الحمد لله وكفى، «والصلاة والسلام على مَن مَدَّتْ عليه الفصاحةُ رِوَاقها، وشَدَّت به البلاغة نطاقها، المبعوث بالآيات الباهرة والحجج، المنزَّل عليه قرآنٌ عربي غير ذي عوج» (١)، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فهذا بحث بديع سطره الأديب الأريب الحُذاقيّ اللوذعيّ، واللَّسِن المِصْقَع الحصيف الألمعيّ، والفصيح البارع الحِبْل البَلْتَعيّ أبي السامي مصطفى صادق الرافعيّ، رحمة الله عليه.
بدا لنا أن نعيدَ بهاءَهُ، ونجددَ رُواءَهُ؛ ففعلنا وحققناهُ.
_________________
(١) اقتباس من كلام العلامة جمال الدين ابن هشام [المتوفى سنة ٧٦١هـ] (أثابه الله، وبل بالرحمة ثراه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه) في فاتحة شرحه لكتاب "قطر الندى وبل الصدى".
[ ٥ ]
وهو خليق بأن يصل ليد كل عربي قارئ، ومَقْمَنَةٌ لأن يُتلى على كل أمي عابئ.
وحسبك دلالة على أهميته ونفاسته أن تعرف الجهدَ المبذولَ فيه من رجل مثل الرافعي (قدس الله روحه ونور ضريحه).
قال الأستاذ محمد سعيد العريان (﵀) في كتابه "حياة الرافعي" [ص٢١٥ - ٢١٦ - ط/ المكتبة التجارية الكبرى - الطبعة الثالثة (١٣٧٥هـ - ١٩٥٥م)]:
«أنشأ الرافعي هذا البحث إجابة لدعوة جمعية الهداية الإسلامية بالعراق؛ لتنشره في ذكرى المولد النبوي (١).
وقد لقي من العناء في إنشاء هذا الفصل ما لا أحسب غيره يقوى عليه.
وحسبك أن تعلم أن الرافعي لم يتهيأ لكتابة هذا
_________________
(١) سنة ١٣٥٢ هـ.
[ ٦ ]
الفصل حتى قرأ "صحيح البخاري" كله قراءة دارس، وأنفق في ذلك بضعة عشر يومًا، وهو وقت قليل لا يتسع للقارئ العجل أن يقرأ فيه "صحيح البخاري" قراءة تلاوة؛ فكيف به دارسًا متمهلًا يقرأ ليتذوق بلاغة الأسلوب ودقة المعنى؟
ولكن ذلك ليس عجيبًا من الرافعي الذي كان يقرأ كل يوم ثماني ساعات متوالية لا يمل، فلا ينهض عن كرسيه حتى يَوْجَعَهُ قَلْبُهُ!
وكتب الفصل بعد ذلك في ثلاثة أيام، ثم دفعه إليَّ لأكتبه بخطي ولم يمله عليَّ، فأنفقت في كتابته ثلاثة أيام أخرى» ا. هـ.
ولعمري ما إخال الكلمات - مهما كثرت ومهما كان شأن قائلها بلاغة ومقامًا - في الثناء على الرافعي تفي بمعشار حقه وقدره، وَقِدْمًا كان يقال: «إنما يعرف
[ ٧ ]
الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل» (١).
والرافعي - بحق - سابق حلبة المقالة الأدبية، والصدر المُقَدَّم لمنشئي عصرنا وإن رغمت أنوف شُمَّخ - تُؤْبَن بالحيف - تريد أن تزحزحه عن الساحة لغرض أو لآخر!
وما قلناه واقع ما له من دافع، وحقيقة حينما أتذكرها تخطر بِخَلَدي عبارةُ الغزاليِّ الخالدة:
«لا أعرف مظلومًا تواطأ الناس على هضمه، ولا زهدوا في إنصافه، كالحقيقة»!.
ألا ليت شعري بأي وجه من دين أو خلق يستجيز منصف متجرد عن الهوى تقديمَ "عُوير"، أو "كُسير"، أو ثالثٍ " دِفْنَاس ما فيه خير"، أو رابعٍ "هِلْبَوث فَدْم"، أو خامس "فَقْفَاقَة رَذْل"، أو سادس "بين يديْ عَدْل" (٢) ؟!!
_________________
(١) يُروى هذا الكلام مرفوعًا إلى النبي (- ﷺ -) ولا يصح من قول الرسول. راجع - إن شئت غير مأمور - "فيض القدير شرح الجامع الصغير" للعلامة المناوي شرح الحديث رَقْم (٢٦١٣) [(ج٣ص١٢) ط/ مكتبة مصر]، و"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة" لمحدث الشام العلامة محمد ناصر الدين الألباني، الحديث (٣٢٢٧).
(٢) يُقال: فلان بين يديْ عدل: أي: هالك قد يُئِسَ منه، وهذه العبارة قد يستخدمها بعض علماء الجرح والتعديل من المحدثين في الراوي يكون ضعيفَ الحديث غيرَ ضابطٍ له ولا ثقة فيه، ويظن كثيرٌ من المبتدئين في هذا العلم الشريف أنها عبارة تعديل لا تجريح، ولا كذلك. قال العلامة ابن منظور (﵀) في "لسان العرب" [(ج٦ص١٢٧) ط/ دار الحديث بالقاهرة] تبعًا للجوهري في "الصحاح" [(ص٧٤٣) ط/ دار الحديث] نقلًا عن ابن السكيت: «وقولهم للشيء إذا يُئِسَ منه: "وُضِعَ على يَدَيْ عَدْل": هو العَدْلُ بنُ جَزْء بنِ سعدِ العشيرة، وكان وَلِيَ شُرَطَ تُبَّعٍ، فكان تُبَّعٌ إذا أراد قتلَ رجلٍ دفعه إليه، فقال الناس: وُضِعَ على يَدَيْ عدل، ثم قيل ذلك لكل شيء يُئِسَ منه» انتهى. وهذه فائدة نفيسة، طالما غفل عنها كثيرون، فخذها شاكرًا الله (تعالى)، وكن منها على ذُِكر.
[ ٨ ]
ولكن هكذا الظِّلِّيم المأفون لا يفتأ يأتي بالفواقر والبَهَالِق، والطامات والبوائق .. يخطئ ويزل، «ويعثر عثرات يَدْمَى منها الأظَلّ، ويدحض دَحْضَات تخرجه إلى سبيل مَن ضل» (١) تراه يصرخ في لِدَاته وأترابه، ويرفع عقيرته بين أتباعه وطلابه: لِيبلغ الشاهد منكم الغائب، وَلْيوصِ السابق منكم اللاحق: لَمَا علمتم من أديب يزعم أن الأدب هو: «السُّمُو بضمير الأمة» (٢)، وأن الأديب هو: «مَن كان لأمته وَلِلُغتها في مواهب قلمه لقبٌ مِن ألقاب التاريخ» (٣)؛ لتجهزن عليه ولا تتركونه! ولتكونن عونًا لمن ناوأه وإن كان في الأدب
_________________
(١) ما بين القوسين مقتبس من كلام للسهيلي (﵀) في تعقب له على ابن سيده، وقد نقله العلامة ابن منظور في "لسان العرب" (ج١ص٣٣٤).
(٢) من كلام الرافعي في مقال له بعنوان: "الأدب والأديب". وهو منشور في الجزء الثالث من "وحي القلم".
(٣) من كلام الرافعي في مقال له بعنوان: "الأدب والأديب". وهو منشور في الجزء الثالث من "وحي القلم".
[ ٩ ]
من جنس المنخنقة، والموقوذة، والمتردية والنطيحة! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم!!.
وتلك شِنْشِنَة نعرفها مِن أَخْزَمَ، وصدق مَن قال: «لن ترضى شَانِئَةٌ إلا بِجَرْزَةٍ» (١)!!
وَأَجْمِلْ بقول أبي الطيب المتنبي:
يُؤْذِي القَلِيلُ مِنَ اللِّئَامِ بِطَبْعِهِ مَنْ لا يَقِلُّ كَمَا يَقِلُّ وَيَلْؤمُ
الظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ
وَمِنَ البَلِيَّةِ عَذْلُ مَنْ لا يَرْعَوِي عَن جَهِلِهِ وَخِطَابُ مَنْ لا يَفْهَمُ
فدع عنك الأغماز والطَّغام، والدخلاء والأغتام، والمَوْقَى والهُوج، والرُِّعاع والهَمَج واحفظ جيدًا:
_________________
(١) قال الإمام ابن فارس (﵀) في "مقاييس اللغة" (ص١٦١): «العرب تقول في أمثالها: «لن ترضى شانِئَةٌ إلا بجرزة» أي: إنها من شدة بَغضائها وحسدها لا ترضى للذين تُبغضهم إلا بالاستئصال» ا. هـ.
[ ١٠ ]
«إن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤ، وإن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع، وإن لم تكن شجرة الورد فلا تنتظر الورد، وإن لم يكن الكاتب البياني فلا تنتظر الأدب» (١). والسلام.
وخطه بيمينه
أبو عبد الرحمن البحيري
وائل بنُ حافظ بنِ خلف
غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه
كفر الدوار - البحيرة - جمهورية مصر العربية
مساء الأربعاء: ١٤جُمادى الأولى ١٤٣١هـ
٢٨/ ٤/٢٠١٠ م.
*****
_________________
(١) من كلام الرافعي في تصديره لمعلمته النفيسة "وحي القلم".
[ ١١ ]