لقد أمر الإسلام بصلة الرحم، وبين -ﷺ- أن صلة الرحم سعادة في الدنيا، ونجاح وفلاح في الآخرة؛ روى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) بإسنادهما عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك»
[ ٣٧٩ ]
وقد مر الحديث قريبًا، ثم قال رسول الله -ﷺ-: «اقرءوا إن شئتم» ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: ٢٢، ٢٣).
ولقد مدح الحق -﷾- الذين يصلون الأرحام، وبين أنهم أهل الجنة، وأنهم أولو الألباب - أي العقول - كما ذم الذين يقطعون الأرحام، وبين أن لهم اللعنة، ولهم سوء الدار؛ قال تعالى في سورة " الرعد " ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ * وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار﴾ (الرعد: ١٩ - ٢٥).
وإليك ما جاء في (رياض الصالحين) من الأحاديث النبوية الشريفة التي تدعو إلى صلة الأرحام وعدم قطيعتها؛ يقول النووي: عن أبي هريرة -﵁- أن رجل ً اقال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال - ﵊ - «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم.
و«تسفهم» بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء تسفهم، و«المل» بفتح الميم وتشديد اللام هو الرماد الحار؛ أي كأنما أي كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق أكل الرماد الحار من الألم، ولا
[ ٣٨٠ ]
شيء على هذا المحسن إليهم، لكن ينالهم إثم عظيم لتقصيرهم في حقه، وإدخالهم الأذى عليه، والله أعلم.
وعن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه» أي أحب أن يوسع له في رزقه، وأن يؤخر له في عمره؛ فليصل رحمه، فصلة الرحم تزيد في العمر، وتكون بركة في الرزق، والزيادة في العمر قد تكون حقيقة بأن يعلق الله -﷾- زيادة العمر على بره وعلى صلته لرحمه، أو أن المراد بزيادة العمر البركة في العمر؛ فإنه من البركة في العمر أن الإنسان قد تراه يعيش قليل ً اولكن يترك آثارًا طيبة عظيمة، وذكرًا يطول بعده مئات السنين.
يقول الإمام النووي: ومعنى «ينسأ له في أثره» أي يؤخر له في أجله وعمره.
وعن أنس -﵁- قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مال ً امن نخل، وكان أحب أمواله إليه " بيرحاء " وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله -ﷺ- يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٢) قام أبو طلحة إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله إن الله - ﵎ - يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب مالي إلي " ببرحاء " وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برها وزخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله -ﷺ-: «بخ - وهي كلمة تقال عند السرور - بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: أقبل رجل إلى نبي الله -ﷺ- فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، قال: «فهل لك من والديك أحد حي؟» قال: نعم بل كلاهما، قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى»
[ ٣٨١ ]
قال: نعم، قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما» وفي رواية لهما؛ أي للبخاري ومسلم، جاء رجل فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد».
وعنه، عن النبي -ﷺ- قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».
وعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله».
وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث - ﵂ - أنها أعتقت وليدة - يعني جارية - كانت عندها ولم تستأذن النبي -ﷺ- فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: «أوفعلت؟» قالت: نعم، قال: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» لأن ذلك يكون فيه عتق وصلة رحم.
وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود -﵁ وعنها - قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن» قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد؛ يعني فقير لكنها لغة مهذبة من المرأة لزوجها، تقول: فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله -ﷺ- قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزئ عني؛ يعني أعطيك مالي صدقة، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقال عبد الله: بل ائتيه أنت، فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله -ﷺ- حاجتي حاجتها؛ يعني عندها مال وزوجها فقير، ولما سمعت الأمر بالصدقة تريد أن تعطي زوجها، وكان رسول الله -ﷺ- قد ألقيت عليه المهابة؛ يعني يهابونه عند السؤال فخرج علينا بلال -﵁- فقلنا له: ائت
[ ٣٨٢ ]
رسول الله -ﷺ- فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن، انظر إلى عظمة الصحابيات ليسترن على أزواجهن يقلن لسيدنا بلال: ولا تخبره من بالباب، ولا تخبره من نحن، فدخل بلال على رسول الله -ﷺ- فسأله فقال له: رسول الله -ﷺ- «من هما؟» قال بلال: امرأة من الأنصار وزينب، هنا أجاب بلال على رسول الله -ﷺ- ولم يعص أمره، وفي الوقت نفسه كتم سر المرأتين، فقال: امرأة من الأنصار وزينب، وكم من امرأة اسمها زينب، فقال رسول الله -ﷺ-: «أي الزيانب هي؟» قال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله -ﷺ-: «لهما أجران؛ أجر القرابة وأجر الصدقة» حديث متفق عليه.
وعن أبي سفيان صخر بن حرب -﵁- في حديثه الطويل في قصة هرقل؛ أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؛ يعني النبي -ﷺ-؟ قال: قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم» ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
وعن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط - وهي مصر -» وفي رواية: «ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط؛ فاستوصوا بأهلها خيرًا؛ فإن لهم ذمة ورحمًا»، وفي رواية: «فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمة ورحمًا» أو قال: «لهم ذمة وصهرًا»، رواه مسلم.
قال العلماء: الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل منهم، والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله -ﷺ- منهم.
وعن أبي هريرة -﵁- قال: لما نزلت هذه الآية؛ وهي قول الحق - ﷾ -: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) دعا رسول الله -ﷺ- قريشًا فاجتمعوا فعم
[ ٣٨٣ ]
وخص، وقال: «يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي؛ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها».
قوله: «ببلالها» هو بفتح باء الثانية وكسرها؛ يعني يجوز ببلالها وببلالها، والبلال الماء، ومعنى الحديث سأصلها، شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء، وهذه تبرده بالصلة.
وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص - ﵄ - قال: سمعت رسول الله -ﷺ- جهارًا غير سر يقول: «إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها».
وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري -﵁- أن رجل ً اقال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار، قال النبي -ﷺ-: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم».
وعن سلمان بن عامر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرة؛ فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فالماء؛ فإنه طهور» وقال: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان؛ صدقة وصلة».
هذا وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٨٤ ]