الدعوة إلى التواضع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
إن الإسلام دعا إلى التواضع وحبب فيه، وجاء في التواضع آيات قرآنية كريمة دعت إليه ورغبت فيه، لقد دعي رسول الله -ﷺ- إلى أن ينخفض جناحه للمؤمنين، وهي دعوة لكل مسلم ومسلمة، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥).
ودعا رسول الله -ﷺ- إلى التواضع في أحاديث كثيرة، وبين -ﷺ- أن المسلم لا يزيده التواضع إلا عزًّا، وأن المتواضع قريب إلى الله قريب إلى الناس، وذكر -ﷺ- أن الله تعالى أوحى إليه أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد عن أحد، وبين -ﷺ- أن المسلم يتواضع لأخيه المسلم فلا يحقره ولا يستصغره؛ قال -ﷺ-: «المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره؛ كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه».
ولقد ذكرت سابقًا أن القرآن الكريم نزلت به آيات كريمة دعت إلى التواضع للناس؛ من هذه الآيات الآية التي ذكرتها آنفًا وهي قول الحق -﷾-: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٥٤) فبينت هذه الآية الكريمة أن الله تعالى يحب أناس من المؤمنين ويحبونه؛ قدم محبته لهم على محبتهم إياه، وبين أن أهم وصف لهم أنهم متواضعون لله؛ فهم أذلة على المؤمنين؛ أي متواضعون للمؤمنين، وأعزة وأشداء على الكفار.
[ ٣٤٩ ]
وهذا ما ورد أيضًا في قوله تعالى في سورة "الفتح": ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿(الفتح: ٢٩) فهم كما ترى أشداء على الكفار رحماء بينهم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣).
فالناس من أب واحد هو آدم -﵇- وأم واحد هي حواء زوجة آدم؛ إذًا يجب التواضع لكل خلق الله؛ إذ كلهم لآدم، وآدم من تراب قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: ٣٢)، وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: ٤٨، ٤٩).
ولقد ذكر الإمام النووي في كتابه (رياض الصالحين) أحاديث جاءت في التواضع، نذكرها كما رواها، قال -﵀- باب: التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، ثم قدم للأحاديث بآيات قرآنية نزلت في التواضع ذكرتها فيما سبق، وإليكم الأحاديث كما ذكرها في هذا الكتاب:
يقول الإمام النووي عن عياض بن حمار -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» رواه مسلم في (صحيحه).
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» رواه مسلم.
[ ٣٥٠ ]
وعن أنس -﵁- أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي -ﷺ- يفعله. حديث متفق عليه؛ أي كان -ﷺ- من تواضعه الجم يسلم حتى على الصبيان في الطرقات.
وعن أنس أيضًا -﵁- قال: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة -يريد المرأة- لتأخذ بيد النبي -ﷺ- فتنطلق به حيث شاءت. رواه البخاري؛ أن يمشي مع الأمة التي تريد أن يمشي معها ليقضي لها حاجتها.
وعن الأسود بن يزيد -﵁- قال: سئلت عائشة -﵂- ما كان النبي -ﷺ- يصنع في بيته قالت: كان يكون في مهنة أهله -يعني خدمت أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري.
وعن أبي رفاعة تميم بن أسيد -﵁- قال: انتهيت إلى رسول الله -ﷺ- وهو يخطب فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، فأقبل علي رسول الله -ﷺ- وترك خطبته حتى انتهى إلي فأوتي بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها. هذا هو تواضعه -ﷺ- يقطع الخطبة ليجلس بجوار رجل يعلمه أمور دينه، ثم بعد ذلك يعود لإكمال خطبته -ﷺ- حديث صحيح رواه الإمام مسلم في (صحيحه).
وعن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال -ﷺ-: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى» يذهب الأذى عنها ينفضها من الأذى والتراب، ثم بعد ذلك يأكلها، هذا من باب التواضع يقول -﵊-: «إذا سقطت لقمة أحدكم -يعني وقعت منه على الأرض- فليمط -أي فليزل عنها الأذى- وليأكلها ولا يدعها للشيطان» وأمر أن نسلت القصعة يعني نأكل من القصعة حتى آخرها؛ قال: «فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» رواه
[ ٣٥١ ]
مسلم، قد تكون البركة في الطعام في آخر لقمة يأكلها الإنسان أو في اللقمة التي سقطت منه، أو في آخر ملعقة في آخر الصحفة فكان -ﷺ- يأمر أصحابه بأن يسلتوا القصعة أن يأكلوا ما فيها حتى آخرها.
وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم» قال أصحابه: وأنت، فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» رواه البخاري، نعم رعيت الغنم على قراريط؛ يعني على أجر معلوم لأهل مكة، ورعي الغنم يعلم الصبر ويعلم التواضع، فما من نبي من أنبياء الله كما جاء في هذا الحديث إلا ورعى الغنم، ونبينا -ﷺ- رعاها على قراريط لأهل مكة.
وعن أبي هريرة أيضًا عن النبي -ﷺ- قال: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت» والكراع والذراع هو شيء بسيط من اللحم، فذراع الشاة معروف، والكراع هو اللحم الذي يكون فوق ظلف الشاة يسمى بالكراع، وهو شيء قليل، ولكن لتواضعه -ﷺ- الذي يريد أن يعلمه للدنيا كلها يقول: «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» يعني يجيب الدعوة ولو كانت يسيرة، ويقبل الهدية ولو كانت يسيرة.
وعن أنس -﵁- قال كانت ناقة رسول الله -ﷺ- العضباء؛ وهذا اسم ناقته -﵊- لا تُسبق؛ إذا مشت مع النوق تسبق كل الجمال، أو يقول أنس: أو لا تكاد تسبق، فجاء إعرابي على قعود له فسبقها فشق ذلك على المسلمين؛ يعني حزن المسلمون كيف تسبق ناقة رسول الله -ﷺ- فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه -ﷺ- فيهم فطمأنهم فقال: «حق على الله إلا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» هذا هو التواضع الذي علمه -ﷺ- لأصحابه.
وعن التواضع كتب الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتابه (الأخلاق الإسلامية وأسسها) كتب تحت عنوان؛ فضل التواضع ابتغاء مرضاة الله، وإذ
[ ٣٥٢ ]
حرمت النصوص الإسلامية الاستكبار بغير حق، وأبانت أن الكبر من قبائح أخلاق الإنسان حثت على التواضع؛ ابتغاء مرضاة الله ورغبت فيه، وأبانت أن من تواضع لله كافأه الله على تواضعه برفعه قال -﵊-: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» وهذا من سنن الله في عباده.
كما أن من استكبر وتعالى على خلق الله أذله الله، ومن الملاحظ أن الناس يحبون المتواضع ويألفونه، ويكرهون المستكبر ويأنفون عنه ولا يألفونه، والسر في ذلك أن المتواضع ينزل نفسه إلى مستوى جلسائه فيعيش معهم بوداعة وانطلاق، ويعيش معهم ويعيشون معه بمثل ذلك فيتم بينه وبينهم الألفة والوئام، وذلك يولد المحبة بخلاف المستكبر فإنه يرفع نفسه فوق مستوى جلسائه فيعيش وحده في جو نفسي متعاظم، ويحيط نفسه بسياج شائك لا وداعة فيه ولا انطلاق، وحين يرى جلساؤه ومعاشروه ذلك منه يبتعدون عنه بنفوسهم فلا يألفونه، ويرونه يضع نفسه فوقهم فيكرهونه، فكلتا الثمرتين من النتائج الطبيعية لكلا العملين، يضاف إلى ذلك أن المتواضع لا يثير في الناس دافع المنافسة فيكون مألوفًا محبوبًا بخلاف المستكبر فهو يثير في الآخرين دافع المنافسة بقوة فيكون مكروهًا غير مألوف للنفوس، لا سيما إذا كان هو في نظرهم دون المكانة التي يرفع نفسه إليها.
ولما كان التواضع من الأخلاق التي تملك القلب بالمحبة أمر الله رسوله بأن يخفض جناحه للمؤمنين مع أنه -ﷺ- رفيع المكانة في نفسه، عظيم المنزلة عند الله تعالى، فقال الله تعالى له في سورة "الحجر" ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: ٨٨)، فكان -صلوات الله وسلامه عليه- يخفض جناحه للمؤمنين؛ فلا يتعاظم عليهم، ولا يستكبر، ويجلس بينهم كواحد منهم حتى يدخل عليه وهو في أصحابه من لا يعرفه فيقول: أيكم محمد؟ وربما كانت توقفه الأمة، وتأخذ بيده
[ ٣٥٣ ]
ليقضي حاجة لها؛ روى البخاري عن أنس قال: إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي -ﷺ- فتنطلق به حيث شاءت، ولقد مر ذلك الحديث قريبا.
وكان من تواضعه -ﷺ- تحيته إلى الصغار بالسلام والمسح على رءوسهم ووجوههم؛ روى البخاري ومسلم عن أنس أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي -ﷺ- يفعله، وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله -ﷺ- صلاة الأولى -أي صلاة الظهر- ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا قال: وأما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنه أخرجه من جونة عطار، ومعنى من جؤنه عطار أو جونة عطار؛ أي من السلة التي يضع فيها العطار عطره.
ولما كان للتواضع من أثر اجتماعي كبير أوحى الله تعالى إلى رسوله بأن يأمر المسلمين بأن يتواضعوا، وقد سبق الحديث الذي رويته لكم؛ وهو قوله -﵊-: «إن الله أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد».
ومن تواضع الرسول -ﷺ- وسماحة نفسه -صلوات الله عليه- أنه كان يشارك أهله في البيت في مهنة البيت وفي عمل البيت، وإذا جاء وقت الصلاة ترك ما في يده وذهب إلى المسجد، وخرج إلى الصلاة كأنه لا يعرف أحد ولا يعرفه أحد؛ روى البخاري عن الأسود بن يزيد -﵁- قال سألت عائشة -﵂- ما كان النبي -ﷺ- يصنع في بيته قالت: كان يكون في مهنة أهله -يعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة، تقول في رواية: هرع إلى الصلاة كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، ومعنى في مهنة الله؛ تعني في خدمة أهله.
[ ٣٥٤ ]
ومن تواضع الرسول -ﷺ- أنه ما كان يستكبر عن طعام يُدعى إليه مهما قل أو مهما قلت قيمته؛ يجيب الداعي إذا دعاه ولو كانت الدعوة يسيرة، ويقبل الهدية ولو كانت يسيرة.