تنوعت عبارات المصنفين في الترجمة لهذا الموضوع؛ فمنهم من يقول: (كتاب المناسك)، لأن أكثر ما يُطلق عليه اسم المناسك في لسان الشرع والفقهاء أعمال الحج والعمرة، لقوله ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» (^١)، ومنهم من يقول: (كتاب الحج والعمرة)، ومنهم من يقول: (كتاب الحج)، كما صنع الحافظ، ولعله اقتصر على لفظ الحج دون العمرة؛ لأن العمرة حج، وتدخل في الحج.
والحج في اللغة: القصد إلى معظم، وفي الشرع: القصد إلى البيت العتيق بأعمال مخصوصة.
والعمرة أصل معناها في اللغة: الزيارة، وفي الشرع: زيارة البيت الحرام بإحرام للطواف والسعي، ولا تطلق عند العرب إلا على ذلك.
وحج البيت أحد أركان الإسلام الخمسة، والصحيح أنه فرض في السنة التاسعة من الهجرة، وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة، ومن رحمة الله أنه لا يجب في العمر إلا مرة، وهو على الاستطاعة، لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
ويجب على الفور عند توفر شروطه، لأن الأصل في الأمر المطلق الفورية، وتأخر النبي ﷺ إلى العاشرة -وقد فرض في السنة التاسعة- من أجل أن يتطهر البيت من المشركين وعوائدهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، والمراد بهذا العام هو السنة التاسعة.
* * * * *
_________________
(١) رواه مسلم (١٢٩٦)؛ عن جابر ﵁.
[ ٢ / ١١٣ ]
(٨٠١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
في هذا الحديث فوائد، منها:
١ - فضل العمرة.
٢ - استحباب المتابعة بين الحج والعمرة، لقوله: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ».
٣ - أن العمرة من مكفرات السيئات، وهذا مقيد باجتناب الكبائر؛ لقوله ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^٢).
٤ - فضل الحج على العمرة.
٥ - أن مناط الفضل هو البر في الحج، لقوله: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ».
٦ - أن الحج سبب لدخول الجنة.
٧ - إثبات الأسباب الشرعية.
٨ - إثبات الجنة.
٩ - الرد على من أنكر الأسباب.
١٠ - أن الأسباب مؤثرة في حصول مسبَّباتها بإذن الله تعالى.
* * * * *
(٨٠٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيْحِ (^٣).
_________________
(١) البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩).
(٢) رواه مسلم (٢٣٣)؛ عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أحمد (٢٥٣٢٢)، وابن ماجه (٢٩٠١)، وينظر: البخاري (١٥٢٠).
[ ٢ / ١١٤ ]
هذا الحديث من أدلة وجوب العمرة، وهو مذهب جمهور العلماء، وذهب جماعة من العلماء إلى أنها ليست واجبة، ولكل من القولين وجوه من الاستدلال، وقد استوفاها شيخ الإسلام في «شرح العمدة»، واختار عدم الوجوب، وأصل الحديث في صحيح البخاري لكن بلفظ: قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وهو بهذا اللفظ لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على فضل الحج، ولهذا آثر الحافظ ﵀ هذا اللفظ.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - عدم وجوب الجهاد على النساء.
٢ - وجوب الحج عليهن كوجوبه على الرجال.
٣ - وجوب العمرة على النساء كوجوبها على الرجال.
٤ - أن الحج والعمرة من نوع الجهاد في سبيل الله.
٥ - الإشارة إلى الفرق بين الحج والعمرة وبين الجهاد في حق المرأة لقوله ﷺ: «لا قِتَالَ فِيهِ».
٦ - أن المرأة ليست من أهل القتال، وإن جاز خروجهن لبعض مصالح المجاهدين مع مراعاة الشروط المعتبرة في سفر المرأة ووجودها مع الرجال.
٧ - حرص عائشة ﵂ على العلم، وعلى فضائل الأعمال.
* * * * *
[ ٢ / ١١٥ ]
(٨٠٣) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي عَنِ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: «لا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، والرَّاجِحُ وَقْفُهُ (^١).
* * *
هذا الحديث من أدلة القائلين بعدم وجوب العمرة، ولا ينهض للاحتجاج به؛ لأن الراجح وقفه على جابر ﵁.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - أن العمرة ليست واجبة.
٢ - أن الاعتمار عمل صالح، ففي العمرة خير للمعتمر.
٣ - أن في وجوب العمرة خلافًا بين الصحابة ﵃.
٤ - الترغيب في النافلة.
٥ - تنبيه السائل إلى ما يحتاج إليه، وهو من محاسن الفتوى.
٦ - أن الاقتصار على «لا» في الجواب يحصل به المقصود؛ لأنها على تقدير إعادة مضمون السؤال.
٧ - أن جابرًا ﵁ لا يرى وجوب العمرة.
* * * * *
(٨٠٤) وأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيْفٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» (^٢).
* * *
هذا الحديث من أدلة القائلين بوجوب العمرة، ولكن الحديث لا ينهض للاحتجاج به؛ فقد أخرجه ابن عدي في «الكامل»، وقال بعد ذكره: «هذا الحديث غير محفوظ».
* * * * *
_________________
(١) أحمد (١٤٣٩٧)، والترمذي (٩٣١)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٤٣).
(٢) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٥٠)، وفي إسناده عبد الله بن لهيعة.
[ ٢ / ١١٦ ]
(٨٠٥) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ (^١).
(٨٠٦) وأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيْثِ ابْن عُمَرَ ﵄ أيضًا، وَفِيْ إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (^٢).
* * *
هذا الحديث -مع ضعفه - أخذ به جمهور العلماء، وقالوا: من وجد مالًا يحصل به الزاد والراحلة وجب عليه الحج فهو المستطيع المذكور في الآية: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ويؤيد ذلك أن من لم يستطع الحج ببدنه وهو مستطيع بماله وجب أن ينيب من يحج عنه، كما يدل لذلك حديث الخثعمية وحديث الجهنية، كما سيأتي (^٣).
والذي أوجب لأهل العلم الأخذ بهذا الحديث -حديث الباب - أنه جاء من طرق عن جمع من الصحابة ﵃، والغالب عليها الضعف، ومنها ما صحح؛ كحديث أنس ﵁ عند الحاكم، ومجموعها تثبت به الحجة، وأكثر القائلين بحديث الزاد والراحلة يقولون: لا يجب الحج على من لم يملك الزاد والراحلة وإن قدر على المشي. وذهب بعضهم إلى وجوب الحج على من قدر على المشي بلا مشقة شديدة لقربه من مكة أو لقوته، وإن كان بعيدًا لأنه مستطيع. وقالوا: إن الحديث خرج مخرج الغالب، فالغالب ألَّا يستطيع الحج إلا من ملك زادًا وراحلة، وفي هذا القول قوة، كما ترى. ومن العلماء من اشترط في وجوب الحج أمن الطريق، ولو لم ترد الأحاديث المتقدمة لكان هذا القول أظهر، وأقرب إلى ظاهر القرآن.
* * * * *
_________________
(١) الدارقطني (٢٤١٨)، والحاكم (١٦١٥).
(٢) الترمذي (٨١٣).
(٣) سيأتي برقم (٨٠٩، ٨٠٨).
[ ٢ / ١١٧ ]
(٨٠٧) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في صحة حج الصبي غير المميز، فكيف بالمميِّز؟!
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - صحة حج الصبي.
٢ - أن ثواب حجه له.
٣ - أن لمن حج به أجرًا كالولي وغيره، فإن كان مميِّزًا أمر بالنية، وإن كان غير مميِّز نوى عنه وليه.
٤ - أنه ليس كل الصحابة يعرفون شخص النبي ﷺ.
٥ - الاعتزاز بنسب الإسلام.
٦ - أن النبي ﷺ قد ينفرد عن أصحابه في السفر، فيمشي وحده ﷺ؛ إذ لو كان معه أحد لقالوا لأولئك الركب: هذا رسول الله ﷺ.
٧ - أن الصبي إذا حُج به لزم وليه أن يجنبه المحظورات، ويلزمه بالواجبات كأمر المميِّز بالصلاة، والصحيح أنه لا يجب في حقه الإتمام، ولكن يستحب إذا تيسر.
٨ - المبادرة بسؤال العالم عند الظفر به.
٩ - الاكتفاء بالجواب بنعم لدلالة السؤال عليه.
١٠ - زيادة المفتي في الجواب ما ينتفع به المستفتي.
١١ - الترغيب في الحج بالصبيان.
_________________
(١) مسلم (١٣٣٦).
[ ٢ / ١١٨ ]
١٢ - أن صوت المرأة ليس بعورة.
١٣ - أنه يجوز للمرأة أن تتولّى الحج بطفلها، ذكرًا أو أنثى.
* * * * *
(٨٠٨) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَجَاءَت امْرَأَةٌ مَنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
(٨٠٩) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
* * *
هذان الحديثان هما الأصل في الحج عن المعضوب -وهو الشيخ الكبير أو المريض الذي لا يرجى برؤه- والحج عن الميت.
وفي الحديثين فوائد، منها:
١ - حرص نساء الصحابة ﵅ على التفقه في الدين.
٢ - جواز مباشرة المرأة السؤال بنفسها.
٣ - وجوب الحج لقولها: «إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ».
٤ - أنه لا يسقط عمن عجز عن أدائه بنفسه.
٥ - وجوب الاستنابة في فرض الحج على من عجز عنه عجزًا دائمًا.
_________________
(١) البخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤).
(٢) البخاري (١٨٥٢).
[ ٢ / ١١٩ ]
٦ - جواز حج المرأة عن الرجل، ومن باب أولى الرجل عن المرأة.
٧ - وجوب الوفاء بالنذر.
٨ - جواز الحج عن الميت فرضًا أو نذرًا.
٩ - جواز القياس في الأحكام، لأنه شبه النّذر في ذمة الميت كالدين الذي للآدمي، بل سمّى النبي ﷺ الحج الذي على الميت دينًا.
١٠ - أن من مات وقد وجب عليه الحج؛ وجب أن يخرج من تركته كسائر ديونه.
١١ - استحباب قضاء الولد الدين عن والده.
١٢ - النهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية.
١٣ - الإنكار بالفعل.
١٤ - تمسك بقوله: «فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» من يرى جواز كشف المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب، وأجيب عنه بأنه ليس صريحًا؛ إذ يمكن أن ينظر الرجل إلى المرأة وإن كانت محتجبة لحسن قدها وحسن ثيابها، وكذلك قوله: «وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ» فإنه يمكن أن يُعرف أنها تنظر وإن كانت محتجبة، ولم ينكر عليها النبي ﷺ؛ لأن حكم نظر المرأة إلى الرجل ليس كحكم نظر الرجل إلى المرأة، بل هو أخف، ولهذا يجوز للمرأة النظر إلى الرجل بغير شهوة، ولهذا لم يؤمر الرجال بالاحتجاب من النساء.
١٥ - أن طلب العلم لا يختص بالرجال، لكن لكلٍّ خصوصاته وقدراته.
١٦ - تواضعه ﷺ لإرداف الفضل بن عباس ﵄.
١٧ - فضيلة الفضل بن عباس ﵄ لإرداف النبي ﷺ له.
١٨ - جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك.
[ ٢ / ١٢٠ ]
١٩ - عناية ابن عباس ﵄ بمعرفة الأنساب، لقوله: «امْرَأَةٌ مَنْ خَثْعَمَ»، «امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ».
٢٠ - أن أم الجهنية أدركت الحج فلم تحج، لقولها: «فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ»، وليس المراد أنها ماتت قبل مجيء وقت الحج، فلو أرادت ذلك لقالت: «فلم تدرك الحج»، أو «ماتت قبل أن يدركها الحج، أو أن يأتي وقت الحج». والصحيح أن من هذه حاله لا يجب عليه ما نذره.
٢١ - أن دين الله أحق بالوفاء من دين الآدمي، فإذا جمع دين لله ودين لآدمي، فقيل: يقدم دين الآدمي لأنه مبني على المشاحة، وإن كان دين الله أحق بالوفاء، لكنه مبني على المسامحة، وقيل: يتحاصان، وذلك إذا لم تف التركة بسداد الدين، وهو الصحيح.
* * * * *
(٨١٠) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلّا أنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، والمحْفُوظُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في اشتراط البلوغ والحرية في وجوب الحج وإجزائه، وهو شاهد لحديث ابن عباس ﵄ المتقدم (^٢) في صحة حج الصبي، والحديث وإن اختلف في رفعه تصريحًا، فهو مرفوع حكمًا، ولذا عوّل عليه
_________________
(١) «المصنف» لابن أبي شيبة (١٥١٠٥) موقوفًا، والبيهقي في «الصغرى» (١٤٧٧) مرفوعًا. وقد ذهب المصنف إلى صحة رفعه كما في «التلخيص» (٢/ ٤٢٢).
(٢) تقدَّم برقم (٨٠٧).
[ ٢ / ١٢١ ]
جمهور العلماء في وجوب الحج على العبد إذا عتق، وإن كان قد حج في حال الرق.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - صحة حج الصبي، وتقدم.
٢ - أنه لا يجزئ عن حجة الإسلام، وهذا بإجماع أهل العلم (^١)؛ لأن حجَّه نفلٌ، كسائر عباداته للحديث المشهور «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» (^٢) ومنهم «الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ».
٣ - صحة حجة العبد والأمة، وأنه لا يجزئ عن حج الفريضة إذا عتقا، وهذا يتضمن أنه لا يجب الحج على العبد ما دام في الرق.
٤ - وجوب الحج على العبد إذا عتق، وقد اختلف العلماء في وجوب الحج على العبد قبل عتقه، وفي إجزاء حجه لو حج، فذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعدم الإجزاء، على ظاهر هذا الحديث.
وذهب بعض العلماء، ومنهم الظاهرية، إلى وجوب الحج عليه إذا قدر، وعليه؛ فيجزئه عن حجة الإسلام (^٣)، ولم ير هؤلاء هذا الحديث حجة للاختلاف في رفعه. وما ذهب إليه الجمهور أظهر لهذا الحديث، لأنه مرفوع حكمًا أو تصريحًا، ولأن العبد يفارق الحر في أحكام كثيرة، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، فهو ناقص الأهلية، فلا يتصرف إلا بإذن سيده
_________________
(١) ينظر: «الإجماع» لابن المنذر (٧٧)، و«المغني» لابن قدامة (٥/ ٧).
(٢) رواه أحمد (٢٤٦٩٤)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١)، وابن حبان (١٤٢)، والحاكم (٢٤٠٥)، عن عائشة ﵂.
(٣) ينظر: «المحلى» لابن حزم (٧/ ٤٢ - ٤٣).
[ ٢ / ١٢٢ ]
كالصبي المميِّز لا يتصرف إلا بإذن وليه، ولهذا -والله أعلم- قُرن بينهما في هذا الحديث.
* * * * *
(٨١١) وَعَنْهُ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في سد الذرائع المفضية إلى الفاحشة، وفي تحريم سفر المرأة بلا محرم.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية.
٢ - جواز وجود الرجل الأجنبي مع المرأة عند وجود محرمها.
٣ - أن الخلوة بالمرأة من أقرب الوسائل للوقوع في الفاحشة، كما يشهد لذلك قوله ﷺ في حديث: «إلَّا كانَ ثالِثَهما الشَّيطانُ» (^٢)، وأشد الخلوة أن يأمنا من دخول أحد عليهما، كما إذا غُلِّقت الأبواب.
٤ - أن مطلق المفسدة لا تزول إلا بوجود المحرم، فلا تزول مطلقًا إلا بذلك، فلا تزول بوجود امرأة أخرى أو رجل آخر.
_________________
(١) البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١).
(٢) رواه أحمد (١١٤)، وابن حبان (٧٢٥٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١٣٥٢١). وصححه الحاكم (٣٨٧) وقال: «على شرط الشيخين».
[ ٢ / ١٢٣ ]
٥ - تحريم سفر المرأة من غير محرم، ومحرم المرأة هو زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح؛ ولا بد أن يكون المحرم عاقلًا بالغًا قادرًا على حماية المرأة.
٦ - عناية الشرع بالمرأة فإن المحرم إنما شرع صيانة للمرأة لا إهانة لها، ولا تقييدًا لحريتها كما يزعم المستغربون.
٧ - أن النهي عن سفر المرأة بلا محرم مطلق لا يقيد بمسافة ولا زمن، وما ورد من التقييد بيوم أو ليلة أو أكثر من ذلك فليس له مفهوم، بل هو محمول على اختلاف السائلين، وهو عام في كل سفر مباح أو عبادة.
٨ - اشتراط المحرم في سفر الحج.
٩ - اشتراط المحرم لوجوب الحج على المرأة وهذا مذهب جمهور العلماء، وذهب بعضهم إلى أنه لا يشترط، بل يجب عليها الحج إذا وجدت رفقة مأمونة مع نساء ثقات، وهو مذهب ابن حزم (^١)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٢)، ويختص ذلك بحج الفرض، والصواب ما ذهب إليه الجمهور، لأنه ظاهر أحاديث النهي عن السفر بلا محرم، وقيل إنه شرط أداء لا شرط وجوب، والفرق بينهما أنه إن كان شرط وجوب فلا تجب عليها الاستنابة ولو كانت قادرة بمالها، ولا يقضى عنها بعد موتها، وإن كان شرط أداء وجبت الاستنابة والقضاء بعد الموت.
١٠ - أن سفر الرجل مع امرأته للحج أولى من خروجه في الغزو.
١١ - أن من يريد الخروج للغزو في جيش أو سرية كانوا يحصون بالكتابة على عهد النبي ﷺ لقوله: «وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ».
١٢ - أن من يكتب في جيش أو سرية ليس له أن يترك ذلك إلا بإذن الأمير.
* * * * *
_________________
(١) «المحلى» (٧/ ٤٧).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٣٨١).
[ ٢ / ١٢٤ ]
(٨١٢) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: لا. قَالَ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، والرَّاجِحُ عِنْدَ أحمَدَ وَقْفُهُ (^١).
* * *
هذا الحديث هو حجة من قال من العلماء: أن من لم يحج عن نفسه لا يحج عن غيره، وإن فعل وقع عن نفسه، لكن لا يجوز له أن يتعمد ذلك. وذهب بعض أهل العلم أنه يقع الحج عن المنوب عنه لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^٢)، وهذا إنما نوى الحج عن غيره، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه موقوف على ابن عباس ﵄، وأجاب الجمهور عن حديث النية؛ بأن الحج ليس كسائر الأعمال في ذلك، فإنه يجوز أن يحرم إحرامًا مطلقًا ومعلقًا على إحرام الغير، ويفسخ الحج إلى العمرة، ولو بعد الطواف والسعي، إلى غير ذلك مما يخالف فيه الحج سائر العبادات في شأن النية.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - جواز النيابة في الحج عن الغير.
٢ - جواز ذكر اسم المنوب عنه في التلبية.
٣ - مشروعية الاستفصال قبل الإنكار.
٤ - جواز الحج عن الغير بغير إذنه حيث لم يستفصل.
٥ - أن من لم يحج عن نفسه لا يحج عن غيره، وهذا متوجِّه فيمن وجب عليه الحج، أما من لم يجب عليه الحج كالفقير يعطى مالًا ليحج عن غيره، فإنه يجزئ عن الغير.
_________________
(١) أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن حبان (٣٩٨٨). ينظر: «التلخيص» (٢/ ٤٢٧).
(٢) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
[ ٢ / ١٢٥ ]
٦ - أن من نوى الحج عن الغير، ولم يكن حج عن نفسه وقع الحج عن نفسه.
٧ - جواز تغيير النية في الحج بعد الشروع فيه.
٨ - مشروعية التلبية في الحج، والجهر بها.
٩ - جواز قول (لا) في جواب السائل ولو كان ذا منزلة.
* * * * *
(٨١٣) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ» فَقَامَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كَلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ (^١). وَأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيْثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ (^٢).
* * *
هذا الحديث هو الدليل من السنة على فرض الحج، وهو عند مسلم (^٣)؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ …».
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - الخطبة لبيان الأحكام المهمة.
٢ - فرض الحج على جميع الناس.
٣ - أن (كتب) و(فرض) معناهما واحد، وهو الوجوب المؤكد.
_________________
(١) أحمد (٢٦٤٢)، وأبو داود (١٩٤٩)، والنسائي (٢٦١٩)، وابن ماجه (٢٨٨٦).
(٢) مسلم (١٣٣٧).
(٣) تقدم.
[ ٢ / ١٢٦ ]
٤ - أن الكتابة من الله تكون شرعية، وهي التي في الحديث، وتكون قدرية كونية، كقوله ﷺ لعائشة ﵂: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» (^١).
٥ - تأكيد وجوب الامتثال بالخبر وبالأمر، لقوله: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ»، «فَحُجُّوا».
٦ - تبليغ النبي ﷺ لشرع الله.
٧ - أنه لا يجب في العمر إلا مرة.
٨ - مشروعية التطوع بالحج.
٩ - أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار.
١٠ - ذم التكلف في السؤال، كما يدل له سكوت النبي ﷺ عن الجواب حتى قالها الرجل ثلاثًا.
١١ - رحمة الله بعباده فيما شرع لهم؛ لقوله ﷺ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ».
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١)؛ عن عائشة ﵂، وتقدم في (باب الحيض).
[ ٢ / ١٢٧ ]