أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر -في حجة الإسلام- قال: "فراح النبي - ﷺ - إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال، ثم أخذ النبي - ﷺ - في الخطبة الثانية ففرغ من الخطة وبلال من الأذان، ثم أقام بلال، فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر".
قال الشافعي: وأخبرنا محمد بن إسماعيل، أو عبد اللَّه بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه.
قال أبو العباس الأصم: يعني بذلك.
قال البيهقي: انقطع الحديث من الأصل، وإنما أراد حديث الجمع بمزدلفة بإقامة إقامة.
هذا طرف من حديث طويل صحيح، وقد أخرجه بطوله مسلم (١)، وأبو داود (٢)، وأخرج النسائي (٣) منه أطرافًا هذا الطرف أحدها، والحديث بطوله يتضمن ذكر حجة الوداع بطولها.
فأما مسلم: فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة (٤)، وإسحاق بن إبراهيم جميعًا، عن حاتم بن إسماعيل المزني، عن جعفر بن محمد، بالإسناد.
وأما أبو داود: فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد النفيلي، وعثمان بن أبي
_________________
(١) مسلم (١٢١٨).
(٢) أبو داود (١٩٠٥).
(٣) النسائي (٥/ ٢٢٨، ٢٣٦) وفي مواضع أخرى، وأخرجه في الكبرى (٤١٦٧) عن حاتم بن إسماعيل بالإسناد.
(٤) زاد في الأصل: (وإبراهيم بن أبي شيبة). وليس له ذكر وجود عند مسلم، وراجع تحفة الأشراف (٢/ ٢٧١).
[ ١ / ٤٤٠ ]
شيبة، وهشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيين، عن حاتم بن إسماعيل، بالإسناد قال: سار رسول اللَّه - ﷺ - حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي، خطب الناس ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا.
"الرواح": نقيض الصباح، وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل، وقد يكون مصدرًا تقول: راح يروح رواحًا، وهو نقيض غدا يغدو غدوًا، إلا أنه أكثر ما يستعمل في العَوْد من المكان بعشي، ومنه سرحت الماشية بالغداة، وأرحت بالعشي، لكنه لكثرة استعماله صار يطلق على الذهاب نفسه، سواء كان ابتدًاء أو رجوعًا، وفي هذا الحديث إنما أراد الذهاب لأنه قال: فراح إلى الموقف، لكنه لما كان الوقت الذي ذهب فيه إلى الموقف بعد الزوال حسن استعماله فيه.
"والموقف": موضع الوقوف بعرفة ويستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة خطبتين طويلة وقصيرة مثل الجمعة.
"والقصواء": اسم ناقة النبي - ﷺ - ولقبها، ولم تكن قصواء فإن القصواء هي التي قطع طرف أذنها، يقال: ناقة قصواء وشاة قصواء، ولا يقال: جمل أقصى، كما يقال: امرأة حسناء، ولا يقال: رجل أحسن.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجمع بين الصلاتين؛ إن جمع وقت الأولى أذن وأقام للأولى وأقام للثانية بلا أذان، وإن جمع في وقت الآخرة ففيه خلاف:-
قال: يؤذن للأولى ولا يؤذن للتي بعدها.
وقال: لا يؤذن لواحدة منهما.
وقال في موضع آخر: إن رجي اجتماع الناس أذن وإلا فلا.
وقد ذكرنا هذه الأقوال، وخلاف الأئمة في باب قضاء الصلوات مستقصىً.
[ ١ / ٤٤١ ]