الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
الصدق هو مطابقة الخبر للواقع، ولقد دعا الإسلام إلى الصدق وحبب فيه ورغب في آيات تتلى في القرآن الكريم، وفي أحاديث قالها النبي الكريم سيدنا محمد -ﷺ.
فمن الآيات التي دعت إلى الصدق وحثت عليه قول الحق - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥).
أما الأحاديث في الصدق فهي كثيرة؛ منها قال -ﷺ-: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا؛ وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» رواه البخاري وغيره.
وإن الصدق دعت إليه كل الرسالات ونادى به جميع الرسل؛ فهو خلق الأنبياء والصالحين، ومما تمدح به السيدة مريم أم سيدنا عيسى - ﵇ - أنها صديقة قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَانظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٥) فالأخلاق الكريمة واحدة في كل الشرائع،
[ ٣١١ ]
ومن هذه الأخلاق ما نحن بصدده الآن؛ وهو الصدق، فالصدق خلق نبيل فاضل دعت إليه كل الشرائع السماوية في كتبها وعلى ألسنة رسلها، ثم جاء الإسلام فأكد على هذا الخلق النبيل في كتابه الكريم، وعلى لسان سيد الأولين والآخرين رسول الإسلام والسلام سيدنا محمد - عليه الصلاة وأفضل السلام.
الصدق مع الله، والصدق مع رسول الله، والصدق مع النفس، والصدق مع الناس؛ إن الصدق بكل أشكاله وألوانه دعا إليها الإسلام ورسول الإسلام، روى الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - بسنده عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي -ﷺ- قال: «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر » ومر الحديث قريبًا.
إن رسول الله -ﷺ- دعا إلى الصدق وعدم اتباع الظن والأوهام، بل يجب أن يكون المسلم صادقًا مع نفسه يسعى إلى اليقين ويعيش حياته باليقين ومع اليقين لقد قضى رسول الله -ﷺ- الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؛ قضى بأن الظن أكذب الحديث وحذر المسلمين منه؛ لأن عاقبته وخيمة قال -ﷺ-: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا».
من أبرز صفات رسول الله -ﷺ- قبل مبعثه أنه عرف بالصادق الأمين؛ كان رسول الله -ﷺ- صادقًا في حديثه، صادقًا في تجارته، صادقًا في كل أحواله؛ وهذا الصدق هو الذي جعل هرقل يجزم بأنه نبي الله حق ًّ ا، وأنه النبي المنتنظر، وأنه سيملك موضع قدميه، وأن الخير كل الخير في اتباعه؛ إذ قال لأبي سفيان: هل يكذب محمد في حديثه معكم؟ قال أبو سفيان: لا، قال هرقل: ما كان ليذر؛ أي ليترك الكذب على الناس ثم يكذب على الله.
[ ٣١٢ ]
ولما جاءته الرسالة -ﷺ- جمع أهل مكة وقال: «لهم لو أخبرتكم أن خيلًا من وراء هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبًا قط.
ولقد وصفه الله تعالى بالصدق في دعوته قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ (التكوير: ٢٤، ٢٥) وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٣٣).
ومدح الحق - ﷾ - أهل الصدق فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ الآية، وقد مرت قريبًا، ودعا الحق سبحانه المؤمنين بأن يكونوا مع الصادق ي ن فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وقد مرت أيضًا.
والشرائع كلها نادت بالصدق ودعت إليه، ومدح الحق سبحانه أهل الصدق منهم، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل؛ فها هو خليل الرحمن نبي الله إبراهيم - ﵇ - يصفه ربه بالصدق مادحًا إياه بهذا الوصف الجميل؛ فيقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٤١).
ونفس الوصف يصف به الله - ﷾ - نبيه إدريس - ﵇ - فيقول الحق - ﷾ -: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٥٦).
وهذا نبي الله يوسف - ﵇ - يعرف بالصديق ويكون ذلك الوصف من أبرز الأوصاف التي عرف بها، بل به كان ينادى، فها هو رسول الملك في سورة " يوسف " يخاطبه قائل ً ا: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٤٦).
[ ٣١٣ ]
ونبي الله عيسى - ﵇ - صديق ومصدق لما بين يديه من (التوراة) و(الإنجيل)، ومبشر برسول يأتي من بعده هو نبينا -ﷺ- قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦).
ومريم - ﵍ - أم سيدنا عيسى وصفها الحق كما قلت سابقًا بأنها صديقة.
فالصدق في القول والعمل خلق نبيل جاءت به كل الشرائع، واتصف به جميع الرسل، وأكد عليه الإسلام ورسول الإسلام -ﷺ.
وإليكم ما جاء من أحاديث في فضل الصدق في (رياض الصالحين) للإمام النووي حيث ذكر أحاديث هامة في الصدق وفضله:
الحديث الأول: عن ابن مسعود -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة » الحديث.
الحديث الثاني: عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب - ﵄ - قال: حفظت من رسول الله -ﷺ- «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة» رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.
قوله: «يريبك» هو بفتح الياء وضمها ي ُ ريبك وي َ ريبك ومعناه اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا شك فيه.
الحديث الثالث: عن أبي سفيان صخر بن حرب -﵁- في حديثه الطويل من قصة هرقل؛ قال هرقل: فماذا يأمركم - يعني النبي -؟ قال أبو سفيان: قلت يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، وتركوا ما يقوله آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
[ ٣١٤ ]
الحديث الرابع: عن أبي ثابت، وقيل: أبي سعيد، وقيل: أبي الوليد بدري؛ يعني من أهل بدر -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه».
انظر إلى الصدق في النية عندما يصدق الإنسان النية مع الله - ﷾ - يكتب الله له - ﷾ - بحسب نيته فهذا الذي تمنى أن يموت شهيدًا في سبيل الله تكتب له الشهادة وإن مات على فراشه، وذلك في قوله - ﵊ - «من شهد الله تعالى الشهادة بصدق» المهم أن يكون صادقًا في طلبه ونيته «بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه».
الحديث الخامس: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «غزا نبي من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها، ولا أحد بنى بيوتًا لم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات -يعني إبل وأبقار- وهو ينتظر أولادها؛ فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك؛ فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم، فجاءت -يعني النار- لتأكلها فلم تطعمها -وكان هذا شأن الأمم السابقة الغنائم أحلت لرسول الله -ﷺ- وللأمة الإسلامية فقط، أما من كان قبلنا فكانوا إذا غنموا يضعون الغنيمة في مكان فتأتي النار فتأكلها كلها إن كانوا صادقين، ومعنى أن النار تأكلها أنها قبلت، فلما لم تأكلها النار- قال ذلك النبي لمن معه من المحاربين: إن فيكم غلولًا -يعني فيه هناك من سرق من الغنيمة- فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها فجاءت النار فأكلتها، فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» حديث متفق عليه.
[ ٣١٥ ]
«الخ َ ل ِ فات» بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام جمع خلفة؛ وهي الناقة الحامل.
الحديث السادس: عن أبي خالد حكيم بن حزام -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» هذا الحديث يجعل البركة في التجارة أساسها الصدق وإخلاص النية بين الشريكين، وأن يصدقوا مع الناس الذين يبايعونهم ويتبايعون معهم.