[ ١ / ٤٩٩ ]
هذا الكتاب يتضمَّن أحكام معاملة الأموات من المرض إلى ما بعد الدَّفن.
والجنائز: جمع جنازةٍ؛ بفتح الجيم وكسرها، وهو جثمان الميِّت، وقيل: الجنازة -بالفتح-: الميِّت، وبالكسر: النَّعش عليه الميِّت.
وأحكام الجنائز من أدلَّة كمال الشَّريعة، وشمولها لشأن الإنسان حيًّا وميِّتًا. وفي موضوعات هذا الكتاب عظاتٌ بالغةٌ، وكلُّها تذكِّر بالموت وبالآخرة، ولهذا استهلَّ المصنِّف أحاديث هذا الكتاب بقوله ﷺ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: الْمَوْتِ»، وبالموت ينتقل الإنسان من دار العمل إلى دار البرزخ؛ وهي من دار الجزاء، وبعدها البعث من القبور إلى دار النُّشور إلى دار القرار في الجنَّة أو النَّار، وليس القبر هو المثوى الأخير كما يقول بعض النَّاس.
وللإنسان في هذا الوجود أربع أحوالٍ: موتتان وحياتان، قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٢٨)﴾ [البقرة: ٢٨].
وقد جرى كثيرٌ من المصنِّفين في الأحكام على ذكر هذا الكتاب في إثر كتاب الصَّلاة، ومناسبته ظاهرةٌ؛ لأنَّ أهمَّ أحكام كتاب الجنائز: تغسيل الميِّت وتكفينه والصَّلاة عليه، وكلُّها تدخل في جنس أحكام الصَّلاة.
* * * * *
(٦١٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: الْمَوْتِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
(٦١٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْينِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
_________________
(١) الترمذيُّ (٢٣٠٧)، والنسائيُّ (١٨٢٣)، وابن حبان (٢٩٩٢).
(٢) البخاريُّ (٥٦٧١)، ومسلمٌ (٢٦٨٠).
[ ١ / ٥٠١ ]
(٦١٤) وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
هذه الأحاديث الثلاثة اشتملت على فوائد، منها:
١ - استحباب الإكثار من ذكر الموت، والمراد: تذكُّره في القلب والتَّذكير به.
٢ - الحكمة من ذلك، وهي: الاستعداد له بالعمل الصَّالح، ولا يجوز أن يكون تذكُّر الموت سببًا للتَّحسُّر والحزن، وتعطيل مصالح الدِّين والدُّنيا.
٣ - أنَّ اللَّذَّات تسبِّب الغفلة والرُّكون إلى الدُّنيا، وتذكُّر الموت يوجب اليقظة؛ جاء في الحديث: «فَإِنَّه مَا كَانَ فِي كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ، ولا قَلِيلٍ إِلَّا جَزَّأَهُ» (^٢)، وفي حديث آخر: «فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وهُوَ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، ولا ذَكَرَهُ وهُوَ فِي سَعَةٍ إِلَّا ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ» (^٣).
ومعنى هذا: أنَّ تذكُّر الموت يوجب القناعة بالقليل من الدُّنيا، ويوجب احتقار الكثير من الدُّنيا.
٤ - أنَّ لذَّات الدُّنيا لا تدوم، وأقصى مداها الموت، فالموت يقطعها ويهدمها، وهو معنى «هاذم اللَّذَّات» أو «هادم اللَّذَّات»، وقد تنقطع قبل ذلك بأسبابٍ؛ كالمرض والهرم.
وفي حديث أنسٍ ﵁:
٥ - تحريم تمنِّي الموت لما نزل بالإنسان من المصائب.
٦ - أنَّ تمنِّي الموت ممَّا ينافي الصَّبر.
_________________
(١) الترمذيُّ (٩٨٢)، والنسائيُّ (١٨٢٨)، وابن ماجه (١٤٥٢)، وابن حبان (٣٠١١).
(٢) رواه الطبرانيُّ في «الأوسط» (٥٧٨٠)، والبيهقيُّ في «الشعب» (١٠٠٧٤)، عن ابن عمر ﵃.
(٣) رواه ابن حبان (٢٩٩٣)، والطبراني في «الأوسط» (٨٥٦٠)، عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٥٠٢ ]
٧ - جواز التَّفويض على الله بسؤال خير الأمرين من الحياة أو الموت.
٨ - أنَّ الأولى من ذلك سؤال الحياة الطَّيِّبة.
٩ - أنَّ الحياة خيرٌ للمؤمن؛ لأنَّ من شأنه أن يزداد من العمل الصَّالح ولهذا جاء: «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» (^١).
١٠ - تفرُّد الله بعلم الغيب.
١١ - قوله: «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ» قيل: هو كنايةٌ عن جهاده واجتهاده فيما يقرِّب إلى الله حتَّى ينزل به الموت وهو على ذلك. وقيل: إنَّه كنايةٌ عن شدَّة معالجته للموت، وأنَّه يشدَّد على المؤمن تمحيصًا لذنوبه أو رفعًا لدرجاته، والنَّبيُّ ﷺ لمَّا نزل به الموت جعل يطرح خميصةً على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها كما في الصَّحيح (^٢).
وجاء في «صحيح البخاريِّ» أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانت عنده ركوةٌ أو علبةٌ فيها ماءٌ يدخل فيها يديه ثمَّ يمسح وجهه منه، ويقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» (^٣).
وهذا لا ينافي ما جاء في حديث البراء ﵁ من أنَّ نفس المؤمن تخرج كما تسيل القطرة من في السِّقاء، وأنَّ نفس الكافر تنتزع كما ينتزع السَّفُّود من الصُّوف المبلول (^٤)؛ فهذا وصفٌ للحظة خروجها وقبض ملك الموت لها.
* * * * *
_________________
(١) رواه أحمد (١٧٦٩٨)، والترمذيُّ (٢٣٢٩)، عن عبد الله بن بسرٍ ﵁. وحسَّن إسناده الترمذيُّ.
(٢) عند البخاريِّ (٤٣٥)، ومسلمٍ (٥٣١)، من حديث عائشة وابن عباسٍ ﵃.
(٣) البخاريُّ (٤٤٤٩).
(٤) رواه أحمد (١٨٥٣٤). وأورده الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٣/ ٤٩ - ٥٠)، وقال: «هو في الصحيح باختصارٍ، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح».
[ ١ / ٥٠٣ ]
(٦١٥) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرةَ ﵃ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالأَرْبَعَةُ (^١).
(٦١٦) وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ ﴿يس﴾». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢).
* * *
هذان الحديثان اشتملا على بعض ما يعامل به المحتضر، فالموتى في الحديثين المراد بهم: من حضره الموت.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - استحباب تلقين المحتضر (لا إله إلَّا الله)؛ والحكمة من ذلك أن تكون آخر كلامه، وقد جاء في الحديث: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٣)؛ والتَّلقين: هو التَّذكير بالقول، والنُّطق به عند من قد يعجز عن النُّطق به؛ إعانةً له أو تذكيرًا له.
ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب تلقين المحتضر، واختلفوا في تلقين الميِّت بعد الدَّفن جواب المسائل الثَّلاث، ولم يثبت فيه عن النَّبيِّ ﷺ شيءٌ، بل الَّذي صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ القيام على القبر، والدُّعاء للميِّت بالمغفرة والتَّثبيت.
وقد جاء عن جماعةٍ من السَّلف تلقين الميِّت أوَّل ما يدفن من فعلهم، وهذا لا يكفي دليلًا على الشَّرعيَّة، فالصَّواب: أنَّ تلقين الميِّت لا يشرع ولا ينفع، فيغني عنه قوله ﷺ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ» (^٤).
_________________
(١) مسلمٌ (٩١٦ - ٩١٧)، وأبو داود (٣١١٧)، والترمذيُّ (٩٧٦)، والنسائيُّ (١٨٢٥)، وابن ماجه (١٤٤٥).
(٢) أبو داود (٣١٢١)، والنسائيُّ في «الكبرى» (١٠٨٤٦)، وابن حبان (٣٠٠٢).
(٣) رواه أبو داود (٣١١٦)، والحاكم (١٣٠٠)، وصحَّحه عن معاذ بن جبلٍ ﵁.
(٤) سيأتي برقم (٦٦٥).
[ ١ / ٥٠٤ ]
٢ - فضل كلمة التَّوحيد.
٣ - أنَّ التَّوحيد أوَّل الأمر وآخره، فهو أوَّل واجبٍ، وآخر واجبٍ.
٤ - استحباب قراءة سورة ﴿يس﴾ على المحتضر.
٥ - فضل سورة ﴿يس﴾ وذلك على تقدير صحَّة الحديث، ولكن رجَّح بعض المحقِّقين أنَّه ضعيفٌ (^١)؛ لأنَّ في إسناده مجهولًا، وهو أبو عثمان (^٢)، ومن صحَّحه ظنَّه أبا عثمان النَّهديَّ. وإذا لم يصحَّ فلا يعمل به، ولا يخفى أنَّ قراءة القرآن عند الصَّحيح والمريض فيه خيرٌ عظيمٌ للقارئ والمستمع.
* * * * *
(٦١٧) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ ﵁ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ». ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
* * *
أمُّ سلمة هي: أمُّ المؤمنين ﵂ زوج النَّبيِّ ﷺ، واسمها هند بنت أبي أميَّة المخزوميَّة، تزوَّجها النَّبيُّ ﷺ بعد أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزوميِّ، وكان أخًا للنَّبيِّ ﷺ من الرَّضاعة. وقد توفِّي في السَّنة الرَّابعة من الهجرة.
وفي هذا الحديث تروي لنا أمُّ سلمة ﵂ قصَّة وفاته ﵁، ودعاء النَّبيِّ ﷺ له، وجاء في الصَّحيح (^٤) عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
_________________
(١) نقل الحافظ في «التلخيص الحبير» (٢/ ١١٠) عن ابن العربيِّ عن الدارقطنيِّ أنَّه قال: «هذا حديثٌ ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصحُّ في الباب حديثٌ».
(٢) «الميزان» للذهبيِّ (٤/ ٥٥٠).
(٣) مسلمٌ (٩٢٠).
(٤) مسلمٌ (٩١٨).
[ ١ / ٥٠٥ ]
«مَا مِنْ مسْلم تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ اؤْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا منْها إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا منْها». قالت: فلمَّا مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟! أوَّل بيتٍ هاجر إلى رسول الله ﷺ، ثمَّ إنِّي قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضيلة أبي سلمة ﵁.
٢ - احتفاء النَّبيِّ ﷺ به.
٣ - عظم شأن هذا الدُّعاء.
٤ - ذكر المدعوِّ له باسمه.
٥ - اشتمال هذا الدُّعاء على طلب النَّجاة من المرهوب؛ بمغفرة الذُّنوب، وحصول المطلوب؛ من رفعة الدَّرجة مع أولياء الله المهديِّين، وفسحة القبر وتنويره.
٦ - استحباب الدُّعاء للميِّت ولعقبه.
٧ - تفاضل المؤمنين في الدَّرجات عند الله تعالى.
٨ - أنَّ القبر يوسَّع وينوَّر لبعض العباد، ويظلم ويضيَّق على آخرين، ومن شواهد هذا المعنى: قوله ﷺ في حديث المرأة الَّتي كانت تقمُّ المسجد: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ» (^١).
٩ - إثبات نعيم القبر وعذابه.
١٠ - أنَّ الله يكون خليفةً لعبده المؤمن على عقبه، ومن كان الله خليفته أمن على من يخاف عليه.
١١ - الإشارة في هذا الدُّعاء إلى ما تحقَّق من زواج النَّبيِّ ﷺ بأمِّ سلمة، وكفالته لأولادها، وذلك في قوله ﷺ: «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ»، فاستجاب الله دعاءه.
_________________
(١) سيأتي برقم (٦٣٧).
[ ١ / ٥٠٦ ]
١٢ - استحباب تغميض عيني الميِّت.
١٣ - أنَّ آخر ما يذهب من حواسِّ الميِّت بصره بعد خروج الرُّوح، لذلك ينظر إلى الرُّوح عند خروجها.
١٤ - أنَّ الرُّوح شيءٌ قائمٌ بنفسه؛ يقبض ويرسل ويذهب ويجيء.
١٥ - حضور الملائكة عند أهل الميِّت.
١٦ - تأمين الملائكة على دعاء أهل الميِّت.
١٧ - استحباب دعاء أهل الميِّت له ولأنفسهم بما ينفعهم؛ لقوله ﷺ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ»، والحذر من خلاف ذلك.
١٨ - أنَّ من هدي النَّبيِّ ﷺ عيادة المرضى.
* * * * *
(٦١٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّي سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٦١٩) وَعَنْهَا ﵂؛ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
(٦٢٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (^٣).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا مات وقبل أن يغسَّل؛ سجِّي -أي: غطِّي- ببرد حبرةٍ، وهو كساءٌ ذو ألوانٍ، كان يجتلب من اليمن، وإضافة البرد إلى الحبرة من إضافة الموصوف إلى الصِّفة.
_________________
(١) البخاريُّ (٥٨١٤)، ومسلمٌ (٩٤٢).
(٢) البخاريُّ (٤٤٥٥).
(٣) أحمد (٩٦٧٩)، والترمذيّ (١٠٧٨).
[ ١ / ٥٠٧ ]
٢ - استحباب تغطية الميِّت حتَّى يتهيَّأ تغسيله، ووجه الاستحباب أنَّ ما اختار الله لنبيِّه هو الخير.
٣ - أنَّ الحكمة من ذلك ستر بدن الميِّت حتَّى يكون كهيئة النَّائم.
٤ - جواز تقبيل الميِّت من بعض خاصَّته، ولا ينبغي الإكثار من ذلك؛ لأنَّ الصَّحابة لم يفعلوه مع النَّبيِّ ﷺ.
٥ - فضيلة أبي بكرٍ ﵁؛ فقد جاء في القصَّة أنَّه بلغه موت النَّبيِّ ﷺ وهو بالسُّنح، فأقبل حتَّى دخل على النَّبيِّ ﷺ وقبَّله وقال: «طبت حيًّا وميِّتًا»، ثمَّ خرج وخطب النَّاس خطبته الشَّهيرة وقال: «من كان يعبد محمَّدًا ﷺ فإنَّ محمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت» (^١).
٦ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد مات، ففيه الرَّدُّ على الَّذين يدعونه زاعمين أنَّه حيٌّ في قبره كحياته بين أصحابه ﵃.
٧ - أنَّ همَّ الدَّين لا يفارق نفس المؤمن حتَّى بعد موته.
٨ - الحثُّ على المبادرة في قضاء دين الميِّت.
٩ - أنَّ من الإحسان إلى الميِّت قضاء دينه.
١٠ - أنَّ الدَّين الَّذي للآدميِّين ليس ممَّا يغفر للميِّت.
* * * * *
(٦٢١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(٦٢٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي، نُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ لَا؟ …» الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ (^٣).
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٣٦٦٧).
(٢) البخاريُّ (١٢٦٥)، ومسلمٌ (١٢٠٦).
(٣) أحمد (٢٦٣٠٦)، وأبو داود (٣١٤١).
[ ١ / ٥٠٨ ]
(٦٢٣) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ». فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٦٢٤) وَفِي رِوَايَةٍ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» (^٢).
(٦٢٥) وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، فَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا» (^٣).
* * *
هذه الأحاديث هي الأصل في مشروعيَّة تغسيل الميِّت، وقد أجمع العلماء على وجوبه، وهو فرض كفايةٍ، وخصَّ من هذا شهيد المعركة؛ فإنَّه لا يغسَّل، كما في قصَّة شهداء أحدٍ ﵃، لما جاء في «صحيح البخاريِّ» عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ» ولم يغسِّلهم (^٤). وفي تغسيل الميِّت وتطييبه وتكفينه والصَّلاة عليه إكرامٌ له، وذلك من كرامته على ربِّه.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب تغسيل الميِّت وأنَّه فرض كفايةٍ.
٢ - أنَّ الإحرام لا يبطل بالموت؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عبَّاسٍ المذكور في الباب: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
٣ - جواز الغسل للمحرم.
٤ - وجوب تكفين الميِّت.
٥ - أنَّ مؤنة تكفين الميِّت وتجهيزه مقدَّمٌ على دينه؛ لقوله ﷺ: «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ».
_________________
(١) البخاريُّ (١٢٥٣)، ومسلمٌ (٩٣٩).
(٢) البخاريُّ (١٦٧)، ومسلمٌ (٩٣٩).
(٣) البخاريُّ (١٢٦٣).
(٤) البخاريُّ (١٣٤٦).
[ ١ / ٥٠٩ ]
٦ - استحباب السِّدر في تغسيل الميِّت أو ما يقوم مقامه، إن لم يتيسَّر.
٧ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ غسِّل؛ كغيره من أموات المسلمين، إلَّا أنَّه غسِّل في ثيابه. فقد ورد أنَّ الصَّحابة ﵃ تردَّدوا في تجريد النَّبيِّ ﷺ ثمَّ سمعوا هاتفًا من ناحية البيت لا يدرون من هو؛ أن اغسلوا النَّبيَّ ﷺ وعليه ثيابه (^١).
٨ - أنَّ الأصل عند الصَّحابة ﵃ تجريد الميِّت؛ لكن لا بدَّ من ستر عورته.
٩ - أنَّ المرأة تغسِّلها النِّساء دون الرِّجال، وهذا بالإجماع، وكذلك الرَّجل يغسِّله الرَّجل دون النِّساء، إلَّا من لا حرمة لعورته كمن دون سبعٍ من الذُّكور والإناث، وقيَّده بعضهم بمن لا يشتهى، وينبغي أن يخصَّ ذلك بمن دون سبعٍ.
واختار الموفَّق أنَّ الرِّجال لا يغسِّلون الأنثى مطلقًا (^٢)، وأمَّا الصَّبيُّ فتغسِّله النِّساء؛ لأنَّ من عادتهنَّ تولِّي شؤون الصِّبيان، وخصَّ من المسألة تغسيل كلٍّ من الزَّوجين للآخر على الصَّحيح وسيأتي.
١٠ - استحباب غسل الميِّت ثلاثًا، والزِّيادة على ذلك إن دعت الحاجة، واستحباب الوتر.
١١ - الرُّجوع إلى رأي النِّساء فيما هو من شؤونهنَّ؛ لقوله ﷺ: «إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ».
١٢ - استحباب توضئة الميِّت والبداءة بميامنه قبل غسل سائره.
١٣ - استحباب الكافور في غسل الميِّت، أو ما يتيسَّر من طيبٍ.
١٤ - استحباب ضفر شعر المرأة.
١٥ - حسن خلقه ﷺ، وعنايته بابنته زينب ﵂.
_________________
(١) هو تمام حديث عائشة ﵂ المتقدّم.
(٢) «المغني» لابن قدامة (٣/ ٤٦٣).
[ ١ / ٥١٠ ]
١٦ - أنَّ في ثيابه ﷺ بركةً، ولا سيَّما ما باشر بدنه.
١٧ - نهي المُحْرِم عن تغطية رأسه.
١٨ - نهي المحرم عن الطِّيب، لقوله: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ»، والحنوط: ما يطيَّب به الميِّت.
١٩ - مشروعيَّة تطييب الميِّت غير المحرم.
٢٠ - مشروعيَّة التَّلبية للمحرم.
٢١ - أنَّ من شرع في النُّسك ثمَّ مات لا تشرع النِّيابة عنه في باقي نسكه، ولو كان فريضةً.
٢٢ - أنَّه لا يجب التَّكرار في غسل الميِّت؛ لأنَّ الأمر المطلق لا يجب فيه التَّكرار.
٢٣ - جواز الوقوف بعرفة على الرَّاحلة إذا كانت تطيق.
٢٤ - أنَّه يكفي للمحرم أن يكفَّن في ثوبيه، ولا تشرع الزِّيادة.
٢٥ - أنَّه يجوز للمحرم أن يتجرَّد من ثيابه عند اغتساله.
٢٦ - العمل بما يسمع من صوتٍ مجهولٍ إذا دلَّت على صحَّته القرائن، ولم يخالف الشَّرع.
* * * * *
(٦٢٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ ولا عِمَامَةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٦٢٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، فَأَعْطَاه إِيَّاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
_________________
(١) البخاريُّ (١٢٦٤)، ومسلمٌ (٩٤١).
(٢) البخاريُّ (١٢٦٩)، ومسلمٌ (٢٤٠٠).
[ ١ / ٥١١ ]
(٦٢٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّها مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١).
(٦٢٩) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
هذه الأحاديث تدلُّ على مشروعيَّة تكفين الميِّت، وهو فرض كفايةٍ بإجماع أهل العلم، وتقدَّم الأمر به في حديث الَّذي وقع عن راحلته (^٣)، والواجب منه: ثوبٌ يستر جميع بدن الميِّت.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كفِّن في «ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سحوليَّةٍ»؛ نسبةً إلى سحولٍ، «من كرسفٍ»؛ أي: من قطنٍ، وهي ثلاث لفائف، فهي غير قميصه الَّذي غسِّل فيه ﷺ.
٢ - استحباب تكفين الرَّجل بثلاثة أثوابٍ، وأمَّا المرأة ففي خمسة أثوابٍ: درعٍ وإزارٍ ومقنعةٍ على رأسها ولفافتين.
٣ - استحباب البياض في الكفن.
٤ - استحباب الأبيض للحيِّ والميِّت؛ لقوله: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ».
٥ - ذكر علَّة الحكم «فَإِنَّها مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُم».
٦ - التَّبرُّك بآثار النَّبيِّ ﷺ؛ كثيابه.
٧ - حسن خلقه ﷺ؛ حيث أعطى قميصه يكفَّن به عبد الله بن أبيٍّ، تطييبًا لنفس ولده، وإن كان لن ينفعه ذلك؛ لأنَّه رأس المنافقين، وقد قال تعالى:
_________________
(١) أحمد (٢٢١٩)، وأبو داود (٣٨٧٨)، والترمذيُّ (٩٩٤)، وابن ماجه (٣٥٦٦).
(٢) مسلمٌ (٩٤٣).
(٣) تقدَّم برقم (٦٢١).
[ ١ / ٥١٢ ]
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُون (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤].
٨ - حرص عبد الله بن عبد الله بن أبيٍّ ﵁ على نجاة والده.
٩ - مشروعيَّة برِّ الوالد الكافر.
١٠ - أنَّ المحبَّة الطَّبيعيَّة ليست من الموالاة المحرَّمة.
١١ - جواز التَّكفين في القميص.
١٢ - التَّذكير بما يوجب الإحسان من الأخوَّة الإيمانيَّة؛ لقوله ﷺ: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ».
١٣ - أنَّ من الإحسان إلى الميِّت إحسان كفنه؛ بأن يكون وافيًا، جديدًا أو نظيفًا، وبالعدد المستحبِّ.
* * * * *
(٦٣٠) وَعنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟» فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(٦٣١) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ؛ فَإِنَّه يُسْلَبُ سَرِيعًا». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (^٢).
* * *
أحدٌ جبلٌ معروفٌ بالمدينة، قال فيه رسول الله ﷺ: «هَذَا أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» (^٣)، وكثيرًا ما كان الرَّسول ﷺ يمثِّل به؛ كقوله ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا» (^٤)، والمراد به في هذا الحديث: الغزوة الَّتي وقعت عنده
_________________
(١) البخاريُّ (١٣٤٣).
(٢) أبو داود (٣١٥٤).
(٣) رواه البخاريُّ (٤٤٢٢)، ومسلمٌ (١٣٩٢)، عن أبي حميد ﵁.
(٤) رواه البخاريُّ (٣٦٧٣)، ومسلمٌ (٢٥٤١)، عن أبي سعيد ﵁.
[ ١ / ٥١٣ ]
بين المسلمين والمشركين، وقد أصيب المسلمون في الغزوة، وقتل منهم سبعون، وهم شهداء أحدٍ، وقد أنزل الله في شأن هذه الغزوة كثيرًا من سورة آل عمران، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وفي هذين الحديثين فوائد، منها:
١ - جواز الجمع بين الرَّجلين في كفنٍ واحدٍ عند شحِّ الثِّياب، وذلك على أظهر الاحتمالين، وفي حكمهما المرأتان، وقيل: معنى الجمع بينهما أن يقطع الكفن بينهما.
٢ - فضل حفظ القرآن.
٣ - تقديم الأكثر قرآنًا في اللَّحد؛ ومعناه: جعله ممَّا يلي القبلة.
٤ - مشروعيَّة تكفين شهداء المعركة.
٥ - أنَّ السُّنَّة ترك الصَّلاة عليهم، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب بعضهم إلى ظاهر هذا الحديث، وهذا هو الصَّحيح.
وذهب آخرون إلى مشروعيَّة الصَّلاة عليهم استدلالًا بحديث عقبة بن عامرٍ ﵁؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى على قتلى أحدٍ بعد ثمان سنين (^١).
٦ - أنَّ شهيد المعركة لا يغسَّل، ومن حكمة ذلك إبقاء آثار الجهاد في سبيل الله، ولهذا قال ﷺ: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ» (^٢).
ومن فوائد حديث عليٍ ﵁:
٧ - النَّهي عن المغالاة في الكفن، والمراد به: شراء الغالي الثَّمن.
٨ - أنَّ المشروع في الكفن هو التَّوسُّط.
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٤٠٤٢)، ومسلمٌ (٢٢٩٦). ورواية: «بعد ثمان سنين» عند البخاريِّ وليست في مسلمٍ.
(٢) رواه البخاريُّ (١٣٤٦)، عن جابرٍ ﵁.
[ ١ / ٥١٤ ]
٩ - تعليل النَّهي عن المغالاة؛ بأنَّ الكفن يسلب عن الميِّت سريعًا، والمراد -والله أعلم- أنَّه يبلى سريعًا.
* * * * *
(٦٣٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١).
(٦٣٣) وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂؛ «أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٢).
* * *
في هذين الحديثين فوائد، منها:
١ - مشروعيَّة تغسيل الميِّت، وهو فرض كفايةٍ، وقد سبق.
٢ - جواز تغسيل الرَّجل لامرأته، ومثله تغسيل المرأة لزوجها، ويشهد له حديث عائشة ﵂: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّل رسول الله ﷺ إلَّا نساؤه» (^٣). وإلى جواز تغسيل كلٍّ من الزَّوجين للآخر ذهب الجمهور من العلماء.
وذهبت الحنفيَّة إلى أنَّ الرَّجل لا يغسِّل امرأته لانقطاع الزَّوجيَّة بالموت، ويردُّه هذان الحديثان، ونقل الإجماع على أنَّ المرأة تغسِّل زوجها؛ لأنَّها تعتدُّ منه وتحدُّ.
٣ - جواز عهد الرَّجل أو المرأة إلى من يغسِّله.
٤ - فضل عائشة ﵂.
٥ - منزلة عليٍّ ﵁ عند فاطمة بنت محمَّدٍ ﷺ ورضي الله عنها.
_________________
(١) أحمد (٢٥٩٠٨)، وابن ماجه (١٤٦٥)، وابن حبان (٦٥٨٦).
(٢) الدارقطنيُّ (١٨٥١).
(٣) رواه أبو داود (٣١٤١)، وأحمد (٢٦٣٠٦). وصحَّح إسناده المصنف في «التلخيص الحبير» (١٨١١).
[ ١ / ٥١٥ ]
(٦٣٤) وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ -فِي قِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيّ ﷺ بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَى- قَالَ: «ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٦٣٥) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵃ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
* * *
حديث الغامديَّة ﵂ حديثٌ طويلٌ يتضمَّن اعترافها بالزِّنى عند النَّبيِّ ﷺ، وتردُّدها تطلب من النَّبيِّ ﷺ أن يقام عليها الحدُّ، فأمر بها النَّبيُّ ﷺ، فشدَّت عليها ثيابها ثمَّ رجمت، ثمَّ صلَّى عليها النَّبيُّ ﷺ ثمَّ دفنت ﵂، فاستغرب عمر ﵁ صلاة النَّبيِّ ﷺ عليها وقد زنت، فقال ﷺ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» (^٣).
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - فضل هذه المرأة لصدق توبتها.
٢ - جواز الاعتراف بما يوجب الحدَّ.
٣ - استحباب الاستتار بستر الله وترك الاعتراف مع التَّوبة.
٤ - أنَّ الحامل لا يقام عليها الحدُّ حتَّى تضع، ويستغني عنها ولدها.
٥ - أنَّ الحدَّ لا يسقط بالتَّوبة.
٦ - أنَّ من وجب عليه الحدُّ بالاعتراف يجاب إلى طلبه في إقامة الحدِّ.
٧ - أنَّ حدَّ الزَّاني المحصن الرَّجم، وقد دلَّ على ذلك أحاديث؛ منها حديث الغامديَّة ﵂، وهو مجمعٌ عليه بين المسلمين، لم يخالف في ذلك إلَّا الخوارج.
_________________
(١) مسلمٌ (١٦٩٥).
(٢) مسلمٌ (٩٧٨).
(٣) رواه مسلمٌ (١٦٩٦)، عن عمران بن حصينٍ ﵁.
[ ١ / ٥١٦ ]
٨ - الصَّلاة على الزَّاني المرجوم، ولا سيَّما إذا جاء نادمًا معترفًا؛ كهذه المرأة.
وفي حديث جابرٍ فوائد، منها:
٩ - استحباب ترك الصَّلاة من ذوي العلم والفضل على من قتل نفسه؛ زجرًا عمَّا ارتكب.
١٠ - أنَّه لا ينهى عن الصَّلاة عليه من سائر النَّاس.
١١ - الزَّجر عن قتل الإنسان نفسه، وهو كبيرةٌ من كبائر الذُّنوب، ومن خواصِّه أنَّه تتعذَّر التَّوبة منه؛ إلَّا إذا كان موته بالسِّراية فقد تمكنه التَّوبة، كما لو جرح نفسه جرحًا يفضي إلى الموت.
١٢ - أنَّ قتل الإنسان نفسه ليس بكفرٍ خلافًا للخوارج، بدليل أنَّ رسول الله ﷺ لم ينه عن الصَّلاة عليه.
* * * * *
(٦٣٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ التِي كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ- قَالَ: فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟» فَكَأنَّهمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا»، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٦٣٧) وَزَادَ مُسْلِمٌ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ».
* * *
هذا الحديث كثير الفوائد، فمنها:
١ - فضل تنظيف المساجد، وهذا مِنْ رَفْعِها الَّذي أمر الله به ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦].
_________________
(١) البخاريُّ (١٣٣٧)، ومسلمٌ (٩٥٦).
[ ١ / ٥١٧ ]
٢ - جواز أن يتولَّى ذلك امرأةٌ إذا أمنت الفتنة.
٣ - جواز دفن الميِّت ليلًا.
٤ - حرص النَّبيِّ ﷺ على الصَّلاة على من يموت من المسلمين، وإن كان ممَّن لا يهتمُّ بشأنه عند كثيرٍ من النَّاس.
٥ - جواز الصَّلاة على القبر، فقيل: مطلقًا، وقيل: إلى شهرٍ.
٦ - أنَّ الرَّسول ﷺ لا يعلم الغيب؛ لقوله: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا».
٧ - أنَّ النَّاس متفاوتون في المنزلة؛ فمنهم الرَّفيع والوضيع.
٨ - أنَّ الغالب على النَّاس عدم الاهتمام بشأن الضُّعفاء.
٩ - فضل صلاة النَّبيِّ ﷺ على الميِّت.
١٠ - أنَّ القبور منها ما هو منوَّرٌ، ومنها ما هو مظلمٌ.
١١ - أنَّها تنوَّر بصلاة النَّبيِّ ﷺ، ويرجى ذلك بصلاة المؤمنين ودعائهم، وتقدَّم دعاء النَّبيِّ ﷺ لأبي سلمة ﵁: «وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» (^١).
١٢ - جواز النَّعي، وهو: الإخبار بموت الميِّت؛ لقوله: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟».
١٣ - أنَّ من قدَّم خدمةً للمسلمين ينبغي أن يقابل بالاحترام والإكرام.
١٤ - أنَّ الميِّت ينتفع بالصَّلاة عليه والدُّعاء له.
١٥ - إثبات الأسباب؛ لقوله ﷺ: «بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ»، وأنَّ تحقيق أثرها إلى الله تعالى.
١٦ - التَّذكير بأحوال أهل القبور والوعظ بذلك في المقبرة، لا بصفة الخطبة.
١٧ - أنَّ من مات في البلد لا يصلَّى عليه صلاة الغائب؛ لقوله ﷺ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا».
_________________
(١) تقدَّم برقم (٦١٧).
[ ١ / ٥١٨ ]
(٦٣٨) وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁؛ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (^١).
(٦٣٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
النَّعي هو: الإخبار بموت الميِّت، وفي حديث حذيفة ﵁ النَّهي عنه، وفي حديث أبي هريرة ﵁ وقوعه من النَّبيِّ ﷺ، فيدلُّ على الجواز، فبين الحديثين تعارضٌ في الظَّاهر، والجمع بينهما: أنَّ النَّعي المنهيَّ عنه؛ ما كان على طريقة أهل الجاهليَّة؛ بأن يرسلوا رسولًا ينادي في القبائل: مات فلان ابن فلانٍ، فخرًا وتعظيمًا لشأنه. وأمَّا الجائز؛ فهو مجرَّد الإخبار لمصلحة الميِّت؛ كالصَّلاة عليه، والدُّعاء له، أو غير ذلك ممَّا تدعو إليه الحاجة.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم النَّعي الَّذي كان يفعله أهل الجاهليَّة.
٢ - جواز نعي الميِّت لمصلحته وللحاجة، بل استحبابه.
٣ - فضل النَّجاشيِّ ﵀، وهو ملك الحبشة الَّذي آوى الصَّحابة ﵃ الَّذين هاجروا إليه، ثمَّ دعوه إلى الإسلام فأسلم، وأظهر تصديق المسلمين فيما وصفوا به المسيح عيسى بن مريم ﵉، كما في سورة مريم، وقد تلاها عليه جعفر بن أبي طالبٍ ﵁، ولكنَّه استسرَّ بإسلامه.
٤ - جواز الصَّلاة على الغائب، وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب متباينةٍ؛ فقيل: يجوز على أيِّ غائبٍ، وقيل: لا يجوز على أيِّ غائبٍ،
_________________
(١) أحمد (٢٣٤٥٥)، والترمذيّ (٩٨٦).
(٢) البخاريُّ (١٢٤٥)، ومسلمٌ (٩٥١).
[ ١ / ٥١٩ ]
وقيل: يجوز على خواصِّ المسلمين وأعيانهم، وقيل: يجوز على من علم أنَّه لم يصلَّ عليه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة (^١).
٥ - في الحديث علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ، وهو إخباره بحدث موت النَّجاشيِّ وهو بالحبشة، فمثل هذا في مثل ذلك الزَّمان لا يعلم إلَّا بوحيٍ.
٦ - مشروعيَّة الصَّلاة على الميِّت.
٧ - أنَّ التَّكبيرات في صلاة الجنازة أربعٌ، وذهب جمهور أهل العلم أنَّه لا يزاد عليها، وأنَّه الَّذي استقرَّت عليه السُّنَّة، وقيل: تجوز الزِّيادة فتكون خمسًا أو ستًّا أو سبعًا.
٨ - مشروعيَّة الخروج إلى المصلَّى، وهو مصلَّى العيد، ويحتمل أن يراد به مصلَّى الجنائز، ولعلَّ خروجه ﷺ إلى المصلَّى لكثرة المصلِّين.
* * * * *
(٦٤٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مسْلم يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(٦٤١) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
(٦٤٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «واللهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤).
* * *
_________________
(١) نقله عنه ابن القيم في «زاد المعاد» (١/ ٥٢٠).
(٢) مسلمٌ (٩٤٨).
(٣) البخاريُّ (١٣٣١)، ومسلمٌ (٩٦٤).
(٤) مسلمٌ (٩٧٣).
[ ١ / ٥٢٠ ]
في الحديثين الأوَّلين فوائد، منها:
١ - مشروعيَّة صلاة الجنازة، والمقصود منها: نفع الميِّت بالدُّعاء له.
٢ - التَّرغيب في كثرة المصلِّين.
٣ - فضل من قام على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا.
٤ - فضل التَّوحيد.
٥ - أنَّ غير المسلم لا تنفعه الصَّلاة عليه.
٦ - أنَّ تحقيق التَّوحيد سببٌ لقبول الشَّفاعة.
٧ - أنَّ قبول شفاعتهم مشروطٌ بذلك.
٨ - جواز الصَّلاة على النُّفساء.
٩ - أنَّ موقف الإمام في الصَّلاة على المرأة حذاء وسطها، وقوله: «وسطها» بفتح السِّين، وحكي فيه الإسكان.
١٠ - تقدُّم الإمام على المأمومين في الجنازة كغيرها من الصَّلوات.
١١ - أنَّ من ورد تسميته شهيدًا فإنَّه يصلَّى عليه، غير شهيد المعركة، ومن أولئك: المرأة تموت في نفاسها.
وفي حديث عائشة ﵂ فوائد، منها:
١٢ - جواز صلاة الجنازة في المسجد.
١٣ - أنَّ الغالب في عهد النَّبيِّ ﷺ الصَّلاة على الجنازة في غير المسجد، بل في مصلَّى الجنائز خلاف ما جرى عليه النَّاس اليوم، ولهذا أشكل على بعض النَّاس؛ فحلفت عائشة ﵂ على خبر أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى على ابني بيضاء في المسجد.
١٤ - جواز الحلف لتأكيد الخبر، ولو لم يستحلف، ولو لم يتَّهم. وابنا بيضاء هما: سهلٌ وسهيلٌ ابنا وهب بن ربيعة القرشيِّ، والبيضاء أمُّهما واسمها دعدٌ.
١٥ - جواز تعريف الرَّجل بأمِّه.
[ ١ / ٥٢١ ]
(٦٤٣) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ﵁ قَالَ: «كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأنَّه كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالأَرْبَعَةُ (^١).
(٦٤٤) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وَقَالَ: «إِنَّهُ بَدْرِيٌّ». رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (^٢). وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (^٣).
(٦٤٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولَى». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (^٤).
(٦٤٦) وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٥).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الصَّلاة على الميِّت.
٢ - أنَّ الأصل التَّكبير في صلاة الجنازة أربع تكبيراتٍ.
٣ - جواز الزِّيادة على الأربع خمسًا أو ستًّا.
٤ - أنَّ الغالب من فعله ﷺ هو الاقتصار على الأربع تكبيراتٍ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وذهب بعضهم إلى جواز الزِّيادة لحديث زيدٍ وعليٍّ ﵃.
_________________
(١) مسلمٌ (٩٥٧)، وأبو داود (٣١٩٧)، والترمذيُّ (١٠٢٣)، والنسائيُّ (١٩٨١)، وابن ماجه (١٥٠٥).
(٢) رواه غير سعيد بن منصور جماعة، وصحَّحه ابن حزم في المحلى (٥/ ١٢٦).
(٣) البخاريُّ (٤٠٠٤)، بلفظ أن عليًّا كبَّر على سهل بن حنيف، فقال: «إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا».
(٤) الشافعيُّ في «المسند» (٥٧٨).
(٥) البخاريُّ (١٣٣٥).
[ ١ / ٥٢٢ ]
٥ - أنَّ من السُّنَّة قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بعد التَّكبيرة الأولى، وهي ركنٌ؛ لعموم قول النَّبيِّ ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (^١).
٦ - التَّعليم بالفعل، والجهر بالذِّكر للتَّعليم.
٧ - منزلة أهل بدرٍ عند الصَّحابة ﵃.
* * * * *
(٦٤٧) وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(٦٤٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا، وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، ولا تُضِلَّنَا بَعْدَه». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالأَرْبَعَةُ (^٣).
(٦٤٩) وَعنْهُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤).
* * *
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة الصَّلاة على الميِّت، وهذا معلومٌ من دين الإسلام بالضَّرورة.
_________________
(١) تقدَّم برقم (٣١١).
(٢) مسلمٌ (٩٦٣).
(٣) أبو داود (٣٢٠١)، والترمذيُّ (١٠٢٤)، والنسائيُّ في «الكبرى» (١٠٨٥٣)، وابن ماجه (١٤٩٨). والحديث ليس في مسلم.
(٤) أبو داود (٣١٩٩)، وابن حبان (٣٠٧٦).
[ ١ / ٥٢٣ ]
٢ - مشروعيَّة الدُّعاء للميِّت في صلاة الجنازة، وهو الغاية منها.
٣ - مشروعيَّة الدُّعاء في صلاة الجنازة بما ورد، وقد اشتمل حديث عوفٍ ﵁ على الدُّعاء للميِّت بكلِّ خيرٍ، والوقاية من كلِّ شرٍّ، فتضمَّن الخير: الدُّعاء له بالرَّحمة وإكرام نزله، وتوسيع مدخله، وإبداله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وإدخاله الجنَّة، وتضمَّنت الوقاية من كلِّ شرٍّ: الدُّعاء له بالمغفرة والعفو والعافية، وما في قوله: «وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ»، وما في قوله: «وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ». وهذه معانٍ متلازمةٌ، ويتضمَّن بعضها بعضًا.
وفي تنويع هذه الدَّعوات: معنى الإلحاح في الدُّعاء وكثرة التَّضرُّع إلى الله، واقتران المغفرة والرَّحمة في أوَّل الدُّعاء يشبه اقتران دخول الجنَّة والوقاية من فتنة القبر وعذاب النَّار في آخره.
وحقيقة المغفرة: ستر الذُّنوب وترك العقاب عليها، والرَّحمة إذا اقترنت بالمغفرة تضمَّنت حصول المحبوب؛ وهو الثَّواب، وأعظمه الجنَّة، وإذا أفردت تضمَّنت حصول المطلوب والنَّجاة من المرهوب الَّذي أعظمه النَّار.
والفرق بين العفو والعافية؛ أنَّ العافية تتضمَّن السَّلامة من الشَّرِّ الحاصل وما قد يحصل، والعفو ترك المؤاخذة على ما حصل من الذُّنوب، والعافية عند اقترانها بالعفو تكون أخصَّ بما لم يقع من المكروه.
والنُّزل: هو الضِّيافة، وإكرام النُّزل؛ أن تكون الضِّيافة كريمةً حسنةً، وأعظم ذلك الجنَّة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧].
وقوله: «وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ» المراد: قبره، كما قال ﷺ في أبي سلمة: «وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ» (^١).
_________________
(١) تقدَّم برقم (٦١٧).
[ ١ / ٥٢٤ ]
وقوله: «وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» المراد: تطهيره من الذُّنوب تطهيرًا يزيل عينها وأثرها، وهذا يتضمَّن مغفرتها، والعفو عنها، ولمَّا كانت الذُّنوب نجسًا وتورث حرًّا كنَّى عن ذلك بالغسل بالماء والثَّلج والبرد.
وقوله: «وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ» معناه قريبٌ من الَّذي قبله، إلَّا أنَّ الغسل أخصُّ بما في الذُّنوب من النَّجس، والتَّنقية من الدَّنس أخصُّ بما في الذُّنوب من تغيير الحسن وتقبيح المنظر، وذلك يتضمَّن إزالة ما حصل والصِّيانة ممَّا لم يحصل، والَّذي يظهر: أنَّ التَّنقية من الدَّنس أبلغ من الغسل؛ لأنَّه يتضمَّن إزالة كلِّ أثرٍ يكدِّر صفو البياض.
وقوله: «كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ» لعلَّ معناه والله أعلم: كما خلقت الأبيض من الثِّياب نقيًّا صافيًا.
وقوله: «وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ» وهي الجنَّة، «وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ» الأهل ما يكون في الجنَّة من زوجاتٍ وخدمٍ، وما جاء في رواية: «وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ» (^١) من قبيل عطف الخاصِّ على العامِّ، وقد يراد بذلك دخوله في الجنَّة في الآخرة الدُّخول التَّامَّ، «وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ» قد يراد به الدُّخول النِّسبيُّ الَّذي يكون في البرزخ. والله أعلم.
وقوله: «وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ» هو معنى: «أَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ».
وقوله: «وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» المراد بفتنة القبر؛ سؤال الملكين للميِّت عن ربِّه ودينه ونبيِّه. والوقاية منها؛ يعني: من شرِّها، وذلك بتثبيت العبد حتَّى يجيب بالصَّواب، ويوقى العذاب.
وفي هذا الدعاء فوائد، منها:
٤ - إثبات الجنَّة والنَّار.
_________________
(١) هي إحدى روايات الحديث السابق.
[ ١ / ٥٢٥ ]
٥ - إثبات فتنة القبر وتوسيع القبر على بعض النَّاس.
٦ - الجمع في الدُّعاء بين الوقاية من النَّار والفوز بالجنَّة.
٧ - الدُّعاء لعموم المسلمين في صلاة الجنازة، والتَّفصيل في ذلك في حديث أبي هريرة ﵁.
٨ - أنَّ المعوَّل في الحياة على الإسلام؛ وهو الأعمال الظَّاهرة، وفي الآخرة على الإيمان؛ وهو ما في القلب، ولهذا جاء هذا التَّفريق، وإن كان لا إسلام إلَّا بإيمانٍ، ولا إيمان إلَّا بإسلامٍ.
٩ - جواز أن يدعو المصلِّي على الجنازة لنفسه بما ورد، لقوله: «اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، ولا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»، والمراد ب «أجره» أجر الصَّلاة عليه، ومعنى: «وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ»؛ أي: ثبِّتنا على الهدى حتَّى نموت على الإسلام كما مات هذا العبد.
١٠ - تخصيص الميِّت بالدُّعاء، وهو معنى إخلاص الدُّعاء له.
* * * * *
(٦٥٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تقدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٦٥١) وَعنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(٦٥٢) وَلِمُسْلِمٍ: «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ» (^٢).
_________________
(١) البخاريُّ (١٣١٥)، ومسلمٌ (٩٤٤).
(٢) البخاريُّ (١٣٢٥)، ومسلمٌ (٩٤٥).
[ ١ / ٥٢٦ ]
(٦٥٣) وَلِلْبُخَارِيِّ: «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةَ مُسْلِم إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ» (^١).
(٦٥٤) وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁؛ «أنَّه رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ وَطَائِفَةٌ بِالإِرْسَالِ (^٢).
(٦٥٥) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
* * *
هذه الأحاديث اشتملت على حكم اتِّباع الجنازة، وفضله، وصفة السَّير بها.
وفيها فوائد، منها:
١ - مشروعيَّة الإسراع بالجنازة سرعةً لا تشقُّ على من يحملها ولا من يتبعها، ولا تضرُّ بالميِّت.
٢ - الإسراع في تجهيزه.
٣ - الحكمة من الإسراع بالجنازة.
٤ - أنَّ الجنازة إن كانت صالحةً فالإسراع لمصلحة الميِّت، وإن كانت غير صالحةٍ فمصلحة الإسراع لمن يحمل الميِّت.
٥ - من أدب الكلام الإبهام بذكر الأمر المكروه، لقوله: «وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلكَ».
_________________
(١) البخاريُّ (٤٧).
(٢) أحمد (٦٠٤٢)، وأبو داود (٣١٧٩)، والترمذيُّ (١٠٠٧)، والنسائيُّ (١٩٤٣)، وابن ماجه (١٤٨٢)، وابن حبان (٣٠٤٥).
(٣) البخاريُّ (١٢٨٧)، ومسلمٌ (٩٣٨).
[ ١ / ٥٢٧ ]
٦ - أنَّ الفاجر شرٌّ على أهله أو من يجالسه ويقاربه، وهذا الحديث شبيهٌ بقوله ﷺ: «مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ …» الحديث (^١).
٧ - أنَّ المسلمين فيهم الصَّالح ودونه.
٨ - فضل اتِّباع الجنازة حتَّى يصلَّى عليها.
٩ - أنَّ من تبعها حتَّى تدفن أفضل ممَّن اتَّبعها حتَّى يصلَّى عليها؛ فأجر الأوَّل قيراطان، وأجر الثَّاني قيراطٌ.
١٠ - اعتبار الإيمان بشرع الله وموعوده ورجائه في حصول الأجر.
١١ - أنَّ الفضل والأجر في اتِّباع جنازة المسلم.
١٢ - أنَّ الأجر لا يتمُّ إلَّا بالبقاء مع الجنازة حتَّى تدفن.
١٣ - أنَّ من يتبع الجنازة مشيًا يكون أمامها، كما في حديث سالمٍ عن أبيه ﵁، وقد قيل: إنَّه مرسلٌ (^٢)، ولكن روى الإمام أحمد عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال ﷺ: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا» (^٣)، وهو أرجح من حديث سالم بن عبد الله ﵃، من وجهين:
الأول: أنَّ الأوَّل مختلفٌ في وصله وإرساله، وحديث المغيرة ﵁ لم يختلف فيه.
الثاني: أنَّ الأوَّل فعلٌ، والثَّاني قولٌ.
وعلى هذا فالرَّاجح أنَّ الماشي ينظر ما هو الأصلح والأرفق به وبمن معه.
_________________
(١) رواه البخاريُّ (٦٥١٢)، ومسلمٌ (٩٥٠)، عن أبي قتادة بن ربعيٍّ ﵁.
(٢) ينظر: «العلل» للدارقطنيِّ (١٢/ ٢٨٠).
(٣) رواه أحمد (١٨١٦٢)، وأبو داود (٣١٨٠)، والترمذيُّ (١٠٣١)، وابن ماجه (١٤٨١)، والنسائيُّ (١٩٤١). قال الحاكم: «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط البخاريِّ». وأقرَّه عليه الشيخ تقي الدين القشيريُّ في آخر كتابه (الاقتراح). ينظر: «البدر المنير» (٥/ ٢٣٥).
[ ١ / ٥٢٨ ]
١٤ - نهي النِّساء عن اتِّباع الجنائز، والأظهر؛ أنَّه للتَّحريم، وقول أمِّ عطيَّة ﵂: «وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» راجعٌ إلى فهمها، ويعارض ذلك أحاديث، منها: «لعن رسول الله ﷺ زوَّارات القبور» (^١).
١٥ - أنَّ اتِّباع جنازة المسلم من حقِّ المسلم على المسلم، كما صحَّ بذلك الخبر عن النَّبيِّ ﷺ (^٢).
١٦ - الفرق بين الرِّجال والنِّساء في بعض الأحكام.
* * * * *
(٦٥٦) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
* * *
هذا الحديث في حكم القيام لمرور الجنازة.
وفيه فوائد، منها:
١ - مشروعيَّة القيام عند رؤية الجنازة، والمراد: الوقوف، فقيل: إنَّ هذا واجبٌ للأمر به، وقيل: إنَّ الوجوب منسوخٌ، لما صحَّ عن عليٍّ ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ قام ثمَّ قعد» (^٤). فقيل: معناه كان يقوم ثمَّ تركه، وقيل: معناه أنَّه كان تارةً يقوم، وتارةً يقعد، فيدلُّ على التَّوسعة.
٢ - مشروعيَّة القيام لأيِّ جنازةٍ حتَّى جنازة الكافر، ويؤيِّده أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام لجنازة يهوديٍّ مرَّت به (^٥).
_________________
(١) رواه أحمد (٨٦٧٠)، والترمذيُّ (١٠٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦). قال الترمذيُّ: «حسنٌ صحيحٌ».
(٢) وهو ما رواه البخاريُّ (١١٤٠)، ومسلمٌ (٢١٦٢)، عن أبي هريرة ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ؛ … وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
(٣) البخاريُّ (١٣١٠)، ومسلمٌ (٩٥٩).
(٤) رواه مسلمٌ (٩٦٢).
(٥) البخاريُّ (١٣١١)، ومسلمٌ (٩٦٠)، عن جابر بن عبد الله ﵁.
[ ١ / ٥٢٩ ]
٣ - الحكمة من هذا القيام؛ وهي: تعظيم أمر الموت، فيقوم من رأى الجنازة متذكِّرًا متفكِّرًا.
٤ - أنَّه لا يجب على من رأى الجنازة أن يتبعها، فإذا قام وتوارت عنه الجنازة جلس.
٥ - أنَّ من تبع الجنازة فلا يجلس حتَّى توضع، والمراد: حتَّى توضع في الأرض؛ لأنَّه قد يطول الانتظار حتَّى توضع في اللَّحد، وقد ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا أتى إلى ميِّتٍ ولمَّا يلحد له قعد ﷺ وقعد الصَّحابة ﵃ حوله (^١). والله أعلم.
* * * * *
(٦٥٧) وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ ﵁ أَدْخَلَ الْمَيِّتَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ الْقَبْرِ، وَقَالَ: «هَذَا مِنَ السُّنَّةِ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (^٢).
(٦٥٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقُبُورِ، فَقُولُوا: بِاسْمِ اللهِ، وعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالوَقْفِ (^٣).
(٦٥٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (^٤).
(٦٦٠) وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: «فِي الإِثْمِ» (^٥).
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٢١٢)، والنسائيُّ (٢٠٠٠)، والحاكم وصحَّحه (١٠٧)، عن البراء بن عازبٍ ﵁. ينظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٢٢٨).
(٢) أبو داود (٣٢١١).
(٣) أحمد (٤٩٩٠)، وأبو داود (٣٢١٣)، والنسائيُّ (١٠٨٦٠)، وابن حبان (٣١٠٩). «العلل» للدارقطنيِّ (١٢/ ٣٥٨).
(٤) أبو داود (٣٢٠٧).
(٥) ابن ماجه (١٦١٧).
[ ١ / ٥٣٠ ]
(٦٦١) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا؛ كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٦٦٢) وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «وَرُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ». وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢).
(٦٦٣) وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» (^٣).
(٦٦٤) وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَأَتَى الْقَبْرَ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَهُوَ قَائِمٌ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٤).
(٦٦٥) وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٥).
(٦٦٦) وَعَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: «كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْرُهُ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ، أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ! قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ! قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الإِسْلامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ». رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا (^٦).
(٦٦٧) وَلِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا (^٧).
* * *
هذه الأحاديث اشتملت على بيان السُّنن القوليَّة والفعليَّة في دفن الميِّت.
_________________
(١) مسلمٌ (٩٦٦).
(٢) البيهقيُّ في «الكبرى» (٦٧٣٦)، وابن حبان (٦٦٣٥).
(٣) مسلمٌ (٩٧٠).
(٤) الدارقطنيُّ (١٨٣٦). إسناده ضعيفٌ.
(٥) أبو داود (٣٢٢١)، والحاكم (١٣٧٣).
(٦) لم نقف عليه في المطبوع من «سنن سعيد بن منصورٍ» وهو كلام تابعيٍّ لا يحتجُّ به.
(٧) الطبرانيُّ في «الكبير» (٧٩٧٩).
[ ١ / ٥٣١ ]
وفيها فوائد، منها:
١ - إنزال الميِّت في القبر من قبل رجلي القبر، والمراد برجلي القبر: النَّاحية الَّتي يكون فيها رجلا الميِّت، ومعنى ذلك؛ أنَّه يبدأ إدخال الميِّت برأسه، فنزول الميِّت في قبره يشبه نزوله من رحم أمِّه.
٢ - استحباب أن يقال: «بِاسْمِ اللهِ، وعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ» عند وضع الميِّت في قبره، ومعنى ذلك؛ أنَّ وضعه في قبره بإعانةٍ من الله مع ذكر اسمه سبحانه، وعلى شريعة نبيِّه ﷺ؛ أي: على سنَّته في دفن الميِّت.
٣ - تحريم كسر عظم الميِّت، وأنَّه ككسر عظم الحيِّ في الإثم لا في الضَّمان، والَّذي يحرم كسر عظمه حيًّا هو المسلم، كما جاء عند الإمام أحمد بلفظ: «إنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمُؤْمِنِ ..» (^١).
٤ - الرفق بالمسلم عند تغسيله محافظة على أعضائه.
٥ - تحريم نبش قبور المسلمين من غير ضرورةٍ قبل أن تبلى العظام.
٦ - صفة قبر النَّبيِّ ﷺ وأنَّه كان لحدًا، واللَّحد هو: الحفر في جانب القبر، ممَّا يلي القبلة يوضع فيه الميِّت، وأصل اللَّحد في اللُّغة: الميل، ولذلك سمِّيت الحفرة الَّتي يوضع فيها الميِّت لحدًا، لكونها مائلةً عن سمت القبر.
٧ - أنَّ اللَّحد أفضل من الشَّقِّ؛ لأنَّه الَّذي فعل بالنَّبيِّ ﷺ، ولقوله ﷺ: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» (^٢)، والمراد بالشَّقِّ: حفرةٌ تكون في وسط القبر يوضع فيها الميِّت، وهو جائزٌ، ولكنَّ اللَّحد أفضل. ومن الفرق بين الشَّقِّ واللَّحد؛ أنَّ اللَّبن الَّتي يصان بها بدن الميِّت من انهيال التُّراب عليه أنَّها تكون منصوبةً في
_________________
(١) أحمد (٢٤٣٠٨).
(٢) رواه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذيُّ (١٠٤٥)، والنسائيُّ (٢٠٠٨)، وابن ماجه (١٥٥٤)، عن ابن عباسٍ ﵃ وحسنه الألباني في «تخريج المشكاة» (١٧٠١).
[ ١ / ٥٣٢ ]
اللَّحد، ومعترضةً في الشَّقِّ، ولذا قال سعدٌ ﵁: «وانصبوا عليَّ اللَّبن نصبًا» ومعنى ذلك: أنَّ أطراف اللَّبن تكون إلى فوق.
٨ - استحباب وصيَّة المريض إلى أهله بما ينبغي أن يفعل به بعد موته في غسله وتكفينه والصَّلاة عليه ودفنه وتحرِّي السُّنَّة في ذلك.
٩ - استحباب رفع القبر قدر شبرٍ، ولا يزاد على ذلك.
١٠ - النَّهي عن تجصيص القبر، وعن القعود عليه، وعن البناء عليه، والأصل في النَّهي التَّحريم، وأطلق كثيرٌ من أهل العلم الكراهة.
وتجصيص القبر يحتمل أن يراد به تجصيص اللَّحد، ويحتمل أن يراد به تجصيص سطح القبر، والكلُّ داخلٌ في النَّهي، إلَّا أن يكون موضع اللَّحد لا يتماسك فيه التُّراب إلَّا بتجصيصٍ، فهذا جائزٌ للحاجة، وفي القعود على القبر امتهانٌ للميِّت، وفي البناء على القبر تعظيمٌ وغلوٌّ.
١١ - استحباب المشاركة في دفن الميِّت بثلاث حثياتٍ؛ لفعله ﷺ في قبر عثمان بن مظعونٍ ﵁، ولكنَّ الحديث مضعَّفٌ (^١)، لكن له شاهدٌ من حديث أبي هريرة ﵁ عند ابن ماجه (^٢).
واستحباب هذه السُّنَّة هو الَّذي عليه أكثر أهل العلم. وذلك إذا تيسَّر من غير مشقَّةٍ.
١٢ - إثبات الأخوَّة في الإسلام؛ لقوله ﷺ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُم».
١٣ - استحباب الوقوف على القبر بعد الفراغ من دفن الميِّت؛ للدُّعاء له بالمغفرة والتَّثبيت، وليس لأحدٍ أن يقول: «فَإنَّه الآنَ يُسْأَلُ» فإنَّه لا يمكن
_________________
(١) لأنه من طريق القاسم العمري وعاصم بن عبيد الله، فالأول: كذَّبه أحمد وقال عنه أبو زرعة وأبو حاتمٍ والنسائيُّ: «متروكٌ»، والثاني: قال البخاريُّ وأبو حاتمٍ عنه: «منكر الحديث».
(٢) وهو قوله ﵁: «أن رسول الله ﷺ صلَّى على جنازةٍ ثمَّ أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا». ابن ماجه (١٥٦٥). حسَّنه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٥/ ٣٧)، وصحَّحه النوويُّ في «خلاصة الأحكام» (٢/ ١٠١٩).
[ ١ / ٥٣٣ ]
لأحدٍ أن يجزم بذلك لمعيَّنٍ، بخلاف الرَّسول ﷺ فإنَّ الله يطلعه على ما شاء من الغيب.
١٤ - جواز سؤال الدُّعاء للغير.
١٥ - إثبات فتنة القبر، وأدلَّتها من السُّنَّة متواترةٌ، وفي القرآن إشارةٌ إليها في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
١٦ - تلقين الميِّت بعد الفراغ من دفنه وتفرُّق النَّاس عنه، بأن يقال: «يا فلان! قل: لا إله إلَّا اللَّه …» إلخ، كما جاء في الأثر المذكور.
ومراد ضمرة بن حبيبٍ بقوله: «كانوا»؛ يعني: التَّابعين، ويحتمل أنَّه يريد الصَّحابة ﵃، والتَّلقين بهذه الصُّورة لم يثبت مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ، ولا عن معيَّنٍ من الصَّحابة ﵃، ولو كان ذلك من سنَّة النَّبيِّ ﷺ لاشتهر؛ لأنَّه من الأمور الظَّاهرة المتكرِّرة، وتقدَّم الكلام على حديث «لقِّنوا موتاكم: لا إله إلَّا الله» (^١) وأنَّ المراد به المحتضر، وهو تلقينه في الحياة، وأمَّا التَّلقين بعد دفن الميِّت فالأظهر أنَّه بدعةٌ، ومن فعله من التَّابعين لم يذكر له مستندٌ، فهو محض اجتهادٍ واستحسانٍ، وهو يشبه ما أوصى به عمرو بن العاص ﵁ أن يفعل عند قبره من المكث قدر ما تنحر جزورٌ ويقسَّم لحمها ليستأنس بهم، وينظر ماذا يراجع به رسل ربِّه (^٢). وهذا اجتهادٌ لا يتابع عليه ﵁.
* * * * *
(٦٦٨) وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
(٦٦٩) زَادَ التِّرْمِذِيُّ: «فَإِنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» (^٤).
_________________
(١) تقدَّم برقم (٦١٥).
(٢) رواه مسلمٌ (١٢١).
(٣) مسلمٌ (٩٧٧).
(٤) الترمذيُّ (١٠٥٤).
[ ١ / ٥٣٤ ]
(٦٧٠) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا» (^١).
(٦٧١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢).
* * *
هذه الأحاديث في حكم زيارة القبور، والمراد بزيارة القبور: الذَّهاب إليها والوقوف عليها، وهي نوعان: زيارةٌ شرعيَّةٌ، وزيارةٌ بدعيَّةٌ، فالزِّيارة الشَّرعيَّة: هي الَّتي يقصد منها السَّلام على الأموات والدُّعاء لهم والاعتبار. والبدعيَّة: هي الَّتي يقصد منها تحرِّي الصَّلاة والدُّعاء عندها أو دعاء أهلها أو الطَّواف بها.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة زيارة القبور، وهي مستحبَّةٌ للرِّجال؛ لقوله ﷺ: «فَزُورُوهَا».
٢ - أنَّه قد نهي عن زيارة القبور في أوَّل الأمر؛ سدًّا لذريعة الغلوِّ في القبور.
٣ - جواز النَّسخ في الشَّريعة.
٤ - النَّصُّ على المنسوخ في الدَّليل النَّاسخ.
٥ - الحكمة من زيارة القبور؛ وهو: تذكُّر الآخرة والزُّهد في الدُّنيا، والزُّهد في الدُّنيا يكون بالإعراض عن حظوظها إلَّا ما لا بدَّ منه، أو يعين على عمل الآخرة.
٦ - تحريم زيارة النِّساء للقبور، وأنَّه من الكبائر.
٧ - تخصيص عموم حديث الإذن بزيارة القبور، فلا تدخل النِّساء في قوله ﷺ: «فَزُورُوهَا».
_________________
(١) ابن ماجه (١٥٧١).
(٢) الترمذيُّ (١٠٥٦)، وابن حبان (٣١٧٨).
[ ١ / ٥٣٥ ]
واختلف العلماء في زيارة النِّساء للقبور، فقيل: إنَّها حرامٌ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، وقيل: جائزةٌ، ولم يقل أحدٌ باستحباب زيارة النِّساء للقبور، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميَّة (^١)، وجعل ذلك دليلًا على عدم دخولهنَّ في قوله ﷺ: «فَزُورُوهَا».
واستدلَّ المجوِّزون بعموم حديث بريدة ﵁، وتقدَّم الجواب عنه، وبحديث عائشة ﵂ عند مسلمٍ: قالت: قلت: كيف أقول لهم -أي: أهل القبور- يا رسول الله؟ قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ» (^٢) الحديث، وأحسن ما أجيب عنه بحمله على حال المرور بالقبور دون قصد الزِّيارة.
* * * * *
(٦٧٢) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (^٣).
(٦٧٣) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لا نَنُوحَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤).
(٦٧٤) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥).
(٦٧٥) وَلَهُمَا: نَحْوُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ (^٦).
(٦٧٦) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «شَهِدتُّ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تُدْفَنُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ عنْدَ الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٧).
_________________
(١) «الفتاوى الكبرى» (٣/ ٥٠).
(٢) مسلمٌ (٩٧٤).
(٣) أبو داود (٣١٢٨).
(٤) البخاريُّ (١٣٠٦)، ومسلمٌ (٩٣٦).
(٥) البخاريُّ (١٢٩٢)، ومسلمٌ (٩٢٧).
(٦) البخاريُّ (١٢٩١)، مسلمٌ (٩٣٣).
(٧) البخاريُّ (١٢٨٥).
[ ١ / ٥٣٦ ]
هذه الأحاديث اشتملت على ما يجوز وما لا يجوز من البكاء على الميِّت.
وفيها فوائد، منها:
١ - تحريم النِّياحة، وأنَّها من كبائر الذُّنوب؛ لما ذكر من لعن النَّائحة، والنِّياحة: رفع الصَّوت بالبكاء. والنَّدب: دعاء النَّائحة الميِّت وتعداد محاسنه.
٢ - أنَّ المستمعة للنِّياحة في حكم النَّائحة، وشريكتها في اللَّعن.
٣ - أنَّ حضور المنكر من غير إنكارٍ مع القدرة يقتضي الرِّضا به.
٤ - أنَّ أكثر ما تكون النِّياحة من النِّساء.
٥ - أخذ النَّبيِّ ﷺ العهد من النِّساء بترك النِّياحة.
٦ - تعظيم أمر النِّياحة بتغليظ الزَّجر عنها.
٧ - جواز البكاء على الميِّت من غير نياحةٍ ولا ندبٍ.
٨ - أنَّ الإنسان لا يعذَّب بحزن القلب ولا دمع العين، وأنَّ الميِّت لا يعذَّب بذلك.
٩ - ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ من الرَّحمة، وابنته ﵂ الميِّتة يحتمل أن تكون زينب زوجة العاص بن الرَّبيع أو إحدى زوجتي عثمان ﵁؛ رقيَّة وأمِّ كلثومٍ ﵃. والله أعلم.
وأمَّا حديث عمر ﵁: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» وفي لفظٍ: «بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (^١). فقد تقدَّم حكم النِّياحة وحكم البكاء الجائز، والبكاء المحرَّم هو المذكور في هذا الحديث، وهو النِّياحة. وأمَّا البكاء الجائز فلا يقتضي إثمًا ولا عذابًا على الباكي فضلًا عن الميِّت. وأمَّا النِّياحة فهي من كبائر الذُّنوب، وإثمها على النَّائحة ولا إثم على الميِّت؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ولهذا ردَّت أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ على ابن عمر ﵃ هذا الحديث؛ محتجَّةً بهذه الآية، وقال أئمَّة العلم: الصَّواب مع ابن عمر ﵃، وأثبتوا ما روى، وفسَّروه بوجوهٍ:
_________________
(١) هو في مسلمٍ (٩٢٧).
[ ١ / ٥٣٧ ]
١ - أنَّ الَّذي يعذَّب هو من أوصى أهله بالنِّياحة عليه.
٢ - أنَّه من كان يعلم من عادة أهله ذلك، ولم يكن ينكر عليهم.
٣ - أنَّه ليس المراد عذاب العقوبة، وإنَّما المراد تألُّمه بنياحة أهله لعلمه بتحريم ذلك، وأنَّه يضرُّهم، وهذا يقتضي أنَّ الله يطلعه على فعل أهله. واختار هذا الوجه شيخ الإسلام ابن تيميَّة وابن القيِّم رحمهما الله. والوجه الأوَّل والثَّاني أظهر؛ لأنَّ القول باطِّلاع الميِّت يحتاج إلى دليلٍ.
٤ - إثبات الأسباب؛ لقوله ﷺ: «بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ».
* * * * *
(٦٧٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه.
(٦٧٨) وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ، لَكِنْ قَالَ: «زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ» (^١).
(٦٧٩) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵃ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ -حِينَ قُتِلَ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اصْنَعُوا لآِلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، إِلَّا النَّسَائِيَّ (^٢).
(٦٨٠) وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ: «السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣).
_________________
(١) ابن ماجه (١٥٢١). وأصله في مسلم (٩٤٣).
(٢) أحمد (١٧٥١)، وأبو داود (٣١٣٢)، والترمذيُّ (٩٩٨)، وابن ماجه (١٦١٠).
(٣) مسلمٌ (٩٧٥).
[ ١ / ٥٣٨ ]
(٦٨١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فقالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأَثَرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ (^١).
(٦٨٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
(٦٨٣) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: «فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ» (^٣).
* * *
هذه الأحاديث مختلفة الموضوعات.
وسنذكر فوائدها مرتبةً:
١ - النَّهي عن دفن الميِّت في اللَّيل، وقد ذهب بعض أهل العلم -منهم ابن حزمٍ- (^٤) إلى معنى هذا الحديث.
وذهب الجمهور إلى جواز الدَّفن ليلًا، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّ المراد النَّهي عن الاستعجال في دفن الميِّت، فربَّما دفن قبل أن يصلَّى عليه، وقد جاء مصرَّحًا بهذا القيد في بعض الرِّوايات.
وممَّا يدلُّ على جواز الدَّفن ليلًا ما رواه البخاريُّ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ بقبرٍ قد دفن ليلًا، فقال: «مَتَى دُفِنَ هَذَا؟» قالوا: البارحة. قال ﷺ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟» قالوا: دفنَّاه في ظلمة اللَّيل فكرهنا أن نوقظك (^٥).
٢ - جواز تأخير دفن الميِّت إلى النَّهار، وأنَّ ذلك لا ينافي الأمر بالإسراع.
_________________
(١) الترمذيُّ (١٠٥٣).
(٢) البخاريُّ (١٣٩٣).
(٣) الترمذيُّ (١٩٨٢).
(٤) «المحلى» (٥/ ١١٤).
(٥) البخاريُّ (١٣٢١).
[ ١ / ٥٣٩ ]
٣ - استحباب صنع الطَّعام لأهل الميِّت في يوم المصيبة؛ إعانةً لهم على ما يحتاجون إليه من الطَّعام، ويشقُّ عليهم مباشرة صنعه. ولكن ينبغي أن يقتصر في ذلك على قدر ما يكفي أهل الميِّت، ولا ينبغي لمن حضر للتَّعزية والمواساة التَّثقيل على أهل الميِّت بتطويل الإقامة عندهم، فإنَّ ذلك يؤذيهم، وأمَّا صنع الطَّعام الكثير سواءٌ أكان من أهل البيت أو غيرهم من أجل من حضر للتَّعزية فقد جاء النَّهي عنه؛ كما جاء في حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: «كنَّا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميِّت وصنيعة الطَّعام بعد دفنه من النِّياحة» (^١).
والمراد بجعفرٍ: جعفر بن أبي طالبٍ الَّذي قتل في غزوة مؤتة.
٤ - أنَّ الحزن الشَّديد يشغل الإنسان عن أهمِّ حوائجه.
٥ - مشروعيَّة زيارة القبور.
٦ - أنَّ الغاية من الزِّيارة هي الدُّعاء.
٧ - استحباب الدُّعاء المذكور في حديثي بريدة وابن عبَّاسٍ ﵃.
وقد اشتمل هذا الدُّعاء على السَّلام على الأموات بصيغة الخطاب.
٨ - استحباب دعاء الزَّائر لنفسه ضمن دعائه للأموات، والمراد بالدِّيار: القبور، كما جاء في اللَّفظ الآخر.
٩ - الفرق بين الإسلام والإيمان.
١٠ - التَّعميم في الدُّعاء؛ لقوله: «أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ».
١١ - الفرق بين المغفرة والعافية، ففي العافية النَّجاة، وفي المغفرة ستر الذَّنب، وترك المؤاخذة عليه. وذلك يستلزم الفوز بثواب الله، وهو الجنَّة.
١٢ - جواز تعليق الأمر المحقَّق على المشيئة؛ للدَّلالة على أنَّه لا يكون إلَّا بمشيئة الله.
_________________
(١) رواه أحمد (٦٩٠٥)، وابن ماجه (١٦١٢). وصحَّح إسناده النوويُّ في «المجموع» (٥/ ٢٩٠).
[ ١ / ٥٤٠ ]
١٣ - بداءة الدَّاعي بنفسه؛ لقوله: «أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيةَ»، وهذا مطَّردٌ فيما إذا دعا الإنسان لنفسه ولوالديه.
١٤ - أنَّ كلَّ النَّاس سيموتون؛ لقوله: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ»، وقوله: «أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأَثَرِ».
١٥ - النَّهي عن سبِّ الأموات باللَّعن أو التَّقبيح، وإن كانوا يستحقُّون ذلك لكفرهم.
١٦ - تعليل النَّهي عن سبِّهم؛ لأنَّهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا؛ أي: صاروا وانتهوا إلى ما قدَّموا من العمل، فلا معنى للسَّبِّ إذًا، ولأنَّ ذلك يؤذي الأحياء.
١٧ - النَّهي عن إيذاء المسلم بسبِّ أحدٍ من أقربائه الَّذين ماتوا.
* * * * *
[ ١ / ٥٤١ ]