[ ٢ / ٤٣٥ ]
الطلاق: اسم مصدر من طلَّق الرجل امرأته تطليقًا، وهو حَل عقدة النكاح الصحيح بما يدل عليه من الألفاظ، والأصل أنه بغيض شرعًا، ولكن الله شرعه إذا دعت إليه حاجة أو ضرورة، فهو من محاسن الإسلام.
وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، وهو من حيث حكمه تجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة؛ فيجب إذا ترتب على بقاء النكاح مفسدة راجحة، لا تجوز الإقامة عليها، ويحرم كطلاق البدعة، ويستحب إذا ترجحت مصلحته، ويكره إذا كان بغير سبب، ويباح فيما سوى ذلك.
* * * * *
(١٢١٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ». رواه أبُوْ دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (^١).
(١٢١٤) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أنهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).
(١٢١٥) وَفِي رِوَايَةٍ لمسْلِمٍ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» (^٣).
(١٢١٦) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: «وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ تَطْلِيقَةً» (^٤).
_________________
(١) أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨)، والحاكم (٢٧٩٤)، ينظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٢٩٧).
(٢) البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١).
(٣) مسلم (١٤٧١).
(٤) البخاري (٥٢٥٣).
[ ٢ / ٤٣٧ ]
(١٢١٧) وَفِي رِوَايَةٍ لمسْلِمٍ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أُرَاجِعَهَا، ثُمَّ أُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ» (^١).
(١٢١٨) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ» (^٢).
* * *
هذان الحديثان قد تضمنا حكم الطلاق في سائر أحوال المرأة من حيث الطهر والحيض، وفي الحديث الأول حكم الطلاق إجمالًا، وفي الثاني بيان حكمه تفصيلًا.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - أن الأصل في الطلاق الحل مع الكراهة.
٢ - أن الله يبغض بعض الأفعال، وما أبغضه فهو حرام إلا أن يدل دليل على حله، كما في هذا الحديث.
٣ - بيان طلاق السنة وطلاق البدعة، فطلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه، أو حاملة بينة الحمل. وطلاق البدعة أن يطلقها حائضًا، أو في طهر جامعها فيه.
٤ - وجوب ارتجاع المطلقة في الحيض حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم بعد ذلك يخير بين إمساكها أو طلاقها.
٥ - أن من طلق زوجته في الحيض لزمه أن ينتظر حتى تطهر بعد الحيضة الثانية.
_________________
(١) مسلم (١٤٧١).
(٢) مسلم (١٤٧١)، إلا أن قوله: «وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا» ليس عند مسلم، بل هي عند أبي داود (٢١٨٥).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
٦ - سؤال الرجل عن حكم ما فعله ابنه من طلاق ونحوه.
٧ - جواز طلاق الحامل، خلافًا لما يعتقده العامة.
٨ - جواز طلاق من لا تحيض لصغر أو إياس.
٩ - أن من ناب عن غيره في السؤال عن حكم شرعي يجب عليه أن يبلغه، ويأمره بما أمره الله به ورسوله.
١٠ - أن الأمر بما أمر الله به ورسوله تبليغ للشرع.
١١ - وقوع طلاق البدعة؛ لقوله: «وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ تَطْلِيقَةً»، ولقوله: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» والرجعة إنما تكون بعد طلاق، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، وهو قول لابن عمر صاحب القصة، وذهب جمع من العلماء من السلف والخلف إلى عدم الوقوع؛ لأن ما كان محرمًا فليس عليه أمر الله ورسوله ﷺ، فيكون مردودًا، وهذا القول قوي في النظر والدليل. وفي المسألة استدلالات من الجانبين ومناقشات طويلة، يرجع إليها في كتب الخلاف، وقد بسط ابن القيم أدلة الفريقين في «زاد المعاد»، ورجح -كشيخه - عدم الوقوع (^١).
١٢ - تضييق الشرع لفرصة الطلاق مما يؤكد كراهته، ووجه ذلك تحريم الطلاق في الحيض، وفي الطهر الذي حصل فيه جماع، وهما غالب حال المرأة، وهو الوقت الذي تقل فيه الرغبة في المرأة، وهذا هو الصواب في الحكمة لا من أجل تضمن تحريم الطلاق تطويل العدة.
١٣ - أن الأحكام الشرعية قد يخفى بعضها على بعض أهل العلم.
١٤ - أن السنة تفسر القرآن؛ لقوله: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»، والمراد قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
* * * * *
_________________
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٢٠٢)، وينظر: «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام (٣٣/ ١٨ و٦٦ و١٣٠).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
(١٢١٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
(١٢٢٠) وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟». حَتَّى قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَقْتُلُهُ؟ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ (^٢).
(١٢٢١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَاجِعِ امْرَأَتَكَ»، فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا». رواه أبُوْ دَاوُدَ (^٣).
(١٢٢٢) وفي لفظ لأحمد: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَإِنَّهَا وَاحِدَةٌ». وَفِي سَنَدِهِمَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ مَقَالٌ (^٤).
(١٢٢٣) وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَقَالَ: «وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً»، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (^٥).
* * *
هذه الأحاديث تضمنت حكم طلاق الثلاث مجموعة بلفظ واحد، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن جمع الثلاث بدعة، فهو محرم، ولكنه يقع ثلاثًا، وذهب جمع من السلف والخلف إلى أنه يقع واحدة، واستدل على تحريمه
_________________
(١) مسلم (١٤٧٢).
(٢) النسائي في «الكبرى» (٥٥٦٤).
(٣) أبو داود (٢١٩٦).
(٤) أحمد (٢٣٨٧).
(٥) أبو داود (٢٢٠٦).
[ ٢ / ٤٤٠ ]
-أي جمع الثلاث - بحديث محمود بن لبيد المذكور، واستدل القائلون بأنه يقع واحدة بحديث ابن عباس، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله (^١).
واستدل الجمهور على أن جمع الطلاق يقع ثلاثًا بما جاء في حديث اللعان، وأن الرجل قال: هي طالق ثلاثًا، وأن الرسول ﷺ فرق بينهما (^٢)، وقد نوقش هذا الاستدلال بأن تفريق النبي ﷺ لا بالطلاق، بل لمجرد اللعان، واستدلوا بإمضاء عمر ﵁ الطلاق على من طلق ثلاثًا جميعًا، وبموافقة جمهور الصحابة له.
وفي الأحاديث فوائد، منها:
١ - أن غاية ما يملكه الرجل من الطلاق ثلاث تطليقات.
٢ - تحريم جمع الثلاث.
٣ - أن طلاق الثلاث مجموعة كان على عهد رسول الله ﷺ واحدة، وكذلك في عهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر.
٤ - أن من السياسة الشرعية إلزام من خالف حكم الشرع بموجَب قوله، لذلك ألزم عمر ﵁ من طلق ثلاثًا جميعًا بوقوع الطلقات الثلاث.
٥ - قوة مذهب من جعل طلاق الثلاث واحدة؛ لأن العمل على ذلك في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁.
٦ - الغضب عند الموعظة.
٧ - شدة غيرة النبي ﷺ إذا انتهكت محارم الله.
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٨ و٦٧ و١٣٠) «الفتاوى الكبرى» كلاهما لشيخ الإسلام (٣/ ٢٢٥)، و«إعلام الموقعين» لابن القيم (٤/ ٣٧٧).
(٢) رواه البخاري (٥٣٠٩)، ومسلم (١٤٩٢)؛ عن سهل بن سعد ﵁.
[ ٢ / ٤٤١ ]
وفي حديث أبي ركانة ﵁:
٨ - أن طلاق الثلاث مجموعة أو مفرقة يكون واحدًا، تباح بعده الرجعة، كما في الرواية الأولى لأَبِي دَاوُدَ وعِنْدَ أحمَدَ.
٩ - أن «الْبَتَّةَ» كناية يقع بها ما نواه، فإن نوى الثلاث فعلى الخلاف، وإن نوى واحدة فواحدة، كما تفيده الرواية الثانية عند أبي داود.
* * * * *
(١٢٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
(١٢٢٥) وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ: «الطَّلَاقُ، وَالْعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ» (^٢).
(١٢٢٦) وَلِلْحَارِثِ ابْنِ أَبِي أُسَامَةَ: مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ: «لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ فِي ثَلَاثٍ: الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعِتَاقُ، فَمَنْ قَالَهُنَّ فَقَدْ وَجَبْنَ». وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (^٣).
(١٢٢٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤).
(١٢٢٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يَثْبُتُ (^٥).
_________________
(١) أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، والحاكم (٢٨٠٠).
(٢) ابن عدي في «الكامل» (٧/ ١٠٩).
(٣) «بغية الباحث» (٥٠٣).
(٤) البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧).
(٥) ابن ماجه (٢٠٤٥) والحاكم (٢٨٠١)، ينظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٢٩٦).
[ ٢ / ٤٤٢ ]
هذه الأحاديث إلى آخر الباب تضمنت حكم أنواع من الطلاق، وهي طلاق الهازل، والمكره، والمخطئ، وغير المكلف، والطلاق في النَّفْس، وحكم بعض كنايات الطلاق، والطلاق قبل النكاح.
وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أن كلام الهازل في الطلاق والنكاح والرجعة ككلام الجاد يقع مقتضاه.
٢ - أن كلام الهازل في العتق ككلام الجاد، والهازل من لا يريد من كلامه حقيقته ولا حصول مقتضاه، واختلف العلماء في طلاق الهازل ونكاحه، فذهب أكثر العلماء إلى أنه يلزمه موجَب قوله وإن لم ينوه، لحديث أبي هريرة: «ثَلَاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ».
وذهب آخرون إلى عدم وقوع طلاق الهازل وعدم صحة عقوده، لخلوها عن النية، لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^١)، ورد هذا بأن الهازل قاصد لمعنى كلامه، غير قاصد لحصول مقتضاه، ووقوع مقتضى كلامه ليس إليه، بل إلى الشرع، فمن تكلم بكلام وهو يريد معناه أخذ به، فلهذا: من تكلم بكلمة الكفر، وهو يعلم معناها -وإن كان لا يريد أن يكفر - فإنه يكفر بذلك.
٣ - أن مجرد حديث النفس لا يقع به طلاق ولا غيره، ولو عزم عليه بقلبه ولم يعمل ولم يتكلم مع قدرته على ذلك.
٤ - أن طلاق الناسي والمخطئ والمكره لا يقع، لحديث: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، فمن طلق ساهيًا أو سبق لسانه بالطلاق أو أكره على الطلاق، لم يقع طلاق واحد منهم، وذلك لخلو الكلام
_________________
(١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)؛ عن عمر ﵁.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
عن النية، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على صحة معنى هذا الحديث، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، «قَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ» (^١)، وقال سبحانه: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقد عذر الله من تكلم بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان.
٥ - أن القول الراجح هو العفو عن الخطأ والنسيان في الطلاق بفعل المحلوف عليه أو تركه خطأً أو نسيانًا.
٦ - أن من قال قولًا أو عمل عملا فإنه يؤاخذ به، إلا أن يكون خطأً أو نسيانًا أو عن إكراه.
٧ - أنه إذا قرن القول بالعمل أو الفعل فإن القول يختص بعمل اللسان، وإذا أطلق العمل أو الفعل دخل فيه القول.
٨ - رحمة الله بهذه الأمة، حيث وضع عنها المؤاخذة بحديث النفس والخطأ والنسيان والإكراه.
٩ - إثبات الحكم المطلق لله، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فالحلال ما حلَّله، والحرام ما حرَّمه، والدين ما شرعه، والعفو ما عفا عنه.
* * * * *
(١٢٢٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ». وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢).
(١٢٣٠) وَلِمُسْلِمٍ: «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (١٢٦)؛ عن ابن عباس ﵄.
(٢) البخاري (٥٢٦٦).
(٣) مسلم (١٤٧٣).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
هذا الحديث يتضمن حكم تحريم الرجل لزوجته، مثل أن يقول: أنت عليَّ حرام، وقد اختلف السلف والخلف في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، على أكثر من خمسة عشر قولًا، ذكرها ابن القيم في «إعلام الموقعين» (^١).
منها: أنه ظهار، كقوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فتجب فيه كفارة الظهار.
ومنها: أنه طلاق بائن إذا نوى به الطلاق.
ومنها: أنه كتحريم الأمة السُّرية، وكتحريم الطعام، فتكون يمينًا مكفرة، وهذا ما يقتضيه قول ابن عباس ﵄، وقوله: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة يشير به إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢]، وهذه الآيات نزلت في تحريم النبي ﷺ على نفسه العسل الذي كان يشربه عند بعض أزواجه، إرضاءً لبعضهن (^٢)، أو تحريمه لمارية ﵂، كما جاء في سبب النزول (^٣)، وجمهور العلماء يفرقون بين تحريم السُّرية، وتحريم الزوجة، ولهذا اتفقوا أن تحريم السُّرية كتحريم الطعام، تجب فيه كفارة اليمين، لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وأما تحريم الزوجة ففيه الاختلاف الذي سبقت الإشارة إليه (^٤).
والراجح ما ذهب إليه ابن عباس ﵄، وهو أن تحريم الرجل امرأته يمينٌ تَحُلُّها الكفارة، كتحريم السُّرية، وقد رفع ابن عباس هذا الحكم إلى رسول الله ﷺ بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومحل هذا فيما إذا قال الرجل ذلك منشئًا يريد تحريمها على نفسه وامتناعه منها، كما يُحَرِّم الرجل سريته على نفسه أو الطعام، كما جاء في سبب نزول الآية، أما إذا قال:
_________________
(١) «إعلام الموقعين» (٤/ ٤٥١ - ٤٥٩).
(٢) رواه البخاري (٥٢٦٧)، ومسلم (١٤٧٤)؛ عن عائشة ﵂.
(٣) رواه النسائي في «الكبرى» (١١٥٤٣)؛ عن أنس ﵁.
(٤) «إعلام الموقعين» (٤/ ٤٥٤).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
أنتِ عليَّ حرام، على وجه الخبر، فهو كذب، ولا تكون يمينًا، ولا تجب عليه كفارة. وهذا أحسن ما يحمل عليه اختلاف الروايتين عن ابن عباس ﵄.
ولما ذكر ابن القيم المذاهب بدأ بهذا القول، وذكر أنه «قاله شيخا الإسلام وبصرا الدين وسمعُه أبو بكر وعمر ﵄، وتبعهما حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄»، ثم عرض ابن القيم المذاهب وأدلتها ومآخذها، على نحو سياق ابن حزم (^١)، ورجح قول شيخه ابن تيمية حيث قال: «وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله، وهو أنه إن أوقع التحريم كان ظهارًا، ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل النص والقياس» (^٢)، وللشيخ محمد العثيمين ﵀ في قول الرجل لامرأته: أنت عليَّ حرام تفصيل حسن، ذكره في شرح الزاد، لعله يجمع أهم المذاهب في هذه المسألة، قال ﵀: «القول الراجح أنه إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، ونوى به الخبر دون الإنشاء، فإننا نقول له: كذبت، وليس بشيء؛ لأنها حلال، كما لو قال: هذا الخبز عليَّ حرام، يريد الخبر لا الإنشاء، فنقول: كذبت، هذا حلال، لك أن تأكله.
وإذا نوى الإنشاء، أي: تحريمها، فهذا إن نوى به الطلاق فهو طلاق؛ لأنه قابِلٌ لأن يكون طلاقًا، وإن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى به اليمين فهو يمين» (^٣).
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن في تحريم الرجل امرأته عن ابن عباس روايتين؛ إحداهما: أنه ليس بشيء، والثانية: أنها يمين مكفرة، والأشبه: حمل الرواية الأولى على الثانية،
_________________
(١) «المحلى» (٩/ ٣٠٢).
(٢) «إعلام الموقعين» (٤/ ٤٦٣).
(٣) «الشرح الممتع» (١٣/ ٧٩).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وتأويل قوله: «لَيْسَ بِشَيْءٍ» أنه لا يوجب تحريمًا، ليس مراده أنه لا يجب فيه الكفارة.
٢ - تعظيم ابن عباس ﵄ للسنة، استدلالًا واحتجاجًا بها على المخالف، كما احتج على معاوية ﵁ باستلام الركنين الشاميين بأن النبي ﷺ لم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (^١).
٣ - أن الحجة بالسنة، لا برأي أحد من الناس، ويشهد لهذا ما جاء عنه ﵁ في شأن متعة الحج أنه قال لمن نازعه فيها: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟» (^٢).
* * * * *
(١٢٣١) وَعنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا. قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، قَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٣).
* * *
في هذا الحديث بيان حكم الكناية في الطلاق، والمراد بالكناية اللفظ المحتمل الطلاق وليس نصًّا فيه، ومن ذلك قول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك، وحكم كناية الطلاق عند العلماء اعتبار النية فيها أو القرينة كسؤال المرأة الطلاق.
_________________
(١) رواه أحمد (١٨٧٧)، بهذا اللفظ وأصل الحديث بدون ذكر الآية. ورواه البخاري (١٦٠٨)، ومسلم (١٢٦٩).
(٢) رواه بنحوه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٣٧)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٤٥)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٢٣٩).
(٣) البخاري (٥٢٥٤).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن النبي ﷺ تزوج ابنة الجون.
٢ - أن النبي ﷺ طلقها.
٣ - أن من كنايات الطلاق قول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك، وهي في هذا الحديث قد أراد النبي ﷺ بها الطلاق؛ لقوله: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ»، بخلاف ما جاء في قصة كعب بن مالك أنه قال لامرأته: «الحقي بأهلك» (^١)؛ إذ لم يرد طلاقها، وإنما أراد مجرد اعتزالها، لأمر النبي ﷺ بذلك.
٤ - أن من طلقها النبي ﷺ لا تكون من أمهات المؤمنين.
٥ - أن من تعظيم الله إعاذة من استعاذ به، ففيه شاهد لقوله ﷺ: «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ» (^٢).
٦ - أن ابنة الجون كانت غِرَّة، وقد جاء في قصتها أن بعض النساء قلن لها: إذا دخل عليكِ رسولُ الله فقولي: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ»، فخدَعْنها (^٣).
* * * * *
(١٢٣٢) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ». رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (^٤).
_________________
(١) البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩).
(٢) رواه أحمد (٥٧٤٣)، وأبو داود (٥١٠٩)؛ عن ابن عمر ﵄.
(٣) ينظر: «طبقات ابن سعد» (٨/ ١٤٥)، و«المستدرك» للحاكم (٤/ ٣٩)، و«فتح الباري» (٩/ ٣٥٩).
(٤) رواه الحاكم (٢/ ٢٠٤) والبيهقي (٧/ ٣١٩) والطبراني في «الأوسط» (٢٩٠)، ولم نجده في مسند أبي يعلى، ورجح أبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني أنه مرسل. ينظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٢٢٠)، و«العلل» للدارقطني ٣/ ٧٤ (٢٩٢).
[ ٢ / ٤٤٨ ]
(١٢٣٣) وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ: عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ أَيْضًا (^١).
(١٢٣٤) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَنُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ (^٢).
* * *
هذه الأحاديث الثلاثة موضوعها واحد، وهي أصلٌ في حكم التصرف في الشيء قبل مِلكه، وقد شملت الأحاديث ثلاثة أمور:
الأول: الطلاق قبل النكاح.
الثاني: العتق قبل المِلك.
الثالث: النَّذر قبل المِلك.
والأحاديث الثلاثة مختلف في الاحتجاج بها، ولكنها بمجموعها مع الآثار عن الصحابة تنهض للاحتجاج بها والعمل بها، وفي الأحاديث فوائد؛ منها:
١ - أن الأحكام مرتبطة بأسبابها.
٢ - أن العقود تقتضي جواز التصرف المناسب لها.
٣ - صحة الطلاق بعد النكاح.
٤ - أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح، لا منجَّزًا ولا معلَّقًا، وفي المعلَّق قولان، كما لو قال: إن تزوجتُ فلانة فهي طالق، والصحيح أنه لا يقع؛ لأنها ليست محلًّا للطلاق، والمطلِّق ليس أهلا لهذا التصرف؛ لأنه ليس زوجًا.
_________________
(١) ابن ماجه (٢٠٤٨)، وحسَّن إسناده البوصيري في «الزوائد» (٢/ ١٣٢)، وذكر الحافظ اختلاف العلماء فيه في كتابه «التلخيص الحبير» (٣/ ٢٣٨).
(٢) أبو داود (٢١٩) والترمذي (١١٨١) وصحَّحه.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
٥ - صحة العتق بعد المِلك.
٦ - أنه لا يصح قبل المِلك، كما لو قال: عبدُ فلانٍ حرٌّ، أو: هذا العبد حرٌّ، فلو ملَكه لم يعتق، وإن علَّق عتقه على مِلكه فملَكه لم يعتق عند الجمهور، ويعتق عند الإمام أحمد ﵀؛ لأنه يفرق بين العتق والطلاق؛ لأن مِلك العبد يُقصد للعتق، بخلاف الطلاق؛ فإن النكاح لا يُقصد لأجل الطلاق عند العقلاء، ويقال أيضا: إن الشرع له تشوُّفٌ إلى تحرير الرقيق.
٧ - أن النَّذر لا يلزم إلا فيما يملكه الإنسان؛ فمن نذر التصدق بمعيَّن لا يملكه، أو عِتْقَ عبد لا يملكه لم يلزم التصدق ولا العتق بعد المِلك، اللهم إلا على قول الإمام أحمد في العتق، كما تقدم.
* * * * *
(١٢٣٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يَفِيقَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^١).
* * *
هذا الحديث هو الأصل في سقوط التكليف عن المذكورين: النائم والصغير والمجنون، ونحوهم، وقد أجمع العلماء على معنى هذا الحديث في الجملة، ولهذا اشترطوا البلوغ والعقل في وجوب الواجبات، وفي ترتب الإثم على فعل المحرمات، وأما النائم فكذلك لا يأثم بترك واجب ولا فعل محرم، ولكن يتعلق به الوجوب، ولذلك يجب عليه قضاء ما فاته في نومه من الصلوات، والمراد بالقلم قلم التكليف، ورفع القلم معناه لا تكتب عليه السيئات، ولا يؤاخذ بترك واجب ولا فعل محرم؛ لفقد شرط التكليف،
_________________
(١) رواه أحمد (٢٤٦٩٤)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي في «الكبرى» (٥٥٩٦)، وابن حبان (٢٠٤١)، والحاكم (٢٣٥٠).
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وهو البلوغ والعقل، ويلحق بالنائم والمجنون كل من زال عقله بسبب ليس باختياره، أما من زال عقله بسبب محرم كالسكران، فللعلماء تفصيل في حكم أقواله وأفعاله.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أن النائم غير مكلف.
٢ - أن المجنون غير مكلف.
٣ - أن الصغير غير مكلف.
٤ - أن شرط التكليف العقل والبلوغ.
٥ - أن كل من زال عقله لا يؤاخذ بأقواله وأفعاله فيما يتعلق بحقوق الله، وأما ما يتعلق بحقوق العباد فيؤاخذ بأفعاله، فيضمن ما أتلفه.
٦ - أن السكران لا يقع طلاقه، وكذلك الغضبان غضبًا يغيب عقله.
٧ - يسر الشريعة ورحمة الله بعباده.
٨ - أن المذكورين ونحوهم لا تكتب سيئاتهم بخلاف سواهم.
* * * * *
[ ٢ / ٤٥١ ]