[ ٣ / ٥ ]
الجِنايات: جمع جِناية، وهي العدوان على من له حرمة في دمه وماله وعرضه وفي الاصطلاح عدوان على معصوم في دمه بقتل أو ما دونه، فتشمل الشجاج والجراحات وإتلاف الأعضاء، مما يوجب قصاصًا أو دية.
* * * * *
(١٣١٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ؛ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ؛ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٣١٧) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ». رَوَاهُ أبُوْ دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٢).
(١٣١٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).
* * *
تضمنت هذه الأحاديث أن أعظم الجنايات العدوان على النفس، وأن أعظمها القتل.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أن أعظم الحُرَم حرمة دم المسلم.
_________________
(١) البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦).
(٢) أبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي (٤٠٢٨)، والحاكم (٨٠٩٥).
(٣) البخاري (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨).
[ ٣ / ٧ ]
٢ - فضيلة الإسلام، وأنه السبب الأعظم في عصمة الدم.
٣ - أن دم المسلم لا يحل إلا بإحدى الأسباب المذكورة.
٤ - أن الإسلام يثبت بالشهادتين، ولا تكفي إحداهما عن الأخرى.
٥ - أن تارك بقية أركان الإسلام لا يكفر، وفي ذلك خلاف.
٦ - انحصار سبب حل دم المسلم في هذه الأسباب الثلاثة، وهذا الحصر ليس حقيقيًّا؛ لدلالة السنة على أسباب أخرى، كالقتل تعزيرًا، ومن يدعو لبيعته ليفرق جماعة المسلمين.
٧ - حِلُّ دم المسلم إذا زنى وهو مُحصَنٌ، وذلك بإقامة حد الزاني المحصن، وهو الرجم.
٨ - أن الزاني البكر لا يحل دمه؛ لأن حده جلد مئة، للآية الكريمة.
٩ - أن مما يبيح دم المسلم أن يقتل مسلمًا معصومًا عمدًا وعدوانًا، فيقتل قصاصًا.
١٠ - أن مما يبيح قتل المسلم ردته عن الإسلام، أو السعي في الأرض بالفساد.
١١ - عظم شأن النفوس، وأن حرمة الدماء أعظم من حرمة المال.
١٢ - أن المحاربين أصناف، تختلف عقوبتهم في الدنيا بحسب عدوانهم، كما جاء في الآية: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
١٣ - أن أول ما يقضى فيه بين الناس أمر الدماء.
١٤ - أن الله يحكم بين العباد يوم القيامة فتُستوفى الحقوق لأصحابها، ويؤخذ للمظلوم من الظالم، إلا ما كان قد استوفي في الدنيا.
١٥ - إثبات حكمة الله وعدله.
* * * * *
[ ٣ / ٨ ]
(١٣١٩) وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ (^١).
(١٣٢٠) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: «وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ ..» وَصَحَّحَ الحَاكِمُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ (^٢).
* * *
هذا الحديث تضمن حكم جناية السيد على عبده بقتل أو ما دونه، وقد دل على القصاص من السيد لعبده، فهو مخالف لمفهوم قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ فإن جمهور العلماء استدلوا بالآية على أن الحر لا يقاد بالعبد، وحديث سمرة يدل على أن السيد يقتل إذا قتل عبده، ويقاد له منه، وقد ذهب الجمهور إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، وعليه؛ فلا يقتل السيد بعبده، لمفهوم الآية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، واعتذروا عن هذا الحديث بأنه من رواية الحسن البصري، والمشهور أنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية قول أهل المدينة؛ أن الحر لا يقتل بالعبد إلا في المحاربة، قال: «وهو أعدل الأقوال، وفيه جمع بين الآثار المنقولة في هذا الباب» (^٣).
واختار أيضًا أن السيد إذا قتل عبده فأمره إلى الإمام، فله قتله تعزيرًا، وجنح إلى ذلك تلميذه ابن القيم (^٤)، رحمهما الله.
_________________
(١) أحمد (٢٠١٠٤)، وأبو داود (٤٥١٥)، والترمذي (١٤١٤)، والنسائي (٤٧٣٧)، وابن ماجه (٢٦٦٣).
(٢) أبو داود (٤٥١٦)، والنسائي (٤٧٥٤)، والحاكم (٨١٠٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٣٨٢)
(٤) «زاد المعاد» (٥/ ٦).
[ ٣ / ٩ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم اعتداء السيد على مملوكه بأيِّ نوع من أنواع العدوان.
٢ - أن معاملة السيد لعبده مقيدة بالشرع، فليست تابعة لهواه.
٣ - القصاص من السيد لعبده في القتل والجدع والخصاء. وسبقت الإشارة إلى الخلاف في ذلك. وقد ذهب إلى ظاهر هذا الحديث الظاهرية (^١) وجمع من المحققين، وإذا اقتُص للعبد من سيده فغير السيد من باب أولى، وهو قول قوي. وإذا قيل: لا يقتص من السيد لعبده، فإنه يجب عليه إن كان العبد باقيًا؛ أن يحرره، وعلى الإمام تعزير السيد على معصيته بظلم العبد.
٤ - أن القصاص يكون في النفس وما دونها من الأعضاء، والجدع: قطع الأنف، وهو الأصل فيه، ويطلق على غيره من الأطراف، والخصاء: قطع الخصيتين.
* * * * *
(١٣٢١) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقَادُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: «إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ» (^٢).
(١٣٢٢) وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ ﵄: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنْ الوَحْيِ غَيْرُ القُرْآنِ؟ قَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمٌ يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكاكُ الأَسِيرِ، وَأَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٣).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٨٥ - ٨٦).
(٢) أحمد (١٤٨)، والترمذي (١٤٠٠)، وابن ماجه (٢٦٦٢)، وابن الجارود (٧٨٨)، والبيهقي في «الصغرى» (٢٩٩٦).
(٣) البخاري (١١١).
[ ٣ / ١٠ ]
(١٣٢٣) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ وَقَالَ فِيهِ: «المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ». وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
* * *
هذان الحديثان تضمنا مسألتين: قتل الوالد بولده، وقتل المسلم بالكافر، فأما المسألة الأولى:
فذهب الجمهور إلى معنى هذا الحديث، وأن الوالد لا يقتل بولده، وقالوا: إن هذا الحديث مخصص لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولحديث ابن مسعود ﵁: «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ» (^٢). وذهب آخرون إلى أنه لا يقتل الوالد بولده إلا أن يقتله صبرًا. ولكن الحديث مختلف في تصحيحه، وإذا لم يصح فالأصل قول الله وقول رسوله ﷺ: «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ».
وأما المسألة الثانية:
وهي قتل المسلم بالكافر، فقد دل عليها الحديث الثاني، وقد ذهب الجمهور إلى ظاهر هذا الحديث، وأن المسلم لا يقتل بالكافر، وذهب أبو حنيفة إلى أن المسلم يقتل بالكافر الذميِّ، وخصَّ الكافر في الحديث بالكافر الحربي. والصواب القول الأول؛ لأن الحديث صحيح وصريح في أنه لا يقتل مسلم بكافر.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - عظم حق الوالد على الولد.
٢ - أن الوالد لا يقاد بولده، وفيه الخلاف المتقدم.
٣ - وجوب فك الأسير المسلم.
_________________
(١) أحمد (٩٩٣)، وأبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي (٤٧٤٨)، والحاكم (٢٦٨٠).
(٢) رواه البخاري (٦٨٧٨).
[ ٣ / ١١ ]
٤ - علو الإسلام على غيره من الأديان.
٥ - ثبوت العقل، الذي هو دية الخطأ. وأهل العلم مختلفون فيمن يجب عليه.
٦ - أن الرسول ﷺ لم يخص عليًا ولا أحدًا من أهل بيته بشيء من علم النبوة، ففيه:
٧ - الرد على الرافضة فيما يزعمونه من اختصاص أهل البيت بعلم من دون الصحابة.
٨ - أن الله فالق الحب، وبارئ النسم. وتلك من الصفات الفعلية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]، وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤].
٩ - أن فهم القرآن من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء.
١٠ - تفاضل الناس في حظهم من فهم القرآن.
١١ - جواز الحلف على الفتيا.
١٢ - جواز الحلف دون استحلاف، لقول علي: «لَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ».
١٣ - جواز كتابة السنة.
١٤ - عناية علي ﵁ بذلك.
١٥ - حرص أبي جحيفة ﵁ على العلم.
١٦ - أن النفي يأتي بمعنى النهي.
١٧ - فضل المسلم على الكافر.
١٨ - أن المسلم لا يقتل بالكافر.
١٩ - أن المعاهد لا يقتل في مدة عهده، بل يجب الوفاء له، ما استقام على عهده.
[ ٣ / ١٢ ]
٢٠ - أن المسلمين تتكافأ دماؤهم، فيقتل المسلم بالمسلم، ذكرًا كان المقتول أو أنثى، حرًّا أو عبدًا.
٢١ - صحة جوار المرأة والعبد؛ لقوله: «وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ».
٢٢ - أن على المسلمين أن يكونوا جميعًا ضدًّا للكافرين.
٢٣ - وجوب تعاون الأمة على العدو الكافر.
٢٤ - أن من رفض إعانة المسلمين على عدوهم فليس منهم.
* * * * *
(١٣٢٤) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: «مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا؟ فُلَانٌ، فُلَانٌ، حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا. فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
* * *
هذا الحديث أصل في ثبوت القود بالقتل بالمثقَّل.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - القصاص من القاتل بالمثقَّل.
٢ - أن من القصاص أن يُفعل بالجاني نظير ما فعل بالمجني عليه، ولو كان فيه بشاعة.
٣ - قتل الرجل بالمرأة.
٤ - قتل الذمي بالمسلم.
٥ - العمل بالإشارة.
٦ - أن إشارة المجني عليه إلى من اعتدى عليه قرينة توجب التهمة، إذا كان مع المقتول عقله.
_________________
(١) البخاري (٦٤٨٥)، ومسلم (١٦٧٢).
[ ٣ / ١٣ ]
٧ - أن المتهم بالقتل أو بجناية لا يقتص منه إلا بإقراره.
٨ - أن المتهم لا يؤخذ بمجرد التهمة حتى يكون معها قرينة تشعر بصدقها.
٩ - أن الله يُقيد من القاتل بفضحه.
١٠ - أن النبي ﷺ كان يقضي في الخصومات بين الناس.
١١ - صراحة النبي ﷺ وقوته في الحق.
١٢ - أن المدينة ليست كمكة في منع الكفار من دخولها.
١٣ - محبة اليهود للمال؛ لأن اليهودي قتلها من أجل الحليِّ الذي في يدها.
١٤ - أنه لا ينبغي إلباس البنات الصغار الحلي، ثم يخرجن إلى الخارج، فإنه يطمع فيهن اللصوص.
* * * * *
(١٣٢٥) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁ أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوا النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في عدم وجوب القصاص من الغلام إذا جنى؛ لأن شرط وجوب الواجبات البلوغ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنه لا أثر للغنى والفقر في القصاص وعدمه، وإنما أثرهما في الحقوق المالية.
_________________
(١) أحمد (١٩٩٤٥)، وأبو داود (٤٥٩٠)، والنسائي (٤٧٥١)، ولم أجده عند الترمذي.
[ ٣ / ١٤ ]
٢ - أنه إذا تعذر القصاص لعدم أهلية الجاني وجبت الدية على العاقلة.
٣ - أن العاقلة تحمل عمد الصبيِّ.
٤ - أن العاقلة إذا كانوا فقراء سقطت الدية عنهم، ولهذا ذكرت حال أهل الغلام في الفقر.
٥ - أن وصف أهل الغلام المجني عليه بصفة الغنى لا مفهوم له، بل يستحق المجنيُّ عليه أو أهله الدية ولو كانوا أغنياء، وقوله: «فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا» أي: لفقر أولياء الجاني، وليس لغنى أهل المجني عليه. وهل تجب الدية على بيت المال في مثل هذه الحال؟ فيه خلاف. وقد روي أن النبي ﷺ وداه من عنده. وهذا أشبه بسيرته ﷺ، كما جاء في قصة عبد الله بن سهل ﵁ الذي قُتل في خيبر، لما لم يثبت قتله من قبل اليهود (^١).
* * * * *
(١٣٢٦) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؛ ﵄؛ أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَقَالَ: «حَتَّى تَبْرَأَ»، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَرَجْتُ، فَقَالَ: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ». ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ (^٢).
* * *
هذا الحديث أصل في أنه لا يقتص في الجراحات إلا بعد البُرء.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - مشروعية القصاص في الجروح.
٢ - أنه لا قصاص في الجروح إلا بعد البرء.
_________________
(١) البخاري (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩).
(٢) أحمد (٧٠٣٤)، والدارقطني (٣١١٤).
[ ٣ / ١٥ ]
٣ - أن أمر القود إلى الإمام.
٤ - رفع قضية الخصومة إلى الإمام.
٥ - وجوب طاعة الرسول في أمره ونهيه، ﷺ.
٦ - مضرة معصية الرسول ﷺ شرعًا وقدرًا.
٧ - أن النبي ﷺ قد يغضب على من عصاه، ويدعو عليه.
٨ - أن من استعجل شيئًا قبل وقته عوقب بالحرمان.
٩ - أن أثر الجُرح بعد البرء مضمون على الجاني.
١٠ - أن سراية الجناية مضمونة، ويقابلها؛ أن ما يترتب على المأذون فليس بمضمون.
١١ - أن على القضاة أن يتأسوا بحكم النبي ﷺ في هذه المسألة وغيرها.
* * * * *
(١٣٢٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا: غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ يَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ»، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(١٣٢٨) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ: «مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ؟» قَالَ: فَقَامَ حَمَلُ
_________________
(١) البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١).
[ ٣ / ١٦ ]
بْنُ النَّابِغَةِ، فَقَالَ: «كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى» … فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان وَالْحَاكِمُ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في حمل العاقلة دية الخطأ وشبه العمد، وفي ضمان الجنين.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وقوع هذه القصة في عهد النبي ﷺ.
٢ - أن المرأتين من هذيل، وأنهما ضرتان، كما جاء في بعض الروايات.
٣ - شدة الغيرة بين الضرائر.
٤ - أن دية القتل الخطأ على العاقلة، وهم العصبة.
٥ - أن قتل شبه العمد حكمه حكم الخطأ.
٦ - أن من حكمة الشريعة التفريق بين المختلفات، ومنه التفريق بين الخطأ والعمد.
٧ - أن دية الجنين إذا سقط غُرةٌ؛ عبدٌ أو وليدة. وللسقط بسبب الجناية أحوال:
أ. أن يسقط ميتًا أو حيًّا حياة غير مستقرة، ففيه الغُرة.
ب. أن يسقط حيًّا حياة مستقرة، ثم يموت بسبب الجناية ففيه الدية.
ج. أن يسقط ويعيش، ثم يموت بسبب غير الجناية فليس فيه شيء.
وهذه الأقسام الثلاثة بعد نفخ الروح فيه.
٤ - أن يسقط قبل نفخ الروح فيه، فإن تبين فيه خلق إنسان ففيه الغُرة، وإذا لم يتبين فيه خلق إنسان فلا شيء فيه، فإن مات الجنين مع أمه ولم يسقط فلا شيء فيه؛ لأنه صار كعضو من أعضائها.
_________________
(١) أبو داود (٤٥٧٢)، والنسائي (٤٧٣٩)، وابن حبان (٦٠٢١)، والحاكم (٦٥٣٩).
[ ٣ / ١٧ ]
٨ - أن دية المقتول خطأ لورثته؛ لقوله: «وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ».
٩ - ذم السجع الذي يراد به معارضة الحكم الشرعي. وما عداه فلا بأس به، دون تكلف. وقول حمل: «فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ»، أي: يكون هدرًا، فلا تكون له دية.
١٠ - أن السجع من عادة الكهان للتمويه وغرور الناس، وهو من زخرف القول.
١١ - الإنكار على من عارض الحق.
* * * * *
(١٣٢٩) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَبَوْا إِلَّا القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ». فَرَضِيَ القَوْمُ، فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١).
* * *
هذا الحديث أصل في القصاص في السن، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ»، والكتاب في كلام رسول الله ﷺ هذا إما أن يريد به القرآن، إشارة إلى الآية، أو يريد به حكم الله، كما قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (^٢).
_________________
(١) البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥).
(٢) رواه البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤)؛ عن عائشة ﵂، وتقدم في (باب الشروط وما نهي عنه) برقم (٨٨٤).
[ ٣ / ١٨ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - القَود في السن.
٢ - أن حكم الله في جناية العمدِ العدوانِ القصاصُ.
٣ - فضيلة أنس بن النضر ﵁.
٤ - جواز الإقسام على الله المبني على حسن الظن بالله وصدق الرجاء.
٥ - أن من عباد الله من يبر الله بقسمه إذا أقسم عليه، وهو العبد الصالح.
٦ - أن إبرار الله لقَسَم من أقسم عليه هو حصول مطلوب المقسِم، بمشيئته سبحانه.
٧ - أن صورة القسم على الله بالحلف أن يكون الشيء في المستقبل، أو أن لا يكون، رجاءً وحسنَ ظنٍّ بالله، لا معارضة لشرعه.
٨ - جواز القسم بالله موصوفًا ببعض صفاته الفعلية؛ لقوله: «لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ».
٩ - في الحديث شاهد لقوله سبحانه في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (^١).
١٠ - أن الحق في اختيار القصاص أو العفو إلى المجني عليه إن كان جائز التصرف، أو لأوليائه إن كان غير جائز التصرف.
١١ - جواز الصلح عن القصاص.
١٢ - أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا ثبت في شرعنا، ولم يأت شرعنا بخلافه.
١٣ - أن الله يصرف قلوب العباد لما شاء.
١٤ - وصفه تعالى بإبرار من أقسم عليه.
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩٧٠)، ومسلم (٢٦٧٥)؛ عن أبي هريرة ﵁.
[ ٣ / ١٩ ]
(١٣٣٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيَّا بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في أن حكم القتل شبه العمد حكمُ الخطأ؛ تجب فيه الدية، لا القوَد.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن القتل في عِمِّيَّا أو برمي حجر لا يُقصد به القتل غالبًا، أو بالسوط ونحوه، ولو كان الفعل عمدًا؛ فإن حكمه حكم الخطأ، ولذا سمي شبهَ العمد. والعِمِّيَّا: هي الحال التي يَعمَى فيها أمر المقتول، فلا يُعلم قاتله ولا صفة قتله، والرِّمِّيَّا: هي ترامي الخصوم بالحجارة مثلًا، فيقع بينهم قتيل، فلا يعلم قاتله، فيكون معنى الرِّمِّيَّا قريبًا من العِمِّيَّا.
٢ - أن القتل شبه العمد حكمه حكم الخطأ لا يوجب إلا الدية.
٣ - أن قتل العمد، أي العمد العدوان يوجب القَوَد، أي: القصاص.
٤ - أن إيواء من وجب عليه القصاص، وإجارته من أخذ الحق منه من كبائر الذنوب، ومن أسباب حلول لعنة الله عليه، ففي الحديث شاهد لقوله ﷺ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» (^٢).
٥ - أن اللعن يكون من الله قولًا وفعلًا، فالقول كقوله لإبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين (٧٨)﴾ [ص: ٧٨]، والفعل بالطرد من رحمته تعالى.
* * * * *
_________________
(١) أبو داود (٤٥٤٠)، والنسائي (٤٨٠٣)، وابن ماجه (٣٦٣٥).
(٢) رواه مسلم (١٩٧٨)، والبخاري معلقًا: (باب إثم من آوى محدثًا)؛ عن علي ﵁.
[ ٣ / ٢٠ ]
(١٣٣١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ الْآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَجَّحَ المُرْسَلَ (^١).
* * *
تضمَّن هذا الحديث الفرق بين القاتل المباشر والمعين، فالقاتل يُقتل، والمعين يعزر، وهذا الحديث معارض لحديث عمر الآتي، وفيه: «لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ» (^٢)، ويمكن الجمع بينهما بأن الممسك في هذا الحديث لا يَعلم أن الآخر يريد قتله، أما إذا تواطأ معه فهو شريكه، فيقتلان معًا، لأن كلًّا منهما قصد القتل، وفعل ما يتحقق فيه مقصودهما.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - وجوب القصاص على من باشر القتل.
٢ - أن المعين على القتل لا يجب عليه قصاص، بل التعزير بالحبس أو بغيره.
* * * * *
(١٣٣٢) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهِدٍ. وَقَالَ: «أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ». أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسَلًا. وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ (^٣).
* * *
هذا الحديث لا نشتغل بشرحه؛ لأن إسناده واه، كما قال المصنف، وكذلك متنه، فإنه معارَض بما في «الصَّحِيحَيْنِ»، وهو قوله ﷺ: «وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ
_________________
(١) الدارقطني (٣٢٧٠)، والبيهقي في «الكبرى» (١٦٠٢٩).
(٢) رواه البخاري (٦٥٠٠)؛ عن ابن عمر، عن عمر ﵄ موقوفًا. وسيأتي بعد التالي.
(٣) عبد الرزاق (١٨٥١٤) والدارقطني (٣٢٥٩).
[ ٣ / ٢١ ]
بِكَافِرٍ» (^١)، ولكن قتل المعاهد حرام، وهو من كبائر الذنوب، وفي الحديث الصحيح: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» (^٢)، والوفاء بالعهد للمعاهَد يكون بحمايته وتعزير المتعدي عليه، وفي الوعيد المذكور أبلغُ زاجر عن العدوان على المعاهد. ولا ريب أن النبي ﷺ أوفى الناس بعهده، ولا أحد أوفى من الله.
* * * * *
(١٣٣٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (^٣).
(١٣٣٤) وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «… فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ؛ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا العَقْلَ، أَوْ يَقْتُلُوا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (^٤).
(١٣٣٥) وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»؛ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ (^٥).
* * *
أثر عمر ﵁ أصل في وجوب القصاص من المشتركين في قتل العمد العدوان، وأما حديث أبي شريح ﵁ الذي تضمن معناه حديثُ أبي هريرة ﵁ في «الصَّحِيحَيْنِ»، فهو أصل في أن وليَّ المقتول يخير بين القصاص وأخذ الدية.
_________________
(١) البخاري (١١١). وتقدم برقم (١٣٢٢).
(٢) رواه البخاري (٣١٦٦)؛ عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) البخاري (٦٨٩٦).
(٤) أبو داود (٤٥٠٤)، والترمذي (١٤٠٦). وليس في النسائي، وقد عزاه المصنف في «التلخيص» إلى الترمذي فحسب.
(٥) البخاري (٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥). ذكره المصنف في (كتاب الحج) (٨٣٢).
[ ٣ / ٢٢ ]
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - فضيلة عمر ﵁؛ لفقهه وشدته في الحق.
٢ - أن المتواطئين على القتل يثبت القصاص في حق جميعهم، ومعنى قول عمر ﵁: «لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ»، أي: لو اشتركوا في مباشرة القتل، وهذا على سبيل الفرض والتقدير، أو اشتركوا في القتل بالتواطؤ عليه، كما جاء في رواية الموطأ: «لَوْ تَمَالَأَ عَلِيْهِ …» (^١)، ويشهد لهذا الحكم الشرعي حكمه تعالى الكوني الجزائي في المتواطئين على عقر الناقة، حيث قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤] مع قوله: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَر (٢٩)﴾ [القمر: ٢٩]، فالمباشر للعقر واحد، وهو أشقاها الذي انبعث لعقر الناقة، ومع ذلك أضاف الله العقر إليهم جميعًا، لتواطئهم على الفَعْلة ورضاهم بها، فقال: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤]، فأحل الله العذاب بهم جميعًا، قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ [الشمس: ١٤ - ١٥].
٣ - أن قتل الغيلة يتحتم فيه القتل، فليس الحق لأولياء المقتول، وقتل الغيلة هو الذي يحصل بطريقة المكر والخديعة والغدر، والجناية فيه أعظم فسادًا، ولا يحسمها إلا تحتم قتل الجاني.
وفي حديث أبي شريح وأبي هريرة ﵄:
١ - أن ولي المقتول يُخيَّر بين القصاص وأخذ العقل، أي: الدية، وعليه؛ فإن القتل العمد العدوان يبيح القصاص من القاتل ولا يوجبه. وقوله: «بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» هو معنى: «بخَيْرِ النَّظَرَينِ» في حديث أبي هريرة ﵁ (^٢)، أي: بخير النظرين في نظر ولي المقتول. وحقُّ ولي المقتول هو أحد الحقوق الثلاثة
_________________
(١) «الموطأ» (٢٥٥٢).
(٢) تقدم في (كتاب الحج) (٨٣٢).
[ ٣ / ٢٣ ]
المتعلقة بالقاتل، والثاني: حق الله، ويسقط بالتوبة، أو يغفره الله لمن شاء، والثالث: حق المقتول، وهذا يحكم الله فيه يوم القيامة.
٢ - أن الأحكام الشرعية تتجدد وقت نزول الوحي؛ لقوله: «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ».
* * * * *
[ ٣ / ٢٤ ]