نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية في جميع الرسالات السماوية، دعا إليه كل الرسل، ونادت به كل الأنبياء. وعندما تحدثنا في عن ثمار الإيمان ذكرنا أن الحياء ثمرة من ثمار الإيمان، ولا بأس أن نتحدث عن الحياء هنا بالتفصيل؛ حيث إنه خلق هام من الأخلاق الإسلامية التي نادت بها كل الرسل، ودعت إليها كل الشرائع السماوية، فأقول -وبالله التوفيق-:
الأخلاق الكريمة الفاضلة واحدة في كل الشرائع، ونادت بها كل الرسالات، ودعا إليها جميع الرسل قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣)، وفي ذلك أيضًا يقول الحق -﷾: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٩).
[ ٢٤٢ ]
والحياء خلق من الأخلاق النبيلة الفاضلة التي نادت بها كل الرسالات، وجاء الإسلام فأكَّد عليها؛ بل إن الحياء كان من أبرز الأخلاق التي تخلَّق بها الرسل جميعًا، لا سيما سيِّد الخلق وأشرف الرسل، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد -ﷺ- والذي عُرف عنه بأنه كان أشدَّ حياء من العذراء في خُدرها -ﷺ.
والحياءُ عَرّفه علماء اللغة بأنه تغيير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُعاب به، أو يُذمّ عليه، وعند علماء الشرع الحياء خُلق يبعث على اجتناب القبائح، والتخلي عن الرذائل، ويمنع صاحبه من التقصير في حق ذي الحق، وعلى ذلك فالذي يتخلَّق بخلق الحياء تراه يبتعد كل البعد عن المعايب، ولا يبدر منه القبيح، وإنما يستحي من نفسه من الناس ومن الله تعالى، ولهذا كان الحياء خصلة من خصال الإيمان العظيمة، وشعبة من شعبه الكريمة.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: «الإيمانُ بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان»، «الإيمان بضع وستون شعبة، وأعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» في رواية أخرى، فهذا الحديث الشريف جعل الحياء واحدًا من شعب الإيمان، بل جعله من أهمها؛ إذ نبَّه عليه دون باقي الشعب في الرواية الأولى، وذلك لأهميته ولمكانته، وفي الرواية الثانية ذكره مقرونًا بكلمة التوحيد، وإزالة الأذى عن طريق المسلمين، فقال فيها: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، ثم قال: «والحياء شعبة من الإيمان».
وما كان هذا الاقتران إلا لتلك المكانة العالية لخلق الحياء، ولقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله -ﷺ- قال: «الحياء خير كله»، وأنه -ﷺ- قال: «إن الحياء لا يأتي إلا بخير»، وفي رواية للبخاري ومسلم عن عبد بن عمرو -﵄- أن رسول
[ ٢٤٣ ]
الله -ﷺ- مرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله -ﷺ: «دعه فإن الحياء من الإيمان»، في رواية «دعه فإن الحياء لا يأتي إلا بخير»، وفي رواية ثالثة «دعه فإن الحياء خير كله».
وإن من المشاهد والمجرب أن الحياء يمنع صاحبه المتخلق به من ارتكاب القبائح، والمنكرات، ويجعله بعيدًا كل البعد عن كل ما يُعيب الإنسان، وحين ينعدم الحياء؛ فإنه يهون على الإنسان أن يفعل المنكرات، ويستهين بالقبائح، ويفعل ما يشاء؛ لأن الذي لا حياء له يكون مستهترًا بالناس، غير مبالٍ بهم، ولا يهتم بما يقال فيه، أو عليه، أو عنه، فهو إنسان متبلّد المشاعر ميت الأحاسيس، وكأنه بهيمة تأكل ما تشاء وترتع أينما شاءت، وتفعل ما تشاء، بل ترى عديم خلق الحياء يُفاخر بالمعاصي، ويتباهي بالمجون، وبفعل القبائح، يُسبل الله عليه ستره، فيكشف ستر الله عليه، وينادي: يا فلان يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، غير مبالٍ بالناس، ولا بمشاعر الناس، وهذا العمل وهذا المجون والمجاهرة بالإثم والمعاصي؛ إنما سببه فقدان الحياء من الله تعالى ومن الناس، وهذا العمل لا يغفره الله تعالى؛ لأن الله تعالى وكما أخبر عنه -ﷺ- بأنه تعالى يغفر لكل المذنبين إلا المجاهرين بمعاصيهم، لفقدهم الحياء يسترهم الله فيفضحون أنفسهم، ويفضحون الناس.
ومن هنا قال -ﷺ: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، وبيَّن -ﷺ- أن هذا الكلام ميراث من مواريث النبوة الأولى، وأنه من كلام الأنبياء السابقين، ومما أوحى الله به إليهم؛ إذ يقول -ﷺ: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت»، إن الرسول -ﷺ- قضى بأن الإيمان والحياء قُرناء، فإذا غاب أحدهما غاب الآخر، وإذا سُلب أحدهما سُلب الآخر، روى الإمام البيهقي
[ ٢٤٤ ]
بسنده في (شعب الإيمان) عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «إن الحياء والإيمان قُرناء جميعًا، فإذا رُفع أحدهما رفع الآخر»، وفي رواية عن ابن عباس -﵄- «فإذا سُلب أحدهما تبعه الآخر».
فالحياءُ خُلقٌ نبيل دعا إليه الإسلام ورسول الله -ﷺ- كما دعت إليه كل الشرائع وكل الرسل، لقد جاءت أحاديث كثيرة عن سيد الخلق سيدنا محمد -ﷺ- تُبيّن قيمة هذا الخلق الكريم، خلق الحياء.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار» وما كان الأمر كذلك إلا لأن الحياء يمنع صاحبه من الوقوع في الفواحش، ويُبعده عن الرذائل، وكل ما يخدش الحياء، أما الجفاء فإنه يهوِّن على الإنسان أن يكون فاحشًا وبذيئًا، وصخابًا، وشتامًا، وعيابًا، والله -﷾- يبغض الفُحشَ والتفاحش، ويبغض الفاحش البذيء، والحياء خُلق من أخلاق الإيمان الحسنة، بل هو من أوائل هذه الخلق.
وأثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة إنما هو الخلق الحسن، روى الإمام الترمذي بسنده عن أبي الدرداء -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء» يقول الشيخ عبد الرحمن حسن في كتابه (الأخلاق الإسلامية): "إن الحياء يحجز المرء عن الفواحش، ويجعله يتستَّر بها إذا هو كَبَا في شيء من أوحالها، ويجعله بعيدًا عن فحش القول والبذاءة، والحياء يدفع المرء إلى التحلي بكل جميل محبوب، والتخلي عن كل قبيح مكروه، والجمال من الكمال، والقبح من النقصان، وجمال الخصال، والأفعال أسمى من جمال الرسوم والأشكال، بكل ذلك حثَّ الإسلام على التحلِّي بخلق الحياء، والبعد عن كل وقاحة ومجانة، وفحش وبذاء".
[ ٢٤٥ ]
أقول: من أجل ذلك جعل رسول الله -ﷺ- الحياء خلق الإسلام؛ لأنه أساس لكل الفضائل ورادعًا وزاجرًا عن كل الرذائل، روى ابن ماجة في سننه، والبيهقي في (شعب الإيمان) عن أنس وابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء»، ورواه أيضًا مالك مرسلًا عن زيد بن طلحة، عن رسول الله -ﷺ.
ولقد سبق أن ذكرت أن رسول الله -ﷺ- كان أشدَّ حياء من العذارء في خدرها، وأنه وُصف في الكتب السابقة بأنه ليس بفاحش ولا بذيء، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يدفع السيئة بالحسنة، ويعفو، ويصفح، وهل هذا كله إلا من الحياء، لقد وصل من حيائه -ﷺ- أنه كان يغتسل مع نسائه في إناء واحد، ومن إناء واحد، ولا يرى من امرأته شيئًا، ونساؤه -ﷺ- لحيائهنَّ لا يرين منه شيئًا، قالت السيدة عائشة -﵂: «كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد، فما رأيت منه -صلوات الله وسلامه عليه- ولا رأى مني» تريد العورة.
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- أشدّ حياء من العذارء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه» يظهر على وجهه الشيء الذي يكرهه، هذا هو الحياء، ولقد بين -ﷺ- أن الحياء صفة من صفات الله -﷿؛ فخليق بكل مسلم أن يتخلق بهذا الخلق الذي هو من أخلاق الله تعالى، فلقد بيَّن -ﷺ- أن الله كريم جواد، يعطي الليل والنهار، إذا رفع العبد يديه إليه سائلًا شيئًا من عطاياه يستحي الحق -﷾- أن يردَّ يده خائبة، بل يعطيه الحق -﷾- من فضله.
روى الترمذي، وأبو داود، والبيهقي في الدعوات الكبير، عن سلمان الفارسي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: «إن ربكم حييٌّ كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صفرًا» أي: خاويتين أي: خاليتين، إن هذا الخلق الجميل، ألا
[ ٢٤٦ ]
وهو خلق الحياء الذي هو من صفات ذي الجلال -﷾- والذي يجعل الحق يغفر الذنوب لكبار السن، الذين شابوا في الإسلام؛ إذ جاء في بعض الأحاديث: «أن الله تعالى يستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام»، وهو نفس المعنى الذي ورد في (الحلية) لأبي نعيم الأصفهاني، عن علي أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن الله يحب أبناء السبعين، ويستحيي من أبناء الثمانين» قال السيوطي: هذا حديث حسن.
إن هذا الحياء، وهذا الخلق النبيل جعل الإمام عليًّا كرم الله وجهه لا يسجد لصنم، ولا يرى عورة قط، حتى عورة نفسه، والحياء أيضًا هو الخلق النبيل الذي جعل عثمان بن عفان -﵁- الخليفة الثالث الراشد لا يمس، ولا يقترب من ذكره، أي: من فرجه بيده اليمنى؛ حياء من الله تعالى، إذ اليمين علامة كل خير، والله تعالى يحب التيامن في كل شيء.
يقول عثمان بن عفان -﵁: "والله ما مَسَسْت ذكري بيميني منذ أسلمت، ولكن علينا جميعًا أن نفهم بأن الحياء الحق لا يمنع من قول الحق، ولا فعل الحق، ولا تعلم الخير، ولا قول الخير، فإن الحياء إذا منع من قول الحق، أو فعل الحق، أو قول الخير، أو تعلم الخير لا يكون حياء محمودًا، وإنما يكون خجلًا وكسوفًا ممقوتًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (البقرة: ٢٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (الأحزاب: ٥٣).
هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٤٧ ]