[ ٢ / ٥٩ ]
(٧٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، قَصَد الاحتياط لرمضان أم لم يقصد، والأصل في النهي التحريم.
٢ - جواز ذلك إن كان عادة.
٣ - أنه لا يجوز الاحتياط لرمضان بالصوم قبل ثبوته برؤيةٍ أو إكمال الشهر.
٤ - أنه لا يجوز صوم يوم الشك.
٥ - جواز الصيام بعد النصف من شعبان، إلا ما كان مظنة الاحتياط كاليوم واليومين، وأما حديث: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا» (^٢) فقد أنكره الأئمة (^٣).
٦ - وجوب التقيُّد في العبادة بالشرع.
٧ - أن العبادة التي لم يُؤمر بها بدعة، وذلك أن الصوم عبادة غير مأمور بها هنا فكيف إذا جاء النهي عنها؟!
٨ - أن العبادة المستحبة إذا تطرق إليها احتمال البدعة فينبغي تركها.
٩ - الوقوف فيما شرع الله عند حدوده، وجه ذلك: أن الذي يصوم احتياطًا لم يقف عند حدود ما فرض الله، وذلك أن الله لم يفرض على عباده إلا صيام شهر رمضان، فمن تقدمه بصوم غير معتاد فكأنما زاد على ما فرض الله. والله أعلم.
_________________
(١) البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢).
(٢) رواه أحمد (٩٧٠٧)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١). وسيأتي في (باب صوم التطوع وما نهي عنه) (٧٨٥).
(٣) كأحمد وابن معين وابن مهدي ﵏. «نصب الراية» (٢/ ٤٤١).
[ ٢ / ٦١ ]
(٧٤٠) وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ». ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (^١).
* * *
اليوم الذي يشك فيه؛ هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يُرَ الهلال، قال بعضهم: لا يكون هذا اليوم مشكوكًا فيه إلا إذا كان هناك غيم أو قتر، أما إذا لم يكن غيم ولا قتر فلا يكون يوم شك، والصحيح أنه يوم شك، حتى ولو لم يكن فيه غيم ونحوه؛ لأنه قد تقصر الأبصار عن رؤية الهلال لضعفه، أو لضعف الأبصار، فيُنهى عن صيامه مطلقًا.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - أن صيام يوم الشك معصية للرسول ﷺ فيما إذا لم يوافق عادة للحديث المتقدم (^٢) «إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ».
٢ - أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الشك، لأن عمارًا لم يرو الصيغة عن النبي ﷺ وإنما نقل المعنى.
٣ - ذكر الرسول بكنيته ﷺ.
٤ - الدليل على جواز الرواية بالمعنى.
٥ - أن الدين ليس بالرأي، فإن في بادئ الرأي أن الاحتياط لرمضان بصوم يوم الشك أكمل.
٦ - أن اليقين لا يرتفع بالشك.
_________________
(١) البخاري (٣/ ٢٧)،، وأبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٢١٨٧)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وابن خزيمة (١٩١٤)، وابن حبان (٣٥٨٥). ولم أجده في مسند أحمد.
(٢) في أول (كتاب الصيام) (٧٤٠).
[ ٢ / ٦٢ ]
(٧٤١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٧٤٢) وَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلاثِينَ» (^٢).
(٧٤٣) وللبخاري: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ» (^٣).
(٧٤٤) وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ» (^٤).
* * *
في الحديثين فوائد، منها:
١ - وجوب صوم رمضان برؤية هلاله، ووجوب الفطر من رمضان برؤية هلال شوال.
٢ - وجوب إكمال شهر شعبان ثلاثين، وإكمال شهر رمضان ثلاثين إذا لم يُر الهلال، ثم الصيام أو الفطر.
٣ - أنه لا يجوز الاعتماد في الصوم والفطر على الحساب.
٤ - أنه يجزئ في الرؤية شهادة عدل؛ للإطلاق في قوله: «لِرُؤْيَتِهِ» (^٥)، وللإجماع أنه لا تشترط رؤية الجميع. أما في الصوم فقد ثبت بالنص الاكتفاء بواحد كما في حديث ابن عمر ﵄ والأعرابي الآتيين، وفي الفطر فتعتبر فيه شهادة اثنين بالإجماع.
٥ - أن يوم الغيم يوم شك لا يجوز صومه.
٦ - الرد على من أوجب صوم يوم الشك.
_________________
(١) البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠).
(٢) مسلم (١٠٨٠).
(٣) البخاري (١٩٠٧).
(٤) البخاري (١٩٠٩).
(٥) هذا اللفظ هو في حديث أبي هريرة ﵁ حديث الباب.
[ ٢ / ٦٣ ]
٧ - أن التقدير للشهر بإكماله ثلاثين لا بالتضييق عليه ونقصه؛ كما صرحت به الروايات.
٨ - أن الشهر يكون ثلاثين، وإن كان الغالب في الشهور النقص لقوله ﷺ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» (^١).
٩ - استصحاب الأصل حتى يثبت رفعه، فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
* * * * *
(٧٤٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (^٢).
(٧٤٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلالُ؛ أَنْ يَصُومُوا غَدًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (^٣). وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ (^٤).
* * *
تراءى الناس: اجتهدوا في رؤية الهلال، وقد يرونه وقد لا يرونه، ومثله حديث: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ» (^٥).
_________________
(١) هو جزء من حديث ابن عمر ﵄ المتقدم.
(٢) أبو داود (٢٣٤٢)، وابن حبان (٣٤٤٧)، والحاكم (١٥٤١).
(٣) أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٢١١١)، وابن ماجه (١٦٥٢)، وابن خزيمة (١٩٢٣)، وابن حبان (٣٤٤٦). ولم أجده في «مسند أحمد».
(٤) رواه النسائي مرسلًا (٢١١٣).
(٥) رواه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١)؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٢ / ٦٤ ]
وفي الحديثين فوائد، منها:
١ - مشروعية ترائي هلال رمضان، وكذلك هلال كل شهر يتعلق به حكم، كشوال وذي الحجة.
٢ - وجوب ترائي هلال هذه الأشهر؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٣ - أنه يكفي في بينة شهر رمضان شهادةُ عدل، قال بعض العلماء: ولو كان امرأة.
٤ - أن على من رأى الهلال أن يبلغ الإمام؛ ليأمر الناس بالصوم أو الفطر.
٥ - أن الصحابة ﵃ كلهم عدول، لأن النبي ﷺ لم يسأل عن حال الأعرابي.
٦ - قبول شهادة الأعرابي.
٧ - اشتراط الإسلام في الشهادة على رؤية الهلال.
٨ - أنه إذا ثبتت البينة في أثناء النهار برؤية الهلال في الليلة السابقة وجب الصوم، وإن حصل أكل أو شرب أول النهار، وذهب جمهور العلماء إلى وجوب قضاء هذا اليوم، وذهب جماعة إلى عدم الوجوب، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، والأظهر والأحوط ما ذهب إليه الجمهور.
٩ - أن الشهر يدخل بالليلة الأولى والصوم من الغد.
١٠ - أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين.
١١ - أنه يكفي في الشهادة الإخبار دون لفظ (أشهد) إلا في اللعان، قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦]. وقال سبحانه: ﴿وَيَدْرَأ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِين (٨)﴾ [النور: ٨].
١٢ - الأمر بإعلان الشهر لقوله: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلالُ».
_________________
(١) «الفتاوى الكبرى» (٢/ ٤٦٠).
[ ٢ / ٦٥ ]
(٧٤٧) وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَمَالَ النَّسائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ (^١)، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ حِبَّان (^٢).
(٧٤٨) وللدَّارَقُطْنِيِّ: «لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ» (^٣).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - اشتراط النية في الصيام، والأصل فيه قوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^٤).
٢ - اشتراط أن تكون نية الصيام من الليل، أي: في الليل، فلا يصح بنية من النهار لهذا الحديث: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ» وخُصَّ منه صوم التطوع في الجملة.
٣ - أنه يكفي في ذلك النيةُ في آخر جزءٍ من الليل، لقوله: «قَبْلَ الْفَجْرِ».
٤ - أنه إذا طلع الفجر قبل نية الصيام لم يصح الصوم.
٥ - أن الليل كله وقت للبيتوتة، فلذلك قال: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» (^٥) أي: ينويه في وقت البيات، وهو الليل.
٦ - أن النفي يأتي لنفي الحقيقة، أي: لنفي وجود الشيء.
_________________
(١) أحمد (٢٦٤٥٧)، وأبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٢٣٣٠)، وابن ماجه (١٧٠٠).
(٢) ابن خزيمة (١٩٣٣)، وابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٤٦).
(٣) الدارقطني (٢٢١٥).
(٤) رواه البخاري -وهو أول حديث فيه-، ومسلم (١٩٠٧)؛ عن عمر بن الخطاب ﵁.
(٥) هي رواية للنسائي (٢٣٣٣).
[ ٢ / ٦٦ ]
٧ - أن العزم على الشيء كالإيجاب، فلذلك عُبِّر عنه بالفرض. والله أعلم.
* * * * *
(٧٤٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قُلْنَا: لا، قَالَ: «فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ»، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - صحة صوم التطوع بنية من النهار، وخُصِّص بهذا الحديث حديثُ حفصة المتقدم، وعارض بعضهم في هذا الاستدلال، فقال: إن قوله ﷺ إخبار بأنه كان صائمًا من أول النهار. وجمهور العلماء على الأول.
٢ - أنه يجوز للمتطوع بالصوم أن يفطر، لقوله: «فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» فَأَكَلَ، ويشهد له قوله ﷺ: «الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ» (^٢).
٣ - فضل الله على عباده بالتوسعة عليهم في التطوع ليستكثروا من أسباب الأجر.
٤ - جواز أن يسأل الرجلُ أهلَه الطعام.
٥ - جواز أن يقولوا إذا لم يكن عندهم شيء: لا شيء عندنا.
٦ - التوسعة على الأهل في طلب الطعام بالاستفهام دون الأمر، وذلك فيما إذا لم يكن يعلم بوجود الطعام.
_________________
(١) مسلم (١١٥٤).
(٢) رواه أحمد (٢٦٨٩٣)، وأبو داود (٢٤٥٦)، والترمذي (٧٣٢)، والنسائي في «الكبرى» (٣٢٨٨)، وصحح إسناده الحاكم (١٦٠١).
[ ٢ / ٦٧ ]
٧ - أن من هديه ﷺ في الطعام؛ أن لا يرد موجودًا، ولا يطلب مفقودًا.
٨ - طلب النظر إلى الطعام؛ لاختيار الأكل أو الترك.
٩ - جواز الهدية.
١٠ - جواز أكل النبي ﷺ وأهل بيته منها.
* * * * *
(٧٥٠) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٧٥١) وللترمذي: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ ﷿: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» (^٢).
* * *
في الحديثين فوائد، منها:
١ - استحباب تعجيل الفطر للصائم بعد التحقق من غروب الشمس.
٢ - أن تعجيل الفطر عنوان على بقاء الخير في هذه الأمة.
٣ - أن عدم تعجيل الفطر دليل على نقص الخير في الناس، والمراد بالخير الصلاح في الدين.
٤ - الحث على تعجيل الفطر والترغيب فيه.
٥ - إثبات صفة المحبة لله تعالى، والرد على من أنكرها من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة.
٦ - تفاضل الناس في حظهم من محبة الله.
٧ - تفاضل الناس في العمل بالسنة.
_________________
(١) البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٨).
(٢) الترمذي (٧٠٠).
[ ٢ / ٦٨ ]
(٧٥٢) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
* * *
السُّحور: الراجح أنه بالضم -ضم السين- والمراد الفعل أي: فعل الأكل.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - الأمر بالسحور، والأصل في الأمر الوجوب.
٢ - الترغيب في السحور.
٣ - أن السحور سبب لخير كثير، فمن ذلك:
أ. حفظ قوة البدن.
ب. الإعانة على الصوم.
ج. الأسوة بالنبي ﷺ.
د. مخالفة أهل الكتاب.
٤ - إثبات حكمة التشريع، وتعليل الأحكام.
٥ - اعتبار النية في ترتب الثواب العاجل والآجل على السحور.
* * * * *
(٧٥٣) وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، والحَاكِمُ (^٢).
_________________
(١) البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥).
(٢) أحمد (١٦٢٢٦)، وأبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨)، والنسائي في «الكبرى» (٣٣٠٢)، وابن ماجه (١٦٩٩)، وابن خزيمة (٢٠٦٧)، وابن حبان (٣٥١٤)، والحاكم (١٥٧٦).
[ ٢ / ٦٩ ]
في الحديث فوائد، منها:
١ - أن السنة أن يفطر الصائم على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء.
٢ - فضل التمر على غيره من الأطعمة والثمار.
٣ - فيه شاهد لحديث: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (^١)، فمن لم يجد العجوة أجزأه أي تمر.
٤ - فضل الماء على سائر الأشربة، فإنه يُروي ويُنقي. كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ: «فَإِنَّهُ طَهُورٌ».
٥ - أن السنة للصائم أن يفطر بما تيسر له من الطعام أو الشراب، ولا يكتفي بمجرد نية الإفطار.
٦ - فيه شاهد لما يسمى بالإعجاز العلمي، حيث من المقرر عند الأطباء أن الأولى للصائم أن يبدأ بتناول ما هو حلو من السكريات.
* * * * *
(٧٥٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلالُ لَزِدْتُّكُمْ». كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
المراد بالوصال: وصل اليومين فأكثر دون إفطار.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٧٦٩)، ومسلم (٢٠٤٧).
(٢) البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣).
[ ٢ / ٧٠ ]
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - النهي عن الوصال في الصيام.
٢ - أن النهي للكراهة لا للتحريم؛ لأنه ﷺ واصل بهم.
٣ - بيان الحكمة من النهي عن الوصال؛ وهو رفع ما فيه من الحرج والمشقة.
٤ - أن من مقاصد الشريعة التيسير كما قال تعالى في آيات الصيام: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٥ - أن الأصل أن النبي ﷺ أسوة لأمته في أفعاله، لقولهم: «فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ» أي نحن نأتسي بك.
٦ - التعليم بالفعل وبيان حكمة التشريع.
٧ - بيان الفارق بينه ﷺ وبين أصحابه في حكم الوصال؛ وهو أنه ﷺ يعان عليه بما يفتح الله عليه من المعارف الإلهية والمعاني الإيمانية التي يقوى به قلبه ونفسه وبدنه فتقوم مقام الطعام والشراب الحسيين.
٨ - أن هذه الأحوال من آثار قربه ﷺ من ربه.
٩ - حرص الصحابة ﵃ على الخير.
١٠ - أن الخير في موافقة الأمر.
١١ - أن العبادة مبناها على الاتباع.
١٢ - أن الفرح والسرور تقوى بهما النفس، وتستغني بهما عن الطعام والشراب بعض الوقت، وأكمل ذلك الفرح والسرور بمناجاة الله، ولنبينا ﷺ أكمل ذلك وأفضله.
[ ٢ / ٧١ ]
١٣ - التعبير عن الشيء بما يقوم مقامه، ويُستغنى به عنه لقوله: «يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، فالإطعام والسقي المذكوران في الحديث ليس المراد منهما الطعام والشراب الحسيين المعهودين كما في قول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين (٧٩)﴾ [الشعراء: ٧٩]، وقد يقال: إن قول إبراهيم يعم النوعين. والله أعلم.
١٤ - جواز الوصال الذي لا حرج فيه، كالوصال إلى السحر، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ» (^١).
١٥ - أن التعزيرات على المخالفات في الشرع لا تتعين بنوع من العقوبات، ووجه ذلك؛ أن النبي ﷺ عاقب من أصر على طلب الوصال بأن واصل بهم أيامًا؛ ليذوقوا ما في الوصال من العنت، كما يشهد لذلك قول الراوي: «كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ»، وقد يقال: إن هذا تعليم لا تعزير. والله أعلم.
١٦ - جواز قول «لَوْ» في الإخبار عن ترتب المسبَّب الذي من فعل العبد على سببه، وأما (لو) التي جاء النهي عنها فهي الإخبار عن ترتب المسبَّب الذي ليس من فعل العبد على فعله فإن ذلك يتضمن التحسر والرجم بالغيب بخلاف ما يعلم العبد فيه ترتب المسبَّب على سببه مثل قوله: «لو أطاعوا الله ما عاقبهم»، فإنه إخبار صحيح.
١٧ - اختصاص النبي ﷺ ببعض الأحكام؛ كجواز الوصال.
١٨ - بيان سبب هذا الاختصاص، وهو ما يعوضه الله به عن الطعام والشراب.
* * * * *
_________________
(١) رواه البخاري (١٩٦٧)، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٢ / ٧٢ ]
(٧٥٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ (^١).
* * *
الحاجة: الإرادة.
وفي الحديث فوائد، منها:
١ - أن تحريم المحرمات على الصائم آكد من تحريم المفطرات، فاجتنابها عليه أوجب من اجتناب المفطرات.
٢ - أن الصائم إذا لم يدع ما حرم الله من الزور القولي والعملي فقد يبطل صيامه، أو يُحرم ثوابه، أو ينقص.
٣ - أن الله إنما يريد من العبد الصيام عن الطعام والشراب مع الصيام عمَّا حرم من الزور قولًا وفعلًا.
٤ - فيه شاهد لقوله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٢)، فإن من صام على هذا الوجه لا بد أن يجتنب المحرمات في جميع الأوقات.
٥ - في الحديث شبهة لابن حزم في بطلان الصيام بالمعاصي (^٣).
٦ - فيه التعبير عن الإرادة بالحاجة، فهو من التعبير بالمُسبَّب عن السَّبب، فهي من قبيل المجاز المرسل.
_________________
(١) البخاري (١٩٠٣)، وأبو داود (٢٣٦٢).
(٢) رواه البخاري (٣٨)، ومسلم (٧٦٠)؛ عن أبي هريرة ﵁.
(٣) «المحلى» (٦/ ١٧٧).
[ ٢ / ٧٣ ]
٧ - إثبات الحكمة في مشروعية الصوم، وهي تحقيق التقوى، ففيه شاهد لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
٨ - تعليل الأحكام الشرعية. والله أعلم.
* * * * *
(٧٥٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لمُسْلِمٍ.
(٧٥٧) وزَادَ في رِوَايَةٍ: «فِي رَمَضَانَ» (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - أن مقدمة الجماع كالتقبيل والمباشرة لا تحرم على الصائم، وإنما يحرم الجماع، وهذا بخلاف الإحرام؛ فإنه يحرم فيه الوطء ومقدماته، وهذا مع الأمن من غلبة الشهوة المفضية إلى ما يفسد الصوم، أو مبالغة في المباشرة والتقبيل تفضي إلى الإنزال، كما نبهت إلى ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂ بقولها: «وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ».
٢ - أن من علم أنه لا يملك شهوته حَرُمت عليه المباشرة والتقبيل، فإن ذلك من الرفث الذي أحله الله ليلة الصيام إلى تبيّن الفجر، فوجب الإمساك عنه إلى الليل، ولكن دلّت السنة على جوازه بشرطه المتقدم.
٣ - أن المذي لا يفسد الصوم، لأنه ينشأ عن المباشرة والتقبيل غالبًا ولا يحصل به قضاء الشهوة بخلاف الإنزال. ومن العلماء من قال: إن المذي الناشئ عن المباشرة أو التقبيل يفسد الصوم، والصحيح الأول.
_________________
(١) البخاري (١٩٢٧)، ومسلم (١١٠٦).
[ ٢ / ٧٤ ]
٤ - ثبوت خصائص البشرية للنبي ﷺ التي منها الاستمتاع بالنساء.
٥ - كمال مِلْكه ﷺ للدواعي البشرية؛ كالشهوة والغضب فلا تغلبه، بخلاف غيره ﷺ.
٦ - التيسير على الصائم بهذه الرخصة، فيدخل في قوله تعالى -في آيات الصيام -: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٧ - فضيلة عائشة ﵂ بنقلها الأحكام من هدي النبي ﷺ حتى فيما يُستحيا من ذكره، لتعلقه بها.
* * * * *
(٧٥٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١).
(٧٥٩) وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ». رواه الخمسة إلا التِّرْمِذِيَّ، وصحَّحَهُ أحمَدُ، وابْنُ خُزيمَةَ، وابْنُ حِبَّانَ (^٢).
(٧٦٠) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَت الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ؛ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ»، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَقَوَّاه (^٣).
* * *
_________________
(١) البخاري (١٩٣٨).
(٢) أحمد (١٧١١٢)، وأبو داود (٢٣٦٩)، والنسائي في «الكبرى» (٣١٢٦)، وابن ماجه (١٦٨١)، وابن حبان (٣٥٣٣)، وابن خزيمة (١٩٦٢، ١٩٦٣، ١٩٦٤)؛ من حديث ثوبان ورافع بن خديج ﵄.
(٣) الدارقطني (٢٢٦٠).
[ ٢ / ٧٥ ]
في هذه الأحاديث فوائد، منها:
١ - جواز الحجامة.
٢ - التداوي بالحجامة.
٣ - جواز الحجامة للمحرم، وإن ترتب عليها حلق بعض الشعر من الرأس أو غيره، لكن هل عليه فدية لذلك؟ الأظهر؛ أن عليه الفدية لحديث كعب بن عجرة ﵁، والله أعلم، والسكوت عنها في حديث ابن عباس ﵄ لا يدل على نفيها.
٤ - تداوي النبي ﷺ بالحجامة.
٥ - جواز الحجامة للصائم، فإن كان تطوعًا جاز مطلقًا مع مرض أو دونه.
وفي حديث ابن عباس ﵄:
٦ - أن الحجامة لا تفطر الصائم على قول بعض أهل العلم.
وفي حديث شداد ﵁:
٧ - الفطر بالحجامة للحاجم والمحجوم، وفي التفطير بالحجامة نزاع، وكذلك في دلالة الحديث على التفطير، والصواب أنه دال على التفطير بالحجامة، لكن قيل: إنه منسوخ لحديث أنس ﵁، والجمهور على عدم الفطر بالحجامة، فمنهم من تأول الحديث، ومنهم من قال بالنسخ، والذين قالوا بظاهر الحديث -وهو الفطر بالحجامة- رجحوه لكثرة رواته وصراحة دلالته، بخلاف ما عورض به. وكل من القولين قويٌّ؛ والقول بالتفطير أقواهما، وهو مذهب أكابر الصحابة؛ كعلي وابن عمر وأبي موسى الأشعري ﵃، ومذهب الإمام أحمد وجمع من أئمة الحديث؛ كإسحاق ابن راهويه وابن خزيمة وابن المنذر والأوزاعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله (^١)، وأجابوا عن
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٥/ ١٣٥)، و«زاد المعاد» لابن القيم (٤/ ٦٢).
[ ٢ / ٧٦ ]
حديث ابن عباس ﵄؛ بأنَّ ذكر الصوم فيه غير محفوظ، وعلى تقدير ثبوت الرواية فإنه يحتمل أمورًا:
١ - أن يكون الصوم تطوعًا.
٢ - أو أن يكون ﷺ احتجم لعذر يبيح الفطر.
٣ - أو يكون قبل حكم الفطر بالحجامة فيكون منسوخًا.
وقد بسط ابن القيم الكلام في الفطر بالحجامة في تهذيب السنن. والفصد والشرط للعلاج أو للتبرع بالدم حكمهما حكم الحجامة على الصحيح. والله أعلم.
* * * * *
(٧٦١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ (^١). قَالَ التِّرْمِذِيُ (^٢): «لا يَصِحُّ فِيْهِ شَيْءٌ».
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - جواز الاكتحال للصائم.
٢ - أن الكحل لا يفسد الصوم، وهذا هو الصحيح، ولا يعارض ما جاء في حديث الاكتحال بالإثمد من قوله: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» (^٣)، فإنه حديث أنكره الأئمة. وأما هذا الحديث -حديث عائشة ﵂ وإن كان ضعيفًا فمعناه موافق للبراءة الأصلية، وليست العهدة عليه، بل على البراءة الأصلية. والله أعلم.
* * * * *
_________________
(١) ابن ماجه (١٦٧٨).
(٢) في سننه (٣/ ٩٦).
(٣) رواه أبو داود (٢٣٧٧)، وقال: «قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر».
[ ٢ / ٧٧ ]
(٧٦٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).
(٧٦٣) ولِلْحَاكِمِ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ» (^٢). وهُوَ صَحِيْحٌ.
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم الأكل والشرب على الصائم، وأن من أكل أو شرب متعمدًا وهو صائم فسد صومه.
٢ - أن من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم لم يفسد صومه، لقوله: «فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ».
٣ - أن ما يأكله الصائم أو يشربه ناسيًا رزق رزقه الله إياه ينتفع به ولا يضر صومه.
٤ - أن من أفطر في رمضان ناسيًا بأي مفطِّر فصيامه صحيح، فيدخل في ذلك الجماع. وهذا على رواية الحاكم.
٥ - أن من أفطر ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة.
٦ - أن معنى «أَفْطَرَ»: تعاطى ما يفسُد به الصوم في الأصل، وإن لم يفسُد صومه لنسيانه، فهو من التعبير بالمسبَّب عن السبب، وبهذا يظهر الفرق بين «أَفْطَرَ» في هذا الحديث و«أَفْطَرَ» في حديث: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (^٣).
* * * * *
_________________
(١) البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥).
(٢) الحاكم (١٥٧٠).
(٣) تقدم برقم (٧٥٩).
[ ٢ / ٧٨ ]
(٧٦٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ، وَقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^١).
* * *
هذا الحديث اختلف في صحته والاحتجاج به، والأكثر على التصحيح.
وفيه فوائد، منها:
١ - صحة صيام من ذرعه القيء أي: غلبه، بدليل قوله: «فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ» لأنه كالمكره.
٢ - فساد الصوم بالاستقاء، وهو استدعاء القيء، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (^٢).
٣ - وجوب القضاء على من استقاء عالمًا عامدًا مختارًا، لا جاهلًا ولا ناسيًا ولا مكرهًا.
٤ - لا يجوز الاستقاء في صيام الفرض إلا لضرورة.
٥ - أن الاستقاء من المفطرات.
* * * * *
(٧٦٥) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. قَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ». وَفِي لَفْظٍ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ
_________________
(١) أحمد (١٠٤٦٣)، وأبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، والنسائي في «الكبرى» (٣١١٧)، وابن ماجه (١٦٧٦)، والدارقطني (٢٢٧٣).
(٢) «الإجماع» (٥٩).
[ ٢ / ٧٩ ]
قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(٧٦٦) وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).
(٧٦٧) وأَصْلُهُ فِي (الْمُتَّفَقِ) (^٣) مِنْ حَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂؛ أنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَل.
* * *
في هذه الأحاديث فوائد، منها:
١ - جواز الغزو في رمضان.
٢ - أن فتح مكة كان في رمضان.
٣ - جواز الصوم في السفر.
٤ - أن الفطر رخصة وليس بواجب.
٥ - أن الصوم في السفر أفضل ما لم يشق، أو تفوت به مصلحة راجحة.
٦ - أن النبي ﷺ أسوة لأمته في فعله وتركه.
٧ - اقتداء الصحابة ﵃ به ﷺ وحرصهم على موافقته.
٨ - رفقه وشفقته على أمته ﷺ.
٩ - أنه يجوز للمسافر إذا صام أن يفطر في أثناء النهار، فلا يجب عليه الصوم بالشروع.
_________________
(١) مسلم (١١١٤). وقوله: «فشَرِبَ» لم أجده في الصحيح.
(٢) مسلم (١١٢١).
(٣) البخاري (١٩٤٣)، ومسلم (١١٢١).
[ ٢ / ٨٠ ]
١٠ - أن تعمد المخالفة لسنة رسول الله ﷺ -ولو طلبًا للفضل- معصية.
١١ - إظهار العالم الفعلَ ليُقتدى به.
١٢ - أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، فلم يعلم مشقة الصوم على الناس إلا حين أخبروه.
١٣ - التعليم بالفعل.
١٤ - أن الأصل أن المسافر مخيّر بين الصوم والفطر، وأما الأفضل منهما فيختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، ولا تعارض بين هذه الفائدة والفائدة ذات الرقم (٥)؛ فتلك بيانٌ للأصل في حكم الصوم في السفر، وهذه بيانٌ للأفضل منهما.
١٥ - فضيلة حمزة بن عمرو ﵁، وحرصه على الخير.
١٦ - استحباب الأخذ برخص الله.
١٧ - فضل الله على عباده بتيسير شرعه. والله أعلم.
* * * * *
(٧٦٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ (^١).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - جواز الفطر في رمضان للشيخ الكبير إذا شق عليه الصوم، ومثله المرأة الكبيرة، كما جاء في رواية (^٢)، وفي حكمهما المريض الذي لا يرجى برؤه.
_________________
(١) الدارقطني (٢٣٨٠)، والحاكم (١٦٠٩).
(٢) عند البيهقي في «الكبرى» (٨٠٧٧).
[ ٢ / ٨١ ]
٢ - أنه لا قضاء عليهما.
٣ - أنهما يطعمان عن كل يوم مسكينًا كما كان هذا الحكم في أول تشريع الصيام عامًّا لكل أحد، وذلك في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
٤ - اليسر في أحكام هذه الشريعة، وفي الصوم بخاصة كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٥ - أن هذه الرخصة للشيخ والشيخة كانت بعد تحتم الصوم ونسخ التخيير.
٦ - أنه لا يجزئ دفع القيمة في الكفارة بل يتعين الإطعام، والإطعام المذكور مطلق كما في سائر الكفارات، فيشمل تقديم الطعام وتمليكه، وأقله وجبة عشاء أو غداء.
* * * * *
(٧٦٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». رَوَاهُ السَّبْعَةُ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١).
* * *
_________________
(١) البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١)، وأحمد (٧٢٩٠)، وأبو داود (٢٣٩٠)، والترمذي (٧٢٤)، والنسائي في «الكبرى» (٣١٠٤)، وابن ماجه (١٦٧١).
[ ٢ / ٨٢ ]
في الحديث فوائد، منها:
١ - تحريم الجماع على الصائم في نهار رمضان، وهو أحد المفطرات المذكورة في القرآن: الأكل، والشرب، والجماع.
٢ - فضل ذلك الرجل حيث جاء إلى النبي ﷺ متذمرًا من فعلته، مستفتيًا، طالبًا للمخرج من ذنبه.
٣ - أن ما حصل منه كان عمدًا، حيث لم يعتذر بجهل ولا نسيان.
٤ - أنه جاء تائبًا.
٥ - أن التوبة من الجماع في رمضان لا تُسقط الكفّارة.
٦ - وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان، وهو ممن يجب عليه الصوم.
٧ - أن كفارة الجماع في نهار رمضان أحد ثلاثة أمور مرتبة:
أولًا: عتق رقبة.
ثانيًا: فإن لم تكن فصيام شهرين متتابعين.
ثالثًا: فمن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا.
٨ - أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن هذه الثلاثة، بدليل أن النبي ﷺ أمره أن يتصدق بالتمر الذي جيء به.
٩ - إعانة من وجبت عليه الكفارة من بيت المال.
١٠ - حسن خلقه ﷺ، حيث لم يوبخ الرجل، وصدَّقه في خبره عن نفسه؛ أنه لا يستطيع وأنه فقير.
١١ - جواز الضحك عند وجود سببه.
١٢ - أن نفقة العيال مقدمة على الكفارات.
١٣ - أن قصة هذا الرجل من العجائب؛ حيث جاء طالبًا للخلاص من ذنبه، ثم صار يطالب بالصدقة لنفسه.
[ ٢ / ٨٣ ]
١٤ - أن من أفطر متعمدًا بجماع أو غيره لا يجب عليه القضاء، فإن النبي ﷺ -في الروايات الصحيحة- لم يأمره بالقضاء، فتكفيه التوبة، وجمهور العلماء على وجوب القضاء، وقد جاء في رواية: «وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» (^١)، فأما من لم يتب فلا ينفعه القضاء، ولا الكفارة في سقوط الإثم.
١٥ - وجوب التتابع في صوم الشهرين.
١٦ - أنه إذا كَفَّرَ بالصيام فيصوم ستين يومًا إلا أن يصوم في أول الشهر ويثبت عنده نقصانه.
١٧ - أنه لا يجزئ عن الإطعام بذل القيمة.
* * * * *
(٧٧٠) وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زاد مسلم في حديث أم سلمة: وَلا يَقْضِي (^٢).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - حل الجماع في ليل صيام رمضان، كما جاء في رواية عن عائشة ﵂: «كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» (^٣)، وقد نص عليه الله في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، الآية، فدليله الكتاب والسنة والإجماع.
٢ - جواز تأخير الغسل من الجنابة إلى ما بعد طلوع الفجر.
٣ - صحة صيام من أصبح جنبًا وهو مذهب جمهور العلماء، وقد استُدل على ذلك من القرآن بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٣٩٣)، وابن ماجه (١/ ٥٣٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٨٠٥٥)، وأبو عوانة (٢٨٥٩)، والدارقطني (٢٤٠٢)، ورواه مالك مرسلًا في «الموطأ» (١٠٤٤)، ومن طريقه الشافعي (٦٩٦). «التلخيص» (٢/ ٣٩٧).
(٢) البخاري (١٩٢٦)، ومسلم (١١٠٩).
(٣) رواه البخاري (١٩٣٠)، ومسلم (١١٠٩).
[ ٢ / ٨٤ ]
نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ووجهه أن حل الجماع إلى تبيُّن الفجر يستلزم أن يصبح الصائم جنبًا، ولا يعارَض هذا الحكم بفتوى أبي هريرة ﵁ أو بروايته؛ أن من أصبح جنبًا فسد صومه، فقد استفاض عنه؛ أنه رجع عن فتواه، وهذا يقتضي أن روايته المرفوعة غير محفوظة، كما بين ذلك الحافظ ﵀ (^١).
٤ - أن تأخير الغسل وإصباح الصائم على جنابة لا كراهة فيه ولا نقص لوقوعه من الرسول ﷺ.
٥ - أن الرسول ﷺ بشر؛ تقع منه الأحوال البشرية الطبيعية؛ من النكاح ودواعيه، ولا ينافي ذلك منزلة النبوة.
٦ - اليسر في شرائع الإسلام وفي أحكام الصيام، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٧ - أن الاحتلام وإن أوجب غسلًا لا يفسد الصيام.
٨ - فضيلة عائشة وأم سلمة ﵄، حيث نقلتا ما يتعلق بهن مما يُستحيا منه، تبليغًا للعلم وبيانًا للحكم.
* * * * *
(٧٧١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
* * *
في الحديث فوائد، منها:
١ - جواز الصوم عن الميت في الجملة.
_________________
(١) «فتح الباري» (٤/ ١٤٦).
(٢) البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).
[ ٢ / ٨٥ ]
٢ - مشروعية صوم القريب عن قريبه الصومَ الواجب؛ من قضاء وكفارة ونذر، وخص الإمام أحمد وجماعة ذلك بالنذر، وظاهر الحديث العموم.
٣ - أن القرابة تقتضي حقًا للقريب على قريبه.
٤ - أن الصوم الواجب لا يسقط بالموت.
٥ - أمر الولي بالصوم عن قريبه وجوبًا أو استحبابًا لقوله: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» فهو خبر بمعنى الطلب؛ أي: ليصم، والجمهور على الاستحباب.
٦ - مشروعية قضاء الدين عن الميت من ماله وجوبًا، ومن غير ماله استحبابًا.
* * * * *
[ ٢ / ٨٦ ]