المراد بالصدقات الزكاة، قال تعالى: ﴿* إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
واتفق المفسرون على أن المراد بالصدقات الزكاة، وقد تضمنت الآية أن أهل الزكاة ثمانية أصناف؛ وهم كما في الآية السابقة.
وقد أفادت الآية حصر الزكاة في هذه الأصناف، وقد ذُكر الأربعة الأول بحرف (اللام) المفيدة للتمليك، فمن أعطي منهم شيئًا ملكه، والأربعة الأخيرة بحرف (في) للدلالة على أن المراد الجهة، وفائدة ذلك الدلالة على أن ما زاد عن المقصود يرد على المتصدق، أو يصرف في نفس الغرض الذي أخذ من أجله. والله أعلم.
* * * * *
(٧٣٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (^١).
* * *
_________________
(١) أحمد (١١٥٣٨)، وأبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، والحاكم (١٤٨١). وممن رجَّح إرساله أبو حاتم وأبو زرعة. ينظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٦٤٢).
[ ٢ / ٥٠ ]
هذا الحديث مما يفسر الآية، فقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أصناف من الثمانية وهو يدل على أن الفقراء والمساكين هم الأصل من مصارف الزكاة، وأن صرفها لغير ذوي الحاجة مستثنى من الأصل، ومما يؤكد هذا أن الله بدأ بذكر الفقراء، وثنَّى بالمساكين، والمراد بالغني في الحديث: من يجد كفايته بنفسه أو بمن تجب عليه نفقته ولو لم يكن عنده مال تجب فيه الزكاة.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم الزكاة على الغني.
٢ - جواز أخذ الزكاة مع الغنى في مقابل العمل عليها.
٣ - جواز صرف الزكاة للغارم لإصلاح ذات البين وإن كان غنيًّا قادرًا على وفاء ما تحمله، وكذا الغارم لنفسه وإن كان غنيًّا، لكن لا يقدر على وفاء دينه، فيُعطى هذا وهذا ما يوفي دينه من الزكاة.
٤ - جواز صرف الزكاة للغزاة في سبيل الله، ولو كان لهم مال يستطيعون به الغزو.
٥ - جواز أن يشتري الغني الزكاة من الفقير، إلا أن يكون هو الذي أعطاها.
٦ - جواز قبول الغني هدية الفقير من الزكاة.
٧ - الفرق بين الغنى في هذا الحديث وحديث: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِم» (^١)، فالأول حصول الكفاية، والثاني ملك النصاب، وبهذا يعلم أن الغِنى نوعان؛ نوع يوجب تحريم أخذ الزكاة إلا من استثني في الحديث وهو حصول الكفاية، والثاني يوجب إخراج الزكاة وهو ملك النصاب بشرطه، والثاني من معنيي الغنى لا يستلزم الأول، أي: وجوب الزكاة لا يستلزم حصول الكفاية، وعليه؛ فقد يحل أخذ الزكاة لمن تجب عليه الزكاة في النصاب الذي
_________________
(١) البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩)، وتقدم (٦٨٥).
[ ٢ / ٥١ ]
عنده؛ لعدم حصول الكفاية به، مثل رجل له مزرعة لا تقوم غلتها بكفايته وتجب عليه زكاة ما بلغ النصاب منها.
٨ - منزلة الجهاد في سبيل الله من الدين.
٩ - التنبيه على الإخلاص في الجهاد، لقوله: «أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ».
* * * * *
(٧٣٣) وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ؛ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْأَلانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَوَّاهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في إعطاء السائل الزكاة وإن كان ظاهره القدرة على العمل بعد إعلامه أنها لا تحل للقادر المكتسب.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - جواز إعطاء السائل من الزكاة إذا كان ظاهره الفقر.
٢ - التثبت من حال السائل بالنظر إلى مظهره.
٣ - أن من ظاهره الغنى لا يُعطى من الزكاة إلا أن يتحقق من حقيقة حاله.
٤ - أن من سأل الزكاة، وظاهره القدرة على العمل، فلا يُعطى إلا بعد أن يبين له أنها لا تحل للقوي المكتسب.
٥ - أن القوي إذا لم يجد عملًا فإنه يعطى إن كان فقيرًا.
٦ - أن الزكاة لا تحل للغني الذي عنده ما يكفيه.
_________________
(١) أحمد (١٧٩٧٢)، وأبو داود (١٦٣٣)، والنسائي (٢٥٩٧).
[ ٢ / ٥٢ ]
٧ - أنها لا تحل للقوي المكتسب.
٨ - قبول قول السائل أنه فقير، لقوله: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا»، وأما من ادعى أنه من أهل الزكاة غيرِ الفقراء والمساكين، فلا يُعطى إلا ببينة.
* * * * *
(٧٣٤) وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلالِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ. وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَومِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
هذا الحديث بيانٌ فصلٌ في تحريم المسألة، ومن تحل له.
وفيه فوائد، منها:
١ - جواز توجيه الخطاب في العلم لمعيَّن لمقتضٍ للتخصيص.
٢ - أن الأصل في حكم سؤال الناس من أموالهم التحريم.
٣ - أن من تحمّل حمالة لإصلاح ذات البين فصار غارمًا؛ حلت له المسألة في حمالته.
٤ - أن من أصابته جائحة ذهبت بماله؛ حلَّت له المسألة حتى يصيب ما يسد ضرورته.
_________________
(١) مسلم (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠)، وابن خزيمة (٢٣٦١)، وابن حبان (٣٢٩١).
[ ٢ / ٥٣ ]
٥ - أن من أصابته فاقة أي: فقرٌ شديدٌ، وكان معروفًا بالغنى، فإنها لا تحل له المسألة إلا ببينة.
٦ - أن بينة الإعسار ثلاثة عدول من العارفين بحاله.
٧ - اعتبار التصريح بطروء الفاقة عليه.
٨ - أن هذا الحديث مفسر لقوله ﷺ في حديث سمرة ﵁: «أَوْ فِي أَمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ» (^١).
٩ - أن من ادعى الفقر ولم يعرف غناه قبل ذلك فإنه لا يُسأل البينة على دعواه، كما تقدم في حديث الرجلين الجلدين (^٢).
١٠ - التغليظ في تحريم الكسب بطريق المسألة بتسميته سحتًا.
١١ - تأكيد الحصر المتقدم لحل الزكاة في الأصناف الثلاثة.
١٢ - أن المال الحرام لا بركة فيه.
١٣ - حسن تعليمه ﷺ باستعمال الحصر والإجمال ثم التفصيل.
* * * * *
(٧٣٥) وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ؛ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ». وَفِي رِوَايةٍ: «وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
(٧٣٦) وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٤).
_________________
(١) تقدم (٧٣١).
(٢) تقدم (٧٣٣).
(٣) مسلم (١٠٧٢).
(٤) البخاري (٣١٤٠).
[ ٢ / ٥٤ ]
(٧٣٧) وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ. فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
هذه الأحاديث الثلاثة هي الأصل في تحريم الصدقة على محمد ﷺ وآل محمد ﷺ، والمراد بآل محمد ﷺ في هذا المقام: بنو هاشم.
وفي هذه الأحاديث الثلاثة فوائد، منها:
١ - أن لفظ: (لا ينبغي) في الشرع للمحرم، وإن كان في عبارة بعض العلماء لما يحتمل التحريم، ومعناه في باب صفات الله وفي الكونيات للمستحيل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين (٢١٠) وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١].
٢ - تحريم الصدقة على آل محمد ﷺ، وهو داخل فيهم، وقد جاء التصريح به في الرواية الأخرى.
٣ - الحكمة من تحريم الصدقة على الرسول ﷺ وآله.
٤ - تسمية الصدقة «أَوْسَاخَ النَّاسِ».
٥ - الترغيب في التنزه عنها، وسميت أوساخ الناس لأنهم يتطهرون بها من الذنوب، فتشبه الماء المستعمل في الطهارة من الحدث.
٦ - فضل بني المطلب بن عبد مناف على أبناء عمومتهم من قريش.
٧ - تحريم الصدقة على بني المطلب من قريش، واستحقاقهم من الخمس.
_________________
(١) أحمد (٢٧١٨٢)، وأبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي (٢٦١١)، وابن خزيمة (٢٣٤٤)، وابن حبان (٣٢٩٣).
[ ٢ / ٥٥ ]
٨ - أن سبب هذا الفضل مناصرتهم لبني هاشم يوم تعاهدت قريش على مقاطعة بني هاشم من أجل النبي ﷺ، وكتبوا في ذلك وثيقة القطيعة الباطلة شرعًا وعقلًا وعرفًا، وعلقوها في الكعبة سنة، فقيض الله الأرضة فأكلتها، فعلم النبي ﷺ بذلك، وأخبر عمّه أبا طالب، ولم يكن أحدٌ من الناس اطلع على ذلك، فكان هذا علمًا من أعلام نبوته ﷺ. فكان بنو المطلب مع بني هاشم في شعبهم حين حُصروا بسبب هذه المقاطعة، يدل لذلك ما جاء في السيرة عند الإمام أحمد وأبي داود والنسائي من قوله ﷺ: «إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ» (^١).
٩ - أن لبني المطلب نصيبًا من خمس الغنيمة من سهم ذوي القربى بسبب ذلك الوفاء.
١٠ - أن بني نوفل ومنهم جبير بن مطعم وبني عبد شمس ومنهم عثمان ﵁، يلتقون جميعًا مع بني هاشم وبني المطلب في عبد مناف الجد الثالث للنبي ﷺ.
١١ - أن الأصل في المراد بذي القربى المذكورين في آية الخمس وآية الفيء هم بنو هاشم، وألحقت بهم السنة بني المطلب لما تقدم، دون سائر قريش.
١٢ - تحريم الصدقة على موالي بني هاشم.
١٣ - فضيلة أبي رافع ﵁ من حيث كونه مولى للرسول ﷺ، واحترازه من الحرام، واستثباته من النبي ﷺ عن حكم العمالة في الزكاة.
١٤ - أن العتيق يتبع مواليه في الأحكام المتعلقة بالنسب لقوله ﷺ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ».
_________________
(١) أحمد (١٦٧٤١)، وأبو داود (٢٩٨٠)، والنسائي (٤١٤٨)، وأصل الحديث في البخاري (٣١٤٠)؛ وهو المذكور قريبًا في أحاديث الباب برقم (٧٣٧).
[ ٢ / ٥٦ ]
١٥ - حسن خلقه وحسن تعليمه ﷺ بذكر الحكم مع علته.
١٦ - أنه إذا فهم الحكم بذكر الدليل لم يحتج إلى النص عليه، لقوله: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» فهذا هو الدليل، والحكم: «وَإِنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ»، وهناك مقدمة محذوفة للعلم بها، أي: وأنت مولانا.
* * * * *
(٧٣٨) وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَيَقُولُ: «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في قبول العطاء من بيت المال.
وفيه فوائد، منها:
١ - أن النبي ﷺ هو القاسم لمال بيت المال، قال ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي» (^٢).
٢ - فضل عمر ﵁ بما أعطاه الله من الزهد والقناعة والإيثار.
٣ - أن عمر ﵁ كان في بعض الأوقات فقيرًا.
٤ - كراهة السؤال من بيت المال، والتشوف للعطاء.
٥ - أن ما خلا عن ذلك فلا كراهة فيه، ما لم يكن محاباة، أو لغرض فاسد، كما قال أبو ذر في العطاء: «خُذْهُ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ» (^٣).
_________________
(١) مسلم (١٠٤٥).
(٢) رواه البخاري (٧١).
(٣) رواه مسلم (٩٩٢).
[ ٢ / ٥٧ ]
٦ - أن ما يعطاه الإنسان من بيت المال يخير فيه بين تموله والتصدق به.
٧ - أن ما لا يحصل إلا بسؤال أو بإشراف نفس فينبغي الإعراض عنه.
٨ - جواز العمل على الصدقة لجبايتها وقسمها، وأخذ الأجرة منها. كما يدل لذلك سبب الحديث، فإن النبي ﷺ استعمل عمر ﵁ على الصدقة، فأعطاه عمالته.
٩ - أن قوله ﷺ: «وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ …» إلخ، عامٌّ فيما يعطاه الإنسان من بيت المال؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
* * * * *
[ ٢ / ٥٨ ]