* * *
نواقض الوضوء: هي مبطلات الطَّهارة، وسمِّيت نواقض؛ لأنَّ الطَّهارة كالشَّيء المبرم المحكم، ويقال للنَّواقض أيضًا: موجبات الطَّهارة؛ لأنَّها تجب الطَّهارة منها لما تشترط فيه الطَّهارة كالصَّلاة.
والنَّواقض ثلاثة أقسامٍ: فمنها: ما هو ناقضٌ بالإجماع، ومنها: ما هو مختلفٌ فيه، والرَّاجح: النَّقض، ومنها: ما هو مختلفٌ فيه، والرَّاجح: عدم النَّقض.
* * * * *
(٧٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ -عَلَى عَهْدِهِ- يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ ولا يَتَوَضَّؤُونَ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (^١).
* * *
الحديث أصلٌ في عدم نقض الوضوء بالنَّوم.
وفيه فوائد، منها:
١ - مشروعيَّة صلاة الجماعة.
٢ - التَّقدُّم إلى صلاة الجماعة قبل الإقامة.
٣ - فضل الصَّحابة وطلبهم للأجر.
٤ - الانتظار في الصَّلاة ليجتمع النَّاس.
_________________
(١) أبو داود (٢٠٠)، والدارقطنيُّ (٤٧٥)، ومسلمٌ (٣٧٦).
[ ١ / ٨٩ ]
٥ - أنَّ النَّوم اليسير لا ينقض الوضوء، وهذا يخالف حديث صفوان المتقدِّم «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» (^١)، ولهذا اختلف العلماء في ذلك على ثمانية مذاهب، أهمُّها قولان:
الأَوَّلُ: الفرق بين اليسير (وهو الخفيف) والكثير (وهو الثَّقيل المستغرق).
الثَّانِي: الفرق بين نوم القاعد المتمكِّن وغيره؛ كالمضطجع والمستلقي.
وحديث أنسٍ ﵁ يشهد للقول الأوَّل. والقول الثَّاني: مبنيٌّ على أنَّ النَّوم مظنَّةٌ لنقض الوضوء لا أنَّه بمجرَّده ناقضٌ.
٦ - وجوب الوضوء للصَّلاة، وذلك من ضروريَّات الدِّين.
٧ - أنَّ ما وقع في عهده ﷺ ولم ينه عنه دلَّ ذلك على جوازه، كما قال جابرٌ ﵁: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَنْهَنَا» (^٢).
* * * * *
(٧٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ ﵂ إلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله: إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: «لَا، إنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(٧٦) وَلِلْبُخَارِيِّ: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ».
وأشار مسلمٌ إلى أنَّه حذفها عمدًا (^٤).
_________________
(١) تقدَّم برقم (٦٨).
(٢) رواه مسلمٌ (١٤٤٠)، وأصله في البخاريِّ (٥٢٠٩).
(٣) البخاريُّ (٢٢٨)، ومسلمٌ (٣٣٣).
(٤) قال مسلمٌ (١/ ١٥١): وفي حديث حماد بن زيدٍ زيادة حرفٍ تركنا ذكره. قيل: إنَّ هذه الزيادة موقوفةٌ من قول عروة بن الزبير ﵁، وردَّ ذلك الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح» (١/ ٤٠٩)، ورجَّح رفعها للنبيِّ ﷺ.
[ ١ / ٩٠ ]
* * *
الحديث أصلٌ في حكم المستحاضة.
وفيه فوائد، منها:
١ - وقوع الاستحاضة في عهد النَّبيِّ ﷺ، وعدد النِّساء اللَّاتي استحضن نحوٌ من عشرٍ، منهنَّ: فاطمة بنت أبي حبيشٍ، وزينب وأمُّ حبيبة وحمنة بنات جحشٍ (^١) ﵅.
٢ - أنَّ المستحاضة تتحيَّض بعض الزَّمان باعتباراتٍ مختلفةٍ يختلف أهل العلم في أولويَّاتها، وهي: العادة، وصفة الدَّم، وغالب الحيض، وينبني على ذلك معرفة إقبال الحيض وإدباره.
٣ - الفرق بين الحيض والاستحاضة في الحكم، فالحيض يمنع من الصَّلاة، والاستحاضة لا تمنع من الصَّلاة ولا غيرها.
٤ - الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة في مخرجهما من الرَّحم، فدم الاستحاضة من عرقٍ يسمِّيه الفقهاء: العاذل، ودم الحيض يقول الفقهاء: إنَّه يخرج من قعر الرَّحم، فدم الحيض دم طبيعةٍ وجبلَّةٍ، ودم الاستحاضة من علَّةٍ.
٥ - وجوب غسل الدَّم عند إدبار الحيضة، وهو انقضاؤها.
٦ - نجاسة دم الحيض.
٧ - وجوب الطَّهارة من النَّجاسة للصَّلاة، وأمَّا وجوب الغسل من الحيضة فيستفاد من غير هذا الحديث.
٨ - وجوب الوضوء على المستحاضة لكلِّ صلاةٍ، ولهذا أورد المصنِّف هذا الحديث في باب نواقض الوضوء.
_________________
(١) ينظر: «فتح الباري» (١/ ٤٩١).
[ ١ / ٩١ ]
٩ - أنَّ دم الاستحاضة ناقضٌ للوضوء، لكن تباح الصَّلاة بالوضوء لكلِّ صلاةٍ، وهذا مذهب الجمهور، لهذه الرِّواية عند البخاريِّ: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» ولم يرها مسلمٌ ثابتةً، فلم يروها، بل ذكر أنَّه تركها. ولهذا قال الحافظ: «وأشار مسلمٌ إلى أنَّه حذفها عمدًا»، وقد اختلف الرُّواة فيها اختلافًا كثيرًا في رفعها ووقفها على عروة ﵁، ومع ذلك أثبتها الإمام البخاريُّ وحسبك به، فمن لم تثبت عنده لا يرى وجوب الوضوء على المستحاضة لكلِّ صلاةٍ، ولا يكون خروج دم الاستحاضة عنده ناقضًا، وهو مذهب المالكيَّة (^١).
١٠ - أنَّ أحكام الحيض والاستحاضة من أمور الدِّين الَّتي يجب تعلُّمها وتعليمها، وقد جاء بعض ذلك في القرآن، ففي هذا الحديث وغيره من النُّصوص ردٌّ على من يهوِّن من شأن العلم بهذه الأحكام.
١١ - فضل نساء الصَّحابة وسؤالهنَّ عمَّا أشكل من مسائل الدِّين حتَّى ما يستحيا من ذكره، ولهذا قالت عائشة ﵂: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأنْصَارِ؛ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أنْ يَتَفَقَّهْنَ في الدِّينِ» (^٢).
١٢ - أنَّ المتقرِّر عند نساء الصَّحابة أنَّ خروج الدَّم يمنع من الصَّلاة، فبيَّن النَّبيُّ ﷺ الفرق بين دم الحيض والاستحاضة.
١٣ - أنَّ صوت المرأة ليس بعورةٍ.
١٤ - ذكر ما يستحيا منه ممَّا يستقذر للحاجة.
* * * * *
_________________
(١) ينظر: «الأوسط» لابن المنذر (١/ ١٦٦)، «مواهب الجليل، في شرح مختصر خليل» (١/ ٤٢٣)، «فتح الباري» (١/ ٤٨٨).
(٢) رواه مسلمٌ (٣٣٢). وذكره البخاريُّ تعليقًا (١/ ٦٠).
[ ١ / ٩٢ ]
(٧٧) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الْوُضُوءُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
* * *
الحديث أصلٌ في حكم المذي، وهو ماءٌ رقيقٌ يخرج بعد تحرُّك الشَّهوة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب الوضوء من خروج المذي.
٢ - أنَّ المذي لا يوجب الغسل، بل الَّذي يوجبه خروج المنيِّ، وهو ماءٌ أبيض غليظٌ يخرج دفقًا بلذَّةٍ، إلَّا أن يكون من احتلامٍ، فلا يعتبر فيه الدَّفق واللَّذَّة.
٣ - غسل الأنثيين والذَّكر من المذي، كما جاء في رواياتٍ لهذا الحديث عند مسلمٍ وغيره؛ كقوله: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ» (^٢)، وقوله: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ» (^٣)، وقوله: «يَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ» (^٤).
٤ - أنَّه لا يجزئ في التَّطهير من المذي إلَّا الغسل دون الاستجمار، كما تفيده روايات الحديث.
٥ - نجاسة المذي، لكنَّها نجاسةٌ مخفَّفةٌ.
٦ - إخبار الإنسان عن نفسه بما يستحيا منه للحاجة.
٧ - الاستنابة في السُّؤال مع حضور السَّائل أو غيبته.
_________________
(١) البخاريُّ (١٣٢)، ومسلمٌ (٣٠٣).
(٢) مسلمٌ (٣٠٣).
(٣) مسلمٌ (٣٠٣).
(٤) رواه أحمد (١٠٠٩)، وأبو داود (٢٠٨).
[ ١ / ٩٣ ]
٨ - سبب استنابة عليٍّ في السُّؤال عن حكم المذي، وهو حياؤه من النبيِّ ﷺ لأنَّه صهره على ابنته، كما صرَّح به في روايةٍ: «فاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أسْأَلَهُ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي» (^١).
* * * * *
(٧٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَضَعَّفَهُ البُخَارِيُّ (^٣).
* * *
هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، والأئمَّة المتقدِّمون على تضعيفه منهم الإمام البخاريُّ، ومن صحَّحه استدلَّ به على أنَّ مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء. وعلى تقدير صحَّته:
فيه فوائد، منها:
١ - أنَّ مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء، ولو بشهوةٍ؛ لأنَّ تقبيل الزَّوجة لا يكون -في الغالب- إلَّا معها، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ فقيل:
أوَّلًا: إنَّ مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا، ومن أدلَّتهم هذا الحديث، وحديث عائشة ﵂ اعتراضها بين يدي النَّبيِّ ﷺ وهو يصلِّي من اللَّيل، قالت: «فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِ، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ» (^٤). ويعضد هذا المذهب البراءة الأصليَّة، فالأصل عدم النَّقض إلَّا بدليلٍ.
ثانيًا: ينقض إن كان بشهوةٍ؛ فإنَّ الشَّهوة مظنَّةٌ لخروج النَّاقض، وهو المسُّ الَّذي يختصُّ بالنِّساء في العادة.
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٢٦٩)، ومسلمٌ (٣٠٣).
(٢) أحمد (٢٥٧٦٦).
(٣) ينظر: «علل الترمذيِّ» (١/ ٥٠).
(٤) رواه البخاريُّ (٣٨٢)، ومسلمٌ (٥١٢).
[ ١ / ٩٤ ]
ثالثًا: ينقض مسُّ المرأة مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ [النساء: ٤٣]، وقرئ: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ (^١)، فظاهره أنَّ مطلق اللَّمس موجبٌ للطَّهارة، وهذا أقوى ما استدلَّ به أصحاب هذا المذهب، كما أنَّه دليل القول الثَّاني، لكنَّهم خصُّوه بما كان لشهوةٍ.
وأجاب الأوَّلون عن الآية بأنَّ اللَّمس أو الملامسة كنايةٌ عن الجماع، كما هي سنَّة القرآن في الكناية عنه بالمسِّ والمباشرة والدُّخول والإفضاء والإتيان. والصَّواب -إن شاء الله- هو القول الأوَّل.
٢ - جواز تقبيل الرَّجل زوجته ولو عند الخروج إلى الصَّلاة إذا أمن ما ينقض الوضوء من منيٍّ أو مذيٍ.
٣ - الكناية عمَّا يستحيا من ذكره في إخبار الإنسان عن نفسه، لقولها: «بعض نسائه»، وعائشة ﵂ تعني نفسها، كما جاء في الرِّواية حين سألها عروة.
٤ - أنَّ الاستمتاع بالزَّوجة لا ينافي كمال العبوديَّة، وشواهد هذا من هدي النَّبيِّ ﷺ كثيرةٌ؛ لأنَّ ذلك من مقتضيات البشريَّة والتَّعبُّد بترك ذلك بدعةٌ أنكرها النَّبيُّ ﷺ بقوله: «وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (^٢).
٥ - حُسن خلقه ﷺ مع أهله.
* * * * *
(٧٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ؛ أَخَرَجَ منْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٣).
_________________
(١) ﴿لَمَسْتُم﴾ بغير ألفٍ قرأ بها حمزة والكسائيُّ من السبعة. ينظر: «السبعة» لابن مجاهدٍ (٢٣٤).
(٢) رواه البخاريُّ (٥٠٦٣)، ومسلمٌ (١٤٠١) عن أنس بن مالكٍ ﵁.
(٣) مسلمٌ (٣٦٢).
[ ١ / ٩٥ ]
* * *
الحديث أصلٌ في اطِّراح الشَّكِّ والبناء على اليقين.
وفيه فوائد، منها:
١ - أنَّ من تيقَّن الطَّهارة وشكَّ في الحدث فإنَّه يبني على ما تيقَّن.
٢ - أنَّه لا فرق بين الشَّكِّ في الحدث في الصَّلاة أو خارج الصَّلاة وهذا قول الجمهور من العلماء.
وفرَّق بعضهم (^١) فقال: إذا كان الشَّكُّ في الحدث خارج الصَّلاة استأنف الطَّهارة؛ لأنَّ حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁ في «الصَّحيحين» فيه ذكر الشَّكِّ في الحدث في الصَّلاة، ولفظه: شكي إلى النَّبي ﷺ الرَّجل يخيَّل إليه أنَّه يجد الشَّيء في الصَّلاة. قال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (^٢).
والصَّواب: ما ذهب إليه الجمهور لإطلاق حديث أبي هريرة ﵁ وأنَّ التَّقييد في الصَّلاة لا مفهوم له، كما أنَّ ذكر المسجد في حديث أبي هريرة لا مفهوم له بالاتِّفاق.
٣ - أنَّ الشَّكَّ لا يرفع اليقين في جميع العبادات والمعاملات.
وهذه قاعدةٌ كبيرةٌ اتَّفق عليها العلماء في الجملة، ومن فروع هذه القاعدة: أنَّ من تيقَّن الحدث وشكَّ في الطَّهارة فهو محدثٌ، ومن تيقَّن نجاسة ثوبٍ أو بقعةٍ وشكَّ في تطهيرها فهي نجسةٌ. ومن شكَّ في نجاسة ثوبٍ أو بقعةٍ فهو طاهرٌ؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة، ومن شكَّ في أداء الصَّلاة المفروضة، لم يبرأ إلَّا أن يصلِّيها؛ لأنَّ وجوبها متيقَّنٌ وأداءها مشكوكٌ فيه، ومن ادَّعى على
_________________
(١) هذا القول منسوبٌ إلى الإمام مالكٍ، ولكن قال ابن حجرٍ: «ورواية التفصيل لم تثبت عنه وإنَّما هي لأصحابه». «فتح الباري» (١/ ٢٨٧).
(٢) رواه البخاريُّ (١٣٧)، ومسلمٌ (٣٦١).
[ ١ / ٩٦ ]
غيره دينًا بلا بيِّنةٍ فالأصل براءة ذمَّته، ومن ثبت له دينٌ على آخر وادَّعى وفاءً بلا بيِّنةٍ فالأصل ثبوت الدَّين، وأمثلة هذه القاعدة كثيرةٌ لا حصر لها.
٤ - أنَّ اليقين يرتفع باليقين الطَّارئ عليه؛ لقوله: «يَسْمَعَ صَوْتًا».
٥ - يسر الشَّريعة ورفع الحرج عن أهلها، فإنَّ في اعتباره الشَّكَّ حرجًا عظيمًا. وهذا كلُّه لا يمنع من الورع والاحتياط بترك ما فيه شبهةٌ ما لم يبلغ حدَّ الوسواس والحرج وكثرة الشُّكوك، أو يؤدِّي إلى مخالفة دليلٍ صحيحٍ، ويدلُّ لذلك قوله ﷺ لمَّا وجد تمرةً ساقطةً: «لَوْلَا أنِّي أخَافُ أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَة لأَكَلْتُهَا» (^١).
٦ - أنَّ ما خرج مخرج الغالب لا يوجب تقييدًا، فيقين الحدث لا يتوقَّف على سماع الصَّوت والرِّيح، فمتى وجد غير الصَّوت والرِّيح وتحقِّق منه؛ وجب اعتباره.
٧ - أنَّ الرِّيح الخارجة من الدُّبر من نواقض الوضوء.
٨ - تحريم الانصراف من الصَّلاة لمجرَّد الشَّكِّ في الحدث.
٩ - أنَّ اعتماد ما جاء في هذين الحديثين -من اطِّراح الشَّكِّ- أعظم علاجٍ للوسواس.
* * * * *
(٨٠) وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَسِسْتُ ذَكَرِي، أَوْ قَالَ: الرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلاةِ، أَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا، إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢). وَقَالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ.
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٢٤٣١)، ومسلمٌ (١٠٧١) عن أنس بن مالكٍ ﵁.
(٢) أبو داود (١٨٢)، والترمذيُّ (٨٥)، والنسائيُّ (١٦٥)، وابن ماجه (٤٨٣)، وأحمد (١٦٢٨٦)، وابن حبان (١١١٩).
[ ١ / ٩٧ ]
(٨١) وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (^١). وَقَالَ البُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ.
* * *
هذان الحديثان يتعلَّقان بحكم الوضوء من مسِّ الذَّكر، والحديثان في حكمهما اختلافٌ، والأقرب: أنَّهما من نوع الحسن، وظاهرهما التَّعارض، فحديث طلقٍ يدلُّ على أنَّ مسَّ الذَّكر لا يوجب الوضوء، وحديث بسرة فيه أمر من مسَّ ذكره بالوضوء، ولهذا اختلف العلماء في انتقاض الوضوء بمسِّ الذَّكر على مذاهب:
١ - أنَّ مسَّ الذَّكر لا ينقض الوضوء ترجيحًا لحديث طلقٍ على حديث بسرة ﵃ أو جمعًا بينهما بحمل حديث بسرة على استحباب الوضوء.
٢ - أنَّ مسَّ الذَّكر ينقض الوضوء، بل مسُّ الفرج قبلًا كان أو دبرًا ينقض الوضوء، كما جاء في حديث: «أَيُّمَا رَجُلٍ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَأَيُّمَا اِمْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» (^٢)، وأجيب عن حديث طلقٍ ﵁ بأنَّه منسوخٌ؛ لأنَّه:
أَوَّلًا: مُبقٍ على البراءة الأصليَّة، وحديث بسرة ﵂ ناقلٌ.
ثَانِيًا: ذكروا أنَّ طلقًا ﵁ قدم على النَّبيِّ ﷺ في أوَّل الهجرة، وقت بناء مسجده ﵊ (^٣).
_________________
(١) أبو داود (١٨١)، والترمذيُّ (٨٢)، والنسائيُّ (١٦٣)، وابن ماجه (٤٧٩)، ومالكٌ (١٠٠)، وأحمد (٢٧٢٩٣)، وابن حبان (١١١٢).
(٢) رواه أحمد (٧٠٧٦)، والدارقطنيُّ (٥٣٤) عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه. وصحَّحه البخاريُّ. ينظر: «العلل الكبرى» للترمذيِّ (٥٥).
(٣) ذكره ابن حبان في «صحيحه» (٣/ ٤٠٤)، وينظر: «نصب الراية» (١/ ٦٢).
[ ١ / ٩٨ ]
وأجاب بعضهم بالجمع بين الحديثين، وذلك بحمل حديث بسرة على ما إذا كان المسُّ بشهوةٍ، وحديث طلقٍ على ما لم يكن بشهوةٍ، أو بحمل حديث بسرة على الاستحباب وحديث طلقٍ على نفي الوجوب.
فتبين أن في حكم الوضوء من مس الذكر قولين:
١ - الوجوب.
٢ - الاستحباب.
وبين القائلين بالوجوب اختلافاتٌ؛ فمنهم: من قيَّد الوجوب بالمسِّ بشهوةٍ، ومنهم: من قيَّده بتعمُّد ذلك، ومنهم: من أطلق.
واختار شيخ الإسلام التَّوسُّط، وهو أنَّ الوضوء مستحبٌّ (^١).
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - أنَّه لا يجب الوضوء من مسِّ الذَّكر؛ لحديث طلق.
٢ - تعليل ذلك بأنَّ الذَّكر كغيره من أعضاء الإنسان.
٣ - أنَّ مسَّ أيِّ موضعٍ من البدن لا ينقض الوضوء.
٤ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة؛ لقوله: «إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ».
٥ - حسن تعليمه ﷺ ببيان الحكم مع دليله.
٦ - أنَّ مسَّ الذَّكر موجبٌ للوضوء؛ لأنَّ الأصل في الأمر الوجوب فيكون ناقضًا للوضوء، ومن حمل الأمر على الاستحباب فعنده أنَّه غير ناقضٍ، وحمل الأمر على الوجوب أظهر؛ لأنَّه الأصل، ولاعتضاد حديث بسرة ﵁ بشواهد من الحديث (^٢) بخلاف حديث طلقٍ ﵁ فلا شواهد له.
* * * * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٢٤١)، و«الفتاوى الكبرى» (٥/ ٣٠٦).
(٢) جاءت هذه الشواهد عن سبعة عشر صحابيًّا، تنظر في: «نصب الراية» (١/ ٥٤)، و«التلخيص الحبير» (١/ ٢١٣).
[ ١ / ٩٩ ]
(٨٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ، أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ، أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لا يَتَكَلَّمُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه (^١)، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ (^٢).
* * *
الحديث استدُلَّ به على نقض الوضوء بالخارج النَّجس من البدن؛ كالدَّم والقيء، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ ومعارضٌ بما هو أرجح منه.
وفيه على تقدير الاحتجاج به فوائد، منها:
١ - أنَّ القيء ناقضٌ للوضوء، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من العلماء، وعضدوا ذلك بحديث ثوبان: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قاء فتوضَّأ» (^٣)، ولكنَّه حديثٌ مختلفٌ في لفظه.
٢ - وذهب آخرون من العلماء إلى أنَّ القيء لا ينقض الوضوء؛ لعدم الدَّليل النَّاهض في ذلك.
٣ - نجاسة القيء.
٤ - أنَّ القلس ناقضٌ للوضوء، والقلس: ما كان من القيء ملء الفم أو دونه.
٥ - أنَّه لا يشترط في النَّقض بالقيء أن يكون كثيرًا، واشترط بعضهم ذلك.
_________________
(١) ابن ماجه (١٢٢١).
(٢) ينظر: «التلخيص الحبير» (٤٣١)، و«المجموع» للنووي (٤/ ٤).
(٣) رواه الترمذي (٨٧) بهذا اللفظ وفي بعض نسخه بلفظ: «قاء فأفطر فتوضأ»، وهو عند أحمد (٢١٧٠١)، وأبو داود (٢٣٨١)، والنسائي (٣١٠٧)، بلفظ: «قاء فأفطر».
[ ١ / ١٠٠ ]
٦ - أنَّ خروج الدَّم ناقضٌ للوضوء قليلًا كان أو كثيرًا، والخلاف فيه كالخلاف في القيء، واستدلَّ لعدم النَّقض بالدَّم بما سيأتي من أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتجم وصلَّى، ولم يتوضَّأ (^١)، وهو أجود من هذا الحديث، وأظهر من ذلك أنَّ الصَّحابة ﵃ كانت تصيبهم الجراح في الجهاد ولم ينقل أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر أحدًا بالوضوء، مع عموم البلوى بذلك (^٢).
فالصَّواب: أنَّ خروج الدَّم والقيء لا ينقض الوضوء، لكن يغسل ما أصاب الثَّوب والبدن منهما، ويعفى عن اليسير؛ لأنَّ الجمهور على أنَّ القيء والدَّم نجسان، بل حكي الإجماع على نجاسة الدَّم، وهذا كلُّه فيما خرج من غير السَّبيلين.
٧ - أنَّ المذي ناقضٌ للوضوء، وهذا متَّفقٌ عليه؛ لحديث عليٍّ ﵁ المتقدِّم (^٣).
٨ - أنَّ من سبقه الحدث (^٤) في الصَّلاة ينصرف ويتوضَّأ، ثمَّ يعود ويبني على صلاته، ولا يتكلَّم حال انصرافه، وقال بذلك قومٌ لهذا الحديث؛ ولكنَّه لا يصلح دليلًا، ويعارضه في هذا الحكم حديث عليِّ بن طلقٍ الآتي في شروط الصَّلاة (^٥)، ولفظه: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ».
_________________
(١) رواه الدارقطني (٥٨٠)، وضعفه المصنف. وسيأتي برقم (٨٧).
(٢) جاء ذلك عن الحسن البصري فيما رواه البخاري عنه معلقًا (١/ ٧٦)، ولفظه: «مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ في جِرَاحاتِهِم»، قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٣٧): «وصله سعيد بن منصور وابن المنذر بإسناد صحيح».
(٣) تقدم برقم (٧٧).
(٤) أي: غلبه من غير قصد.
(٥) سيأتي برقم (٢٢٥).
[ ١ / ١٠١ ]
وجمهور العلماء على ما دلَّ عليه حديث عليِّ بن طلقٍ، وهو أنَّ المحدث في الصَّلاة لا يبني على ما مضى من صلاته، لكن صحَّ عن ابن عمر ﵃ أنَّه إذا رعف في الصَّلاة انصرف وتوضَّأ وبنى على صلاته (^١)، ولعلَّ هذا عنده في الرُّعاف خاصَّةً، لا في أيِّ حدثٍ.
* * * * *
(٨٣) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ»، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
الحديث أصلٌ في وجوب الوضوء من لحم الإبل دون لحم الغنم وغيرها، وفي معناه حديث البراء بن عازبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: سئل عن الوضوء من لحم الإبل فقال: «تَوَضَّؤُوا مِنْهَا»، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: «لَا تَتَوَضَّؤُوا مِنْهَا» (^٣).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وقد قال بذلك الإمام أحمد وجماعةٌ، وعلَّق الشَّافعيُّ القول بالحديث على صحَّته (^٤)، والحديث صحيحٌ، بل الحديثان، وعلى هذا فأكل لحم الإبل ناقضٌ للوضوء.
_________________
(١) رواه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٨)، وصححه ابن حجر. ينظر: «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» (١/ ٣٢).
(٢) مسلم (٣٦٠).
(٣) رواه أبو داود (١٨٤)، والترمذي وصححه (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وأحمد (١٨٥٣٨). وقال النووي: «قال الإمام أحمد وغيره: هو صحيح». «خلاصة الأحكام» (٢٧٦).
(٤) ينظر: «المجموع» للنووي (٢/ ٥٩، ٦٠).
[ ١ / ١٠٢ ]
٢ - وذهب الجمهور من العلماء إلى عدم النَّقض بلحم الإبل، فلا يجب الوضوء منه، وتأوَّلوا الحكم في الحديثين أنَّه من قبيل الوضوء ممَّا مسَّت النَّار، وهو منسوخٌ بحديث جابرٍ ﵁ قال: «كان آخِرَ الأمرَيْنِ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ تَرْكُ الوضوءِ ممَّا مسَّتِ النَّارُ» (^١).
والصَّحيح في هذه المسألة: أنَّ المنسوخ هو وجوب الوضوء ممَّا مسَّت النَّار.
٣ - وجوب الوضوء من لحم الإبل سواءٌ أكان نيئًا أم مطبوخًا للإطلاق في الحديث، وبهذا يردُّ على من حمله على ما مسَّته النَّار.
٤ - أنَّ الشَّحم والكرش كاللَّحم في نقض الوضوء؛ لأنَّه يعبَّر باللَّحم إذا أضيف إلى الحيوان عن جميع أجزائه، كما قال تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وأكثر القائلين بوجوب الوضوء خصُّوه باللَّحم دون سائر الأجزاء، والأوَّل أظهر.
واعلم أنَّ القائلين بوجوب الوضوء من لحم الإبل اختلفوا في مرق لحمها وألبانها، والأحوط الوضوء منهما.
٥ - أنَّه لا يجب الوضوء من سائر اللُّحوم؛ لقوله في الحديث: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ»، وهذا يدلُّ على فساد حمل الحديث على ما مسَّت النَّار؛ لأنَّه لو كان الأمر كذلك لما فرَّق بين الإبل والغنم.
٦ - أنَّ في لحم الإبل ما يقتضي الوضوء منه دون لحم الغنم؛ لأنَّ الشَّريعة لا تفرِّق بين المتماثلات، وقد قيل في حكمة الوضوء من لحم الإبل: إنَّها شرسة الأخلاق ففيها شيطنةٌ، وجاءت آثارٌ تشير إلى ذلك. ويشهد للفرق
_________________
(١) رواه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥) وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٢/ ٤١٢)، وحسَّنه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ٢٧٣).
[ ١ / ١٠٣ ]
بين الإبل وغيرها والأمر بالوضوء من لحمها النَّهي عن الصَّلاة في أعطانها، فالوضوء من لحم الإبل يمنع من التَّأثُّر بأخلاقها.
* * * * *
(٨٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (^١)، وَقَالَ أَحْمَدُ: لا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ (^٢).
* * *
الحديث استدلَّ به على حكم الغسل من تغسيل الميِّت والوضوء من حمله، ولذلك أورده المؤلِّف في نواقض الوضوء ولكنَّ الحديث كما قال أحمد: «لا يصحُّ في هذا الباب شيءٌ».
وفي الحديث -على تقدير الاحتجاج به- فوائد، منها:
١ - الأمر بالغسل من تغسيل الميِّت.
واختلف العلماء في حكم هذا الغسل:
فقيل: إنَّه واجبٌ لهذا الحديث.
وقيل: إنَّه مستحبٌّ لهذا الحديث مع غيره؛ كحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يغتسل من أربعٍ» قالت: «ومن غسل الميِّت» (^٣)، ولخبر أسماء بنت عميسٍ ﵃ امرأة أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁؛ أنَّها غسَّلت أبا بكرٍ حين توفِّي، فخرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: «إنِّي صائمةٌ وإنَّ هذا يومٌ شديد البرد، فهل عليَّ من غسلٍ؟ قالوا: لا» (^٤).
_________________
(١) أحمد (٩٨٦٢)، والترمذي (٩٩٣) ولم أجده عند النسائي.
(٢) ينظر: «العلل» للترمذي (٢٤٥).
(٣) رواه أبو داود (٣٤٨)، وابن خزيمة (٢٥٦)، وسيأتي برقم (١٢٣).
(٤) رواه مالك في «الموطأ» (٥٩٣) وضعفه الألباني لانقطاعه. ينظر: «تمام المنة» (١٢١).
[ ١ / ١٠٤ ]
وقيل: لا يشرع الغسل؛ إذ لم يقم عليه دليلٌ.
والأحاديث في ذلك لم يصحَّ منها شيءٌ، كما قال الإمام أحمد وعلي بن المديني (^١)، ورجَّح شيخنا ابن باز ﵀ صحة حديث عائشة ﵂ كما سيأتي، وعلى هذا فالرَّاجح هو: القول بالاستحباب لمجموع الأحاديث والآثار. ومن ذلك ما رواه البيهقيُّ عن ابن عمر ﵃ أنَّه قال: «كنَّا نغسِّل الميِّت فمنَّا من يغتسل ومنَّا من لا يغتسل» (^٢).
وممَّا يدلُّ على عدم وجوب الغسل ولا الوضوء حديث ابن عبَّاسٍ ﵃؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ؛ إنَّهُ مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ طَاهِرٌ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» (^٣).
٢ - أمر من حمل الميِّت بالوضوء.
ولم يحفظ القول به عن أحدٍ من العلماء إلَّا ابن حزمٍ بناءً على تصحيحه لحديث الباب (^٤)، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ، ولم يرد له في هذا الحكم ما يعضده، ولا تظهر له مناسبةٌ شرعيَّةٌ.
وفي وجوب الوضوء على كلِّ من حمل الميِّت حرجٌ ظاهرٌ، وإذا كان من غسَّل الميِّت لا يجب عليه الوضوء فمن باب أولى ألَّا يجب على من حمله، بل نقول: لا يستحبُّ الوضوء من حمل الميِّت؛ لعدم الدَّليل النَّاهض على ذلك، والعبادات توقيفيَّةٌ، والحديث لا يصلح حجَّةً على ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) «التلخيص الحبير» (١/ ١٣٦).
(٢) رواه البيهقي في «الكبرى» (١٤٦٦)، والدارقطني (١٨٢٠). وصحح إسناده ابن حجر. ينظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٣٩).
(٣) رواه البيهقي في «الكبرى» (١٤٦١)، والدارقطني (١٨٣٩)، وصححه الحاكم (١٤٢٧)، وقال المصنف: «إسناده حسن». «التلخيص الحبير» (١/ ٢٣٩).
(٤) ينظر: «المحلى» (٢/ ٢٣).
[ ١ / ١٠٥ ]
ولهذا لا نحتاج إلى تأويله كما تأوَّله بعضهم بأنَّ المراد: فليكن على وضوءٍ ليتهيَّأ له الصَّلاة على الميِّت.
* * * * *
(٨٥) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵀؛ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ أَنْ «لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ». رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (^١).
* * *
هذا الحديث استدلَّ به على تحريم مسِّ المحدث للقرآن (أي: المصحف)، والحديث جاء مرسلًا؛ أي: منقطعًا، كما رواه مالكٌ، فقد سقط من إسناده اثنان أبو بكرٍ وأبوه مُحمَّد بن عمرٍو.
ووصله النَّسائيُّ والبيهقيُّ فعندهما عن عبد الله بن أبي بكر بن مُحمَّد بن عمرو بن حزمٍ عن أبيه عن جدِّه، ولكنَّ الموصول معلولٌ كما قال الحافظ، فإنَّ الصَّواب: أنَّه من رواية سليمان بن أرقم وهو ضعيفٌ عند المحدِّثين، لا سليمان بن داود كما ظنَّه بعضهم.
ولكنَّ الحديث له شواهد، وتعضده فتاوى الصَّحابة ﵃، فيرتقي بذلك إلى درجة الحسن لغيره (^٢).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّه لا يمسُّ القرآن إلَّا طاهرٌ؛ أي: متوضِّئٌ. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، استدلالًا بهذا الحديث وما له من الشَّواهد.
_________________
(١) مالك في «الموطأ» (٦٨٠)، والنسائي (٤٨٥٣)، وابن حبان (٦٥٥٩).
(٢) قال شيخ الإسلام: «قال الإمام أحمد: لا شك أن النبي ﷺ كتبه له؛ -يعني: كتاب عمرو بن حزم- وهو أيضًا قول سلمان الفارسي وعبد الله بن عمر ﵃ وغيرهما. ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف». «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٥٢).
[ ١ / ١٠٦ ]
وليس من الأدلَّة في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]، فإنَّ الصَّواب: أنَّ المراد بالكتاب المكنون: اللَّوح المحفوظ، وب ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون (٧٩)﴾: الملائكة، كما حقَّق ذلك العلَّامة ابن القيِّم في كتابه «أقسام القرآن» (^١)، لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذه الآية تدل على هذا الحكم بطريق التنبيه والإشارة.
وذهب آخرون إلى جواز مسِّ المحدث للمصحف؛ بناءً على ضعف الحديث عندهم، وتأوَّلوه -على تقدير صلاحيته للاستدلال- على المسلم، وقالوا: لا يمسُّه إلَّا طاهرٌ؛ أي: مسلمٌ.
وهذا التَّأويل خلاف العرف الشَّرعيِّ في معنى الطَّاهر، فالصَّواب: تحريم مسِّ المحدث للمصحف.
٢ - تسمية المصحف قرآنًا، وهو من التَّعبير بالحالِّ عن المحلِّ، فإنَّ المصحف ليس كغيره من كتب العلم في الحرمة.
٣ - أنَّ من احترام المصحف ألَّا يمسَّه المسلم إلَّا على طهارةٍ.
٤ - تحريم الدُّخول بالمصحف في الأماكن المستقذرة؛ كالحشِّ ونحوه، وكذا وضعه في الأماكن النَّجسة.
٥ - تحريم كلِّ ما يشعر بامتهان المصحف؛ كإلقائه، أمَّا تعمُّد إلقائه في الحشِّ فكفرٌ، وليس المعوَّل في هذه المسائل على هذا الحديث وحده.
٦ - تحريم مسِّ الجنب للمصحف من باب أولى.
٧ - جواز كتابة الحديث.
٨ - بعث الدُّعاة إلى الله.
* * * * *
_________________
(١) «التبيان في أقسام القرآن» (٣٥٥).
[ ١ / ١٠٧ ]
(٨٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (^١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
الحديث استدلَّ به على جواز ذكر الله للمحدث، وأنَّه لا يشترط له الوضوء.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب الذِّكر على كلِّ حالٍ، وفي كلِّ حينٍ.
٢ - أنَّ مطلق الذِّكر لا تشترط له الطَّهارة، لكن تستحبُّ؛ لحديث تيمُّمه ﷺ لردِّ السَّلام (^٢)، وقوله: «إنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ» (^٣).
٣ - جواز قراءة القرآن للمحدث حدثًا أصغر من غير أن يمسَّ المصحف، أمَّا الجنب فلا يقرأ القرآن؛ لحديث عليٍّ ﵁: «كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبًا» (^٤). وفي روايةٍ: «لا يحجبه عن القرآن شيءٌ ليس الجنابة» (^٥). وإلى هذا ذهب جمهور العلماء.
_________________
(١) مسلم (٣٧٣)، والبخاري في كتاب: الحيض، باب: «تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف» (١/ ١١٥).
(٢) وهذا فيما رواه البخاري (٣٣٠)، ومسلم (٣٦٩) عن أبي الجهيم الحارث بن الصمة الأنصاري ﵁ ونصه: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه¬ السلام».
(٣) رواه أحمد (١٩٠٣٤)، وأبو داود (١٧) عن المهاجر بن قنفذ ﵁، وفيه؛ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه وقال: … الحديث. صححه الحاكم (٥٩٢)، والنووي في «الأذكار» (٢٢).
(٤) رواه أبو داود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، والنسائي (٢٦٥)، وابن ماجه (٥٩٤)، وأحمد (٦٢٧)، وابن حبان (٧٩٩). وسيأتي (١٢٧).
(٥) رواه أبو داود (٢٢٩)، والنسائي (٢٦٥). وحسنه المصنف في «فتح الباري» (١/ ٤٠٨).
[ ١ / ١٠٨ ]
وذهب آخرون إلى جواز قراءة الجنب للقرآن، وقالوا: إنَّ التَّرك لا يدلُّ على التَّحريم، كما لا يدلُّ الفعل على الوجوب، وأمَّا الحائض ففي قراءتها للقرآن قولان:
أَحَدُهُمَا: أنَّها كالجنب، وقد رُوي في ذلك حديث: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ ولا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» لكنَّه ضعيفٌ (^١).
الثَّانِي: أنَّها ليست كالجنب، فيجوز لها أن تقرأ القرآن، وقالوا: لا يصحُّ قياس الحائض على الجنب؛ لأنَّ مدَّة الحيض تطول؛ فإنَّها لا يمكنها التَّطهُّر بخلاف الجنب.
٤ - استحباب كثرة الذِّكر، وقد قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
٥ - أنَّ من هدي الرَّسول ﷺ كثرة الذِّكر، واستثني من هذا: الذِّكر باللِّسان حال الجماع وحال قضاء الحاجة.
* * * * *
(٨٧) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلَيَّنَهُ (^٢).
* * *
تقدَّم ما يتعلَّق به عند الكلام على حديث عائشة ﵃: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ» (^٣).
_________________
(١) رواه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٥) عن ابن عمر ﵃. قال الإمام أحمد: «باطل». ينظر: «تهذيب التهذيب» (١/ ٢٨٣)، وضعفه المصنف في «التلخيص الحبير» (١٨٣).
(٢) الدارقطني (٥٨٠)، وضعفه المصنف. ينظر: «التلخيص الحبير» (١/ ٢٠٢).
(٣) تقدم برقم (٨٢).
[ ١ / ١٠٩ ]
وفيه فوائد، منها:
١ - جواز الحجامة.
٢ - أنَّ خروج الدَّم لا ينقض الوضوء ولو كان كثيرًا، فلا يجب الوضوء من الحجامة، وأمَّا حديث أبي الدَّرداء ﵁: «أنَّ النَّبي ﷺ قاء فتوضَّأ» (^١) فغايته أن يدلَّ على استحباب الوضوء.
٣ - أنَّ الحجامة دواءٌ.
٤ - جواز التَّداوي.
* * * * *
(٨٨) وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ: «وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٢).
(٨٩) وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ دُونَ قَوْلِهِ: «اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ». وَفِي كِلَا الإسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ (^٣).
(٩٠) وَلأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ مَرْفُوعًا: «إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا». وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ أَيْضًا (^٤).
* * *
قوله: «وِكَاءُ السَّه»: السَّه حلقة الدُّبر، وعبَّر بالعين عن اليقظة، وشبَّه حال اليقظة بالوكاء الَّذي يربط به السِّقاء ونحوه، فيمنع خروج ما فيه. وأيَّد هذا التَّشبيه بقوله: «فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ».
_________________
(١) تقدم تحت رقم (٨٢).
(٢) أحمد (١٦٨٧٩)، والطبراني «المعجم الكبير» (٨٧٥).
(٣) أبو داود (٢٠٣)، وابن ماجه (٤٧٧)، ينظر: «التلخيص الحبير» (١٥٩).
(٤) أبو داود (٢٠٢)، وقال: «هو حديث منكر».
[ ١ / ١١٠ ]
وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفةً -على ما ذكر الحافظ- فقد استدلَّ بها بعض العلماء على أنَّ النَّوم ناقضٌ للوضوء، من حيث إنَّه مظنَّةٌ للحدث، ولهذا قال: «فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ».
وتقدَّمت الإشارة إلى مذاهب العلماء في نقض الوضوء بالنَّوم، وأصحُّ ما ورد في هذا حديث صفوان بن عسَّالٍ ﵁ المتقدِّم في باب المسح على الخفَّين (^١)، وحديث أنسٍ ﵁ وهو أوَّل حديثٍ في باب النَّواقض (^٢)، وتقدَّمت الإشارة إلى مذاهب النَّاس في نقض الوضوء بالنَّوم، وهي ثمانية مذاهب؛ أرجحها: أنَّ النَّوم من الجالس المتمكِّن لا ينقض الوضوء، وكذا النَّوم اليسير الَّذي لا يفقد الإنسان معه كامل شعوره.
* * * * *
(٩١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ (^٣).
وأصله في الصَّحيحين من حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁ (^٤).
(٩٢) وَلِمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ (^٥).
(٩٣) وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إنَّكَ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ». وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: «فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ» (^٦).
* * *
_________________
(١) تقدَّم برقم (٦٨).
(٢) تقدَّم برقم (٧٤).
(٣) البزار (٢٨١).
(٤) البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).
(٥) تقدم برقم (٧٩).
(٦) الحاكم (٤٦٤)، وابن حبان (٢٦٦٥).
[ ١ / ١١١ ]
هذه الأحاديث تقدَّم الكلام في موضوعها في الكلام على حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا …» الحديث (^١).
وفي هذه الأحاديث من الفوائد زيادةً على ما تقدم:
١ - إثبات وجود الشَّيطان من الجنِّ، والأدلَّة على ذلك أكثر من أن تحصى وتحصر.
٢ - حرص الشَّيطان على إفساد صلاة العبد.
٣ - تخييله للمصلِّي أنَّه أحدث وهو لم يحدث.
٤ - أنَّ الشَّيطان يجمع في التَّشويش على المصلِّي بين الفعل والقول فينفخ في مقعدته، ويقول له في نفسه: أحدثت.
٥ - أنَّ ما يحسُّ به الإنسان في مخرج الحدث لا يلتفت إليه ما لم يتيقَّن خروج الحدث.
٦ - أنَّ ممَّا يحصل به اليقين سماع الصَّوت، ووجدان الرِّيح، وقد يحصل اليقين بغيرهما.
٧ - استحباب أن يقول المصلِّي للشَّيطان إذا قال له: أحدثت، أن يقول له في نفسه: كذبت.
تنبيهٌ: وكان من المناسب ذكر أحاديث آخر الباب مع ما يناسبها في أوَّله، لكن يظهر من صنيع المؤلِّف أنَّ منهجه: ذكر أصول الباب في أوَّله، ومكمِّلاته في آخره، وهذا بيِّنٌ في هذا الباب وغيره.
* * * * *
_________________
(١) رقم (٧٩).
[ ١ / ١١٢ ]