* * *
المراد بوجوه الإحرام: أنواع النسك، وهي ثلاثة: القران والإفراد والتمتع، فالمار بالميقات في أشهر الحج يخير بين هذه الأنساك الثلاثة.
والمراد بالإحرام: نية الدخول في النسك، فمن نوى الدخول في النسك فإنه يلبي فيصير محرمًا، كما يدخل المصلي في الصلاة بتكبيرة الإحرام، وليس كما يظن الجهال؛ أن الإحرام لبس الإزار والرداء، بل الاغتسال ولبس الإزار والرداء ما هو إلا استعداد لعقد نية النسك.
وسمي الدخول في النسك إحرامًا؛ لأنه يتضمن الدخول في تحريم المحرمات في الإحرام، وهي المحظورات التسعة التي ذكرها الفقهاء، وهي:
١ - لبس المخيط، والمراد بلبس المخيط؛ لبس الثياب المعتادة كالقميص ونحوه، والسراويل ونحوه، والخفين والجوربين.
٢ - تغطية الرأس، وهذان خاصان بالذكر.
٣ - الطيب.
٤ - حلق الشعر أو قصه من الرأس أو سائر البدن.
٥ - تقليم الأظفار.
٦ - قتل الصيد.
٧ - عقد النكاح.
٨ - الجماع.
٩ - المباشرة. ولا يفسد الحج منها إلا الجماع قبل التحلل الأول.
* * * * *
[ ٢ / ١٣٢ ]
(٨١٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في أنواع النسك، فالإحرام بالحج إفراد، وبالحج والعمرة قران، وبالعمرة ثم التحلل منها ثم الإحرام بالحج هو التمتع.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - تخيير من أراد الحج بين الأنساك الثلاثة.
٢ - أن الصحابة في حجة الوداع كان منهم المفرد ومنهم القارن ومنهم المتمتع، ولكنهم بعد قدوم مكة أُمروا كلهم بالتمتع إلا من ساق الهدي.
٣ - أن الرسول ﷺ أحرم بالحج، وقد جاءت روايات كثيرة صحيحة تدل على أنه ﷺ كان قارنًا، فوجب تأويل قول عائشة ﵂: «وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ» يعني أنه أفرد أعمال الحج؛ لأن أعمال القارن كأعمال المفرد لا فرق.
٤ - أن من أهل بعمرة فإنه إذا طاف وسعى وقصر حلَّ، وهذا شأن المتمتع.
٥ - أن من أهل بحج أو بحج وعمرة لا يتحلل، وهذا لا يصح بإطلاق، فقد دلت الأحاديث الصحيحة أن من أهل بحج أو عمرة وليس معه هدي، فقد أمروا أنهم إذا طافوا وسعوا أن يتحللوا من إحرامهم بعد الطواف والسعي، وأن يجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، فإنه لا يحل حتى ينحر هديه بمنى. ويسمى هذا التحلل عند الفقهاء فسخ الحج إلى العمرة، فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقيل: يجب الفسخ على من كان أحرم بحج أو حج وعمرة، وقيل: يستحب، وقيل: يحرم، وأقربها -والله أعلم- هو القول باستحباب الفسخ.
_________________
(١) البخاري (١٥٦٢)، ومسلم (١٢١١).
[ ٢ / ١٣٣ ]
(٨٢٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٨٢١) وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ ﵁، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلالِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ (^٢).
(٨٢٢) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهْلالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحسَّنَهُ (^٣).
* * *
هذه الأحاديث اشتملت على صفة الإحرام القولية والفعلية.
وفي هذه الأحاديث فوائد، منها:
١ - أن النبي ﷺ أهلَّ من عند مسجد ذي الحليفة، ويعرف بمسجد الشجرة، ولعل هذا المسجد بني وعُرف بعد النبي ﷺ، واختلفت الروايات في وقت إهلال النبي ﷺ ومكانه، والمراد بالإهلال: رفع الصوت بالتلبية، فروي أنه أهلَّ بعد ما صلَّى، وروي أنه بعد ما استقلت به راحلته على البيداء. وجاء عن ابن عباس ﵄؛ أن هذا كله حصل، وأن كلًا ذكر ما حضره وسمعه. وبذا يحصل الجمع بين الروايات.
٢ - أن جبريل هو الذي يأتي بالوحي، ويبلغ به النبي ﷺ.
٣ - مشروعية التلبية للمحرم بحج أو عمرة.
_________________
(١) البخاري (١٥٤١)، ومسلم (١١٨٦).
(٢) أحمد (١٦٥٦٧)، وأبو داود (١٨١٤)، والترمذي (٨٢٩)، والنسائي (٢٧٥٢)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، وابن حبان (٣٨٠٢).
(٣) الترمذي (٨٣٠).
[ ٢ / ١٣٤ ]
٤ - وجوب رفع الصوت بها من الرجال لنزول الوحي بذلك.
٥ - استحباب التجرد والاغتسال للإحرام، والتجرد عمّا يحرم على المُحْرِم من اللباس مستحب قبل الإحرام، ويجب بعد الإحرام.
* * * * *
(٨٢٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلا الْوَرْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل فيما يحرم على المحرم من اللباس.
وفيه فوائد، منها:
١ - سؤال الصحابة النبي ﷺ عن الأحكام.
٢ - مشروعية السؤال عن أحكام الدين، وذلك من التفقه في الدين، وفي الحديث: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (^٢).
٣ - عدول المفتي في الجواب عن مطابقة السؤال إذا رأى المصلحة في ذلك، وهو ما يسمى في البلاغة: الأسلوب الحكيم، فقد سأل السائل عمّا يلبس المحرم، فأجيب عن بيان ما لا يلبس، والسر في ذلك أن ما لا يلبس محصور بما ذكر، وما عداه فعلى أصل الإباحة.
٤ - تحريم القميص ونحوه على المحرم.
_________________
(١) البخاري (١٥٤٢)، ومسلم (١١٧٧).
(٢) رواه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧)؛ عن معاوية ﵁.
[ ٢ / ١٣٥ ]
٥ - تحريم العمامة على المحرم.
٦ - تحريم السراويلات، جمع سراويل، وهو معروف.
٧ - تحريم البُرْنُس، وهو لباس يستر جميع البدن، وله طرف يُغطى به الرأس.
٨ - تحريم لبس النقاب، وهو ما يخاط على قدر الوجه، وقال بعض الفقهاء: يحرم على المحرمة تغطية وجهها بأي ساتر، لكن إذا حضرها رجال أجانب أو مروا بها سدلت خمارها على وجهها، كما جاء في حديث عائشة ﵂: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا» (^١).
٩ - تحريم لبس الخفين.
١٠ - جواز لبس الخفين لمن لم يجد نعلين بشرط قطعهما أسفل من الكعبين، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقيل: يشترط، لهذا الحديث، وقيل: لا يشترط، لحديث ابن عباس ﵄؛ وهو أن النبي ﷺ خطب بعرفة وقال: «وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن» (^٢). فمن لم يشترط القطع يجعل حديث ابن عباس ﵄ ناسخًا لحديث ابن عمر ﵄، ومن اشترط القطع حمل حديث ابن عباس على حديث ابن عمر من باب حمل المطلق على المقيد جمعًا بين الدليلين.
١١ - يسر الشريعة، لقوله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ» (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد (٢٤٠٢١)، وأبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجه (٢٩٣٥)، وابن خزيمة (٢٦٩١)، والدارقطني في «السنن» (٢٧٦٣).
(٢) رواه البخاري (٥٨٠٤)، ومسلم (١١٧٨).
(٣) رواه البخاري (١٨٤٣)؛ عن ابن عباس ﵄. وهو عند مسلم (١١٧٩)؛ من حديث جابر ﵁.
[ ٢ / ١٣٦ ]
١٢ - تحريم لبس القفازين على المحرمة، والرجل في ذلك من باب أولى.
١٣ - تحريم ما مسه الزعفران أو الورس، وهما نوعان من الطيب على ما ذكره الشراح.
١٤ - تحريم الطيب على المحرم.
١٥ - حسن تعليم الرسول ﷺ.
* * * * *
(٨٢٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في استحباب الطيب لمريد الإحرام قبل أن يحرم، وعند التحلل الأول في الحج.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - استحباب الطيب لمريد الإحرام.
٢ - استحباب الطيب للحاج بعد التحلل الأول.
٣ - فضيلة عائشة ﵂ لتولي ذلك من شأن رسول الله ﷺ.
٤ - محبة الرسول ﷺ للطيب.
٥ - جواز استدامة المحرم للطيب، إذ لا معنى أن يتطيب قبل الإحرام ثم يغسله، وقد جاء التصريح بما يدل على ذلك في حديث عائشة ﵂ قالت: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (^٢)، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب الجمهور إلى جواز استدامة المحرم للطيب دون
_________________
(١) البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩).
(٢) رواه البخاري (١٥٣٨)، ومسلم (١١٩٠).
[ ٢ / ١٣٧ ]
ابتدائه وهو الصواب، وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث المحرمة للطيب على المحرم، والدالة على إباحته.
٦ - أن (كان) في مثل هذا السياق لا تفيد الاستمرار، فإن ذلك إنما وقع مرة واحدة في حجة الوداع، وهذا الذي عليه جمهور العلماء أن (كان) لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وهي للمرة الواحدة، فإن دل دليل على التكرار عمل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها، قاله النووي واستشهد بهذا الحديث على ذلك (^١).
٧ - أن للحج تحلُّلين؛ أصغر، وهو الأول، ويكون بعد الرمي والحلق أو التقصير، وتحل به كل المحظورات إلا النساء، وأكبر، ويكون بعد الطواف، ويحل به كل ما حرم على المحرم.
* * * * *
(٨٢٥) وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلا يُنْكِحُ، وَلا يَخْطُبُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في تحريم عقد النكاح على المحرم.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم عقد النكاح على المحرم زوجًا كان أو وليًا.
٢ - تحريم عقد النكاح على المحرمة.
٣ - تحريم الخطبة على المحرم.
٤ - تحريم الجماع ودواعيه على المحرم.
٥ - تحريم توكيل المحرم في عقد النكاح.
٦ - تحريم التَّوكل عن المحرم في عقد النكاح.
* * * * *
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٢٧٥).
(٢) مسلم (١٤٠٩).
[ ٢ / ١٣٨ ]
(٨٢٦) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁؛ فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ -وَكَانُوا مُحْرِمِينَ-: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالُوا: لا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٨٢٧) وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
هذان الحديثان هما الأصل في حكم صيد الحلال بالنسبة للمحرم.
وفي الحديث الأول فوائد، منها:
١ - حل صيد الحلال للمحرم، لقوله ﷺ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ» ويشكل على هذا رد النبي ﷺ حمار الوحش على الصعب بن جثامة وقوله: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ»، وجُمع بين الحديثين بأن ما صاده الحلال لنفسه حلال للمحرم، وما صاده من أجل المحرم فهو حرام عليه، وحمل على هذا المعنى حديث الصعب ﵁.
٢ - حل حمار الوحش.
٣ - تحريم صيده على المحرم.
٤ - جواز الاصطياد.
٥ - تحريم قتل الصيد على المحرم والإعانة عليه.
٦ - أن الوسائل لها أحكام الغايات.
٧ - تحريم صيد المحرم على الحلال، لأنه بقتله يصير ميتة.
_________________
(١) البخاري (١٨٢٤)، ومسلم (١١٩٦).
(٢) البخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣).
[ ٢ / ١٣٩ ]
٨ - تحريم تنبيه المحرم الحلال للصيد.
٩ - أن أبا قتادة ﵁ صيَّاد.
١٠ - جواز الصيد بالرمح.
١١ - أن من لم يمر بالميقات يحرم من مكانه.
١٢ - استفصال المفتي من السائل.
١٣ - جواز قول (لا) للمستفهم وجواز الاقتصار عليها في الجواب.
١٤ - جواز الهدية من لحم الصيد.
١٥ - أن الأمر يأتي للإباحة.
١٦ - جواز ادخار اللحم.
١٧ - السؤال عمَّا اشتبه حكمه، وإن كان قد استُبيح، لتأكيد الاستباحة.
وفي حديث الصعب ﵁ فوائد، منها:
١ - حل حمار الوحش.
٢ - إكرام الصحابة ﵃ للنبي ﷺ بالإهداء إليه.
٣ - حسن خلقه ﷺ لاعتذاره عن رد الهدية.
٤ - أن الصعب ﵁ صاد الحمار وهو حلال من أجل النبي ﷺ، لذلك رده النبي ﷺ.
٥ - أن ما أهداه الصعب ﵁ هو بعض الحمار، كما تقتضيه أكثر الروايات، وأما قوله في هذه الرواية: «حِمَارًا وَحْشِيًّا» ففيه نوع تجوز.
٦ - جواز أن يذكر الإنسان نفسه بصيغة الجمع، ولا يلزم، أن يكون معظمًا لنفسه، وقد تكون صيغة الجمع في هذا الحديث باعتبار أن معه ﷺ أصحابه ﵃.
٧ - أن المحرم يقال: إنه حرام، والجماعة: حُرُم.
[ ٢ / ١٤٠ ]
٨ - أن الصعب ﵁ صياد.
٩ - كثرة حمر الوحش في الجزيرة.
* * * * *
(٨٢٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في قتل المؤذيات بطبعها أو صيالها.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - حكمة الشريعة، وذلك في التفريق بين المختلفات والتسوية بين المتماثلات.
٢ - تعليل الأحكام.
٣ - علة حل قتل هذه المذكورات في الحل والحرم، وهو فسقهن، وهو خروج طبعهن عن سائر الحيوانات المسالمة.
٤ - تغليب الدواب في المذكورات على ما يطير منهن.
٥ - أن (كُلًّا) إذا أضيفت إلى جمع أو ضمير جمع فيجوز مراعاة لفظها أو معناها، وقد جاء «كُلُّهُنَّ فَوَاسِق» وهنا «فَاسِقٌ».
٦ - الندب إلى قتل هذه الفواسق.
٧ - إباحة قتلهن في الحرم، وقتلهن للمحرم.
٨ - أنه لا مفهوم للعدد.
_________________
(١) البخاري (١٨٢٩)، ومسلم (١١٩٨).
[ ٢ / ١٤١ ]
٩ - أن الكلب الذي يُندب إلى قتله هو العقور، وهو الذي ينهش الناس، بخلاف غيره.
١٠ - أن كل ما يؤذي يباح قتله، لأن الحكم يدور مع علته.
١١ - أن ما لا يؤذي لا يباح قتله تحريمًا أو كراهة. وما أبيح قتله من البهائم والصيد يقتل للأكل، لا لغيره.
* * * * *
(٨٢٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - جواز التداوي بالحجامة.
٢ - جواز الحجامة للمحرم، ولو أدى ذلك إلى حلق بعض شعر الرأس، يدل لذلك ما ورد أن النبي ﷺ احتجم في وسط رأسه (^٢)، واختلف العلماء في وجوب الفدية على من احتاج إلى ذلك، والأظهر وجوب الفدية؛ لأنه حكم دل عليه القرآن والسنة في حديث كعب (^٣)، وهو نص لا يتطرق إليه احتمال، وحديث ابن عباس ليس نصًّا في حكم المسألة، وإذا تعارض نصٌّ وظاهر قُدِّم النصُّ؛ لعدم تطرق الاحتمال إليه.
٣ - جواز التداوي، ولو كان الإنسان محرمًا.
٤ - أن النبي ﷺ تعرض له العوارض البشرية كالصداع والحمى ونحوهما.
* * * * *
_________________
(١) البخاري (١٨٣٥)، ومسلم (١٢٠٢).
(٢) رواه البخاري (١٨٣٦)، ومسلم (١٢٠٣)؛ عن ابن بحينة ﵁.
(٣) وهو الحديث التالي في الباب برقم (٨٣٠).
[ ٢ / ١٤٢ ]
(٨٣٠) وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟» قُلْتُ: لا. قَالَ: «فَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل من السنة على وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه، وقصة كعب هذه هي سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - ذكر سبب نزول الآية.
٢ - وجوب الفدية على المحرم إذا حلق رأسه، ولو لعذر من حاجة وضرورة، وتسمى هذه الفدية عند العلماء فدية الأذى، أخذًا من قوله تعالى: ﴿أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ﴾.
٣ - أن فدية الأذى على التخيير بين الثلاثة المذكورة في الآية والحديث: الصيام، والصدقة، والنسك.
٤ - بيان السنة للقرآن.
٥ - بيان مقدار الصوم، وهو ثلاثة أيام.
٦ - بيان مقدار الصدقة، وهو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
٧ - أنه يجزئ في فدية الأذى ذبح شاة، وما قام مقامها من سبع بدنة أو سبع بقرة.
٨ - أن النسك أفضل الثلاثة؛ لأنها تتضمن التقرب بالذبح وبالصدقة باللحم.
_________________
(١) البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١).
[ ٢ / ١٤٣ ]
٩ - جواز حلق المحرم لشعره إذا اضطر إلى ذلك.
١٠ - مواساة النبي ﷺ لكعب ﵁ على وجعه.
١١ - قياس كل ما كان فيه ترفُّهٌ من المحظورات على حلق الشعر في وجوب الفدية كالطيب وتقليم الأظفار.
١٢ - أن من حالات الأذى تراكم الوسخ تحت الشعر؛ مما يسبب كثرة القمل، وأنجع سبب لإزالة هذا الأذى حلق الشعر.
١٣ - جواز قتل المحرم للقمل؛ أما قتله تبعًا فبالإجماع لهذا الحديث، وأما قتله ابتداء بالفَلْي فكرهه بعض العلماء، أو حرموه، ولم يذكروا على ذلك دليلًا إلا أن ذلك من الترفه، أو ما يخشى من سقوط الشعر، والصواب إباحة قتله؛ لأنه مؤذ، وما ذكروه من التعليل عليل.
* * * * *
(٨٣١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ». فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٨٣٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
_________________
(١) البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥).
(٢) البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠).
[ ٢ / ١٤٤ ]
(٨٣٣) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
هذه الأحاديث هي الأصل في تحريم مكة والمدينة، ولا حرم من الأرض سواهما.
وفيها فوائد، منها:
١ - أن السنة افتتاح الخطب بحمد الله والثناء عليه.
٢ - الاكتفاء في الخطبة بالحمد والثناء على الله؛ فلا يلزم ذكر الصلاة على النبي ﷺ.
٣ - أن مكة والمدينة حرم، ومعناه: أنه يحرم فيهما ما لا يحرم في غيرهما، ويقتضي ذلك فضلهما على سائر البلاد، ومن المحرمات تحريم ابتداء القتال في حرم مكة ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].
٤ - أن من آثار حرمة مكة وحرمة البيت أن حبس الله عنها الفيل، وأهلك أصحاب الفيل.
٥ - أن القتال في مكة عام الفتح كان بإذن من الله، وبذلك سلط الله الرسول ﷺ والمؤمنين على الكافرين، وإذنه تعالى بذلك القتال إذن شرعي وكوني.
٦ - أن الله خالق أفعال العباد والحيوان، لقوله: «وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ»، و«حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ».
٧ - أن تحريم مكة منذ خلق الله السماوات والأرض، فلم تزل حرمًا.
٨ - الرخصة للنبي ﷺ في ابتداء القتال فيها ساعة إحلالها لقوله ﷺ: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ».
_________________
(١) مسلم (١٣٧٠)، وهو في البخاري أيضًا (٦٧٥٥).
[ ٢ / ١٤٥ ]
٩ - أن حل القتال في مكة من خصائص النبي ﷺ في تلك الساعة، فهو حكم خاص مؤقت؛ فليس لأحد أن يحتج بفعله ﷺ، ولذا قال ﷺ: «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» (^١).
١٠ - تحريم تنفير الصيد في حرم مكة، ومن باب أولى تحريم قتله.
١١ - تحريم قطع شجره، واختلاء شوكه وحشيشه.
١٢ - تحريم التقاط لقطته إلا من يريد تعريفها، فلا تملك.
١٣ - أن من قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ أي: يخيَّر بين القصاص والعفو إلى الدية أو مجانًا.
١٤ - أن القصاص ليس حدًّا محتمًا؛ لأنه حق ولي المقتول.
١٥ - جواز القصاص وإقامة الحدود بمكة على من ارتكب المعصية فيها.
١٦ - جواز طلب الرخصة من النبي ﷺ وذكر الداعي إلى ذلك لقول العباس ﵁ عم النبي ﷺ: «إِلَّا الإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا»، والإذخر: نوع من الحشيش طيب الرائحة، كانوا يجعلونه في القبور فوق اللبن؛ يمنع دخول التراب، وفي السقف فوق الجريد كذلك؛ يمنع نزول الطين.
١٧ - جواز النسخ قبل التمكن من الفعل، لقوله ﷺ وهو في مقامه: «إِلَّا الإِذْخِرَ».
١٨ - إباحة قطع الإذخر.
١٩ - أن إبراهيم ﵇ حرم مكة؛ أي: أظهر تحريمها، وبلَّغه.
٢٠ - حرمة البيت عند الله، وعظم شأنه، ومن ذلك أن جعل له حمى؛ جعله حرمًا.
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤)؛ عن أبي شريح العدوي ﵁.
[ ٢ / ١٤٦ ]
٢١ - أن إبراهيم ﵇ دعا لأهل مكة بالبركة.
٢٢ - أن الرسول ﷺ حرم المدينة، كما حرم إبراهيم مكة.
٢٣ - أن النبي ﷺ دعا لأهل المدينة بمثل أو مثلي ما دعا إبراهيم لأهل مكة.
٢٤ - أن آثار دعوة إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام هي البركة في طعام مكة والمدينة.
٢٥ - بيان حدود حرم المدينة من «عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ»، وحرمها ما بين اللابتين، أي: الحرتين.
* * * * *
[ ٢ / ١٤٧ ]