البغي: هو الظلم بقول أو فعل، والمراد به هنا: البغي بالخروج على الإمام بالقتال، وحمل السلاح على جماعة المسلمين، والمراد بهذه الترجمة (باب قتال أهل البغي) أي إباحة قتال أهل البغي ومشروعيته، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وهذا أحد أنواع القتال المشروع، وأولى منه وأهم؛ قتال الكافرين، وهو الجهاد في سبيل الله، ومنه؛ قتال المرتدين، ومن القتال المشروع؛ قتال الطائفة الممتنعة من المبتدعين؛ كالخوارج، أو الممتنعين عن بعض شرائع الإسلام كمانعي الزكاة.
* * * * *
(١٣٥٥) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث تضمن وعيدًا شديدًا على من يحمل السلاح على أحد من المسلمين، فردًا أو جماعة، فضمير الجمع للمسلمين، المعنى: من حمل علينا نحن المسلمين، والوعيد في قوله: «فَلَيْسَ مِنَّا» معناه: براءة المسلمين منه، وهو يتضمن إبعاده وترك موالاته، وليس المراد خروجه عن جماعة المسلمين فيكون مرتدًا، وليس المراد بقوله: «لَيْسَ مِنَّا» ليس على طريقتنا، كما قيل، فإن هذا أمر معلوم، فليس فيه ما ينفر عن الفعل على هذا التأويل، والحديث عام لكل من حمل السلاح على المسلمين بقتل أو قتال أو تخويف.
_________________
(١) البخاري (٦٨٧٤)، ومسلم (٩٨).
[ ٣ / ٣٩ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - حرمة المسلم عند الله.
٢ - حرمة دماء المسلمين.
٣ - تحريم حمل السلاح على المسلم بقتل أو قتال أو إرهاب بغير حق.
٤ - تحريم الخروج على ولي الأمر؛ منازعة، أو لمطالب ودعاوى. وبهذا تظهر مناسبة الحديث للباب.
٥ - أن حمل السلاح على المسلمين على أي وجه من كبائر الذنوب؛ لقوله: «فَلَيْسَ مِنَّا».
* * * * *
(١٣٥٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، وَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث تضمن تهديدًا ووعيدًا شديدًا لمن خرج عن طاعة الإمام، وهو ولي الأمر المسلم، بأن خرج عن طاعته؛ باعتقاد أن لا سمع له ولا طاعة، أو برفض طاعته بالمعروف، وهذا يستلزم ترك الجماعة المجتمعة على الإمام، وأن من مات وهو على هذه الحال مات على حالة من أحوال أهل الجاهلية؛ فإن أهل الجاهلية قبل الإسلام أحوالُهم مذمومة؛ لأنها صادرة عن الجهل، ومن ذلك إيثارُهم التفرق على الاجتماع وإيثارُ اتباع كلٍّ لرأيه وقبيلته، فمن مات على هذه الحال مات على ضلال، وكان مذمومًا ومستوجبًا للعقاب على مخالفته لمقتضى الشرع، فعلم مما تقدم؛ أن عطف ترك الجماعة على الخروج عن الطاعة من عطف أحد المتلازمين على الآخر، كقوله تعالى:
_________________
(١) مسلم (١٨٤٨).
[ ٣ / ٤٠ ]
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى …﴾ [النساء: ١١٥] الآية.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب طاعة ولي الأمر بالمعروف، ولزومُ بيعته.
٢ - وجوب المحافظة على جماعة المسلمين، وتحريمُ ما يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين.
٣ - تحريم مشابهة أهل الجاهلية.
٤ - ذمُّ أمرِ الجاهلية وكلِّ ما يضاف إليها؛ كظنِّ الجاهلية وحكم الجاهلية.
٥ - التحذير من أسباب سوء الخاتمة.
٦ - أن الخروج على ولي الأمر من الكبائر، وهذا مقيَّد بقوله ﷺ: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» (^١).
* * * * *
(١٣٥٧) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
عمار هو ابن ياسر، وهو من الصحابة السابقين إلى الإسلام، أسلم هو وأبوه ياسرٌ وأمه سُمَيَّةُ بمكة، وابتلوا على أيدي المشركين، وهم الذين قال لهم الرسول ﷺ: «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِر؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الَجنَّة» (^٣)، وعمار هو الذي
_________________
(١) رواه البخاري (٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩).
(٢) مسلم (٢٩١٦).
(٣) رواه الحاكم وصححه (٥٧١٣)؛ عن ابن إسحاق، والطبراني في «الكبير» (٧٦٩)؛ عن عثمان بن عفان وعمار ﵄. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٥٥٩١): «رجاله ثقات».
[ ٣ / ٤١ ]
نزل فيه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وهذا الحديث خبرٌ من النبي ﷺ؛ أن عمارًا يُقتل لا في جهاد الكفار، بل في قتال بين المسلمين، فقد وقع كما أخبر ﷺ، حيث قُتل عمار في صفين، في الموقعة العظيمة بين أهل الشام وأهل العراق، بين علي ومعاوية ﵄.
وكان عمارٌ مع عليٍّ ﵄، فقتله بعض جيش معاوية، لذلك استدل بالحديث على أن أهل الشام بغاة، وقد أجاب بعض أهل الشام عن هذا الحديث بأن عمارًا قتله من أخرجه، وقد رُدَّ هذا التأويل؛ بأنه يلزم منه أن حمزة ﵁، قتله من أخرجه، وهو الرسول ﷺ. وقال بعضهم: إن هذا الوصف لا ينسحب على معاوية ﵁، وأصحابه، وإنما يصدُق على من باشر قتل عمار. والله أعلم.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - فضيلة عمار ﵁، لأن الخبر بأنه تقتله الفئة الباغية؛ يدل على أنه مع الفئة العادلة، ويؤكد ذلك ما جاء في حديث أبي سعيد ﵁ عند البخاري: «يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» (^١).
٢ - أن قتل عمار على يد أهل الشام علم من أعلام النبوة، حيث وقع الأمر كما أخبر النبي ﷺ.
٣ - أن عليًّا ﵁ ومن معه أولى بالحق من معاوية ومن معه، وإن كان الجميع مجتهدين.
* * * * *
(١٣٥٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، كَيْفَ حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟» قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٧).
[ ٣ / ٤٢ ]
قَالَ: «لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا» رَوَاهُ الْبَزَّارُ والْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ فَوَهِمَ؛ فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ (^١).
(١٣٥٩) وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَاكِمُ (^٢).
* * *
تضمن هذا الحديث ما يعامل به البغاة إذا ظُهر عليهم، والحديث وإن لم يصح سندًا، فمعناه صحيح، وعليه عمل المسلمين، فمعناه أن البغاة لا يعامَلون معاملة الكفار، بل يقاتَلون قتال دفع، فإذا كفوا وجب الكفُّ عنهم، والمدبر كافٌّ، والجريح قد صار عاجزًا، والأسير في قبضة المسلمين، وأموالهم أموال مسلمين، وحرمتها باقية، فلا تغنم ولا تقسم كأموال الكفار.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن البغاة يقاتَلون لدفع بغيهم.
٢ - أنهم لا يعامَلون معاملة الكفار.
٣ - أنهم لا يجهز على جريحهم.
٤ - أنهم لا يقتل أسيرهم.
٥ - أنهم لا يطلب هاربهم.
٦ - أنهم لا يقسم فيئهم، لأن مُلكهم باقٍ عليه، فيجب ردُّ المال إلى صاحبه إن عُلم، وإلا فلبيت المال، وأصل هذا كله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى
_________________
(١) البزار (٥٩٥٤)، والحاكم (٢٧١٩). والحديث سكت عنه الحاكم كما في المطبوع، وقد نص على ذلك المصنف نفسه في «التلخيص» (٦/ ٢٧٠٤)؛ فقال: «سكت عنه الحاكم».
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» (٣٨٩٣٣)، والحاكم (٢٧١٨).
[ ٣ / ٤٣ ]
تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون (١٠)﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].
* * * * *
(١٣٦٠) وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ﵁، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمَرُكُمْ جَمِيعٌ، يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث أصلٌ في وجوب المحافظة على اجتماع الكلمة ووحدة الجماعة وتحريم ما يضاد ذلك، وهو راجع إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - منزلة اجتماع الكلمة في الإسلام.
٢ - ذمُّ التفرق.
٣ - تحريم السعي في الفرقة بين الجماعة المسلمة.
٤ - إباحة دم من سعى في ذلك.
٥ - في الحديث شاهد لقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وقاعدة سد الذرائع.
* * * * *
_________________
(١) مسلم (١٨٥٢).
[ ٣ / ٤٤ ]