يعني أن الله بعثه داعيا إلى توحيده بالسيف بعد دعائه بالحجة، فمن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دعي بالسيف، قال الله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره بالغيب ورسله إن الله قوي عزيز﴾ .
وفي الكتب السالفة وصف النبي ﷺ بأنه يبعث بقضيب الأدب، وهو السيف. ووصى بعض أحبار اليهود عند موته باتباعه وقال: انه يسفك الدماء، ويسبي الذراري والنساء، فلا يمنعهم ذلك منه. وروي أن المسيح ﵇ قال لبني إسرائيل في وصف النبي ﷺ: " إنه يسل السيف فيدخلون فيه دينه طوعا وكرها ".
وإنما أمر النبي ﷺ بالسيف بعد الهجرة لما صار له دار وأتباع وقوة ومنعة، وقد كان يتهدد أعداءه بالسيف قبل الهجرة، وكان ﷺ يطوف بالبيت وأشراف قريش قد اجتمعوا بالحِجر وقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل، قد سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم. فلما مر بهم النبي ﷺ غمزوه ببعض القول،
[ ٥ ]
فعرف ذلك في وجهه ﷺ، وفعلوا ذلك به ثلاث مرات، فوقف وقال: " أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح ". فأخذت القوم كلمته، حتى ما فيهم رجل إلا وكأنما على رأسه طير واقع، وحتى أن أشدهم عليه قبل ذلك ليلقاه بأحسن ما يجد من القول، حتى انه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدًا، فوالله ما كنت مجهولا.
وقال محمد بن كعب: بلغ النبي ﷺ أن أبا جهل يقول: إن محمدًا يزعم أنكم ما بايعتموه عشتم ملوكا فإذا متم بعثتم بعد
[ ٦ ]
موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه الذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون فيها، فبلغ النبي ﷺ قوله. فقال: " وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحًا، وإنه لآخذهم ".
وقد أمر الله تعالى بالقتال في مواضع كثيرة، قال تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾ وقال: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منًّا بعد وإما فداء﴾ ولهذا عوتبوا على أخذ الفداء منهم أول قتال قاتلوه يوم بدر ونزل قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ .
وكانوا قد أشاروا على النبي ﷺ بأخذ الفداء من الأسارى وإطلاقهم.
قال ابن عيينة: أرسل محمد ﷺ بأربعة سيوف: سيف على المشركين من العرب حتى يسلموا، وسيف على المشركين من
[ ٧ ]
غيرهم حتى يسلموا أو يسترقوا أو يقادوا بهم، وسيف على أهل القبلة من أهل البغي.
وفيما ذكر نزاع بين العلماء. فإن منهم من يجيز المفاداة والاسترقاق في العرب وغيرهم، وكذلك يجيز أخذ الجزية بين الكفار جميعهم. والذي يظهر إن في القرآن أربعة سيوف: سيف على المشركين حتى يسلموا أو يؤسروا، فأما منًّا بعد وإما فداء، وسيف على المنافقين وهو سيف الزنادقة، وقد أمر الله بجهادهم والإغلاظ عليهم في سورة براءة وسورة التحريم وآخر سورة الأحزاب، وسيف على أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وسيف على أهل البغي، وهو المذكور في سورة الحجرات. ولم يسل
[ ٨ ]
ﷺ هذا السيف في حياته، وإنما سله علي ﵁ في خلافته. وكان يقول: " أنا الذي علمت الناس قتال أهل القبلة ".
وله ﷺ سيوف أخر، منها: سيفه على أهل الردة وهو الذي قال فيه: " من بدل دينه فاقتلوه ". وقد سله أبو بكر الصديق ﵁ من بعده في خلافته على من ارتد من قبائل العرب.
ومنها سيفه على المارقين، وهم أهل البدع كالخوارج. وقد ثبت عنه الأمر بقتالهم مع اختلاف العلماء في كفرهم. وقد قاتلهم علي ﵁ في خلافته مع قوله: " انهم ليسوا بكفار ".
وقد روي عن علي ﵁ أن النبي ﷺ أمر بقتال المارقين والناكثين والقاسطين. وقد حرق علي طائفة من الزنادقة، فصوب ابن عباس قتلهم، وأنكر تحريقهم بالنار. فقال علي: " ويح ابن عباس، لبحاث عن الهنات ".