أما كيف يتقي المسلم الفتن أقول: أنه إذا أراد المسلم أن ينجو من الفتن؛ فليخشَ الله تعالى وليستعدّ للقائه، ويوقن بأنه -﷾- سيحاسبه، وأن هذا الإنسان سيحاسب على كل عمل يعمله، وكل ما تُقدّمه يداه؛ بل سيحاسب عن كل كلمة يقولها، وعليه أن يحفظ لسانه ويصونه، وأن يعلم أن للصمت فضلٌ عظيم إذا صمت عن الحرام، ولم يولج نفسه مواطن التهم، وعليه أن يتوكَّل على الله تعالى حق التوكل، فإنه إن توكل على الله اعتمد عليه، وعندما يتقي المسلم ربه يكن له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: ٢،٣).
ولقد ذكر الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه (رياض الصالحين) بابًا في المراقبة صدَّره بآيات كريمة تدعو إلى المراقبة، ثم بعد الآيات ذكر مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة تدعو إلى مراقبة الله تعالى، فمن الآيات الكريمة التي ذكرها في المراقبة قال: قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الشعراء: ٢١٧، ٢٢٠)،
[ ١٧٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: ٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ٥،٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: ١٤)، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: ١٩)، ثم قال: الإمام النووي بعد ذلك: "والآيات في ذلك كثيرة"، وبعد الآيات أورد الأحاديث التي جاءت في المراقبة، وبعد المراقبة تكلم عن التقوى وأتى بالآيات التي تدعو للتقوى، ثم بعد ذلك أورد الأحاديث التي جاءت في التقوى.
فمن الآيات التي ذكرها في التقوى قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢)، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: ٧٠)، وبعد ذكر الآيات أتى بالأحاديث التي وردت في تقوى الله تعالى، والتي تدعو المسلم إلى أن يتقي الله، وتقوى الله هي المخرج من الفتن، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: ٢، ٣).
وبعدما فرغ الإمام النووي من باب التقوى ذكر باب اليقين والتوكل على الله تعالى، ثم بدأ بالآيات الداعية إلى اليقين والتوكل على الله تعالى، والتي منها قول الحق ﷾: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٢)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: ١٧٢ - ١٧٣ - ١٧٤)، ثم بعد الآيات أورد الأحاديث الداعية إلى اليقين والتوكل على الله تعالى.
[ ١٧٧ ]
وإليك ما جاء في (رياض الصالحين) المؤلف المشهور الإمام النووي: كنيته أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي، يقول تحت عنوان باب المراقبة: "قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩) " وقد مرت الآيات فلنعرّج على الأحاديث.
الأحاديث: الحديث الأول: عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله -ﷺ- ذات يومًا إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي -ﷺ- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله -ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تَلِد الأمة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق فلبثت مليًّا. ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم؟ قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» رواه الإمام مسلم.
الشاهد في هذا الحديث في قوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، هنا مراقبة الله -﷾- هذه المراقبة هي أول شيء يقي الإنسان من الفتن التي تحدث، وينجيه الله -﷾- منها.
[ ١٧٨ ]
الحديث الثاني: عن أبي ذر -﵁- واسمه جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل -﵄- عن رسول الله -ﷺ- قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي وقال: حديث حسن، «اتق الله» يعني: راقب الله في كل مكان.
الحديث الثالث: عن ابن عباس -﵄- قال: «كنتُ خلف النبي -ﷺ- يومًا -يعني: ركب وراء رسول الله -﵊- دابته- فقال - ﵊: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وفي رواية غير الترمذي «احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشّدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» مراقبة، «احفظ الله» أي: راقب الله.
الحديث الرابع: في المراقبة، والتي هي سبب أصيل من أسباب النجاة من الفتن: عن أنس -﵁- قال: "إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدُّها على عهد رسول الله -ﷺ- من الموبقات". يعني: من الأمور المهلكة رواه البخاري، وقال: الموبقات المهلكات.
الحديث الخامس: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إن الله تعالى يغار، وغِيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرّم الله عليه» حديث متفق عليه يعني:
[ ١٧٩ ]
رواه البخاري ومسلم، فهو في أعلى درجات الصحة من الأحاديث، والغيرة -بفتح الغين- وأصلها الأنفة.
الحديث السادس: عن أبي هريرة -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص، وأقرع، وأعمى أراد الله أن يبتليهم -يعني: يختبرهم- فبعث إليهم ملكًا -أرسل ملك في صورة بشر- فأتى الأبرص فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس.، فمسحه -يعني: مسحه بيده- الملك فذهب عنه قذره، وأعطي لونًا حسنًا. قال: فأيُّ المال أحب إليك؟ قال: الإبل، أو قال: البقر، أو قال: البقر -شك الراوي- فأعطي ناقة عُشراء، فقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأقرع فقال أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس. فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرًا حسنًا. قال الملك لذلك الأقرع: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطي بقرة حاملًا. وقال: بارك الله لك فيها.
فأتى الأعمى فقال: أيُّ شيءٍ أحب إليك؟ قال: أن يردَّ الله إليَّ بصري فأبصر الناس، فمسحه فردَّ الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدة، فأنتج هذان ولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم، ثم إنه أتى الأبرص -يعني: جاء على صورة رجل أبرص، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الجبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا -يعني: أسألك بعيرًا- أتبلَّغ به في سفري فقال: الحقوق كثيرة. قال له الملك: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصًا يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثتُ هذا المال كابرًا عن كابر. فقال الملك: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته -في صورة أقرع وهيئة أقرع- فقال له مثل ما
[ ١٨٠ ]
قال لهذا، وردَّ عليه الأقرع مثل ما ردَّ الأبرص، فقال الملك: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك شاة أتبلَّغ بها في سفري، فقال له: خذْ ما شئت، قد كنت أعمى فردَّ الله إليّ بصري، فخذ ما شئت ودعْ ما شئت، فوالله ما أجهلك اليوم بشيء أخذته لله -﷿. -لا أحبس عنك شيئًا- فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك» حديث متفق عليه.
بعض الألفاظ: "الناقة العشراء": بضم العين وفتح الشين وبالمد هي الحامل، قوله «أنتج» في رواية «فنتج» معناه: تولى نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة، وقوله «ولّد هذا» بتشديد اللام أي: تولى ولادتها، وهو بمعنى: نتج في الناقة فالمولد والناتج والقابلة بمعنًى واحد، لكن هذا للحيوان وذاك لغيره، وقوله «انقطعت بي الحبال» هو بالحاء المهملة والباء الموحدة أي: الأسباب يبقى إذًا ليست الجبال، وإنما هي الحبال بالحاء أي: الأسباب، وقوله «لا أجهدك» معناه: لا أشقّ عليك في ردّ شيء تأخذه أو تطلبه من مالي، وفي رواية البخاري «لا أحمدك» بالحاء المهملة والميم، ومعناه: لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه، كما قالوا: ليس على طول الحياة ندم أي: على فوات طولها.
الحديث السابع: عن أبي يعلى شداد بن أوس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله» رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قال: الترمذي وغيره من العلماء معنى «دان نفسه» حاسبها. يحاسب نفسه باستمرار.
[ ١٨١ ]
الحديث الثامن: في باب المراقبة التي تنجي من الفتن: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال: رسول الله -ﷺ-: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» يعني: في الفتن وغيرها اترك ما لا شأن لك به، هذا حديث حسن رواه الترمذي وغيره.
الحديث التاسع: عن عمر -﵁، وعن النبي -ﷺ- قال: «لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته» ثم جاء باب التقوى، والإمام النووي قدَّمه -كما قلت سابقًا- بآيات منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه﴾ (آل عمران: ١٠٢)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: ٧٠)، وذكرنا الآيات من قبل، فإلى الأحاديث التي أوردها الإمام النووي في كتابه القيم (رياض الصالحين). ذكر عدَّة أحاديث:
الحديث الأول في هذه الأحاديث: عن أبي هريرة -﵁- قال: «قيل: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم. فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله؟ قال: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» الحديث متفق عليه، و«فقهوا» بضم القاف على المشهور، وحكي كسرها أي: فقهوا أي: علموا أحكام الشرع.
الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون؛ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» حديث رواه الإمام مسلم، حديث يدعوا إلى التقوى وأخذ الحيطة والحذر من الدنيا ومن النساء، فإن أول فتنة وقعت في بني إسرائيل كانت بسبب النساء.
الحديث الثالث: عن ابن مسعود -﵁- أنّ النبي -ﷺ- كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى»، فالتقوى سبب من أسباب النجاة
[ ١٨٢ ]
من الفتن، كدعاء النبي -﵊- كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» حديث رواه مسلم أيضًا.
الحديث الرابع: عن أبي طريف عدي بن حاتم الطائي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من حلف على يمين، ثم رأى أتقى لله منها؛ فليأتِ التقوى» يعني: حلفت على يمين لكن وجدت الشيء الآخر فيه تقوى الله، فافعل الأمر الذي فيه تقوى الله، واحنث في يمينك، وكفّر عن يمينك.
الحديث الخامس: عن أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي -﵁- قال: "سمعتُ رسول الله -ﷺ- يخطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم» رواه الترمذي في آخر كتاب الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح. قال: ذلك -ﷺ- في خطبته التي خطبها في حجة الوداع بمعنى: أن هذا أصل أصيل، وحديث غير منسوخ، إنه كان في أواخر أيام المصطفى -ﷺ؛ إذ بعد حجة الوداع بثلاثة أشهر تقريبًا تُوفي رسول الله -ﷺ.
ثم جاء باب اليقين والتوكل على الله -﷾، فإذا اجتمع للمسلم المراقبة والتقوى واليقين والتوكل على الله بهذه الأمور الأربعة ينجو المسلم من الفتن.
في باب اليقين والتوكل على الله -﷾ أتى الإمام النووي بالآيات القرآنية التي فيها اليقين، حسن التوكل على الله -﷾ قال: تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٢)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: ١٧٣، ١٧٤)، وقال
[ ١٨٣ ]
تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت﴾ (الفرقان: ٥٨)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ (إبراهيم: ١١)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه﴾ (آل عمران: ١٥٩)، والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ (الطلاق: ٣)، أي: كافية، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال: ٢)، والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة.
وأما الأحاديث فهي كثيرة أيضًا، وأورد الإمام النووي منها الكثير تحت هذا العنوان "باب اليقين والتوكل على الله -﷾-".
الحديث الأول: عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ: «عُرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد؛ إذ رُفع لي سواد عظيم -يعني: خلق عظيم- فظننت أنهم أمتي -فرح- فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق -الأفق الملك كله- فنظرت، فإذا سواد عظيم، أعظم من الأول، فقال لي: انظر إلى الأفق الآخر،، فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض -ﷺ- فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، جعلوا يتساءلون، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صاحبوا رسول الله -ﷺ، وقال بعضهم: الذين وُلدوا في الإسلام، فلم يُشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء.
فخرج عليهم رسول الله -ﷺ- فقال: ما الذي تخوضون فيه فأخبروه؟ فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة ابن محصن -﵁- فقال: ادعوا الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم،
[ ١٨٤ ]
فقال: أنتم منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادعوا الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة» الحديث متفق عليه.
الرُّهيط -بضم الراء- تصغير رهط، وهم دون عشرة أنفس، والأفق: الناحية والجانب، وعكاشة -بضم العين وتشديد الكاف- عكَّاشة، ويجوز تخفيفها فيقال: عكاشة، والتشديد أفصح.
الحديث الثاني: عن ابن عباس -﵄- أيضًا أن رسول الله -ﷺ- كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت -يعني: من أجلك أحارب وأخاصم- اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» حديث متفق عليه. وهذا لفظ مسلم، واختصره البخاري.
الحديث الثالث: عن ابن عباس -﵄- أيضًا قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين أُلقي في النار، وقالها محمد -ﷺ- حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» رواه البخاري، يريد ابن عباس أن يقول: ليكن سلاح المسلم التوكل على الله، وليكن شعاره دائمًا حسبي الله ونعم الوكيل، هذا ما قاله ابن عباس أو ما يريده، والله أعلم في هذا؛ إذ قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد -ﷺ- حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» رواه البخاري.
وفي رواية له يعني: البخاري عن ابن عباس -﵄- قال: «كان آخر قول إبراهيم -ﷺ- حين ألقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل، فالتوكل على الله ينجي من الفتن».
[ ١٨٥ ]
الحديث الرابع: عن أبي هُريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «يدخُل الجَنّة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» حديث صحيح رواه الإمام مسلم، قيل: معناه متوكلون، وقيل قلوبهم رقيقة.
الحديث الخامس: عن جابر بن عبد الله -﵄- أنه غزا مع النبي -ﷺ- قِبَل نجد -يعني: ناحية نجد- فلما قفل - رسول الله -ﷺ- قفل معهم، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاة فنزل رسول الله -ﷺ- وتفرَّق الناس يستظلون بالشجر ونزل رسول الله -ﷺ- تحت سَمُرة -شجرة نوع من السمر- فعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله -ﷺ- يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال النبي -﵇: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم،
ثم قال: الأعرابي: من يمنعك مني يا محمد؟ قلت: الله، ثلاثة. الأعرابي يقولها ثلاثة مرات: من يمنعك مني؟ والرسول -﵊- يقول: الله. ولم يعاقبه وجلس» الحديث متفق عليه. الحديث جاء بعد ذلك في روايات أخرى بالتفصيل، «فوقع السيف من يد الرجل، فأخذه النبي -ﷺ- بيده وقال: من يمنعك مني يا رجل؟ فقال الرجل: يا محمد كُن خير آخذ، فإذا بالنبي -ﷺ- يأسره ويقدّمه لأصحابه».
في رواية قال جابر: «كنا مع رسول الله -ﷺ- بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله -ﷺ، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله -ﷺ- مُعلَّق بالشجرة فاخترطه -يعني: أخذه نزله من الشجرة، فقال: تخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله» قال -﵊: أي: هنا التوكل على الله -﷾- هو الذي ينجي من الفتن.
في رواية أبي بكر لإسماعيل في صحيحه قال: «من يمنعك مني؟ قال: الله. قال: فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله -ﷺ- السيف فقال للرجل: من يمنعك
[ ١٨٦ ]
مني؟ فقال: كُن خير آخذ. فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال الرجل: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلَّى -ﷺ- سبيله، فأتى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس -ﷺ».
قوله: «قفل» أي: رجع، و«العضاة»: الشجر الذي له شوك، و«السمرة» بفتح السين وضم الميم الشجرة من الطلح، وهي العظام من شجر العَضَاة، و«اخترط السيف» أي: سلّه، وهو في يده صلطن أي: مسلولًا، وهو بفتح الصاد وضمها، يجوز صَلطن وصُلطن.
الحديث السادس: عن عمر -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لو أنّكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
معناه: تذهب أول النهار خماصًا، أي: ضامرة البطون من الجوع وترجع آخر النهار بطانًا أي: ممتلئة البطون.
الحديث السابع: عن أبي عمارة البراء بن عازب -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ: «يا فلان، إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك؛ رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإنك إن متَّ من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا» متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين عن البراء، قال: قال لي رسول الله -ﷺ: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقِّك الأيمن، وقل»، وذكر نحوه، ثم قال: «واجعلهنَّ آخر ما تقول».
[ ١٨٧ ]
الحديث الثامن: عن أبي بكر الصديق -﵁- عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي -﵁، وهو وأبوه وأمه صحابة -﵃- قال: «نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رءوسنا فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي -﵊: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهم» حديث متفق عليه.
الحديث التاسع: عن أم المؤمنين أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية حذيفة المخزومية -﵂- أن النبي -ﷺ- كان إذا خرج من بيته قال: «باسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضلّ أو أُضلَّ، أو أزلَّ أو أُزلَّ، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجهل عليَّ» حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهذا لفظ أبي داود.
الحديث العاشر: عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: «من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ يقال له: هُديت وكُفيت ووُقيت، وتنحَّى عنه الشيطان». رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، وقال الترمذي: حديث حسن رواه أبو داود، فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي.
وعن أنس -﵁- قال: "كان أخوان على عهد النبي -ﷺ، وكان أحدهما يأتي النبي -ﷺ- والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه للنبي -ﷺ- فقال له -﵊: «لعلك تُرزق به» " يمكن سبب رزقك هذا، رواه الترمذي بإسناد صحيح على شرط مسلم. ويحترف أي: يكتسب.
[ ١٨٨ ]
أقول: من هذه الآيات الكريمة التي جاءت في المراقبة والتقوى واليقين والتوكل على الله تعالى، وما جاء في ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة، من خلال هذه الآيات وهذه الأحاديث تكون نجاة المسلم من الفتن. فعندما يُراقب المسلم ربه، ويعلم أنه مطَّلع عليه وعلى سرّه وعلانيته يبتعد كلَّ البعد عن معاصي الله تعالى، وعندما يتَّقي المسلم ربه ويخشاه يكون قد أخذ لنفسه وقاية من غضب الله تعالى وعقابه ومن النار.
ومن يتوكل على الله ويوقن بأن الله تعالى هو الرزاق وهو المحيي، وهو المميت عندما يزداد يقينه بالله يزداد توكله على الله، بهذا ينجو من الشدائد ومن الفتن، قال: تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: ٢،٣).
هذا وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٨٩ ]