايا.
٥ - جواز ادخار لحوم الهدي والضحايا، وذلك من تسميتها أيام التشريق، أي: تجفيف اللحم في الشمس.
٦ - أن أيام التشريق حكمها واحد في كل ما تقدم، ومن ذلك جواز الذبح فيها جميعًا، وهي أيضًا متساوية بالنسبة إلى الحاج في رمي الجمار وأداء ما بقي من المناسك.
* * * * *
_________________
(١) مسلم (١١٤١).
[ ٢ / ٩٣ ]
(٧٨١) وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم صيام أيام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
٢ - الرخصة لمن لم يجد هدي التمتع والقران في صيامهن.
٣ - أن أيام التشريق هي آخر أيام الحج، ولذلك رُخِّص في صيامها لمن لم يجد الهدي.
٤ - أنه لا يجوز تأخير صيام ثلاثة الأيام عن أيام التشريق.
٥ - مناسبة هذه الرخصة؛ أن أيام التشريق وقت لذبح الهدي، وصيامهن بدل عنه، وإن كان يجوز صيام ثلاثة الأيام قبل ذلك.
٦ - أن لفظ الرخصة يدل على إباحة الفعل، ونفي الرخصة يدل على التحريم.
٧ - أن قول الصحابي: «أُمِرْنَا» أو «نُهِينَا» أو «رُخِّصَ» أو «لَمْ يُرَخَّصْ» له حكم الرفع إلى النبي ﷺ؛ لأن ذلك كله إليه ﷺ.
* * * * *
(٧٨٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
_________________
(١) البخاري (١٩٩٨).
(٢) مسلم (١١٤٤).
[ ٢ / ٩٤ ]
(٧٨٣) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
في الحديثين فوائد، منها:
١ - النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام.
٢ - النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصيام، والتخصيص يكون بالتحري والقصد، وقد يكون بالفعل من غير تقصُّد ولا تحرٍّ؛ فالأول يحرم، والثاني يكره، بدليل أنه ﷺ أمر جويرية بنت الحارث ﵂ بالفطر حين صامت يوم الجمعة ولم تصم قبله ولم تصم بعده (^٢).
٣ - جواز صيام يوم الجمعة إذا ضم إليه يوم قبله أو يوم بعده.
٤ - جواز صوم يوم الجمعة وحده إذا صادف عادة، كمن يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكذا من عادته صوم يوم عرفة إذا صادف يوم جمعة، لقوله: «إِلا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ».
٥ - أن فضل الزمان أو المكان لا يدل على جواز تخصيصه بعبادة إلا ما خصه الشرع؛ كالعمرة والصلاة أيام البيض أو الاثنين والخميس، بل حتى يوم الجمعة. وكالاعتكاف والصلاة في مسجد معين غير المساجد الثلاثة.
٦ - أن مبنى العبادة على الأمر لا على الرأي والاستحسان.
* * * * *
(٧٨٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، واسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ (^٣).
* * *
_________________
(١) البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١٤٧ - ١١٤٤).
(٢) رواه البخاري (١٩٨٦).
(٣) أحمد (٩٧٠٧)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، والنسائي (٢٩٢٣)، وابن ماجه (١٦٥١).
[ ٢ / ٩٥ ]
الحديث ضعيف.
وفيه فوائد، منها:
١ - النهي عن صوم النصف الثاني من شعبان أو شيء منه، سواء مع صوم النصف الأول أو بدونه، ولكنه -على تقدير صحته- محمول على ابتداء الصيام بعد انتصاف الشهر، فالنهي في حق من لم يصم أوله، بدليل أن الرسول ﷺ كان يصوم شعبان كله أو أكثره، والنهي فيه من جنس النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومع ذلك فهذا الحديث معارض بمفهوم ذلك الحديث، وهو قوله ﷺ: «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ» (^١) فمفهومه جواز الصوم قبل ذلك، فمن ضعَّف الحديث لا يحتاج إلى شيء مما ذكر.
* * * * *
(٧٨٥) وَعَنِ الصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إِلا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلا لِحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٢)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ. وقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ (^٣). وَقَال أبُوْ دَاوُدَ: «هُوَ مَنْسُوخٌ».
* * *
فيه النهي عن التطوع بصوم يوم السبت مطلقًا، أي: مفردًا أو مع غيره أو صادف عادة لقوله: «إِلا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ»، وهذا معارض من وجوه:
١ - صوم النبي ﷺ لشهر شعبان.
٢ - هدي النبي ﷺ في صوم التطوع المطلق حتى يقول القائل: لا يفطر (^٤).
_________________
(١) تقدم في أول (كتاب الصيام) (٧٣٩).
(٢) أحمد (٢٧٠٧٥)، وأبو داود (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤)، والنسائي في «الكبرى» (٢٧٧٨)، وابن ماجه (١٧٢٦).
(٣) قال أبو داود في «السنن» (٢٤٢٤): «قال مالك: هذا كذب».
(٤) تقدم حديث عائشة ﵂ في (باب صوم التطوع وما نهي عنه) (٧٧٥).
[ ٢ / ٩٦ ]
٣ - قوله ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ» (^١).
٤ - قوله ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» (^٢).
٥ - قوله ﷺ: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» (^٣).
٦ - حديث أم سلمة ﵂؛ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الأَحَدِ …» وهو الحديث الآتي في الباب.
وكل هذه الأحاديث تتضمن مشروعية صيام يوم السبت مفردًا أو مع غيره. ولأجل ذلك حكم العلماء على حديث الباب أنه شاذ أو منسوخ (^٤). ومع ذلك ففي متنه نكارة، وهو قوله: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلا لِحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا»، فإنه يقتضي وجوب أكل شيء، ولو لم ينو الصوم، مبالغة في ترك صومه.
ومَنْ قال مِنْ العلماء: إن النهي عن إفراده وتخصيصه؛ لا يستقيم قوله مع ما تقدم، وأبعد منه قول من قال: «يحرم التطوع بصوم يوم السبت مطلقًا». وبهذا يتبين أن الصواب جواز صوم يوم السبت مطلقًا. والله أعلم.
* * * * *
(٧٨٦) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا لفْظُهُ (^٥).
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (١١٦٣)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه النسائي (٢٣٨٧)؛ عن عبد الله بن عمرو ﵄، وأصله في مسلم (١١٥٩).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤)؛ عن أبي هريرة ﵁.
(٤) «البدر المنير» (٥/ ٧٦٠).
(٥) النسائي (٢٧٨٩)، وابن خزيمة (٢١٦٧).
[ ٢ / ٩٧ ]
في الحديث فوائد، منها:
١ - أن من هدي النبي ﷺ صوم يومي السبت والأحد.
٢ - استحباب صيامهما مفردين أو مجتمعين.
٣ - الحكمة من صيامهما، وهي مخالفة المشركين، لأن السبت عيد اليهود والأحد عيد النصارى، كما أن الجمعة عيد المسلمين، كما قال النبي ﷺ في يوم الجمعة: «هَدَانَا اللهُ لَهُ وَضَلَّ النَّاسُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَهُوَ لَنَا، وَاليَهُودُ يَوْمُ السَّبْتِ، وَالنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ» (^١).
٤ - أن مخالفة الكفار في أعيادهم السنوية آكد؛ لأنها عندهم أعظم من عيد الأسبوع.
٥ - إطلاق اسم المشركين على اليهود والنصارى.
٦ - أن من مقاصد الشرع مخالفة المشركين واليهود والنصارى في هديهم.
٧ - أن من شأن العيد الفطرَ عند المسلمين وغيرهم.
* * * * *
(٧٨٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ، واسْتَنْكَرَهُ العُقَيْليُّ (^٢).
* * *
_________________
(١) رواه ابن خزيمة (١٧٢٦) عن أبي هريرة ﵁، وأصله في مسلم (٨٥٦).
(٢) أحمد (٨٠٣١)، وأبو داود (٢٤٤٠)، والنسائي في «الكبرى» (٢٨٤٣)، وابن ماجه (١٧٣٠)، وابن خزيمة (٢١٠١)، والحاكم (١٥٨٨). وينظر: «الضعفاء الكبير» للعقيلي (١/ ٢٩٨).
[ ٢ / ٩٨ ]
في الحديث -على تقدير صحته - فوائد، منها:
١ - النهي عن صوم يوم عرفة لمن كان حاجًّا، وهذا يوافق فعله ﷺ فقد ثبت (^١) أنه ﷺ كان مفطرًا في ذلك اليوم. وتركه ﷺ لصوم يوم عرفة مع ما أخبر من فضله وتكفيره لسنتين يدل على أن السُّنة للحاج ترك صومه إلا أن يكون الصوم عن هدي التمتع.
والحكمة من الفطر في ذلك اليوم أنه أقوى للحاج على مقصود الوقوف من كثرة الذكر والتضرع في الدعاء، وبخاصة إذا كان الوقت حارًّا، وقيل: لأن يوم عرفة بالنسبة إلى الحاج يوم عيد، ويشهد لذلك ما رواه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ» (^٢)، فهذا الحديث مع فعله ﷺ مخصص لقوله ﷺ لما سئل عن صوم يوم عرفة: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ» (^٣).
٢ - أنه قد يعرض للعمل المفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، فالفطر في يوم عرفة الأصل أنه مفضول، ولكنه في عرفة أفضل من الصوم.
* * * * *
(٧٨٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤).
(٧٨٩) ولِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظ: «لا صَامَ وَلا أَفْطَرَ» (^٥).
* * *
_________________
(١) في البخاري (١٦٥٨)، ومسلم (١١٢٣)؛ من حديث أم الفضل بنت الحارث حين أرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره في عرفة، فشربه.
(٢) رواه أحمد (١٧٣٧٩)، وأبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي (٣٠٠٤)، وابن حبان (٣٦٠٣)، والحاكم (١٥٨٧). قال الترمذي: «حسن صحيح».
(٣) تقدم (٧٧٢).
(٤) البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١١٥٩).
(٥) مسلم (١١٦٢).
[ ٢ / ٩٩ ]
في الحديثين فوائد، منها:
١ - أن صوم الدهر غير مشروع، لقوله ﷺ: «لا صَامَ» والمنفي هو الصوم الشرعي، والمثبت هو الصوم اللغوي، ومعناه: أن من صام الأبد فصيامه غير مقبول، فهو صائم، أي: ممسك غير صائم شرعًا، وهذا معنى قوله في الرواية الأخرى: «لا صَامَ وَلا أَفْطَرَ»، أي: لا صام الصوم الشرعي ولا أفطر بالأكل والشرب، وصوم الأبد أو صوم الدهر يتحقق بصوم كل السنة أو معظم السنة، ولو أفطر في الأيام المحرم صومها وهي يوما العيد وأيام التشريق.
وأما قوله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» (^١)، ونحوه فلا يدل على جواز صيام الدهر، فإن المراد أن ذلك يعدل صيام عدد أيام السنة كما جاء مفسَّرًا؛ أن الحسنة بعشر أمثالها. فشهر بعشرة أشهر وستة أيام بشهرين، ولا يلزم من حصول ثواب الدهر جواز صوم الدهر، وقد جاء النهي عنه.
٢ - أن من مقاصد الشرع التيسير، كما قال ﷺ: «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا» (^٢).
٣ - تحريم صيام الدهر، وأنه لا يجب بالنذر.
* * * * *
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٤٣٣)، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، وهو في مسلم (١١٦٤) بلفظ: «ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». وتقدم (٧٧٤).
(٢) رواه البخاري (٦٩)، ومسلم (١٧٣٤)؛ عن أنس ﵁.
[ ٢ / ١٠٠ ]