بر الوالدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
إن معنى بر الوالدين هو الإحسان إليهما وطاعتهما في غير معصية الله تعالى، والتودد إليهما والرأفة بهما خاصة عند كبر سنهما، ويخاطبهما الإنسان باللين، وأن يعاملهما بالشفقة والرحمة، وأن يحسن الألفاظ التي يتعامل بها معهما؛ فلا يقول لهما كلمة نابية ولا لفظًا مؤذيًا حتى كلمة " أف " لا يقولهما لهما عند تضجر من أمر، أو عندما يشق عليه أمر في لحظة ما حتى في أحرج اللحظات لا يقل لهما " أف " ولو كان هناك كلمة أقل في الإيذاء من كلمة " أف " لذكرها الله تعالى ونهى عنها؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٣، ٢٤) وجاء الأمر بالإحسان إليهما في هذه الآية بعد الأمر بعبادة الله وحده.
وكذلك ما نزل في سورة " النساء " قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦).
كما جاء الأمر بالإحسان إليهما حتى ولو كانا مشركين في سورة " العنكبوت " قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت: ٨).
وفي سورة " لقمان " وسورة " الأحقاف " كانت الوصية بالبر بالوالدين والإحسان إليهما وبيان مدى التعب والمشقة والوهن التي تحملته الأم في حملها ووضعها
[ ٣٦٩ ]
ورضاعتها له، وسهرها على راحته، ومرضها لمرضه، وفرحها لفرحه وصحته؛ قال تعالى في سورة " لقمان " ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: ١٤، ١٥).
وفي سورة " الأحقاف " قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: ١٥).
ولقد جاءت أحاديث كثيرة على لسان المصطفى -ﷺ- كلها تدعو إلى البر والإحسان إلى الوالدين؛ ذكر الإمام النووي في كتابه (رياض الصالحين) جملة من هذه الأحاديث، فإليكم هذه الأحاديث التي جاءت تحت باب: بر الوالدين وصلة الأرحام.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء: ٣٦) وذكر الآيات التي وردت في القرآن الكريم في بر الوالدين وصلة الأرحام في مقدمة الأحاديث، ثم بدأ يروي الأحاديث، فقال: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: سألت النبي -ﷺ- أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال - ﵊ -: «الصلاة على وقتها» وفي رواية: «الصلاة لوقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال:
[ ٣٧٠ ]
«الجهاد في سبيل الله» حديث متفق عليه؛ أي رواه البخاري ومسلم، ذكر هنا بر الوالدين بعد الصلاة التي هي عمود الدين، والتي من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، يذكر بعد الصلاة مباشرة البر بالوالدين ليبين أهمية ذلك العمل في الإسلام.
الحديث الثاني: وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يجزي - أي لا يكافئ ولا يقوم بحق الوالد - ولدٌ والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» هذا هو فقط الذي يكون قد قام بحق بر الوالدين.
وعنه أيضًا؛ أي عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» حديث متفق عليه.
وعن أبي هريرة أيضًا -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟، قالت: بلى، قال: فذالك لك» ثم قال رسول الله -ﷺ-: «اقرءوا إن شئتم» ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: ٢٢، ٢٣).
وفي رواية للبخاري «فقال الله تعالى: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته».
وعن أبي هريرة أيضًا -﵁- قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك»
[ ٣٧١ ]
حديث متفق عليه، وفي رواية أن ذلك الرجل قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك» يعني الأقرب الأقرب بعد الأب، والصحابة بمعنى الصحبة، وقوله: «ثم أباك» هكذا هو منصوب بفعل محذوف؛ أي ثم بر أباك، وفي رواية: «ثم أبوك» وهذا واضح؛ أي يكون معطوفًا على أمك.
الحديث الذي بعد ذلك: وعنه؛ أي عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: «رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة» ومعنى رغم أنفه؛ أي خاب وخسر وضاعت منه فرصة ما حصلها الذي يدرك والديه أو أحدهما عند كبرهما ولم يدخل الجنة بسبب برهما، فهذه فرصة قد ضاعت من يده، كما جاء في (مسند الإمام أحمد بن حنبل) - رحمه الله تعالى - كثيرًا من الأحاديث في هذا الموضوع؛ ألا وهو البر بالوالدين رواها الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - بسنده في (مسنده) الذي رتبه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا في كتابه (الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني) جاءت أحاديث البر بالوالدين في الجزء التاسع عشر ص٣٥ من هذا (الفتح).
قال - رحمه الله تعالى -: باب ما جاء في بر الوالدين وحقوقهما والترغيب في ذلك:
عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من أحب أن يمد له في عمره ويزاد له في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه».
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» وقد مر قريبًا.
[ ٣٧٢ ]
وعن معاذ بن جبل -﵁- أن رسول الله -ﷺ- أوصاه بعشر كلمات منها؛ «ولا تعقن والديك إن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك» يعني لو أمرك الأب بأن تخرج من أهلك بأن تطلق امرأتك، وأن تخرج من مالك وتتركه فعليك ألا تعصهما في ذلك، وقد حدث فعل ً اأن عمر بن الخطاب -﵁- أمر ابنه عبد الله أن يطلق زوجته فطلقها تحت رغبة عمر أو تلبية لرغبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: جئت لأبايعك - زاد في رواية أخرى على الهجرة أي جئت لأبايعك على الهجرة - وتركت أبوي يبكيان، قال: «فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما» وأبى -ﷺ- أن يبايعه، أمره بالرجوع إلى أبويه الذين تركهما يبكيان قال له: «ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما» وأبى - ﵊ - أن يبايعه على الهجرة.
وعنه أيضًا؛ أي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: رأيت رسول الله -ﷺ- تحت هذه الشجرة إذ أقبل رجل من هذا الشعب؛ يعني من وادي من هذا الوادي فسلم على رسول الله -ﷺ- ثم قال: يا رسول الله إني قد أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة، قال: «هل من أبويك أحد حي؟» قال: نعم يا رسول الله كلاهما قال: «فارجع أبرر أبويك» قال: فولى راجعًا من حيث جاء، وعنه من طريق ثان عن عبد الله بن عمرو من طريق ثان أن رجل ً اجاء إلى النبي -ﷺ- يستئذنه في الجهاد، فقال: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «ف فيهما فجاهد».
عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: هاجر رجل إلى رسول الله -ﷺ- من اليمن فقال له رسول الله -ﷺ-: «أجرت الشرك ولكنه الجهاد هل باليمن أبواك؟» قال: نعم قال - ﵊-: «أذنا لك» يعني أذنا لك في الهجرة وفي الجهاد قال: لا، فقال رسول الله -ﷺ-: «ارجع إلى أبويك فاستئذنهما فإن فعلا وإلا فبرهما».
[ ٣٧٣ ]
وعن معاوية بن جاهمة قال: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال: «هل لك من أم؟» قال: نعم، فقال: «الزمها؛ فإن الجنة عند رجلها» ثم الثانية ثم الثالثة في مقاعد شتى كمثل هذا القول.
وعن ابن مسعود -﵁- قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة على وقتها» قال: قلت: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين» قال: قلت: ثم أي؟ قال: «ثم الجهاد في سبيل الله» قال: فحدثني بهن ولو استزدته لزادني؛ أي لو طلبت منه زيادة من هذه الأوامر لزادني - ﷺ.
وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «رغم أنف رجل أدرك والديه أحدهما أو كلاهما عند الكبر لم يدخل الجنة» وقد مر سابقًا وفي لفظ: «فلم يدخلاه الجنة».
وعن أبي بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه».
وعن المقدام بن معد يكرب الكندي عن النبي -ﷺ-: «إن الله -﷿- يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب».
وعن خداش بن سلام عن النبي -ﷺ- أنه قال: «أوصي امرأ بأمه، أوصي امرأ بأمه، أوصي امرأ بأمه، أوصي امرأ بأبيه، أوصي امرأ بأبيه، أوصي امرأ بمولاه الذي يليه وإن كانت عليه فيه أذاة تؤذيه».
وعن معاوية بن حيدة -﵁- قال: قلت: يا رسول الله، من أبر؟ قال: «أمك» قلت: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: «أمك» قال: قلت: ثم من؟ قال: «ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب».
[ ٣٧٤ ]
وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- نحوه إلا قوله: «ثم الأقرب فالأقرب».
وعن أبي أسيد الساعدي -﵁- صاحب رسول الله -ﷺ- وكان بدري ًّ ا - أي ممن حضر غزوة بدر - وكان مولاهم قال أبو أسيد: بينما أنا جالس عند رسول الله -ﷺ- إذ جاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ انظر إلى حرص الصحابة الكرام يسألون عن بر الوالدين بعد موتهما بعد ما يموت الأب أو تموت الأم أو يموت كلاهما هل هناك بر لهما بعد ذلك يقوم به ذلك الصحابي، ويعلم الأمة أن تقوم به بعد موتهما؟ قال له - ﵊ -: «نعم خصال أربعة» يعني أربعة أشياء تكون من البر بهما بعد موتهما «الصلاة عليهما» والمراد بالصلاة هنا الدعاء والاستغفار لهما - وفي رواية أخرى «الصلاة لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما».
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يحدث أن رجل ً اأمرته أمه أو أبوه أو كلاهما، قال شعبة: يقول ذلك أن يطلق امرأته فجعل عليه مائة محرر؛ معناه أن يعتق مائة عبد إن طلق زوجته، فأتى أبا الدرداء فإذا هو يصلي الضحى يطيلها فصلى ما بين الظهر والعصر فسأل فقال أبو الدرداء: أوف بنذر وبر والديك إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الوالد أوسط باب الجنة؛ فحافظ على الوالد أو اترك» أنت حر الوالد أوسط باب الجنة إن كنت تريد الجنة فحافظ على الوالد، ومن طريق ثان عن أبي عبد الرحمن السلمي أيضًا قال: أتى رجل أبا الدرداء -﵁- فقال: إن امرأتي بنت عمي وإني أحبها، وإن والدتي تأمرني أن أطلقها، فقال: لا آمرك أن تطلقها،
[ ٣٧٥ ]
ولا آمرك أن تعص والدتك، ولكن أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله -ﷺ- سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن الوالدة أوسط أبواب الجنة؛ فإن شئت فأمسك وإن شئت فدع».
وعنه أيضًا من طريق ثالث قال: كان فينا رجل لم تزل به أمه أن يتزوج حتى تزوج؛ يعني أمه تعرض عليه الزواج كثيرًا حتى تزوج، ثم أمرته أن يفارقها، فرحل إلى أبي الدرداء بالشام فقال: إن أمي لم تزل بي حتى تزوجت ثم أمرتني أن أفارق، قال: ما أنا بالذي آمرك أن تفارق، وما أنا بالذي آمرك أن تمسك؛ سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه» قال: فرجع وقد فارقها.
وعن ابن عمر - ﵄ - قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان عمر - أي ابن الخطاب - يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت، فأتى النبي -ﷺ- يعني أبوه عمر أتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله إن عند عبد الله بن عمر امرأة كرهتها له فأمرته أن يطلقها فأبى، فقال رسول الله -ﷺ-: «يا عبد الله طلق امرأتك» فطلقتها.
وفي رواية عنه؛ أي عن ابن عمر أيضًا فقال -ﷺ-: «أطع أباك».
وعن عياض بن مرثد أو مرثد بن عياض عن رجل منهم أنه سأل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: «هل من والديك من أحد حي؟» قال له مرات قال: لا، قال: «فاسق الماء» قال: كيف أسقيه؟ قال: «أكفهم آلتهم إذا حضروه، واحمله إليهم إذا غابوا عنه».
عن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: قدمت أمي، وفي لفظ أتتني أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله -ﷺ- فاستفتيت رسول الله -ﷺ- فقلت: أمي قدمت وهي راغبة - يعني راغبة عن الإسلام - أفأصلها. فقال رسول الله -ﷺ-: «نعم صلي أمك».
[ ٣٧٦ ]
وعنها من طريق ثان قالت: قدمت علي أمي في مدة قريش، وفي لفظ في عهد قريش ومدتهم التي كانت بينهم وبين رسول الله -ﷺ- قدمت أمي مشركة وهي راغبة - يعني محتاجة ترغب في عطائ ي- فسألت رسول الله -ﷺ- فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي مشركة راغبة أفأصلها؟ قال: «صلي أمك».
وعن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن أعرابي ًّ امر عليه وهم في طريق الحج، فقال له ابن عمر: ألست فلان بن فلان؟ قال: بلى، قال: فانطلق إلى حمار كان يستريح عليه إذا مل راحلته وعمامة كان يشد بها رأسه فدفعها - أي أعطاها إلى ذلك الأعرابي - فلما انطلق - أي مشى الأعرابي - قال له بعضنا: انطلقت يا بن عمر إلى حمارك التي كنت تستريح عليه وعمامتك التي كنت تشد بها رأسك فأعطيتهما هذا الأعرابي، وإنما كان يرضى بدرهم، قال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن أبر البر صلة المرء أهل ود أبيه بعد أن يولى» يعني بعد أن يموت الأب أن تصل الذين كان يصلهم الأب. هذا هو أبر البر.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: أتى أعرابي رسول الله -ﷺ- فقال: إن أبي يريد أن ي ج تا ح مالي؛ يعني إن أبي يريد أن يأخذ مالي كله، فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال له - ﵊ -: «أنت ومالك لوالدك» وفي رواية: «أنت ومالك لأبيك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئًا».
وعن عائشة - ﵂ - عن النبي -ﷺ- قال: «إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم».
وبر الوالدين له ثمار طيبة حسنة في الدنيا والآخرة؛ فالبر بالوالدين يكون سببًا في إجابة الدعوة كما ورد في الحديث الصحيح في قصة الثلاثة؛ أما قصة
[ ٣٧٧ ]
الثلاثة الذين كانوا في الغار فمشهورة محفوظة عند الجميع، فإليكم قصة أويس القرني:
روى مسلم، عن أسير بن عمرو أو هو أسير بن جابر، قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر حتى أتى على أويس، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن، قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم، قال: لك والدة، قال: نعم، قال عمر سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فاستغفر لي يا أويس، فاستغفر أويس لعمر، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها، قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي؛ يعني أكون واحد عادي من الناس.
فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم؛ أي من أشراف اليمن فوافق عمر، فسأله عمر عن أويس، فقال: تركته رث البيت قليل المتاع؛ يعني زاهد في الدنيا وراض ٍ بما أعطاه الله، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فأتى الرجل أويسًا، فقال: استغفر لي، قال أويس للرجل: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح فاستغفر لي، لقيت عمر، قال: نعم فاستغفر له، فاستغفر له ففطن له الناس؛ يعني الناس عرفوا قدر أويس فانطلق على وجهه خرج من بيته وهاجر المكان والبلدة التي يعيش فيها.
[ ٣٧٨ ]
كلمة «أمداد أهل اليمن» هم متطوعة الجهاد الذين كانوا يأتون مددًا لجيوش الفتح الإسلامي من مختلف الجها ت، وكان اليمنيون عنصرًا مهم ًّ ايمد بالأعداد الكثيرة من المقاتلين، «لو أقسم على الله لأبره» أي لو حلف يمينًا قال فيه: والله ليفعلن الله هذا الأمر لأبر الله قسمه، ففعل الله ما حلف عليه أويس، " أكون في غبراء الناس أحب إلي " أي أكون في عامتهم وفقرائهم ومن لا ينظر إليه منهم أحب إلي، وهذا من تواضعه وأخلاصه العظيم - ﵁ - " رث البيت " الرث هو الخ َ ل ِ ق البالي من كل شيء؛ تقول: ثوب رث، ورجل رث الهيئة ومتاع رث، والجمع رثاث، " فانطلق على وجهه " أي ذهب ثم لم يعرف مكانه إخفاء لنفسه وبعدًا عن التظاهر؛ مخافة أن يدخل إلى قلبه الرياء.
وأويس تابعي لم ير الرسول -ﷺ- ولكن الرسول -ﷺ- قد أخبر عنه وعن صفته قبل أن يأتي، ثم جاء مع أمداد أهل اليمن كما أخبر الرسول -ﷺ- فهي إحدى معجزات المصطفى - ﵊.
الأمر الثاني: أويس خير التابعين، ولما كان أويس هذا عظيم الإيمان عظيم الإخلاص لله كثير التقوى والبر والإحسان كان خير التابعين، وقد شهد له الرسول -ﷺ- بذلك كما جاء في رواية عند مسلم أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم».