عاد الشيخ من مكة إلى البكيريَّة مع أسرته، فحفظ القرآن وعمره عشر سنين تقريبًا، على عمِّه عبد الله بن منصورٍ البرَّاك، ثم قرأ على مقرئ البلد عبد الرحمن بن سالمٍ الكريديس؛ ﵏.
[ ١ / ١١ ]
وفي عام (١٣٦٤ هـ)، و(١٣٦٥ هـ): بدأ الشيخ حضور الدروس، والقراءة على العلماء؛ فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن عبد الله السُّبيِّل ﵀ جملةً من «كتاب التوحيد» للشيخ مُحمَّد بن عبد الوهَّاب ﵀، و«الآجرُّوميَّة» في العربيَّة، وقرأ «الأصول الثلاثة» للشيخ مُحمَّد بن عبد الوهَّاب، على الشيخ مُحمَّد بن مقبلٍ قاضي البكيريَّة إذ ذاك ﵀.
ثمَّ سافر إلى مكة مرةً أخرى مع أهله في عام (١٣٦٦ هـ) تقريبًا، ومكث بها ثلاث سنين، فقرأ في مكَّة على الشيخ عبد الله بن مُحمَّد الخليفيِّ ﵀، إمام المسجد الحرام، في «الآجرُّوميَّة»، وكانت القراءة في رباط الشاميَّة.
وحضر في الحرم المكيِّ دروس العلَّامة الفقيه مُحمَّد بن عبد العزيز المانع أول مديرٍ للمعارف السعوديَّة، كما حضر دروس الشيخ عليٍّ الهنديّ، وكانت أغلب دروسه في الفقه، ثمَّ التقى هناك بالشيخ العالم صالح بن حسينٍ العليِّ العراقيِّ ﵀ (^١)، وكان من كبار تلاميذ العلَّامة الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعوديَّة ﵀؛ فعني الشيخ صالحٌ بالشيخ عبد الرحمن لما رأى من ذكائه وألمعيَّته، وجعل يدارسه العلم، واستفاد الشيخ عبد الرحمن منه كثيرًا.
ثمَّ إنَّ الشيخ عبد الرحمن -إذ ذاك- قام لديه ولدى أهله عزمٌ على أن يرتحل إلى الرياض لطلب العلم على يد العلَّامة الشيخ مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ، وفي تلك الأثناء لم يلبث الشيخ صالح بن حسينٍ العليُّ أن عيِّن مديرًا للمدرسة العزيزيَّة في بلدة الدِّلم (^٢)، ويبدو أنَّ هذا التعيين كان برغبته؛ ليلتقي
_________________
(١) توفِّي في مكة ٤ صفر ١٤٠٥ هـ، ودفن في مقبرة العدل، وكان قدم في شبابه من العراق إلى المملكة لطلب العلم، فاستفاد علمًا كثيرًا، وأفاد، وكان معروفًا بحبِّ السُّنَّة والتمسُّك بالدليل، ولي عدة أعمالٍ، من آخرها تولِّيه التدريس في الجامعة الإسلاميَّة ﵀.
(٢) جنوبيَّ الرياض العاصمة، تبعد عنها حوالي ١٠٠ كلم.
[ ١ / ١٢ ]
هناك بصديقه الكبير وزميله في الطلب العلَّامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀، وكان قاضي الدِّلم حينذاك.
ولقد حرص الشيخ صالحٌ على أن يرافقه الشيخ عبد الرحمن إلى الدِّلم؛ حفاوةً به، وإكمالًا لسيره في العلم، فاستأذن الشيخ صالحٌ والدة الشيخ عبد الرحمن في ذلك، فأذنت له، وكان هذا بتيسير الله ولطفه؛ لأنَّه كان يؤمِّل أن يكون من حملة العلم البارزين، وهذا ما كان يحدِّث به الشيخ صالحٌ، وممَّن روى عنه ذلك الشيخ الفاضل عبد الرحمن الجلَّال ﵀، من أعيان الدِّلم، قال: سمعنا الشيخ صالحًا يقول: «إن أحياكم الله سترون لهذا الشابِّ شأنًا»، وصدقت فراسة الشيخ صالحٍ؛ فقد أصبح الشيخ عبد الرحمن أحد كبار العلماء في هذا العصر؛ نسأل الله أن يجزي الشيخ صالحًا أحسن ما جزى عالمًا عن تلاميذه.
وكان ارتحال الشيخ عبد الرحمن مع شيخه العراقيِّ إلى الدِّلم في ربيعٍ الأوَّل من عام (١٣٦٩ هـ)، وهناك التحق بالمدرسة العزيزيَّة في الصفِّ الرابع، وكان من أهمِّ ما استفاده في تلك السنة الإلمام بقواعد التجويد الأساسيَّة، وجعل هناك يختلف إلى حلقة الشيخ عبد العزيز بن بازٍ، وتعرَّف عن كثبٍ إلى كبار تلاميذه؛ من أمثال الشيخ عبد الله بن قعودٍ ﵀، والشيخ راشد بن خنينٍ ﵀، وغيرهما.
وفي السنة نفسها سافر مع جمعٍ من الطلاب مع الشيخ ابن بازٍ إلى الحجِّ، وبعد عودته ترك الدراسة في المدرسة العزيزيَّة، وآثر الانكباب على العلم وحفظ المتون مع طلاب الشيخ عبد العزيز بن بازٍ، ولازم دروس الشيخ ابن بازٍ المتنوِّعة، بعد الفجر، وبعد المغرب، وبعد الظهر أحيانًا، فقد كان يقرأ عليه في: «كتاب التوحيد»، و«الأصول الثلاثة»، و«عمدة الأحكام»، و«بلوغ
[ ١ / ١٣ ]
المرام»، و«مسند أحمد»، و«تفسير ابن كثيرٍ»، و«الرَّحبيَّة»، و«الآجرُّوميَّة»، وغيرها.
ومكث الشيخ عبد الرحمن في الدِّلم في رعاية الشيخ صالحٍ العراقيِّ؛ فقد كان مقيمًا في بيته، ودرس عليه علم العروض، وكان الشيخ صالحٌ بارعًا في هذا العلم؛ كما كان يجيد نظم الشعر التعليميِّ، وغيره، وله قصائد جيادٌ.
وحفظ الشيخ عبد الرحمن في بلدة الدِّلم كتبًا ومتونًا، منها: «كتاب التوحيد»، و«الأصول الثلاثة»، و«الآجرُّوميَّة»، و«قطر الندى»، و«نظم الرَّحبيَّة»، كما حفظ قدرًا من «ألفيَّة ابن مالك»، ومن «ألفيَّة العراقيِّ» في علوم الحديث.
وبقي في الدِّلم إلى أواخر سنة (١٣٧٠ هـ)، وكانت إقامته في الدِّلم لها أثرٌ كبيرٌ في حياته العلميَّة.
ثم لمَّا أعلن عن فتح المعهد العلميِّ في الرياض في عام (١٣٧٠ هـ)، انتقل إليه كثيرٌ من طلاب المشايخ، ومنهم طلاب الشيخ عبد العزيز بن بازٍ، فاضطرَّ الشيخ للتسجيل فيه، وبدأت دراسة أوَّل دفعةٍ فيه في محرَّمٍ سنة (١٣٧١ هـ)، وكانت الدراسة في المعهد تتكوَّن من مرحلتين؛ تمهيديَّةٍ: للمبتدئين الصِّغار، وثانويَّةٍ: لمن بعدهم، والتحق به كثيرٌ من طلاب العلم في وقتها، وكانت الدراسة الثانويَّة أربع سنوات، فتخرَّج الشيخ عام (١٣٧٤ هـ)، والتحق بكليَّة الشريعة، وتخرَّج فيها سنة (١٣٧٨ هـ)، مع الدُّفعة الثالثة، وكان ترتيبه الثاني على زملائه البالغ عددهم أربعةً وأربعين طالبًا، كما في سجلِّ جامعة الإمام مُحمَّد بن سعودٍ الإسلاميَّة الصادر عام (١٤٠٢ هـ). وكان من زملائه في تلك الدُّفعة: الشيخ الفقيه عبد العزيز الداوود ﵀، والشيخ مُحمَّد بن صالحٍ المنصور عالم بريدة المشهور ب «المنسلح» ﵀، والشيخ صالحٌ الأطرم ﵀.
وقد تلمذ الشيخ في المعهد والكليَّة لمشايخ كثيرين، من أبرزهم:
[ ١ / ١٤ ]
العلَّامة عبد العزيز بن بازٍ، والعلَّامة مُحمَّدٌ الأمين الشِّنقيطيُّ، ودرَّسهم في المعهد في التفسير، وأصول الفقه، والعلَّامة عبد الرزَّاق عفيفي، ودرَّسهم في التوحيد، والنحو، وأصول الفقه، والشيخ مُحمَّد عبد الرزَّاق حمزة، والشيخ الفرضيُّ عبد العزيز بن ناصرٍ الرَّشيد، والشيخ الفرضيُّ عبد الله الخليفيّ، والشيخ عبد الرحمن الإفريقيّ، والأستاذ النحويُّ عبد اللطيف سرحان الأزهريّ، في آخرين؛ ﵏ جميعًا.
وكان الشيخ عبد الرحمن في تلك المدة يحضر بعض دروس العلَّامة مُحمَّد بن إبراهيم آل الشيخ في المسجد.
وأكبر مشايخ الشيخ عبد الرحمن وأعظمهم أثرًا في نفسه: العلَّامة الشيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀؛ فقد أفاد منه أكثر من خمسين عامًا؛ بدءًا من عام (١٣٦٩ هـ)، إلى وفاته في عام (١٤٢٠ هـ)، ثم شيخه العراقيُّ الذي استفاد منه حبَّ الدليل، ونبذ التقليد، والتدقيق في علوم اللغة؛ كالنحو، والصرف، والعروض.