الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
إن المراد بالتقوى هنا أي: باتقاء المسلم الفتن أن يتخذ المسلم لنفسه حاجزًا وحاجبًا وحائلًا يحول بينه وبين الوقوع في الفتن.
فالتقوى: هي الحجاب الذي يحجب المسلم عن الوقوع فيما حرَّمه الله تعالى، والتقوى: هي الحاجز الذي يحجز المسلم عن الوقوع في النار، والتقوى: هي الساتر الذي يكون بين المسلم وبين العاصي، وبالتالي بينه وبين النار، والذي يتَّقي الله أخذ لنفسه وقاية من الوقوع في المعاصي وفيما يُغضب الله تعالى. ولقد ذكر ابن الأثير في كتابه (النهاية في غريب الحديث وعلومه) معنى التقوى، وكلُّ ما ذكره الإمام ابن الأثير يدور حول أن التقوى: هي أن يأخذ الإنسان لنفسه حاجزًا وساترًا من النار.
يقول: وقيتُ الشيء أوقيه إذا صُنته وسترته من الأذى، وفي شرحه لكلمة "وقي" في قوله -ﷺ-: «فوقي أحدكم وجهه النار»، قال: هذا اللفظ خبر أُريد به الأمر أي: ليقي أحدكم وجهه النار بالطاعة والصدقة. وإليك ما جاء في (النهاية) لابن الأثير بنصِّه يقول: "وقى فيه فوقى أحدكم وجهه النار، وقيت الشيء أوقيه إذا صنته وسترته عن الأذى". وهذا اللفظ خبرٌ أريد به الأمر أي: ليقي أحدكم وجهه النار بالطاعة والصدقة، وفي حديث معاذ -﵁: «وتوقَ كرائم أموالهم» أي: تجنبها لا تأخذها في الصدقة؛ لأنها تَكْرُم على أصحابها، وتعز، فخذ الوسط لا العالي ولا النازل.
و"توق" و"اتق" بمعنًى واحد، وأصل أتقى: أوتق، فقُلبت الواو ياء للكسرة قبلها، ثم أُبدلت تاء وأدغمت، ومنه الحديث «تيق» و«توق» أي: استبقي
[ ١٧٥ ]
نفسك ولا تعرضها للتلف، وتحرَّز من الآفات واتقها، وقد تكرَّر ذكر الاتقاء في الحديث، ومنه حديث علي -﵁- وكرم الله وجهه قال: "كنا إذا احمرَّ البأس -يعني: اشتدَّ القتال- اتقينا برسول الله -ﷺ" أي: جعلناه وقاية لنا من العدو، هذا يُثبت شجاعة رسول الله -ﷺ- في الميدان.
ومنه الحديث «من عصى الله لم تقه من الله واقية» يعني: الذي يعصى الله ليس هناك أحد يُنجيه من عقاب الله، هذا ما ورد في معنى التقوى.