الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
بقية الحديث عن الأمانة.
إن الأمانة خلق نبيل نادت به كل الشرائع السماوية، والأمانة لها معنى واسع يتسع لكل أضرب الحياة، يقول الشيخ الغزالي في كتابه (خلق المسلم) تحت عنوان؛ الأمانة: الإسلام يرقب من معتنقه أن يكون ذا ضمير يقظ، تصان به حقوق الله وحقوق الناس، وتحرس به الأعمال من دواعي التفريط والإهمال، ومن ثم أوجب الإسلام على المسلم أن يكون أمينًا، والأمانة في نظر الشارع واسعة الدلالة، وهي ترمز إلى معان شتى مناطها جميعًا شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنه مسئول عنه أمام ربه على النحو الذي فصله الحديث الكريم؛ «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته»، رواه البخاري.
قال ابن عمر راوي الحديث: سمعت هؤلاء من النبي -ﷺ- وأحسبه قال: «الرجل في مال أبيه راع وهو مسئول عن رعيته» والعوام يقصرون الأمانة في أضيق معانيها وآخرها ترتيبًا؛ وهو حفظ الودائع، مع أن حقيقتها في دين الله أضخم وأثقل إنها الفريضة التي يتواصى بها المسلمون يتواصون برعايتها ويستعينون بالله على حفظها؛ حتى إنه عندما يكون أحدهم على أهبة سفر يقول له أخوه: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.
وعن أنس قال: ما خطبنا رسول الله -ﷺ- إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»، ولما كانت السعادة القصوى أن يوقي الإنسان شقاء العيش
[ ٢٩١ ]
في الدنيا وسوء المنقلب في الآخرة؛ فإن رسول الله -ﷺ- جمع في استعاذته بين الحالين معًا؛ إذ قال: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة؛ فإنها بئست البطانة» الحديث رواه أبو داود، فالجوع ضياع الدنيا، والخيانة ضياع الدين.
وكان رسول الله -ﷺ- في حياته الأولى قبل البعثة يلقب بين قومه بالأمين، وكذلك شوهدت مخايل الأمانة على موسى حين سقى لابنتي الرجل الصالح ورفق بهما واحترم أنوثتهما، وكان معهما عفيفًا شريفًا، في نهاية القصة قالت ابنة شعيب ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦)، وقد حدث هذا قبل أن ينبأ موسى وأن يرسل إلى فرعون، ولا غرو فرسل الله يختارون من أشرف الناس طباعًا وأذكاهم معادن، والنفس التي تظل معتصمة بالفضائل على شدة الفقر ووحشة الغربة هي لرجل قوي أمين، والمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد تتطلب خلقًا لا يتغير باختلاف الأيام بين نعم ة وبؤس، وذلك جوهر الأمانة.
من معاني الأمانة؛ وضع كل شيء في المكان الجدير به واللائق له؛ فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به، ولا تملأ وظيفة إلا بالرجل الذي ترفعه كفايته إليها، واعتبار الولايات والأعمال العامة أمانات مسئولة ثابت من وجوه كثيرة؛ فعن أبي ذر -﵁- قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنما أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» رواه مسلم.
إن الكفاية العلمية أو العملية ليست لازمة لصلاح النفس؛ قد يكون الرجل رضي السريرة حسن الإيمان، ولكنه لا يحمل من المؤهلات المنشودة ما يجعله منتجًا في وظيفة معينة؛ ألا ترى إلى يوسف الصديق إنه لم يرشح نفسه لإدارة
[ ٢٩٢ ]
شئون المال بنبوته وتقواه فحسب، بل بحفظه وعمله أيضًا ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥).
وأبو ذر لما طلب الولاية لم يره الرسول -ﷺ- جلدًا لها؛ فحذره منها، والأمانة تقضي بأن نصطفي للأعمال أحسن الناس قيامًا بها، فإذا ملنا عنه إلى غيره لهوى أو رشوة أو قرابة فقد ارتكبنا بتنحية القادر وتولية العاجز خيانة فادحة، قال رسول الله -ﷺ-: «من استعمل رجل على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» الحديث رواه الحاكم.
وعن يزيد بن أبي سفيان -﵁- قال: قال لي أبو بكر الصديق حين بعثني إلى الشام: يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة، وذلك أكثر ما أخاف عليك بعد ما قال رسول الله -ﷺ-: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدل ً احتى يدخله جهنم» الحديث رواه الحاكم أيضًا.
والأمة التي لا أمانة فيها هي الأمة التي تعبث فيها الشفاعات بالمصالح المقررة، وتطيش بأقدار الرجال لأكفاء لتهملهم وتقدم من دونهم، وقد أرشدت السنة إلى أن هذا من مظاهر الفساد الذي سوف يقع آخر الزمان؛ جاء رجل يسأل رسول الله -ﷺ- متى تقوم الساعة؟ فقال له - ﵊ -: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» فقال الرجل: وكيف إضاعتها؟ قال - ﵊ -: «إذا وسد - يعني أسند - الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» رواه البخاري.
ومن معاني الأمانة؛ أن يحرص المرء على أداء واجبه كامل ً افي العمل الذي يناط به، وأن يستنفد جهده في إبلاغه تمام الإحسان، أجل إنها لأمانة يمجدها الإسلام؛ أن يخلص الرجل لشغله، وأن يعنى بإجادته، وأن يسهر على حقوق
[ ٢٩٣ ]
الناس التي وضعت بين يديه؛ فإن استهانة الفرد بما كلف به وإن كان تافهًا تستتبع شيوع التفريط في حياة الجماعة كلها، ثم استشراء الفساد في كيان الأمة وتداعيه برمته.
وخيانة هذه الواجبات تتفاوت إثمًا ونكرًا، وأشدها شناعة ما أصاب الدين وجمهور المسلمين وتعرضت البلاد لأذاه قال رسول الله -ﷺ- «إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يعرف به فيقال: هذه غدرة فلان» رواه البخاري، وفي رواية «لكل غادر لواء عند استه يرفع له بقدر غدرته، ولا غادر أعظم من أمير عامة» الحديث رواه مسلم؛ أي ليس أعظم خيانة ولا أسوأ عاقبة من رجل تولى أمور الناس فنام عنها حتى أضاعها.
ومن الأمانة ألا يستغل الرجل منصبه الذي عين فيه لجر منفعة إلى شخصه وقرابته؛ فإن التشبع من المال العام جريمة، والمعروف أن الحكومات أو الشركات تمنح مستخدميها أجورًا معينة، ف محاولة التزيد عليها بالطرق الملتوية هي اكتساب للسحت، قال رسول الله -ﷺ-: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا؛ فما أخذ بعد ذلك فهو غلول»؛ أي سرقة وحرام؛ لأنه اختلاس من مال الجماعة الذي ينفق في حقوق الضعفاء والفقراء ويرصد للمصالح الكبرى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ١٦١).
أما الذي يلتزم حدود الله في وظيفته ويأنف من خيانة الواجب الذي طوقه فهو عند الله من المجاهدين بنصرة دينه وإعلاء كلمته، قال رسول الله -ﷺ- في حديث رواه أبو داود في (سننه) يقول - ﵊ -: «العامل إذا استعمل فأخذ الحق وأعطى الحق لم يزل كالمجاهد في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته».
[ ٢٩٤ ]
وقد شدد الإسلام في ضرورة التعفف عن استغلال النفوذ، وشدد في رفض المكاسب المشوبة عن عدي بن عميرة قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فو ق - يعني إبرة - فكتمنا مخيطًا فما فوق كان غلول ً ايأتي به يوم القيامة» فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه ف قال: يا رسول الله اقبل عني عملك، قال: «وما لك؟» قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال - ﵊ -: «وأنا أقوله الآن؛ من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهى عنه انتهى».
وحدث أن استعمل النبي -ﷺ- رجل ً امن الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم بها قال ابن اللتبية: هذا لكم وهذا أهدي إلي، قال راوي الحديث: فقام رسول الله -ﷺ- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد؛ فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتيني فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا، والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فل أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر»، ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول: «اللهم هل بلغت» الحديث رواه مسلم في (صحيحه).
ومن معاني الأمانة؛ أن تنظر إلى حواسك التي أنعم الله بها عليك، وإلى المواهب التي خصك بها، وإلى ما حببت، وإلى ما أعطيت من أموال وأولاد؛ فتدرك أنها ودائع الله الغالية عندك، فيجب أن تسخرها في قرباته، وأن تستخدمها في مرضاته؛ فإن امتحنت بنقص شيء منها فلا يستخفنك الجزع متوهمًا أن ملكك المحض قد سلب منك؛ ف الله أولى بك وأولى بما فاء عليك، وله أخذ وله ما
[ ٢٩٥ ]
أعطى، وإن امتحنت ببقائها فما ينبغي أن تجبن بها عن جهاد، أو تفتن بها عن طاعة، أو تستقوي بها على معصية، قال الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: ٢٧، ٢٨).
ومن معاني الأمانة؛ أن تحفظ حقوق المجالس التي تشارك فيها؛ فلا تدع لسانك يفشي أسرارها ويسرد أخبارها؛ فكم من حبال تقطعت، وكم من مصالح تعطلت لاستهانة بعض الناس بأمانة المجلس وذكرهم ما يدور فيه من كلام منسوب إلى قائله أو غير منسوب؛ قال رسول الله -ﷺ-:
«إذا حدث رجل رجل ً ابحديث ثم التفت فهو أمانة».
وحرمات المجالس تصان ما دام الذي يجري فيها مضبوطًا بقوانين الأدب وشرائع الدين وإلا فليس لها حرمة، وعلى كل مسلم شهد مجلسًا يمكر فيه المجرمون بغيرهم ليلحقوا بهم الأذى أن يسارع إلى الحيلولة دون الفساد جهد طاقته؛ قال رسول الله -ﷺ-: «المجلس بالأمانة إلى ثلاثة مجالس؛ مجلس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق».
وللعلاقات الزوجية في نظر الإسلام قداسة؛ فما يضمه البيت من شئون العشرة بين الرجل وامرأته يجب أن يطوى في أستار مسبلة؛ فلا يطلع عليه أحد مهما قرب، والسفهاء من العامة يثرثرون بما يقع بينهم وبين أهلهم من أمور، وهذه وقاحة حرمها الله تعالى؛ فعن أسماء بنت يزيد - ﵂ - أنها كانت عند رسول الله -ﷺ- والرجال والنساء قعود عنده فقال: «لعل رجل ً ايقول ما فعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها»؛ فأذم القوم - أي سكتوا وجلين خائفين - تقول أسماء: فقلت: أي والله يا رسول الله إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن، قال: «لا تفعلوا؛ فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون».
[ ٢٩٦ ]
وقال رسول الله -ﷺ- أيضًا: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة؛ الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها».
والودائع التي تدفع إلينا لنحفظها حينًا ثم نردها إلى ذويها حين يطلبونها هي من الأمانات التي نسئل عنها أمام الله يوم القيامة، وقد استخلف رسول الله -ﷺ- عند هجرته ابن عمه علي بن أبي طالب -﵁- ليسلم المشركين الودائع التي استحفظها -ﷺ- مع أن هؤلاء المشركين كانوا بعض الأمة التي استفزته من الأرض واضطرته إلى ترك وطنه في سبيل عقيدته، لكن الشريف لا ي ت ضع مع الصغار، قال ميمون بن مهران: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر؛ الأمانة، والعهد، وصلة الرحم.
واعتبار الوديعة غنيمة باردة هو ضرب من السرقة الفاجرة، عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال: أد أمانتك، فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج ذلت - أي سقطت - عن منكبيه؛ فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة؛ وأشياء عددها، وأشد ذلك الودائع.
قال راوي الحديث: فأتيت البراء بن عازب -﵁- فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟ قال كذا، قال البراء: صدق؛ أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الحديث رواه مسلم.
والأمانة التي تدعو إلى رعاية الحقوق وتعصم عن الدنايا لا تكون بهذه المثابة إلا إذا استقرت في وجدان المرء ورست في أعماقه وهيمنت على الداني والقاصي من
[ ٢٩٧ ]
مشاعره؛ وذلك معنى حديث حذيفة بن اليمان -﵁- عن رسول الله -ﷺ- «إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن؛ فعلموا من القرآن وعلموا من السنة» الحديث رواه مسلم.
والعلم بالشريعة لا يغني عن العمل بها، والأمانة ضمير حي إلى جانب الفهم الصحيح للقرآن والسنة، فإذا مات الضمير انتزعت الأمانة فما يغني عن المرء ترديد للآيات ولا دراسة للسنن، وأدعياء الإسلام يزعمون للناس وقد يزعمون لأنفسهم أنهم أمناء، ولكن هيهات أن تستقر الأمانة في قلب تنكر للحق، ومن ثم يستطرد حذيفة في وصفه لتسرب الأمانة من القلوب التي تخلخل فيها اليقين فيروي عن الرسول -ﷺ- ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: «ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت - والأثر المغاير كالنقطة على الصحيفة - ثم ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل - كالبثور التي تظهر في اليد مثل ً امن استخدام الأدوات الخشنة - ثم قال: فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجل ً اأمينًا، وحتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان».
والحديث يصور انتزاع الأمانة من القلوب الخائنة تصويرًا محرج ًا؛ فهي كذكريات الخير في النفوس الشريرة تمر بها وليست منها، وقد تترك من مرها أثرًا لاذعًا بيد أنها لا تحيي ضميرًا مات، وأصبح صاحبه يزن الناس على أساس أثرته وشهوته غير مكترث بكفر أو إيمان.
إن الأمانة فضيلة ضخمة لا يستطيع حملها الرجال المهازيل، وقد ضرب الله المثل لضخامتها فأبان أنها تثقل كاهل الوجود؛ فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها، أو
[ ٢٩٨ ]
يفرط في حقها؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ٧٢) والظلم والجهل آفتان عرضتا للفطرة الأولى وعني الإنسان بجهادهما فلن يخلص له إيمان إلا إذا نقاه من الظلم؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ (الأنعام: ٨٢) ولن تخلص له تقوى إلا إذا نقاها من الجهالة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) ولذلك بعد أن تقرأ الآية التي حملت الإنسان الأمانة تجد أن الذين غلبهم الظلم والجهل خانوا ونافقوا وأشركوا فحق عليهم العقاب، ولم تكتب السلامة إلا لأهل الإيمان والأمانة؛ قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٣).