الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
وبعد،
الإيمان وما يتعلق به من مباحث وأحكام -أقول وبالله التوفيق-:
الإيمان هو التصديق، ولكن الإيمان الذي ينجي صاحبه، إنما هو الإيمان بالقلب، أي: التصديق بالقلب، ونقر العبد بلسانه؛ لأنه مؤمن وأن تعمل جوارحه وفق متطلبات الإيمان ولذلك كان التعريف الكامل للإيمان هو: الإيمان تصديق بالجنان، أي: بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان أي بالجوارح هذه هي الأركان الثلاثة التي تجعل الإيمان مقبولًا وصحيحًا، ينفع صاحبه عند الله تعالى.
ومن هذا التعريف: نعلم أن الإيمان قولٌ وعمل وعقيدة، وأن الإيمان من غير عمل لا قيمة له، وأن العمل الذي لا يبنى على الإيمان عملٌ باطل وضائع وفاسد، ولا قيمة له عند الله تعالى.
ولقد عقد الإمام البخاري في (صحيحه) في كتاب الإيمان بابًا بعنوان: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، وتحت هذا العنوان أتى بحديث يدل على أن الإيمان هو العمل سئل -ﷺ- في الحديث عن أفضل العمل فكان جوابه -ﷺ-: «الإيمان بالله ورسوله ثم الجهاد ثم الحج المبرور» فجعل الإيمان نوع من العمل بل هو أفضل العمل روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- سئل أي العمل أفضل قال: «إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور».
والدليل أيضًا على أن الإيمان هو العمل، وليس مجرد الاعتقاد حديث آخر رواه البخاري بسنده عن أبي ذر -﵁- قال: سألت رسول الله -ﷺ-: «أي العمل أفضل؟ قال -ﷺ-: إيمان بالله وجهاد في سبيله، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا، أو
[ ٤٥ ]
تصنع لأخرق قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر؛ فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك».
فالسؤال في الحديث من أبي ذر -﵁- عن أفضل الأعمال فأجابه -ﷺ- بأن الإيمان هو أفضل الأعمال، ثم يتبعه بعد ذلك الجهاد، ثم إلى آخر الحديث.
جعل -ﷺ- الإيمان عملًا من الأعمال، بل هو أفضل الأعمال، ثم بعد ذلك الجهاد في سبيل الله تعالى، ثم بعد ذلك تظهر أثار الإيمان على المؤمن، فيعتق أغلى الرقاب ثمنًا وأنفسها، أي: أغلاها عنده ثم يعين ذا الحاجة، ويُعَلِّمُ من لم يحسن الصنعة كيف يصنع، ويرفع أذاه وشره عن الناس.
ولقد جاءت أحاديث تبين أن الإيمان تصديق وقول وعمل، وإن كان في هذه الأحاديث بعض الضعف إلا أنها يستأنس بها؛ فإنها ثبتت في الأحاديث الصحيحة أوردناها، والتي هي من رواية إمام أهل الحديث -الإمام البخاري- ما يدل على أن الإيمان تصديق، وقول وعمل؛ فمن هذه الأحاديث روى ابن ماجه، والطبراني في (المعجم الكبير) عن علي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان».
وروى الشيرازي في (الألقاب) عن عائشة -﵂-: «الإيمان بالله الإقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالأركان» هذان الحديثان رواهما الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) وأسندهما إلى ما ذكرت من مصادر للحديث.
ومما يدل على أن الإيمان عقيدة وعمل وإقرار، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك -﵁- قال: «نهينا أن نسأل رسول الله -ﷺ- عن شيء؛ فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله
[ ٤٦ ]
أرسلك قال: صدق. قال الأعرابي: فمن خلق السماء؟ قال -ﷺ-: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال -ﷺ-: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال -ﷺ-: الله قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، اللهُ أرسلك؟ قال -ﷺ- نعم. قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال -ﷺ-: صدق، قال فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال -ﷺ-: نعم، قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال -ﷺ-: صدق، قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال رسول الله -ﷺ-: صدق، قال الأعرابي: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال -ﷺ-: نعم، قال الأعرابي: وزعم رسولك أن علينا حج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلًا، قال -ﷺ-: صدق. قال: ثم ولى -أي الأعرابي قال الأعرابي بعدما ولى واتجه في طريقه سائرًا-: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن فقال النبي -ﷺ-: لئن صدق ليدخلن الجنة».
في رواية من روايات الإمام مسلم: قال أنس: كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله -ﷺ- عن شيء، وساق هذا الحديث يشير أنس بذلك إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (المائدة: ١٠٠، ١٠١).
وفي مسلم أيضًا بسنده عن أبي أيوب الأنصاري -﵁- «أن أعرابيًّا عرض لرسول الله -ﷺ- وهو في سفر؛ فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها ثم قال: يا رسول الله، أو يا محمد، أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار. قال: فكف النبي -ﷺ- ثم نظر في أصحابه، ثم قال: لقد وُفِّقَ ثم قال: كيف قلت؟ قال:
[ ٤٧ ]
فأعاد الأعرابي السؤال؛ فقال -﵊-: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة».
ومما ورد في ذلك أيضًا ما رواه الإمام مسلم أيضًا في صحيحه بسنده عن أبي أيوب -﵁- قال: «جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: دُلَّنِي على عمل أعمله يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك، فلما أدبر قال رسول الله -ﷺ-: إن تمسك بما أمر به دخل الجنة».
وفي رواية ابن أبي شيبة: «إن تمسك به دخل الجنة» في رواية أخرى للإمام مسلم أيضًا بسنده عن أبي هريرة -﵁-: «أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده؛ لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه؛ فلما ولَّى؛ قال النبي -ﷺ-: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا».
وروى مسلم بسنده عن جابر -﵁- قال: «أتى النبي -ﷺ- النعمان بن نوفل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرَّمْتُ الحرام، وأحللت الحلال، أأدخل الجنة؟ فقال النبي -ﷺ-: نعم» في رواية: «ولم أزد على ذلك شيئًا».
وبسنده عن جابر بن عبد الله -﵄-: «أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ- فقال: أرأيت يا رسول الله إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنة؟ قال: نعم، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا».
[ ٤٨ ]
ومن أظهر الأدلة على أن الإيمان عقيدة وعمل: حديث: "بني الإسلام على خمس" إذ الركن الأول عقيدة، وهو الشهادتان والأربعة الباقية عمل روى مسلم بسنده في صحيحه عن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «بني الإسلام على خمسة -وفي رواية: على خمس-: شهادة ألا إله لا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان».
وأيضًا حديث بعث معاذًا -﵁- إلى اليمن: يدل على أن الإيمان قول وعقيدة، وعمل روى مسلم بسنده عن ابن عباس -﵄- أن معاذًا قال: «بعثني رسول الله -ﷺ- فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فادعوهم إلى شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم؛ فترد في فقرائهم؛ فإن هم أطاعوا لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتقي دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها، وبين الله حجاب».
وفي رواية عن ابن عباس -﵄-: أن رسول الله -ﷺ- لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: «يا معاذ إنك تقدم على قوم أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله -﷿- فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم؛ فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم؛ فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم، وتوقّ كرائم أموالهم».
فهذه الأحاديث بينت أن أول شيء هو عبادة الله وحده في رواية، في رواية ومعرفة الله، وفي رواية، "والشهادتان" وهذا كله عقيدة ثم انتقلت الروايات بعد ذلك تعلم عن مطالب هذه العقيدة، وهي الصلاة والزكاة، والصوم، والحج.
[ ٤٩ ]
وفي حديث برواياته الشهادتان: "والصلاة والزكاة" وبينت الصلاة، وكذلك الزكاة على التوحيد، والإقرار للعبودية لله تعالى؛ فالإيمان عقيدة، وقول وعمل هذا ما تظاهرت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والذي يجب أن يعتقده كل مسلم؛ فالعقيدة وحدها لا تكفي؛ بل لابد من العمل والعمل وحده لا يكفي، بل لابد من العقيدة الصحيحة التي يبتنى عليها العمل، وأن يأتي العمل وفق الشرع، وأن يكون خالصًا لله -﷾.
إن أبا بكر الصديق -﵁- حارب من أجل فريضة الزكاة، ولم يكتفِ من أحد بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأقسم أنه ليقاتلن كل من فرّق بين الصلاة والزكاة. وكان عمر بن الخطاب -﵁- في أول من اعترض على أبي بكر الصديق، كيف يقاتل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ فبيّن له أبو بكر أنه لا بد أن يطابق القولُ العمل، وأن العقيدة الصحيحة قول وعمل، وأن الإيمان عقيدة وعمل، والعمل هو حق لكلمة لا إله إلا الله.
وكان سبب اعتراض عمر بن الخطاب -﵁- في بادئ الأمر أنه فهم من قوله -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله» فهم عمر أنه بمجرد ما يقول: لا إله إلا الله فقد عصم دمه. أما أبو بكر: فرتب العصمة لكل من يقولها، ويقوم بحقها؛ فأقسم أنهم لو منعوه عقالًا، أي: خطامًا يجر به بعير، أو عناقًا أي: جديًا صغيرًا -شاة صغيرة- كانوا يؤدونها إلى رسول الله -ﷺ- لقاتلتهم على منعها.
وبيَّنَ لعمر -﵁- وغيره أن الزكاة من حق لا إله إلا الله.
روى مسلم بسنده عن أبي هريرة -﵁- قال: «لما توفي رسول الله -ﷺ- واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب. قال عمر بن الخطاب -﵁- لأبي بكر: كيف تقاتلُ الناس، وقد قال رسول الله -ﷺ-: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:
[ ٥٠ ]
لا إله إلا الله؛ فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسوله الله -ﷺ- لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب -﵁-: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق».
ورواه بسنده أيضًا عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة -﵁- أخبره أن رسول الله -ﷺ- قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله؛ عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله».
وبلفظ آخر رواه مسلم أيضًا بسنده عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله».
وفي رواية أخرى بسنده عن أبي صالح وأبي هريرة -﵄- قالا: قال رسول الله -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس» بمثل حديث ابن المسيب السابق عن أبي هريرة وتحول السند إلى جابر بن عبد الله -﵄- فقال جابر: قال رسول الله -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوا: لا إله إلا الله؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله. ثم قرأ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾».؟
وبسنده عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
وبسنده أيضًا عن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله».
[ ٥١ ]
وبسنده عن أبي مالك عن أبيه أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: «من وحّد الله» ثم ذكر الحديث بمثله.
فمجموع هذه الروايات تبين: أن الإيمان عقيدة وعمل، وأن كلمة التوحيد لا بد أن تكون مقرونة بشهادة: أن محمد رسول الله، وأن هذه الكلمة لها حقوق، فإن على من يقولها أن يقيم الصلاة، وأن يؤتي الزكاة، وأن يصوم رمضان، وأن يحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، هذا هو حق لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ أي أن العقيدة الصحيحة من حقها الأعمال الصالحة، وأول هذه الحقوق: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج وبقية شعائر الإسلام.