هذا الباب مناسب كل المناسبة لما تقدم، فقد علم مما تقدم فضل النكاح وشروطه وموانعه، وما يباح ويحرم، وكأنه بعد ذلك قد تم النكاح، والتقى الزوجان، فلا بد إذن من معرفة كيفية العشرة بينهما، والعِشْرة الصحبة، والعشير الصاحب، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وعشرة النساء معاشرتهن، وهي معاملة كل من الزوجين للآخر، وأقل ذلك بذل ما يجب لكل منهما على الآخر، وترك ما يحرم، وأهم ذلك ما يحصل به الإعفاف والإحصان لكل منهما.
* * * * *
(١١٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رواه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائيُّ وَاللَّفْظُ له، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلكنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (^١).
(١١٥١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بالوَقْفِ (^٢).
* * *
هذان الحديثان يدلان على ما دل عليه القرآن من وجوب إتيان المرأة في قبلها لا في دبرها؛ لأن ذلك هو الاستمتاع الطبيعي الذي به كمال اللذة، ويكون به إعفاف المرأة، ويحصل به الازدراع بوضع النطفة في موضعها، ولذا سمى
_________________
(١) أبو داود (٢١٦٢)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٦٦).
(٢) الترمذي (١١٦٥)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٥٢)، وابن حبان (٤٢٠٣).
[ ٢ / ٣٩٣ ]
الله النساء حرثًا، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٢ - ٢٢٣]، أي كيف شئتم، أو من أي جهة شئتم، إذا كان في موضع الحرث.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم إتيان المرأة في دبرها.
٢ - أنه من الكبائر.
٣ - أنه ليس مرادًا بقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
٤ - أنه أقبح من إتيان المرأة الحائض.
٥ - أنه مخالف للفطرة السليمة.
٦ - أنه لا تجب به كفارة، بل الواجب التوبة.
٧ - أنه لا يوجب فسخ النكاح، كما تظنه العامة.
٨ - أنه يحرم على المرأة المطاوعة في ذلك.
٩ - تحريم إتيان الرجل الرجل، وهو أكبر من إتيان المرأة في دبرها، ويوجب الحد، بخلاف إتيان المرأة في دبرها.
١٠ - أن دين الإسلام دين الطهر والتنزه عن الأقذار، فإن الدبر محل النجاسة.
١١ - أن من أنواع الوعيد إعراض الله عن العبد، فلا ينظر إليه، ومن أنواعه اللعن.
١٢ - وجوب الحذر من التعرض لوعيد الله بترك الأسباب المفضية إلى ذلك.
* * * * *
[ ٢ / ٣٩٤ ]
(١١٥٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
(١١٥٣) وَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا» (^٢).
* * *
هذا الحديث أصل في الوصية بالنساء أي بالزوجات، وقد تضمن الوصية في حق الجار، وفي الرفق بالمرأة، وتعليل ذلك بما جبلت عليه المرأة في أصل خِلْقتها من عوج في خُلُقها.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن الإيمان بالله اليوم الآخر أعظم ما يدعو إلى أداء الحقوق.
٢ - أن كف الأذى عن الجار من الإيمان.
٣ - عظم حق الجار، وكف الأذى أدنى حقوقه، والجار هو المجاور، وهو قريب المنزل.
٤ - وصية النبي ﷺ للأزواج في نسائهم بإرادة الخير لهن والصبر عليهن، والتواصي في ذلك.
٥ - تعليل الأحكام الشرعية وبيان أنها مبنية على الحِكَم.
٦ - ذكر ما خلقت منه المرأة الأولى، وهي حواء ﵍، خلقت من ضِلَع آدم، كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١].
_________________
(١) البخاري (٥١٨٥) و(٥١٨٦)، ومسلم (١٤٦٨).
(٢) مسلم (١٤٦٨).
[ ٢ / ٣٩٥ ]
٧ - أنَّ لِما خُلِق منه الإنسان أثرًا على خِلْقته وخُلُقه.
٨ - الحديث شاهد لنظرية الوراثة في الصفات والأحوال.
٩ - الإرشاد إلى الصبر على ما في خلق المرأة من نقص، وأن ذلك هو الأصل فيها، كما يشهد لذلك قوله ﷺ: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ آخَرَ» (^١)، وفي الحديث شاهد لمعنى قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، أي: خذ ما تيسر من أخلاق الناس، وما سمحت به طباعهم.
١٠ - أن طلب الكمال في المرأة يؤدي إلى فراقها، والصبرُ والتسامح هو الدواء الشافي.
١١ - أن دين الإسلام دين الرحمة والعطف على الضعفة.
١٢ - إبطال عادة أهل الجاهلية باحتقار النساء وظلمهن.
١٣ - أن الطلاق خسارة على الرجل والمرأة، فهو أعظم مفسدة مما يأخذه الرجل على امرأته.
* * * * *
(١١٥٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا -يَعْنِي: عِشَاءً- لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(١١٥٥) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ، فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا» (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٦٩)؛ عن أبي هريرة ﵁.
(٢) البخاري (٥٠٧٩) ومسلم (٧١٥).
(٣) البخاري (٥٢٤٤).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
هذا الحديث أصل في مراعاة الرجل أهله بحيث لا يفجؤهم عند مقدمه من سفره، أو يفجؤهم بدخوله لمنزله من غير تنبيه.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن من هديه ﷺ المشاركة في الغزوات.
٢ - أن من هديه ﷺ إذا قدم المدينة ألا يدخل إلا ليلًا، ويعارض هذا قوله في الرواية الأخرى: «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ، فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا»، والجمع بينهما أن الحديث الأول فيما إذا قدموا نهارًا، وعلم بهم أهلوهم، فلا يدخلوا عليهم إلا ليلًا عشاء، والثاني إذا لم يعلموا مقدمهم. وحينئذ فلا يطرقوهم ليلًا.
٣ - ذكر الحكمة في ذلك.
٤ - تعليل الأحكام الشرعية.
٥ - تجنب أن يفجأ الرجل أهله بالدخول عليهم خصوصًا عند مقدمه من السفر.
٦ - أن المُغِيبة -وهي التي غاب عنها زوجها - لا تتزين في الغالب.
٧ - استعداد المرأة لمقدم زوجها بالامتشاط والاستحداد ونحوهما من الزينة، وهذا من الأمور العادية، ويكون عملًا صالحًا بالنية.
٨ - أن إزالة شعر العانة بالحلق، ويسمى استحدادًا؛ لأنه يكون بالحديد، وهو الموسى.
٩ - كمال الشريعة لتضمنها مثل هذه الأحكام.
* * * * *
[ ٢ / ٣٩٧ ]
(١١٥٦) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في وجوب حفظ السر بين الزوجين، وهو من أعظم الحقوق الزوجية.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن من شر الناس مَنْ ينشر سر امرأته الذي بينه وبينها، وكذلك المرأة، والمراد بالسر ما يتعلق بالفراش.
٢ - أن إفشاء هذا السر من كبائر الذنوب إلا ما تقتضيه المخاصمة بين الزوجين.
٣ - سقوط منزلة من يفعل ذلك عند الله تعالى، فيستوجب العقاب.
٤ - أن من أنواع العندية: عندية الحكم.
٥ - أن العلاقة بين الزوجين مبناها على الأمانة.
٦ - جواز التعري من الزوجين تحت اللحاف إلا عند اغتسالهما، فيجوز بلا إزار.
٧ - أن الناس يتفاوتون في الشر.
٨ - أن جزاء الأعمال خيرها وشرها إنما يظهر يوم القيامة، يوم تجد كل نفس ما عملت.
* * * * *
_________________
(١) مسلم (١٤٣٧).
[ ٢ / ٣٩٨ ]
(١١٥٧) وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تُطْعِمُهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان وَالْحَاكِمُ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في حق المرأة على زوجها، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (^٢)، وقوله في خطبته في حجة الوداع: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ، وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (^٣)، والشاهد لهذا من القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن حق المرأة على زوجها -إجمالًا - أداء ما يجب لها، وترك ما يحرم من قول أو فعل.
٢ - أنه يجب للمرأة على زوجها الطعام والكسوة، وهو ما يعبر عنه بالنفقة.
٣ - أن النفقة لا تجب على الرجل مع الإعسار، فلا يوجب فسخ النكاح، وفي ذلك خلاف.
٤ - أن النفقة بحسب اليسر والعسر، كما قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧].
٥ - تحريم ضرب المرأة على وجهها، وضرب الوجه حرام مطلقًا.
٦ - تكريم وجه الإنسان؛ لأن به المواجهة وأهم الحواس.
_________________
(١) أحمد (٢٠٠٢٢)، وأبو داود (٢١٤٢)، والنسائي في «الكبرى» (٩١١٥)، وابن ماجه (١٨٥٠)، والبخاري معلقًا «الفتح» (٩/ ٣٠١)، وابن حبان (٤١٧٥)، والحاكم (٢٧٦٤).
(٢) رواه البخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩)؛ عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) رواه مسلم (١٢١٨)؛ عن جابر ﵁.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
٧ - تحريم تقبيح المرأة، كقول الرجل لامرأته: قبحك الله، أو: وجهك قبيح.
٨ - جواز ضرب المرأة وهجرها إذا كان منها نشوز، كما قال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
٩ - أن الهجر المأذون فيه ما كان في البيت، أما الهجر بترك المنزل فلا يجوز.
١٠ - حرص الصحابة على العلم.
١١ - شمول أحكام الشريعة لكل شؤون الإنسان، ومن ذلك شؤون الأسرة.
* * * * *
(١١٥٨) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ. فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
* * *
هذا الحديث مع الآية الكريمة يدلان على جواز إتيان الرجل امرأته كيف شاء، من أمام أو من الخلف، شريطة أن يكون في صمام واحد، وهو القبل، ولو ذكر المؤلف هذا الحديث مع الحديثين في أول الباب لكان أنسب.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم اليهود لإتيان المرأة من دبرها في قبلها، وهذا كتحريمهم مباشرة الحائض ومجالستها، وهذا قد يكون من شرعهم، أو مما ابتدعوه في دينهم.
_________________
(١) البخاري (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥).
[ ٢ / ٤٠٠ ]
٢ - بطلان زعم اليهود، والرد عليهم.
٣ - جواز إتيان المرأة من دبرها في قبلها، لا في دبرها، كما تقدم.
٤ - أن من آي القرآن ما ينزل لسبب.
٥ - تشبيه المرأة بالحرث؛ لأن وضع النطفة فيها كوضع البذر في الأرض، كما جاء في الحديث: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (^١).
٦ - التيسير على الرجل في أمر النكاح، وهذا من جملة يسر الشريعة.
* * * * *
(١١٥٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا؛ فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
هذا الحديث أصل في هذا الدعاء.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب هذا الذكر والدعاء عند إرادة الوطء.
٢ - أنه ليس بواجب؛ لقوله: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ».
٣ - أن هذا الدعاء يكون قبل الجماع، بل عند الإرادة، كما هو صريح في الحديث.
٤ - إثبات وجود الشيطان، وأن له تسلطًا على الإنسان.
_________________
(١) رواه أحمد (١٦٩٩٠)، وأبو داود (٢١٥٨)، والترمذي (١١٣١)، وابن حبان (٤٨٥٠)؛ عن رويفع بن ثابت ﵁، وسيأتي برقم (١٢٧٤).
(٢) البخاري (٥١٦٥)، ومسلم (١٤٣٤).
[ ٢ / ٤٠١ ]
٥ - أنه لا يعصم من شر الشيطان إلا الله.
٦ - أن الداعي يبدأ بنفسه.
٧ - استحباب الدعاء بالبعد من الشيطان، وذلك بمجانبة طاعته وما يدعو إليه.
٨ - الدعاء بإبعاد الشيطان عما رزق الله العبد من متعة الحلال والذرية.
٩ - أن الذرية رزق من الله، وفي دعاء زكريا ﵇: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (٣٨)﴾ [آل عمران: ٣٨].
١٠ - أن حصول الولد راجع إلى قدر الله.
١١ - أن الولد من ماء الرجل والمرأة؛ لقوله «بَيْنَهُمَا».
١٢ - أن هذا الذكر والدعاء عصمة للولد من ضرر الشيطان، ونفي الضرر لا يستلزم نفي الأذى، كالذي يحصل في الوسوسة.
١٣ - أن ذكر الله سبب لحصول الخير ودفع الشر.
١٤ - إثبات تأثير الأسباب والرد على من أنكرها.
* * * * *
(١١٦٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
(١١٦١) وَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا» (^٢).
* * *
_________________
(١) البخاري (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦).
(٢) ومسلم (١٤٣٦) (١٢١).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
هذا الحديث أصل في وجوب حق الرجل على امرأته في الجماع والاستمتاع، وتحريم امتناعها من غير عذر.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن أمر الجماع والاستمتاع مغلَّب فيه جانب الرجل، كما في هذا الحديث، فهو الداعي والآمر، وهي المأمورة، ويشهد لهذا أنها خلقت له، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١].
٢ - أن امتناع المرأة من الإجابة معصية، بل كبيرة من كبائر الذنوب.
٣ - أن هذا الوعيد مختص بدعوتها إلى الفراش خاصة، أما سائر الأغراض فيجب على المرأة طاعة زوجها بالمعروف، ولو عصت فهي آثمة، ولا يلحقها هذا الوعيد الشديد.
٤ - أن الوعيد مقيد بقوله: «فَبَاتَ غَضْبَانَ» (^١).
٥ - إثبات الملائكة.
٦ - أنها تلعن من أُمرت بلعنه من العصاة.
٧ - أن امتناع المرأة من الإجابة من أسباب سخط الله عليها.
٨ - إثبات العلو لله.
٩ - إثبات أن الله يسخط على بعض الخلق.
١٠ - الكناية عن الأمر المستهجن بما يدل عليه؛ لقوله: «إِلَى فِرَاشِهِ».
* * * * *
_________________
(١) هي رواية البخاري الأخرى (٣٢٣٧).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
(١١٦٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أن النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في تحريم هذه الأمور الأربعة المذكورة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - لعن هذه الأصناف الأربعة من النساء؛ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. والواصلة هي التي تصل شعر غيرها بشعر ونحوه، توهم أن شعرها طويل، والمستوصلة هي التي يفعل لها ذلك، والواشمة هي التي تفعل الوشم بغيرها، وهو حقن صباغ تحت الجلد، يجعل البشرة بلونه، والغالب أنه أخضر، والمستوشمة هي التي يفعل بها ذلك إذا كان برضاها.
٢ - تحريم فعلهن؛ لما فيه من التدليس والتغيير لخلق الله، والرجل في ذلك كالمرأة، بل هو أولى بالمنع.
٣ - أن هذه الأفعال من كبائر الذنوب.
٤ - أن الراضي بفعل المعصية كالفاعل.
٥ - أن من الزينة ما يحرم، فيُخص من عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
٦ - أن الوصل والوشم حرام، فلا يطاع فيه الزوج إذا طلبه، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
٧ - أنه ليس للإنسان التصرف في نفسه إلا في حدود ما أباح الله.
أن الإعانة على المعصية معصية، ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فالواصلة والواشمة معينتان على الوصل والوشم، وفي حكم الوصل والوشم
_________________
(١) البخاري (٥٩٤٠)، ومسلم (٢١٢٤).
[ ٢ / ٤٠٤ ]
تفليج الأسنان لتحسينها، وجاء في الحديث: لعن المتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله (^١)، وإنما يحرم التغيير لخلق الله إذا كان للتحسين لا لإزالة عيب؛ كالإصبع الزائدة.
* * * * *
(١١٦٣) وَعَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ﵂ قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا». ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(١١٦٤) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أن رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ: أَنَّ الْعَزْلَ المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَالَ: «كَذَبَتْ يَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ له، والنَّسَائِيُّ والطَّحَاوِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^٣).
(١١٦٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤).
(١١٦٦) وَلِمُسْلِمٍ: «فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا» (^٥).
* * *
_________________
(١) البخاري (٤٦٠٤)، ومسلم (٢١٢٥) عن ابن مسعود ﵁.
(٢) مسلم (١٤٤٢).
(٣) أحمد (١١٢٨٨)، وأبو داود (٢١٧١)، والنسائي في «الكبرى» (٩٠٣١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤٣٤٦)، وفي مشكل الآثار (١٩١٦).
(٤) الذي اتفق عليه الشيخان من كلام جابر هو قوله: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ»، أما جملة: «وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ» فهي عند مسلم فقط، وهي من كلام سفيان بن عيينة. البخاري (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠).
(٥) مسلم (١٤٤٠).
[ ٢ / ٤٠٥ ]
هذه الأحاديث هي الأصل في حكم العزل، والعزل هو الإنزال خارج الرحم، وقد ذهب الجمهور إلى إباحة العزل لما سيأتي، ولكنه لا يجوز إلا بإذن الزوجة الحرة؛ لأن الولد من حقهما، وذهب ابن حزم إلى تحريم العزل مطلقًا، استدلالًا بحديث جذامة، وقول النبي ﷺ في العزل إنه الوأد الخفي، وأجاب عن حديث أبي سعيد وجابر بأنهما على البراءة الأصلية (^١)، ويضعف هذا الاستدلال تكذيب النبي ﷺ لليهود في قولهم عن العزل: إنه الموؤدة الصغرى، فالصواب جوازه، والله أعلم.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - جواز الاجتهاد من النبي ﷺ فيما يأمر به أو ينهى عنه، ولكن لا يُقَرُّ على خطأ؛ لقوله: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ …».
٢ - خبرة النبي ﷺ ببعض أحوال الأمم.
٣ - جواز الغيلة، وهو جماع المرضع.
٤ - أن مقصود النهي دفع الضرر.
٥ - أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد.
٦ - الاعتبار بأحوال الناس وأفعالهم ما ينفع وما يضر.
٧ - جواز تسمية العزل الوأد الخفي.
٨ - إباحة التسري.
٩ - جواز العزل عن الأمة.
١٠ - أن العزل لا يمنع ما قدر الله خلقه من النسم.
١١ - أن الصحابة كانوا يعزلون في عهد النبي ﷺ.
١٢ - أن النبي ﷺ لم ينه عن العزل.
_________________
(١) المحلَّى (٩/ ٢٢٣).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
١٣ - أن مقصود العزل هو منع الحمل، فيلحق به سائر الموانع من الحبوب واللَّولب واللاصق، وكلٌّ منها يختص بمفاسد لا يشتمل عليه الآخر.
١٤ - الاستدلال على إباحة الشيء بإقرار الله وإقرار رسوله ﷺ.
١٥ - أن ما لم ينه الله عنه ولا رسوله فالأصل فيه الإباحة.
١٦ - الكناية عما يستحيا من ذكره إلا إذا دعت الحاجة إلى التصريح.
١٧ - جواز ذكر ما يستحيا منه لبيان الحكم الشرعي.
١٨ - كمال الشريعة وشمولها لكل أحكام الإنسان، حتى ما يتعلق بالعلاقة بين الزوجين.
* * * * *
(١١٦٧) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. أخْرَجَاهُ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في جواز العود إلى الوطء قبل الغُسل، ولو مع زوجة أخرى.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنه لا يجب الغسل للعود إلى الوطء.
٢ - أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد.
٣ - أنه ﷺ لا يجب عليه القسم بين الزوجات، ويدل له قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاء﴾ [الأحزاب: ٥١]، على أحد التفسيرين، ويدل له من الحديث أنه طاف على غير ذات الليلة في ليلة إحداهن.
_________________
(١) البخاري (٢٦٨)، ومسلم (٣٠٩).
[ ٢ / ٤٠٧ ]
٤ - قوة النبي ﷺ في أمر الجماع.
٥ - جواز تأخير الغُسل.
* * * * *
[ ٢ / ٤٠٨ ]