الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
الأمانة تعريفها والنصوص التي وردت في الأمانة:
عرف العلماء الأمانة بأنها إيثار الحق ورده إلى أهله، والأمانة ضد الخيانة، وتكلم في التعريف ل لأمانة الشيخ الميداني تكلم بكلام طيب وذكر كثيرًا من النصوص في الأمانة؛ فقال: تعريف الأمانة؛ الأمانة: أحد الفروع الخلقية لحب الحق وإيثاره، وهي ضد الخيانة، والأمانة في جانبها النفسي خلق ثابت في النفس يعف به الإنسان عما ليس له بحق وإن تهيأت له ظروف العدوان عليه دون أن يكون عرضة للإدانة عند الناس، ويؤدي به ما عليه، أو لديه من حق لغيره وإن استطاع أن يهضمه دون أن يكون عرضة للإدانة عند الناس.
فمن تهيأ له أن يهضم دينًا عليه دون أن يكون لدى الدائن ما يثبت به حقه فعف عن ذلك ولم يفعل وأدى ما عليه من حق كامل غير منقوص فهو أمين حقًّا، ومن تهيأت له فرصة اختلاس أموال غيره دون أن يشعر به أحد من الناس ودون أن يكون عرضة لاكتشاف لصوصيته؛ فعف عن ذلك ولم يفعل فإنما ذلك أثر من آثار الأمانة في نفسه، ومن كان يؤدي الودائع التي عنده لأصحابه مع أن أصحابها لا يملكون وثائق بها عليه فهو أيضًا إنما يفعل ذلك بدافع خلق الأمانة التي يتحلى به.
ولا تقتصر الأمانة على العفة عن الأموال، بل العفة عن كل ما ليس للإنسان به حق هي أيضًا داخلة في حدود الأمانة أو أثر من آثارها؛ فالعفة عن العدوان على الأعراض من الأمانة، والعفة عن العدوان على الحقوق العلمية من الأمانة، والعفة عن الغش وتطفيف الكيل والميزان من الأمانة، والعفة عن الغلول وهي الأخذ من الغنيمة قبل توزيعها من الأمانة، وتبليغ الرسائل الكتابية أو اللفظية إلى
[ ٢٧١ ]
أصحابها من الأمانة، وتأدية حق النصيحة لكل مسلم من الأمانة، وتأدية حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمانة، وتأدية العبد حق ربه عليه من الأمانة كالعبادات المفروضة والطاعة الواجبة.
وكف العبد نفسه عما حرم الله عليه من الأمانة؛ لأن العبد المكلف مستأمن على ما وضع الله بين يديه وما وضع تحت سلطته من أشياء؛ سواء أكانت داخلة في حدود ذاته أو خارجة عنها؛ فالحق في كل ذلك هو لله وقد استأمن الله عباده عليها فأذن لهم بأشياء وحرم عليهم أشياء؛ فمن تجاوز حدود الإذن الإلهي فاعتدى على ما ليس به حق فقد خان الأمانة؛ فالطاعة لله من الأمانة والمعصية لله من الخيانة.
ومن الأمانة إعطاء كل ذي حق حقه؛ فالعدل من الأمانة والجور والظلم من الخيانة، ومن الأمانة الاهتمام بأن يحفظ المستأمنون ما تحت أيديهم من حقوق لغيرهم حتى يؤدوها إلى أصحابها وهي على حالتها حينما استؤمنوا عليها ما لم يكن مرور الزمن يغير منها بصفة طبيعية معلومة.
وهكذا تتعدد مجالات خلق الأمانة وتتسع دوائرها، ولما كانت الأمانة مرتبطة بمبدأ الحق كان من يحب الحق ويؤثره يجد نفسه مدفوعًا لأن يكون أمينًا على حقوق الآخرين وإن تحركت مطامعه أو شهواته للاستيلاء عليه ا.
والأمانة مصدر كالأمان، والأمان من الأمن وهو ضد الخوف، وحين تنعدم مسببات الخوف يحصل الأمان في النفوس، ولما كان الأمين إنسانًا مأمون الجانب لا يُخشى عدوانه على حقوق غيره كانت ساحته ساحة أمان ليس فيها أي مثير للخوف على المال، أو على العرض أو على الحياة، ولذلك سميت الخصلة التي يتحلى بها الأمين على حقوق الآخرين أمانة، ولما كانت هذه الخصلة داخلة في
[ ٢٧٢ ]
ميدان الأخلاق كانت إحدى الفروع الأخلاقية ولما كان أساسها الحق كانت إحدى الفروع الخلقية لحب الحق وإيثاره.
وقد ظهر لنا من تعريف الأمانة أنها تشتمل على ثلاثة عناصر:
الأول: عفة الأمين عما ليس له به حق.
الثاني: تأدية الأمين ما يجب عليه من حق لغيره.
الثالث: اهتمام الأمين بحفظ ما استؤمن عليه من حقوق غيره، وعدم التفريط بها، والتهاون بشأنها.
موقف الإسلام من خلق الأمانة:
لقد فرض الإسلام على المسلمين الأخذ بخلق الأمانة، وحرم عليهم أن يسكلوا مسلك الخيانة؛ فمن كان أمينًا كان مطيعًا لربه في إسلامه، ومن كان خائنًا كان عاصيًا لربه في إسلامه، وربما وصل إلى حالة كان فيها مجروح الإسلام والإيمان.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» - بوائقه أي غوائله وخياناته. وروى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: رسول الله - ﷺ -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم».
وروى البيهقي في (شعب الإيمان) بإسناد حسن عن أنس بن مالك -﵁- قال: قلّما خطبنا رسول الله -ﷺ- إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له».
[ ٢٧٣ ]
فربط رسول الله -ﷺ- في هذه الأحاديث الأمانة وكون الإنسان مأمون الجانب بالإيمان، وجعل عدم الأمانة مؤثرة في صحة الإيمان، وجعل الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، الخيانة من علامات النفاق؛ فمن ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان؛ وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».
وما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».
فالأمانة من صفات المؤمنين، وهي من صفات محبي الحق، الأمانة من أبرز أخلاق الرسل؛ من الملاحظ في أسس العقيدة أن الأمانة من أبرز أخلاق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لأنها شرط أساسي لاصطفائهم بالرسالة؛ فلولا أن يكونوا أمناء لما استأمنهم الله تعالى على رسالاته لخلقه؛ ففي شأن هود - ﵇ - يقول الله تعالى في سورة " الأعراف ": ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (الأعراف: ٦٥ - ٦٨).
فعرض هود لقومه من صفاته أنه أمين، وهذه الصفة من صفاته لا بد أن تكون معروفة لديهم قبل أن يبعثه الله رسول ً ا، ومن شأن الأمين أن يكون موثوقًا به في نقل الأخبار وتبليغ الرسالات.
[ ٢٧٤ ]
ويقص الله علينا قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - ﵈ - في سورة " الشعراء " ويخبرنا بأن كل رسول من هؤلاء قد قال لقومه: إني لكم رسول أمين.
ورسولنا محمد -ﷺ- قد كان في قومه قبل الرسالة وبعدها مشهورًا بينهم بأنه الأمين؛ فكان خلق الأمانة من الأخلاق الظاهرة البارزة فيه - صلوات الله عليه - حتى كان الناس يختارونه لحفظ ودائعهم عنده، ولما هاجر - صلوات الله عليه - وكل علي بن أبي طالب لرد الودائع إلى أصحابها.
فالأمانة من الأخلاق الكريمة الفاضلة التي نادت بها كل الشرائع السماوية، تنزلت بها الكتب، ودعا إليها كل الرسل، وجاء الإسلام فأكد عليها في القرآن الكريم وعلى لسان سيد الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد -ﷺ- قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: ٥٨).
وسبب نزول هذه الآية: أن رسول الله -ﷺ- أراد أن يدخل الكعبة يومًا قبل الهجرة فمنعه القائم عليها عثمان بن طلحة وكان مشركًا يومها، فقال له -ﷺ- تذكر يا عثمان بن طلحة عندما تكون المفاتيح بيدي يومًا ما، وبعد ذلك هاجر -ﷺ- وتكونت دولة الإسلام وجاء رسول الله -ﷺ- فاتحًا مكة وتم الفتح العظيم، وانكسر الشرك وأهله، واندحرت دولة الكفر، وسلمت مكة إلى المسلمين، وأرسل رسول الله -ﷺ- علي بن أبي طالب إلى عثمان بن طلحة ليأتي بمفاتيح الكعبة، وذهب إليه علي وأخذ منه المفاتيح رغمًا عنه، وألقاها في حجر رسول الله -ﷺ- وعثمان ينظر ويتذكر ما قاله -ﷺ- سابقًا؛ تذكر يا عثمان يوم أن تكون المفاتيح بيدي يومًا ما، وفي هذه الحال نزلت الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فنادى -ﷺ- على عثمان بن طلحة قائل ً ا: «يا عثمان بن طلحة خذ المفاتيح خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم».
[ ٢٧٥ ]
إن الإسلام مجد الأمانة ومدحها، ومدح المتصفين بها، وجعلها من أبرز صفات عباد الله المؤمنين الذين قضى بفلاحهم وفوزهم؛ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ١ - ٩) جعلهم الحق - ﷾ - ورثة جنة النعيم، بل ورثة الفردوس الأعلى؛ إذ قال عقب ذلك مباشرة ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠ - ١١).
وأيضًا تكررت الآية في سورة " المعارج " في وصف عباد الله المكرمين في جنة الرضوان قال تعالى في سورة " المعارج ": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (المعارج: ٣٢ - ٣٥).
وفي الأحاديث النبوية الكثير عن الأمانة والوصية بها عن أنس -﵁- قال: ما خطبنا رسول الله -ﷺ- إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» وقال -ﷺ-: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
إنّ رسولَ الله -ﷺ- كان من أبرز صفاته أنه عرف قبل أن يكون نبي ًّ ابالصّادق الأمين، وذلك ثابت في كتب السنة والسيرة الصحيحة؛ إذ نطقوا جميعًا بلسان واحد عندما كادت أن تنشب بينهم الحرب من أجل من يحظى بشرف وضع الحجر الأسود مكانه، عندما جددوا بناء الكعبة، فحكموا أول قادم عليهم، فنظروا فإذا رسول الله -ﷺ- قادم من بعيد؛ قادم من باب بني شيبة، ف قالوا جميعًا: هذا الأمين رضيناه حكمًا، وهذا ما نعاه عليهم الشاعر المسلم أحمد
[ ٢٧٦ ]
شوقي؛ إذ لما جاءته الرسالة اتهموه زورًا وبهتانًا بالكذب والسحر وغير ذلك مع أنهم مقرون له من قبل بالصدق والأمانة في صغره، فقال شوقي:
يا جاهلين على الهادي ودعوته أتجهلون مكان الصادق العلم
لقبتموه الأمين في صغر وما الأمين على القوم بمتهم
إن أهل مكة مع كفرهم وعنادهم وعدوانهم برسول الله -ﷺ- ما وجدوا رجل ً اأمينًا مثله يضعون عنده أماناتهم وكل شيء ثمين يريدون أن يحتفظوا به، وما وجدوا بيتًا أمينًا مثل بيت رسول الله -ﷺ- شهد بذلك التاريخ ودون ذلك في الكتب إن علي ًّ ا -﵁- تأخر عن الهجرة بعد رسول الله -ﷺ- ليرد إلى أهل مكة أماناتهم وودائعهم التي كانوا يضعونها عند رسول الله -ﷺ- ولم يجدوا مثله ليحفظ لهم أماناتهم.
إن الأمانة خلق نبيل نادى به سيد الخلق، وأمر به الإله الحق - ﷾ - في كل الشرائع، وها هي آيات القرآن الكريم تبين أن السابقين مطالبون بالأمانة وبالحفاظ عليها، ومدح من أداها منهم وذم من خانها، فبين الحق - ﷾ - أن أهل الكتاب في الأمانة أصناف وألوان منهم من يحافظ عليها ويرعاها ويؤديها مهما عظمت دون مطمع فيها، ومنهم من يطمع فيها ولا يردها مهما قلت أو صغرت وحقرت قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: ٧٥، ٧٦).
ومما يدل دلالة واضحة على أن الأمانة خلق نبيل نادت به كل الشرائع السماوية أن يوسف - ﵇ - أعلن عن أمانته وحفظه، وبين أن حفظه للأمانة هي أهم مؤهل من مؤهلاته التي بسببها يستحق أن يكون على خزائن الأرض، ولذلك لما أراد
[ ٢٧٧ ]
الملك أن يستخلص يوسف لنفسه ويوله أمرًا مهمًا في دولته، بعدما ثبتت براءته وأمانته على بيته وافق يوسف وأعلن عن أمانته وحفظه، وأن هذا مؤهل له لأن يتولى خزائن الأرض؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٥٤ - ٥٦).
ولذلك لم يعط رسول الله -ﷺ- أبا ذر -﵁- الصحابي الجليل الذي قال عنه: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء -أي: السماء- أصدق لهجة من أبي ذر» لم يوله الإمارة خوفًا عليه من هذه الأمانة؛ لأنه ضعيف ربما قصر في جانب من جوانبها؛ روى مسلم في (صحيحه) بسنده عن أبي ذر -﵁- قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».
ومن الأدلة الواضحة أيضًا على أن الأمانة خلق نبيل جاءت في كل الشرائع؛ ما جاء في قصة بنتي شعيب عندما لاحظتا هذه الأمانة على موسى - ﵇ - وذلك قبل أن يتنبأ موسى؛ فالأمانة معروفة من قبل أن يكون موسى نبي ًّ اومدحته بها ابنة شعيب بأنه قوي أمين، وذلك عندما سقى لهما ثم تولى إلى الظل راجيًا عطاء ربه قائل ً ا: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، وظهرت أمانته عندما جاءته إحداهما تمشي على استحياء تطلب منه أن يذهب لمقابلة أبيها، فرأت في الطريق عفته وأمانته؛ إذ لم يقبل أن يمشي إلا أمامها حتى لا يرى منها شيئًا، فقالت لأبيها: إن خير من استأجرت القوي الأمين.
[ ٢٧٨ ]
ومن أمانته أيضًا أنه بعد ما تزوج بابنة شعيب وف َّ ى بالعمل عشر سنين أدى الأمانة وزيادة من عنده، سئل ابن عباس: "هل عمل موسى عند شعيب في مهر ابنة شعيب ثماني حجج أو عشر حجج - أي سنين -؟ فقال ابن عباس - ﵄ -: عمل عشر سنين؛ عمل بالزيادة؛ لأن أنبياء الله يؤدون الحق وزيادة، وهل يقبل أنبياء الله غير ذلك، وأخذ ذلك ابن عباس من حديث لرسول الله -ﷺ- قال فيه: «يرحم الله موسى - ﵇ - لقد آجر نفسه عشر سنين من أجل عفة فرجه وشبع بطنه».
وإليك هذه القصة كما حكاها القرآن الكريم في سورة " القصص " قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (القصص: ٢٠ - ٢٩).
[ ٢٧٩ ]
هذه هي الأمانة، وهذه مكانتها في كل الشرائع السماوية والتي أكد عليها الإسلام ونادى بها رسول الإسلام -ﷺ.
أما المراد بالأمانة؛ فكل ما يؤتمن عليه الإنسان من مال أو عرض أو أسرار، وكذلك من الأمانة كل ما تحت يده من مسئولية من أهل وولد، ودينه الذي أودعه الله إياه وهداه إليه أمانة عنده، ونفسه التي بين جنبيه أمانة عنده؛ فهو لا يتصرف فيها وفق مراده وهواه، بل عليه أن يحافظ عليها، فلا يملك الإنسان أن يميت نفسه أو أن يقتل نفسه فحياته ملك لله وهب الحق له النفس والحياة ويستردهما منه - ﷾ - متى شاء وكيف شاء.
إن الذين يظنون أن الأمانة خاصة بحفظ الأموال، ثم ردها إلى أصحابها قاصرون في نظرتهم، وتفسيرهم هذا تفسير خاطئ يأباه الإسلام، ولا يقبله بحال من الأحوال؛ إنّ علماء الإسلام الأفذاذ فهموا ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ٧٢) فقالوا: إن المراد بالأمانة في الآية الكريمة التكاليف الشرعية بكل تفاصيلها من عقيدة وعمل.
وها هي أحاديث رسول الله -ﷺ- شاهدة بأن ذلك الفهم فهم صحيح إذ نرى النبي -ﷺ- يبين لنا أن كل إنسان عنده أمانة، وسيسأل عنها يوم القيامة؛ سواء كان أمير قوم أم كان إنسانًا عادي ًّ امغمورًا يعيش في هذه الحياة، فأمير القوم شعبه وبلده أمانة في عنقه يسأله الله تعالى عن كل فرد منهم يوم القيامة؛ فهم أمانة عنده، وهو أمين على بلده لا يحق له أن يفرط في حبة رمل أو ذرة من ترابها، والرجل في بيته أولاده وزوجته، وكل من يقوم بإعالته أمانة، وسيسأل عنها يوم القيامة، وكذلك الولد في مال أبيه، والزوجة في بيت زوجها، والخادم في مال سيده قال -ﷺ-
[ ٢٨٠ ]
«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع ومسئول عن رعيته، والابن في مال أبيه راع ومسئول عن رعيته؛ ألا كلكم راع ومسئول عن رعيته».
إن القتل في سبيل الله يُكفر كل الذنوب والخطايا إلا الأمانة؛ فالشهيد الذي قاتل حتى قتل لو كان عنده أمانة فخانها لا تغفر له تلك الخيانة، بل يكب في النار، وتتمثل الأمانة في جهنم، ويكلفه الله أن يأتي بها، وبعد معاناة في النار يجدها في قعر جهنم فيأخذها على منكبيه ويريد أن يخرج بها، ولما يصل إلى أعلى النار تسقط منه فيهوي ليأتي بها، وهكذا يظل يتردد في نار جهنم.
روى الإمام أحمد في (مسنده) بسنده عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة؛ وإن قتل في سبيل الله فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها، فيهوي في إثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج ذلت عن منكبيه - يعني: وقعت - إلى قعر جهنم، فهو يهوي في إثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة؛ وأشياء عددها، وأشد ذلك الودائع».
قال راوي الحديث عن ابن مسعود: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؛ قال كذا، قال البراء: صدق؛ أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: ٥٨) إن رسول الله -ﷺ- جعل خيانة
[ ٢٨١ ]
الأمانة علامة من علامات النفاق إذ قال -ﷺ-: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
ومن هنا دعانا الحق - ﷾ - إلى الوفاء بالأمانة، وعدم خيانتها، وقرنها بخيانة الله والرسول قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: ٢٧، ٢٨).