الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
أثر الإيمان في حياة الأمة:
إن للإيمان أثر عظيم في حياة الأمة؛ إذ الإيمان هو المحرك الأساسي لحياة الأمة، وهو الطاقة التي تنتشر في كيانها، فالإيمان يدعو إلى كل خير وينهى عن كل شر؛ لأن من يؤمن بالله تعالى حقًّا يقوم بأوامر الله، وينتهي عن كل ما نهى الله تعالى عنه، أي: يلتزم بشرع الله الذي أنزله الله تعالى على رسوله في كتابه الكريم، وبما شرعه الحق أيضًا على لسان نبيه الكريم سيدنا محمد -ﷺ.
فالإيمان عندما يحيا في النفوس تجد النفوس حيية طيبة كريمة تعمل الخير وتسعى إلى الخير لكل الناس فالمؤمن حيي كريم يحافظ على الناس وعلى أموال الناس وعلى أعراض الناس وعلى أنفس الناس، وهناك أحاديث من خلالها نعرف أثر الإيمان على حياة الأمة وهي أحاديث كثيرة من خلالها نعرف أوصاف المؤمن الحق في نفعه لأمته وللبشرية جمعاء من هذه الأحاديث ومن أوائلها حديث شعب الإيمان إذ هذا الحديث جعل للإيمان خصالًا يتخلق بها المؤمن سميت شعبًا، والشعبة هي الخصلة هذه الشعب، أي: الخصال كلها داعية للخير، وأخلاق نبيلة عالية فاضلة نابعة من هذه الشعب منها مثلًا الحياء، ومنها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها قول المسلم: لا إله إلا الله.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان» وفي رواية: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
[ ٨٥ ]
من آثار الإيمان: أن المؤمن يقف بجوار أخيه المؤمن عند الشدائد ويكون معه في السراء والضراء إن أصابه خير هنأه، وإن أصابته مصيبة عزاه إن احتاج أعطاه؛ فالمؤمن للمؤمن كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
قال -ﷺ-: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي عن أبي موسى الأشعري -﵁- وروى البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود في (سننه) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه».
وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله -ﷺ- قال: «المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» رواه ابن ماجه بإسناد حسن.
قال ذلك السيوطي في (الجامع الصغير) في الجزء الثاني ص ١٨٤: ومن آثار الإيمان في نفس المؤمن أنه هين لين، يألف إخوانه، ويألفوه، ويتودد إليهم، ويتقرب لهم يحبهم ويحبونه، يقدم لهم النفع والخير، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، ولا خير في من لا يقدم النفع إلى الناس، ولو بالكلمة الطيبة، والنصيحة المفيدة؛ فخير الناس أنفعهم للناس.
روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن سهل بن سعد -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «المؤمن يألف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف».
وروى الدارقطني في الأفراد والضياء في المختارة عن جابر بن عبد الله -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «المؤمن يألف ويؤلف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس».
[ ٨٦ ]
وعن سهل بن سعد أن رسول الله -ﷺ- قال: «المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس» قال السيوطي: حديث حسن.
وقال -ﷺ-: «المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه اشتكى كله وإن اشتكى عينه اشتكى كله» رواه مسلم وأحمد عن النعمان بن بشير -﵄- وقال -ﷺ- «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه أحمد ومسلم.
إن أثر الإيمان في حياة الأمة أثر عميق؛ فمن آثاره: أنه يحافظ على الأعراض فترى المؤمن يغار لعرضه، وعرض إخوانه؛ فلا يقبل الفاحشة على نفسه، ولا على أهله، ولا على إخوانه المؤمنين، والمجتمع الذي يغار أهله من أجل العرض مجتمع نقي طاهر بعيد عن الفواحش كل البعد وبعيد عن الخنا والزنا، وعن كل ما يخدش الحياء.
روى الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «المؤمن يغار، والله أشد غيرةً؛ إن المؤمن راض بقضاء الله وقدره، صابرٌ على ما يقع به من الله، يحمد الله تعالى على كل حال، إن كان في خير شكر، وإن كان في ضراء صبر، وأمره كله خير».
قال -ﷺ-: «المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله» رواه النسائي عن ابن عباس وروى البخاري بسنده أن رسول الله -ﷺ- قال: «عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا لله، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن» وروى أبو نعيم في (الحلية) عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ-
[ ٨٧ ]
قال: «المؤمن منفعة إن ماشيته نفعك، وإن شاورته نفعك وإن شاركته نفعك، وكل شيء من أمره منفعة» رواه السيوطي في (الجامع الصغير) في الجزء الثاني ص١٨٥ وروى البيهقي بسنده عن مكحول مرسلًا، أي: حديث مرسل أن رسول الله -ﷺ- قال: «المؤمنون هينونَ لينونَ، كالجمل الأنف إن قِيْدَ انقَادَ، وإذا أُنيخَ على صخرةٍ استَنَاخَ».
وعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والبخاري في الأدب المفرد، قال ذلك السيوطي في (الجامع الصغير) الجزء الثاني ص١٨٥.
ولقد ذكرنا سابقًا أن من أثر الإيمان أن يشيع الحياء في المجتمع، وسنقف وقفة مع حديث الحياء. روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان وفي رواية الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
إن الحياء خلق كريم يدعو إلى فعل الطيبات، والبعد عن المنكرات، خلق يبعث على فعل الفضائل، والتحلي عن الرذائل؛ ولهذا دعا -ﷺ- إليه في أحاديث كثيرة غير هذا الحديث من هذه الأحاديث أن رسول الله -ﷺ-: «مر على رجل يعظ أخاه في الحياء فقال له -ﷺ-: دعه؛ فإن الحياء لا يأتي إلا بخير» وفي رواية: «الحياء خير كله».
وجاء في الحديث أيضًا أن النبي -ﷺ- قال: «إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلامِ الحياء» وقال -ﷺ-: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع
[ ٨٨ ]
ما شئت وكان -ﷺ- يوصف بأنه أشد حياء من العذارء في خدرها» ودعا -ﷺ- إلى أن يتخلق المسلمون بالحياء الحقيقي. فقال -ﷺ- لأصحابه: «استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحيي والحمد لله فقال -ﷺ-: ليس ذلك وإنما الاستحياء من الله تعالى حق الحياء أن تحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى، وأن تذكر الموت والبلى، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء».
يقول الشيخ موسى شاهين لاشين في فقهه: هذا الحديث عندما شرحه في كتابه (المنهج الحديث): تكلف جماعة من العلماء حصر شعب الإيمان بطريق الاجتهاد ولم يتفقوا على نمط واحد وبعضهم قسمها إلى أعمال القلب معتقدات ونيات، وإلى أعمال اللسان، وإلى أعمال البدن وبعضهم أخذ يعدها سردًا دون تقسيم، وبعضهم ذهب إلى أن العدد أريد به التكثير دون التحديد من قبيل قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (التوبة: ٨٠) أي: مهما تستغفر لهم فالمراد التكثير وليس حقيقة العدد. وقال هؤلاء: إن ذكر البضع للترقي فيكون المعنى أن شعب الإيمان أعداد مبهمة وكثيرة، بل أكثر من الكثير.
والحق: أن محاولة حصر شعب الإيمان محاولة غير سليمة من النقل فالبعض يمكن إدخاله في البعض، كما يمكن عده مستقلًّا، وكل من تكلف حصر الشعب لم يخل من الاعتراض، ولا يقدح عدم معرفةِ حصر الشعب على التفصيل في الإيمان؛ إذ أمرها يحتاج إلى توقيف، وكل ما بينه رسول الله -ﷺ- أعلى هذه الشعب وأدناها، كما ثبت في الصحيح: «أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
وفي بعض روايات الصحيح: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» وبعضهم رجح علي رواية بضع وستين شعبة لأن العدد المتيقن في الروايتين هو البضع والستون
[ ٨٩ ]
وهذا كله مبني على أن العدد مقصود محدد أما من يرى أن العدد هنا للتكثير غير مراد تحديده فلا إشكال في اختلاف الروايات فإن قيل رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير كي يحجم صاحبه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فكيف يكون مثل هذا شعبة من الإيمان قلنا إن مثل هذا ليس بحياء شرعي، بل عجز ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف من حيث إنه انقباض من خوف أن يذم فهو يشبه الحياء، وليس بحياء شرعي.
فالحياء الشرعي خير كله، والحياء الشرعي لا يأتي إلا بخير فالتغير والانكسار الذي يعتري الإنسان من خوف ما يعاب عليه منه الشرعي الممدوح الموصوف بالسكينة والوقار، فالتغير، والانكسار الذي يعتري الإنسان من خوف ما يعاب عليه منه الشرعي الممدوح الموصوف بالسكينة والوقار، ومنه المذموم غير الشرعي، فإن كان الانقباض عن محرم فهو واجب، وإن كان عن مكروه فهو مندوب.
أما الانقباض عن واجب أو مندوب فليس حياء شرعيًّا، ومنه انكسار النفس وانقباضها عن السؤال في العلم مع الحاجة إلى السؤال، والحياء الشرعي درجات أعلاها أن يستحي المتقلب في نعم الله أن يستعين بها على معصيته وفيه يقول -ﷺ- لأصحابه: «استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحيي والحمد لله، فقال: ليس ذلك، وإنما الاستحياء من الله تعالى حق الحياء أن تحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وأن تذكر الموت والبلى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء.
ويؤخذ من هذا الحديث تفاوت مراتب الإيمان وأن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى الإيمان ثم يحث الحديث على التخلق بخلق الحياء ولقد
[ ٩٠ ]
كتب الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله تعالى- في كتابه خلق المسلم تحت عنوان الحياء كلامًا طيبًا، فقال: الحياء أمارة صادقة على طبيعة الإنسان، فهو يكشف عن قيمة إيمانه، ومقدار أدبه، وعندما ترى الرجل يتحرج من فعل ما لا ينبغي، أو ترى حمرة الخجل تصبغ وجهه إذا بدر منه ما لا يليق. فاعلم أنه حي الضمير، نقي المعدن، ذكي العنصر وإذا رأيت الشخص صفيقًا بليد الشعور لا يبالي ما يأخذ، أو يترك؛ فهو امرؤ لا خير فيه، وليس له من الحياء وازع يعصمه عن اقتراف الآثام، وارتكاب الدنايا، وقد وصى الإسلام أبناءه بالحياء، وجعل هذا الخلق السامي أبرز ما يتميز به الإسلام من فضائل.
قال رسول الله -ﷺ-: «إن لكل دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء» رواه مالك في (الموطأ) كانت الصرامة ملحوظة في تعاليم اليهودية على عهد موسى -﵇- وكانت السماحة ملحوظة في تعاليم المسيحية على عهد عيسى -﵇- وقد تميز الإسلام بالحياء والأديان كلها تأمر بالفضائل جملة وتحاسب عليها جملة وقد أراد النبي الكريم -ﷺ- أن يجعل من حساسية المسلم بما في الفضيلة من خير، وبما في الرذيلة من شر أساسًا يدفعه إلى الاستمساك بالأولى، والاشمئزاز من الأخرى أساسًا يدفعه إلى الاستمساك بالأولى أي: بالفضائل والاشمئزاز من الأخرى، أي: الرذيلة حياء من ترك الخير، ومن فعل الشر بغض النظر عن الثواب والعقاب كما قال ابن القيم:
هب البعث لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرمِ
أليس من الواجب المستحق حياء العباد من المنعمِ
وكان النبي -ﷺ- أرق الناس طبعًا، وأنبلهم سيرة وأعمقهم شعورًا بالواجب، ونفورًا من الحرام، عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- أشد حياءً من العذراء في خدرها، وكان إذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه» رواه مسلم.
[ ٩١ ]
إن الإيمان صلة كريمة بين العباد وربهم ومن حق هذه الصلة بل أثرها الأول تزكية النفس وتقويم الأخلاق وتهذيب الأعمال ولن يتم ذلك إلا إذا تأسست في النفس عاطفة حية تترفع بها أبدًا عن الخطايا، وتستشعر الغضاضة من سفاسف الأمور، أما الإلمام بالمحاقر دون تورع، والوقوفع في الصغائر دون اكتراث؛ فذلك دلالة فقدان النفس لحيائها ثم فقدانها لإيمانها.
قال رسول الله -ﷺ-: «الحياء والإيمان قرناء جميعًا؛ فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» وعلة ذلك أن المرء حينما يفقد حياءه يتدرج من سيئ إلى أسوأ، ويهبط من رذيلة إلى أرذل ولا يزال يهوي حتى ينحدر إلى الدرك الأسفل، وقد روي عن رسول الله -ﷺ- حديث يكشف عن مراحل هذا السقوط الذي يبتدئ بضياع الحياء، وينتهي بشر العواقب قال -ﷺ-: «إن الله -﷿- إذا أراد أن يهلك عبدًا نزع منه الحياء؛ فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتًا ممْقَتًا، فإذا لم تلقه إلا مقيتًا ممقتًا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنًا مخونًا، فإذا لم تلقه إلا خائنًا مخونًا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيمًا ملعنًا، فإذا لم تلقه إلا رجيمًا ملعنًا نزعت منه ربقة الإسلام».
وهذا ترتيب دقيق في وصفه لأمراض النفوس، وتتبعه لأطوارها، وكيف تسلم كل مرحلة خبيثة إلى أخرى أشد نكرًا إن الرجل إذا مزق الحجاب عن وجهه، ولم يتهيب على عمله حسابًا، ولم يخش في سلوكه لومةَ لائم مد يد الأذى للناس، وطغى على كل من يقع في سلطانه، ومثل هذا الشخص الشرس لن يجد قلبًا يعطف عليه، بل إنه يغرس الضغائن في القلوب وينميها، وأي حب لامرئ جريء على الله، وعلى الناس لا يرده عن الآثام حياء، فإذا سار الشخص بهذه المثابة لم يؤتمن على شيء قط؛ إذ كيف يؤتمن على أموال لا يخجل من أكلها، أو على أعراض لا يستحي من فضحها، أو على موعد لا يهمه أن يخلفه، أو على واجب لا يبالي أن
[ ٩٢ ]
يفرط فيه، أو على بضاعة لا يتنزه عن الغش فيها، فإذا فقد الشخص حياءه، وفقد أمانته أصبح وحشًا كاسرًا ينطلق معربدًا وراء شهواته، ويدوس في سبيلها أزكى العواطف؛ فهو يغتال أموال الفقراء غير شاعر نحوهم برقة، وينظر إلى آلام المنكوبين، والمستضعفين فلا يهتز فؤاده بشفقة إن أثرته الجامحة، وضعت على عينيه غشاوة مظلمة، فهو لا يعرف إلا ما يغويه ويعريه بالمزيد، ويوم يبلغ امرؤ هذا الحضيض، فقد أفلت من قيود الدين وانخلع من ربقة الإسلام.
وللحياء مواضع يستحب فيها فالحياء في الكلام يتطلب من المسلم أن يطهر فمه من الفحش، وأن ينزه لسانه عن العيب وأن يخجل من ذكر العورات فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها وآثارها قال رسول الله -ﷺ- الحياء من الإيمان والإيمان من الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار.
ومن الحياء في الكلام: أن يقتصد المسلم في تحدثه بالمجالس؛ فإن بعض الناس لا يستحيون من امتلاك ناصية الحديث في المحافل الجامعة فيملئون الأفئدة بالضجر من طول ما يتحدثون، وقد كره الإسلام هذا الصنف قال رسول الله -ﷺ-: «من تعلم صرف الكلام ليستبي به قلوب الرجال لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا».