الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
إن الأخلاق في الإسلام لها منزلة رفيعة عالية، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، والأدب الحسن الرفيع، والخلق الكريم هو أفضل ما يُربّي الوالد ولده عليه، وأحلى، وأحسن، وأجمل ما يُعطي الوالد ولده الأدب الحسن قال -ﷺ: «ما نحل -أي: ما أعطى- والد ولده أفضل من أدب حسن». والآداب الإسلامية كثيرة جمعت منها كُتب السنة الكثير والكثير، وسنذكر بعضها من (مختصر صحيح الإمام البخاري) و(صحيح الإمام مسلم) -رحمهما الله تعالى.
ففي كتاب الأدب للإمام البخاري نماذج عديدة من الأخلاق الحميدة التي دعا إليها الإسلام على لسان رسول الله -ﷺ- منها: أحق الناس بالصحبة، وعدم السب، والشتم، وعدم التسبّب في شتم الوالدين، والدعوة إلى صلة الرحم، والرحمة بعباد الله، إلى آخر هذه الموضوعات الموجودة بكتاب (الأدب) للإمام البخاري.
واخترنا من (صحيح الإمام مسلم) الأحاديث المتعلقة بالاستئذان وآداب الاستئذان، ولنبدأ بما جاء في (صحيح الإمام البخاري في المختصر) تحت عنوان كتاب الأدب جاءت عدة أبواب في الآداب والأخلاق الإسلامية.
الباب الأول: من أحق الناس بحسن الصحبة: عن أبي هريرة -﵁- قال: «جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم مَن؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم مَن؟ قال: ثم أبوك».
[ ٢٣١ ]
الباث الثاني: لا يَسُبّ الرجل والديه: عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال سول الله -ﷺ: «إن من أكبر الكبائر أن يَلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبّ الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه»، الحديث الأول «قال: أمك. قال: ثم مَن؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك.» كررت الأم أو الوصية بالأم للتأكيد على أن الاهتمام بالأم يكون أكثر؛ لأنها في حاجة إلى العطف والشفقة أكثر من الأب، وتحملت من المتاعب ما لا يتحمّله الأب، ومع ذلك ليس معنى هذا أن الإنسان يَعطِف على أمه بقدر ما يعطف على أبيه ثلاث مرات، وإنما هو مجرد التأكيد على العطف على الأم؛ لأنه جاء في حديث آخر من غير تكرار، عندما سأل رجل رسول الله -ﷺ- فقال: «يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال له -﵊: أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» يعني: الأقرب فالأقرب.
الباب الثالث في كتاب الأدب من (مختصر صحيح الإمام البخاري) تحت عنوان: باب إثم القاطع أي: قاطع الرحم: عن جُبير بن مطعم -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «لا يدخل الجنة قاطع»، الباب الذي بعد ذلك في فضل صلة الرحم عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إن الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلكِ وصلته، ومن قطعكِ قطعته».
الباب الذي بعد ذلك في إثم من لم يأمن جاره بوائقه: يعني: الشرور والأذى، على الجار أن يأمن شر جاره، فالإحسان إلى الجار من الأخلاق والآداب التي دعا إليها الإسلام، عن أبي شريح -﵁- قال: «إن النبي -ﷺ- قال: والله لا يؤمن. قيل: ومَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» أي: شروره وأذاه، ثم بين -ﷺ- بعد ذلك أن من علامة الإيمان ألا يؤذي المؤمن جاره، فقال -﵊- عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: قال رسول الله -ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه،
[ ٢٣٢ ]
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» يعني: يسكت، ثم بيَّن -ﷺ- بعد ذلك أن كل إنسان مطالب بأن يعمل المعروف، وأن المعروف صدقة يتصدق بها على نفسه.
عن جابر بن عبد الله -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: كل معروف صدقة، ودعا -ﷺ- إلى الرفق والسماحة واللين في كل الأمور، فعن عائشة -﵂- قالت: قال النبي -ﷺ: «إن الله يُحب الرفق في الأمر كله»، ودعا بعد ذلك -ﷺ- المؤمنين إلى أن يتعاونوا، وأن يتكاتفوا، وأن يتحدوا، عن أبي موسى الأشعري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُدُّ بعضه بعضًا، ثم شبَّك بين أصابعه وكان النبي -ﷺ- جالسًا إذ جاءه رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال: اشفعوا فلتؤجرُوا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء» يعني: الإنسان يسعى في طلب الخير للناس، وليس عليه أن يُدرك تحقيق المصالح، وأجره على الله -﷾.
ثم جاء حديث بعد ذلك بيَّن بعضًا من الأخلاق الكريمة لرسول الله -ﷺ؛ إذ كان هاشًّا باشًّا في وجوه الناس، ليس فاحشًا ولا متفحشًا، ولا سبابًا ولا صخابًا في الأسواق، تحت باب: لم يكن النبي -ﷺ- فاحشًا ولا متفحشًا: روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك -﵁- قال: «لم يكن النبي -ﷺ- سبابًا، ولا فحاشًا، ولا لعانًا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة -يعني: عندما يعتب عليه لأمر أخطأ فيه- كان النبي -ﷺ- يقول: ما له تَرِب جبينه» وهي كلمة تقولها العرب من باب الحث على الفعل، أو ترك الفعل، ولا يراد بها حقيقة الدعاء.
أما حُسن الخلق والسخاء وما يُكره من البخل فقد حذَّر منه النبي -ﷺ، دعا إلى حسن الخلق والسخاء، وحذَّر من البُخل، عن جابر -﵁- قال: «ما سُئل النبي -ﷺ- عن شيء قط -يعني: أبدًا- فقال: لا.» يعني: كان يعطي ولا يقول -ﷺ: لا.
[ ٢٣٣ ]
وعن أنس -﵁- قال: «خدمت النبي -ﷺ- عشر سنين فما قال لي أفّ، ولا لِمَ صنعت، ولا أَلَا صنعت».
والباب الذي بعد ذلك عنوانه: ما يُنهى عنه من السباب واللعن، عن أبي ذر -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: «لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدَّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك» يعني: من قال لإنسان يا فاسق، أو يا كافر، والذي قيل له هذا الكلام، ورمي بالفسق أو بالكفر لم يكن أهلًا للفسق ولا للكفر؛ عاد الكلام إلى القائل.
وعن ثابت بن الضحاك -﵁- وكان من أصحاب الشجرة أي: شجرة الرضوان يوم البيعة التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح: ١٨) ثابت هذا راوي هذا الحديث كان من أصحاب الشجرة، قال: «إن رسول الله -ﷺ- قال: من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا؛ عُذب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنًا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكُفر فهو كقتله».
الباب الذي بعد ذلك: تحذير من النميمة: بيَّن فيه -ﷺ- أن النمام لا يدخل الجنة، والنمام هو الذي ينقل الحديث بين الناس على وجه الإفساد، أما من ينقل الحديث؛ ليصلح بين الناس فليس بنمَّام، ويسمى النمام بالقتَّات تشبيهًا لمن يجمع القتَّ، عن حذيفة -﵁- قال: "سمعت النبي -ﷺ- يقول: «لا يدخل الجنة قتات» والقتات: هو النمام.
وهناك تمادح يدور بين الناس يكرهه الإسلام، وهو أن يمدح الرجل رجلًا بما ليس فيه، أو يمدحه بصفات وإن كانت فيه ستُغريه وتجعله يتكبر على خلق الله، أما إذا
[ ٢٣٤ ]
أُمنت الفتنة فلا مانع من التمادح إذا دَعَا إلى خير أكثر، تحت باب ما يُكره من التمادح.
روى البخاري بسنده عن أبي بكرة -﵁- أنّ رجلًا ذُكر عند النبي -ﷺ- فأثنى عليه رجل خيرًا، فقال النبي -ﷺ: «ويحك» وهي كلمة تقال للزجر «ويحك قطعت عنق صاحبك» أي: تسببت في فتنته يقوله مرارًا، ثم قال -ﷺ: «إن كان أحدكم مادحًا لا محالة» يعني: مصر على أن يمدح الناس «فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يُرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكي على الله أحدًا»، ثم بعد ذلك جاء حديث ينهي المسلم عن التحاسد والتدابر، والحسد هو تمني زوال نعمة الغير، والتدابر هو التنافر، فجاء الحديث بعد ذلك؛ ليُحذّر المسلمين من البغضاء، ومن الحسد، ومن التدابر، ودعاهم إلى أن يكونوا إخوانًا في الله متحابين، وبيَّن أنه لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، ونهى عن التجس، ونهى عن التناجش، وهو الخداع في البيع والشراء، عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام».
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إيَّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا».
ثم بيَّن الحديث الذي بعد ذلك أن هناك ظن يجوز، عن عائشة -﵂- قالت: قال النبي -ﷺ: «ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا»، وفي رواية «يعرفان ديننا الذي نحن عليه»، ثم بعد ذلك دعت الأحاديث إلى ستر المؤمن على نفسه إذا ابتُلي بالمعاصي، فليداري نفسه ولا يتحدث بها، وأمره إلى الله -﷾. أما
[ ٢٣٥ ]
المجاهرون بالمعاصي، والذين يفعلون الذنوب والخطايا لا يراهم أحد، ثم بعد ذلك يتحدَّثون عنها، ويظهرونها للناس، ويُفشونها، أخبر النبي -ﷺ- بأنهم مجاهرون، والله -﷾- يغفر لكل مذنب ومذنبة إلا المجاهرين؛ لأنهم تجرءوا على حُرمة الله وعلى ستر الله.
عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجانة -أي: المجاهرة- أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يُصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» رواه البخاري برقم ٦٠٦٩. والباب الذي بعد ذلك باب الهجرة، وقول النبي -ﷺ: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث»، عن أبي أيوب الأنصاري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لا يَحِلُّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ يلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
الباب الذي بعد ذلك: دعوة إلى الصدق: فإن الصدق خلق كريم دعا إليه الرسول الكريم، ودعا إليه القرآن الكريم في كثير من آيات الذكر الحكيم تحت باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) جاء ذلك الحديث عن عبد الله أي: ابن مسعود -﵁، عن النبي -ﷺ- قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا»، ثم هناك الصبر على الأذى أو الصبر في الأذى، فعلى المسلم إذا ابتُلي أن يصبر ويعلم أن أجر الصابرين كبير، ويكفي أن الحق -﷾- قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠).
[ ٢٣٦ ]
تحت باب الصبر في الأذى: عن أبي موسى الأشعري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «ليس أحد، أو ليس شيء أصبر على أذًى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليُعافيهم ويرزقهم»، الحق -﷾- يدَّعي بعضُ الناس أن له ولدًا، ومع ذلك يرزقهم ويعافيهم من البلاء والأمراض، هل هناك صبر بعد ذلك.
ثم جاء باب: الحذر من الغضب: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» يعني: ليس الشديد هو الذي يصرع الناس ويغلبهم، وإنما الشديد في الحق، الشديد حقًّا هو الذي يملك نفسه عند الغضب، وعن أبي هريرة -﵁- أيضًا أن رجلًا قال للنبي -ﷺ: «أوصني. قال: لا تغضب. فردَّد مرارًا. قال: لا تغضب».
ثم بعد ذلك جاء باب الحياء: والحياء خلق كريم لا يأتي إلا بخير، قال ذلك المصطفى -ﷺ. فتحت عنوان باب الحياء روى البخاري بسنده عن عمران بن حصين -﵁- قال: قال النبي -ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير».
الباب الذي بعد ذلك: باب إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت: عن أبي مسعود الأنصاري -﵁- قال: قال النبي -ﷺ: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» يعني: هذا خلق كريم دعت إليه كل الشرائع السماوية أي: الحياء.
وبعد أن انتهينا مما جاء في (مختصر صحيح الإمام البخاري) في كتاب الأدب من الأخلاق الكريمة الفاضلة، والآداب الحسنة التي دعا إليها الإسلام، نذكر ما جاء في كتاب الآداب في (صحيح مسلم) في باب الاستئذان، وما يتعلق به من آداب، فتحت عنوان باب الاستئذان روى الإمام مسلم بسنده، عن بُسر بن سعيد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "كنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار،
[ ٢٣٧ ]
فأتانا أبو موسى فَزِعًا أو مذعورًا، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر -أي: ابن الخطاب وكان أميرًا للمؤمنين يومها- أرسل إليَّ أن آتيه فأتيت بابه فسلمت ثلاثًا، فلم يردّ عليَّ، فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلمت على بابك ثلاثًا فلم يردُّوا علي فرجعت، وقد قال رسول الله -ﷺ: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذن له، فليرجع» فقال عمر: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك، أي: أقم البينة على أنك سمعت هذا الحديث من رسول الله -ﷺ، فقال أُبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد قلت: أنا أصغر القوم، قال فاذهب به: فذهب أبو سعيد إلى سيدنا عمر، وشهد أنه سمع ذلك الحديث أيضًا من رسول الله -ﷺ".
والحديث الذي بعد ذلك هو نفس الحديث، وزاد ابن أبي عمر في حديثه قال: أبو سعيد "فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت".
وبسنده أيضًا أن بسر بن سعيد سمع أبا سعيد الخدري يقول: "كنا في مجلس عند أُبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا حتى وقف فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول الله -ﷺ- يقول: «الاستئذان ثلاث؛ فإن أُذن لك وإلا فارجع» قال أُبي: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئته اليوم فدخلت عليه؛ فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثًا ثم انصرفت، قال: قد سمعناك ونحن حينئذٍ على شغل، فلوما استأذنت حتى يُؤذن لك، قال: استأذنت كما سمعت رسول الله -ﷺ، قال: فوالله لأوجعنَّ ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقال أُبي: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًّا أي: أصغرنا، قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول هذا".
[ ٢٣٨ ]
أدب الاستئذان في الدخول على البيوت يكون ثلاثًا، وهنا شيء آخر في هذا الحديث حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- على حديث رسول الله -ﷺ- حتى لا يزيد فيه أحد.
نفس الحديث برواية أخرى رواه مسلم بسنده، عن أبي سعيد أن أبا موسى أتى باب عمر فاستأذن فقال: "عمر واحدة، ثم استأذن الثانية، فقال عمر: ثنتان، ثم استأذن الثالثة؛ فقال عمر: ثلاث، ثم انصرف، فأتبعه فردَّه فقال:
"إن كان هذا حفظته من رسول الله -ﷺ- فها أي: قل، وإلا فلأجعلنك عظة"، قال أبو سعيد: فأتانا -يعني: أبو موسى- فقال: ألم تعلموا أن رسول الله -ﷺ- قال: «الاستئذان ثلاث» قال: فجعلوا يضحكون، قال: فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أُفزع تضحكون، انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة، فأتاه فقال: هذا أبو سعيد".
وروى مُسلم أيضًا بسنده عن أبي سعيد -﵁- وعن أبي ندرة قالا الاثنان؛ أبو سعيد وأبو ندرة: "هذا الحديث بنفس المعنى"، وروى مسلم بسنده عن عبيد بن عميرة، أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا، فكأنه وجده مشغولًا فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس، وهو أبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس، ائذنوا له، فدُعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنا كنا نُؤمر بهذا -والصحابي إذا قال كنا نؤمر يكون ذلك حديثًا؛ لأنه لا يأمر الصحابي إلا رسول الله -ﷺ- قال عمر: لتُقيمنَّ على هذا بينة، أو لأفعلنَّ -تهديد- فخرج، فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا فقام أبو سعيد فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله -ﷺ- ألهاني عنه الصفق بالأسواق، يعني: سيدنا عمر حزن على ما فاته من الأحاديث بسبب التجارة التي كان يعمل بها.
[ ٢٣٩ ]
وروى مسلم بسنده عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري -وأبو بردة ابن سيدنا أبو موسى الأشعري يعني: يروي هذا الحديث عن أبيه- قال:
"جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى السلام عليكم، هذا الأشعري، ثم انصرف، فقال -أي: عمر بن الخطاب: ردُّوا عليَّ، ردُّوا عليَّ، فجاء فقال: يا أبا موسى، ما ردَّك كنا في شغل، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك وإلا فارجع» قال عمر: لتأيتني على هذا ببينة، وإلا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى، قال عمر: إن وجد بينة يعني: إن وجد أبو موسى بينة تجدوه عند المنبر عشية، يعني: في صلاة المغرب والعشاء تجدوه، وإن لم يجد بينة فلن تجدوه، فلمَّا أن جاء بالعشي وجدوه، قال أبا موسى: ما تقول أقد وجدت؟ قال: نعم. أُبي بن كعب، قال: عدل، قال: يا أبا الطفيل، ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول ذلك يا ابن الخطاب، فلا تكوننَّ عذابًا على أصحاب رسول الله -ﷺ، قال: سبحان الله إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت". انظر إلى عظمة الصحابة أُبي بن كعب يشهد مع أبي موسى، ويطلب من عمر بن الخطاب أن يكون رفيقًا رحيمًا بالصحابة، وألا يكون عذابًا على أصحاب رسول الله -ﷺ، فعمر استبعد أن يكون عذابًا على أمة المصطفى، وقال: "سبحان الله إني سمعت شيئًا، فأحببت أن أتثبت منه".
وروى الإمام مسلم بسنده أيضًا هذا الحديث غير أنه قال: "فقال: يا أبا المنذر -وهو أُبي بن كعب- أأنت سمعت هذا من رسول الله -ﷺ؟ فقال: نعم، فلا تكن يا ابن الخطاب عذابًا على أصحاب رسول الله -ﷺ، ولم يذكر من قول عمر سبحان والله، وما بعده".
[ ٢٤٠ ]
ثم جاء باب آخر في كراهة قول المستأذن أنا، إذا قيل من هذا: أي: الذين يذهبون إلى البيوت ويستأذنون عليها، الذين يكونون في الداخل يقولون: من بالباب، أو من بالخارج؟ فيقول أنا، المفروض والمطلوب أن يقول: أنا فلان حتى يعرفه من بالداخل، وهذا ما حدث مع رسول الله -ﷺ- عندما جاء زائر، وطرق الباب فقال -ﷺ: من؟ فقال: أنا فخرج رسول الله -ﷺ- كالكاره لذلك الأمر، ويقول: «ومن أنا؟».
روى مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: «أتيت النبي -ﷺ- فدعوت، فقال النبي -ﷺ: من هذا؟ قلت: أنا. قال: فخرج وهو يقول: أنا أنا» أي: كأنه كره هذا -ﷺ.
وبسنده أيضًا عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله -﵄- قال: «استأذنت على النبي -ﷺ- فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال النبي -ﷺ: أنا أنا»، ثم جاء بعد ذلك التصريح بأن النبي -ﷺ- كان يكره هذا الأمر، فروى مسلم بسنده هذا الحديث بهذا الإسناد، وفي حديثهم «كأنه كره ذلك».
ثم جاء باب بعد ذلك يُحرم النظر في بيت الغير، روى مسلم بسنده عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله -ﷺ- يعني: كوّة، فتحة من الباب، ومع رسول الله -ﷺ- مدرًا يعني: مشطًا يحكُّ به رأسه، فلما رآه رسول الله -ﷺ- قال: «لو أعلم أنك تنظرني لطعنتُ به في عينك، وقال رسول الله -ﷺ: إنما جُعل الإذن من أجل البصر».
وبسنده أن رجلًا اطلع من جحر في باب رسول الله -ﷺ، ومع رسول الله -ﷺ- مِدرًا يُرجِّل به رأسه فقال له رسول -ﷺ: «لو أعلم أنك تنظر طعنت به في عينك، إنما جعل الله الإذن من أجل البصر»، وروى مسلم أيضًا بسنده عن أنس بن
[ ٢٤١ ]
مالك -﵁- «أن رجلًا اطَّلع من بعض حُجر النبي -ﷺ- فقام إليه بمشقص أو مشاقص، فكأني أنظر إلى رسول الله -ﷺ- يَخْتِلْهُ ليطعنه»، هذه الرواية من رواية سيدنا أنس بن مالك.
وقال -ﷺ- في الحديث الذي بعد ذلك: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم؛ فقد حلَّ لهم أن يفقئوا عينه»، وبسنده أي: روى مسلم بسنده عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لو أن رجلًا اطلع عليك بغير إذن، فقذفته بحصاة ففقأت عينه؛ ما كان عليك من جُناح» يعني: لا إثم عليك في ذلك، ولكن قد تكون هناك نظرة مفاجئة على المسلم أن يصرف نظره، ولا شيء عليه بعد ذلك. روى مسلم بسنده عن جرير بن عبد الله -﵁- قال: «سألت رسول الله -ﷺ- عن نظر الفُجاءة، فأمرني أن أصرف بصري» يعني: أمرني بصرف البصر.