الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
ولنبدأ برواية حديث جبريل -﵇- الذي جاءت فيه هذه العلامات، نتناول هذا الحديث بطرقه المتعددة كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده وكما رواه غير مسلم أيضًا.
روى الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- بسنده في صحيحه عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: «بينما نحن عند رسول الله -ﷺ- ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب شديد بياض الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي -ﷺ- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال: رسول الله -ﷺ-: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -ﷺ- وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان قال: ثم انطلق فلبثت مليًّا ثم قال -ﷺ- لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال -ﷺ- فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم».
ورواه مسلم أيضًا بسنده عن أبي هريرة -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجلًا فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله
[ ١٠٣ ]
وملائكته وكتبه وكتابه ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر، قال: يا رسول الله ما الإسلام: قال: الإسلام أن تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإنك إلا تراه فإنه يراك، قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها - الأشراط يعن: علاماتها- إذا ولدت الأمة ربها؛ فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رءوس الناس؛ فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم جمع بهيمة في البنيان؛ فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا -ﷺ- قول الحق -﷾-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤).
قال: الراوي وهو سيدنا أبو هريرة: «ثم أدبر الرجل فقال: رسول الله -ﷺ- ردوا علي الرجل، فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا فقال رسول الله -ﷺ-: هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم».
نتناول في درسنا هذا في مقدمته المراد بالساعة، والأسماء التي وردت لها في القرآن الكريم، وبيان أنها غيب، أي: أن ميعادها غيب لا يعلمه إلا الله، كما سنتعرض إلى أنها لا تقوم إلا على شرار الخلق، ونبين أن الدين الإسلامي باقٍ، وظاهر إلى قيام الساعة.
أولًا المراد بالساعة يوم القيامة: وهو المعروف باليوم الآخر كما جاء في رواية من روايات هذا الحديث أعني حديث جبريل -﵇- وجاء كثيرًا باسم اليوم الآخر في آيات القرآن الكريم.
[ ١٠٤ ]
وجاء في روايات هذا الحديث أيضًا أنه يوم البعث وذلك عندما قال -ﷺ- لجبريل عند سؤاله عن الإيمان قال: له -﵊- في الجواب، وأن تؤمن بالبعث بعد اليوم، والساعة غيب لا يعلمه إلا الله فلا يعلم متى الساعة نبي مرسل ولا ملك مقرب، قال -ﷺ- في هذا الحديث عندما تحدث عن علامات الساعة، وذلك في خمس لا يعلمهن إلا الله، ومن الخمس الساعة؛ لأنه -ﷺ- تلا قول الحق -﷾-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
وهذا جبريل في هذا الحديث وهو ملك مقرب بل هو الملك الموكل إليه الوحي إلى الرسل لا يعرف متى تكون الساعة ملك من المقربين، ويجيبه سيد الخلق وخاتم الرسل بأنه لا يعرف أيضًا متى تكون؛ فالساعة غيب لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (الأحزاب: ٦٣).
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧) وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (الشورى: ١٧، ١٨).
ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، أي: أن الإيمان يقبض، وينزع من الأرض فلا يكون في الأرض موحد يقول: الله الله؛ فتقوم الساعة على من بقي، وهم عندئذ شرار الخلق، إذ تقوم ريح لينة من قبل الحق -﷾- يرسلها قبيل
[ ١٠٥ ]
قيام الساعة بلحظات، تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة فلا يبقى على وجه الأرض إلا شرار الخلق، عليهم تقوم الساعة قال -ﷺ-: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» قال -ﷺ-: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» رواه مسلم، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود.
وقال -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال: في الأرض الله الله» رواه مسلم أيضًا والترمذي وأحمد بن حنبل عن أنس بن مالك -﵁- ذكر ذلك السيوطي في الجامع الصغير في الجزء الثاني صفحة ٢٠٢ وقال -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع»، رواه الترمذي، وأحمد، والضياء عن حذيفة.
أما البشارة ببقاء الأمة الإسلامية، وأنها ظاهرة على الحق، وأنها باقية إلى قيام الساعة دليل هذه البشارة قال -ﷺ-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»، رواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة -﵁-، ذكر ذلك السيوطي في الجامع الصغير في الجزء الثاني صفحة ٢٠٠ وقال -ﷺ- لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة رواه الحاكم عن ابن عمر وقال: السيوطي حديث صحيح (الجامع الصغير) للسيوطي ج٢ ص٢٠٠.
وروى ابن ماجة بسنده عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تزال طائفة من أمتي قوامةً على أمر الله لا يضرها من خالفها» (الجامع الصغير) للسيوطي أيضًا الجزء الثاني صفحة ٢٠٠ وخطب معاوية بن أبي سفيان -﵄- على المنبر فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله -﷿- يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» الحديث في (مختصر صحيح الإمام
[ ١٠٦ ]
البخاري) ص٣٠ حديث رقم ٦٤ في كتاب العلم في باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. المراد بأمر الله الأولى القيام بشرع الله.
والمراد بأمر الله الثانية: الساعة، أي: أن الأمة الإسلامية قائمة بأمر الله، أي: بشرعه عاملة بشرع الله -﷾- إلى قيام الساعة. والمراد -كما قلت سابقًا- إلى قرب قيامها ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى يبعث ريحًا أو يرسل ريحًا طيبة لينة قبيل قيام الساعة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة فلا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق فعليهم تقوم الساعة وقيام الساعة يبدأ بالنفخ في الصور قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٣: ١٨).
وفي سورة الزمر ذكر الحق -﷾- أن هناك نفختان نفخة أولى يصعق بها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ربك ثم بعد زمن لا يعلمه إلا الله ينفخ للقيام للحساب والجزاء قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (الزمر: ٦٧: ٧٠).
وللساعة أسماء كثيرة جاءت في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة فمن أسمائها يوم القيامة أقسم على ذلك الحق -﷾- أقسم بها باسمها فبين اسمها قال تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (القيامة: ١) ومن أسمائها أيضًا الواقعة قال
[ ١٠٧ ]
تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (الواقعة: ١: ٦).
وتسمى الساعة أيضًا بيوم البعث يعني يوم القيامة يوم الحساب يسمى أيضًا بيوم البعث قال تعالى: ﴿وَقال: الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٥٦) ويدل أيضًا على أن اسم الساعة يوم القيامة قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر: ٦٠).
ومن أسماء الساعة أيضًا الآخرة وجاء ذلك كثيرًا في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (الأعلى: ١٦، ١٧) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٧)
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢) فكل هذه الآيات ذكرت أن اليوم الآخر هو اسم من أسماء الساعة أو اسم من أسماء يوم القيامة، وتسمى الساعة أيضًا بيوم الدين قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة: ١: ٣).
وتسمى أيضًا بيوم الحساب، قال تعالى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَاب﴾ (غافر: ٢٧) كما أنها أيضًا تسمى بيوم الفتح قال
[ ١٠٨ ]
تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (السجدة: ٢٩) وتسمى -أي: الساعة- يسمى يومها بيوم التلاق قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر: ١٤) وتسمى الساعة أيضًا بيوم الحساب قال تعالى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَاب﴾. (غافر: ٢٧)
وتسمى أيضًا بيوم الفتح قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (السجدة: ٢٨، ٢٩) ويسمى يوم القيامة أيضًا، أو وتسمى الساعة بيوم التلاق قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ (غافر: ١٤: ١٧).
وتسمى أيضًا يوم القيامة بيوم الآزفة قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: ١٨، ١٩).
وقال تعالى: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (النجم: ٥٧، ٥٨) من أسماء الساعة أيضًا يوم التغابن ويوم الجمع قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ (التغابن: ٩) ويسمى بيوم الخروج قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤٢) كما يسمى أيضًا بيوم الخلود قال تعالى: في سورة ق: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ (ق: ٣٤) كما يسمى أيضًا بيوم التناد قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (غافر: ٢٣، ٣٣).
[ ١٠٩ ]
ويسمى أيضًا بيوم الحسرة قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (مريم: ٣٩) ويسمى بالطامة الكبرى قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ (النازعات: ٣٤: ٣٦) وتسمى الساعة يعني يوم القيامة أيضًا يسمى بالصاخة قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٣: ٣٧).
وتسمى بالحاقة قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (الحاقة: ١: ٣) كما تسمى بالغاشية قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (الغاشية: ١) وتسمى أيضًا بالزلزلة قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقالهَا * وَقال: الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (الزلزلة: ١: ٥).
وكون اسمها الساعة ورد في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر: ١) وفي آيات كثيرة من القرآن الكريم جاء اسمها الساعة قال تعالى ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (فصلت: ٤٧) وجاء اسمها الساعة في حديث رسول الله -ﷺ- الذي يعرف بحديث جبريل الذي نحن بصدد الحديث فيه عندما رد -ﷺ- على سؤال جبريل عندما سأله متى الساعة، وفي قوله -ﷺ- «مفاتيح الغيب خمس ما يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وقال -ﷺ-: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وضم إصبعيه السبابة والوسطى» رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، والترمذي عن أنس -﵁.
البعث وأدلته وشبهة منكريه والرد عليها:
قلنا سابقًا: إن البعث هو الساعة، وهو من أسماء يوم القيامة وتحت عنوان البعث وأدلته وشبهة منكريه والرد عليها. يقول الشيخ سيد سابق -رحمه الله تعالى-:
[ ١١٠ ]
تحت عنوان البعث، ويبدأ اليوم الآخر بالبعث، وهو إعادة الإنسان روحًا وجسدًا، كما كان في الدنيا، وهذه الإعادة تكون بعد العدم التام، ولا يستطيع الإنسان معرفة هذه النشأة الأخرى؛ لأنها تختلف تمام الاختلاف عن النشأة الأولى قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ (الواقعة: ٦٠: ٦٢).
أدلة البعث ولقد أورد القرآن الكريم أدلة كثيرة على البعث مستدلا بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة ومبينًا أن الله قادر على كل شيء وعالم بكل شيء فلا تعجزه إعادة الأجسام لنفوذ قدرته ولا يضيع منها شيء لسعة علمه قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قال: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس: ٧٨، ٧٩).
والإنسان وتطوره في الخلق وتحوله من حال إلى حال والأرض وما تخرجه من نبات مظهر للعلم والقدرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج: ٥: ٧).
وإذا كان الله لم يعي بخلق السموات والأرض ولا يزال يخلق ويرزق ويحي ويميت فهل يستبعد بعد هذا المشهد المنظور أن يعيد الخلق مرة أخرى، قال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (ق: ١٥).
[ ١١١ ]
إن إنكار البعث وإعادة الحياة مرة أخرى بعد هذه الدلائل البينة في الأنفس والآفاق لا معنى لها.
شبهة منكري البعث: لقد استبعدت طوائف من الناس هذه الحقيقة زاعمين أنها مخالفة لما عهدوه من السنن المألوفة ومستبعدين ذلك مستعظمين أمره؛ لأن عقولهم لا تكاد تصدق إعادة الحياة إلى الأجسام بعد تفرقها وتحللها وبعد أن يتداخل بعضها في بعض؛ فإن الإنسان بعد أن يموت يتحول جسمه إلى تراب، ثم يتحول التراب إلى نباتٍ، فيتغذى إنسانٌ آخرُ بذلك النبات، ثم يموت، وهكذا- الإنسان تحول كغيره، وهكذا تتداخل الأجسام بعضها في بعض، فكيف يبعث الناس بعد هذا التداخل يجيب علماء العقائد عن هذه الشبهة بأن للإنسان أجزاء أصلية، وأجزاء عرضية، والأجزاء الأصلية تبقى كما هي، والعرضية هي التي تتحول وهذه الشبهة قديمة، ولا تزال تتردد في صدر الكثير.
والقرآن ذكر هذه الشبهة وعالجها وأجاب عنها قال تعالى: ﴿وَقالوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: ٢٤: ٢٦).
فهؤلاء الذين استنكروا البعث رد الله عليهم بأن استبعادهم لا معنى له لأنهم يجهلون عظمة الله، وقدرته، وعلمه، وحكمته، وأنهم لا يبصرون في أنفسهم فهم أنفسهم أدل الدلائل وأقوى الحجج على نفي ما ينكرونه من البعث فالله أحياهم أولا وأماتهم ثانيًا، ولا تزال القدرة صالحة لإحيائهم مرة أخرى، وجمعهم مرةً أخرى يوم القيامة، ولا تزال القدرةُ صالحةً لإحيائهم مرة، وجمعهم مرة أخرى يوم القيامة، فأي استبعاد في هذا؟! قال
[ ١١٢ ]
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم: ٢٧).
اختلاف الناس عند البعث:
والناس يختلفون عند البعث اختلافًا كبيرًا حسب أعمالهم فالذين صلحت أعمالهم فالذين صلحت عقائدهم وأعمالهم، وذكت نفوسهم يكونون أكمل أجسادًا وأرواحًا، والذين خبثت أعمالهم، وفسدت عقائدهم يكونون أنقص أجسادًا وأرواحًا، فعن أبي هريرة -﵁- أن الرسول -ﷺ- قال: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة وصنف ركبان وصنف على وجوههم قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟ قال -﵊-: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما أنهم يتقون بوجوههم كل جدب وشكوك الجدب ما ارتفع من الأرض» الحديث رواه الإمام الترمذي في سننه عن أبي هريرة.
وفي حديث آخر يقول الرسول -ﷺ-: «يحشر المتكبرون والمتجبرون يوم القيامة في صور الذر تتطؤهم الناس؛ لهوانهم على الله ﷿» وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: يبعث كل عبد على ما مات عليه -أي: إن من مات على خير- بعث على حال سارة ومن مات على شر بعث على حال شنيعة» ومع كون البعث بالأجساد والأرواح إلا أن القوى الروحية تكون هي القادرة على التصرف في الأجساد فتستطيع قطع المسافات البعيدة في أقصر مدة والتخاطب والتخاطب بالكلام بين أهل الجنة والنار ويكون مثلهم في ذلك مثل الملائكة والجن في قدرتها على التشكل وظهورها في أجساد تأخذها من مادة الكون وقد ثبت ذلك ثبوتًا علميًّا.
[ ١١٣ ]
علامات الساعة التي وردت في حديث جبريل -﵇- ورد في حديث جبريل -﵇- بعض علامات الساعة، وليس كل العلامات وحديث جبريل هذا يسميه علماء الحديث بأم السنة فكما تسمى سورة الفاتحة بأم القرآن، حديث جبريل يعرفه العلماء بأم السنة العلامات التي أخبر بها -ﷺ- جبريل.
والأمة في هذا الحديث هي:
١ - أن تلد الأمة ربها وفي رواية: "ربتها" والمراد سيدها. والعلماء قالوا في ذلك -أي: السراري- يعني تختلط الأمور، وتكثر الحروب، ويحدث الهرج والمرج فيشتري الرجل المرأة لتخدمه؛ فتكون أمه هي التي تخدمه، ويكون هو ربها، أو تكون ابنتها ربتها وهذا أيضًا يشير إلى العقوق وعدم بر الوالدين وهذا يكثر، وينتشر قرب الساعة.
العلامة الثانية في هذا الحديث: أي: في حديث جبريل -﵇-: أن يتطاول الحفاة العراة رعاء البهم في البنيان أي يتحول الناس من سكنى الصحراء والخيام إلى سكنى القصور، وأن يتفاخروا، ويتعالوا في البنيان سواء في جزيرة العرب أو في أي مكان في العالم؛ فعندما ورد هذا الحديث كان أغلب سكان العالم يعيشون في الصحراء، وفي الخيام ويرعون الأبقار والأغنام، وأوضح وأقرب دليل على ذلك الهنود الحمر الذين كانوا يسكنون أمريكا، وينتشرون في أفريقيا وغيرها.
فليس المراد بسكان جزيرة العرب فقط، قال: ابن حجر في علامة أن يتطاول الحفاة العراة رعاء البهم أو البهم في البنيان قال: والمراد بهم أهل البادية كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره قال: ما الحفاة العراة قال: العريب أو العريب، وهو بالعين المهملة على التصغير، وفي الطبراني عن طريق أبي حمزة عن ابن عباس -﵄- مرفوعًا: "من انقلاب الدين تفصح النبط، واتخاذهم
[ ١١٤ ]
القصور في الأمصار" قال: القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان، والتفاخر به. قال ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) معقبًا على هذا القول: وقد شاهدنا ذلك في هذه الأيام.
ومنه الحديث الآخر: «لا تقوم الساعة إلا حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع» ومنه قوله -ﷺ-: «إذا وُسِّدَ الأمرُ يعني أسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة» وكلاهما في الصحيح
قال ذلك ابن حجر منذ زمن بعيد، فما بالكم بما نراه اليوم؟، فحديث جبريل -﵇أو ذكرت فيه- علامتان، الأولى: «أن تلد الأمة ربها أو ربتها» كما في رواية أخرى الثانية التطاول في البنيان، والتفاخر به خاصة من الحفاة العراة رعاء الشاء والبهم، أي: سكان البادية.