في الحيض والأستحاضة
وفيه فصلان:-
الفصل الأول
في الحيض
وفيه ثلاثة (١)
الفرع الأول
في أقل الحيض وأكثره
أخبرنا الشافعي قال: أخبرني (٢) ابن عُلَيَّة، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية ابن قرة، عن أنس بن مالك أنه قال: "قرء المرأة، أو قرء حيض المرأة ثلاث أربع، حتى انتهى إلى عشر".
قال الشافعي: وقال لي ابن علية: الجَلْدُ أعرابي لا يعرف الحديث.
هذا الحديث ذكره الشافعي، في كتاب الحيض، أورده على لسان بعض من كلمه في أمر الحيض، فقال: ألست تريد حديث الجلد بن أيوب؟ قال: بلى، فأورد الحديث بإسناده، ثم ذكر أن الجلد ضعيف أعرابي لا يعرف الحديث، قال: وقال -يعني ابن علية- قد استحاضت امرأة من آل أنس بن مالك، فسئل ابن عباس عنها فأفتى فيها وأنس حي، فكيف يكون عند أنس بن مالك ما قلت مِنْ عِلْم الحيض؛ ويحتاجون إلى مسأله غيره فيما عنده فيه علم؟.
_________________
(١) يعني: ثلاثة فروع.
(٢) زاد في الأصل بعدها [أخبرنا] وهي مقمحة.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وقد ضَعَّفَ الجَلْدَ بن أيوب جَمَاعَةٌ من العلماء منهم: حماد بن زيد، وابن عيينة، وابن المبارك، وأبو عاصم، وسليمان بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم (١).
"القَرْء": جمع قروء بفتح القاف -وهو الطهر عند الشافعي، والحيض عند أبي حنيفة، وهو من الأضداد.
وقوله: "ثلاث أربع حتى انتهى إلى عشر"، أي ثلاث، أربع، خمس، ست سبع، ثمان تسع، عشر، وذلك أنه يريد أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن أقل الحيض يوم وليلة، هذا هو المشهور، وبه قال أحمد، وأبو ثور.
وقيل عنه: إنه يوم، وبه قال داود.
وقال أبو حنيفة والثوري: ثلاثة أيام.
وقال أبو يوسف: يومان، وأكثر الثالث.
وقال مالك: ليس لقلته حد، فيجوز أن يكون ساعة.
_________________
(١) وقال البيهقي في المعرفة (١/ ١٦٩ - ١٧٠): والذي قاله الشافعي وحكاه عن ابن علية في تضعيف الجلد بن أيوب موافق لكلام غيره من حفاظ الحديث. وروينا عن حماد بن زيد: أنه كان يضعفه ويقول: لم يكن يعقل الحديث، وقال حماد: ذهبت أنا وجرير بن حازم إلى الجلد بن أيوب فحدثنا بحديث معاوية بن قرة عن أنس في الحائض فذهبنا نوقفه، فإذا هو لا يفصل بين الحائض والمستحاضة، وروي من أوجه أخر ضعيفة عن أنس مرفوعًا وموقوفًا، وليس له عن أنس بن مالك أصل، إلا من جهة الجلد بن أيوب، ومنه سرقه هؤلاء الضعفاء: اهـ. وذكره الذهبي في الميزان (١٥٤٧): وقال: ضعفه ابن راهويه، وقال الدارقطني: متروك. وقال أحمد بن حنبل: ضعيف ليس يسوى حديثه شيئًا.
[ ١ / ٣٠٥ ]
والشافعي إنما رجع في قوله إلى الموجود فإنه قال: "رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يومًا لا تزيد عليه".
قال: وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام.
وعن نساء أنهن لم يزلن يحضن خمسة عشر، وعن امرأة -إذا كثر- أنها لم تزل تحيض ثلاثة عشر.
وأما أكثر الحيض: فخمسة عشر يومًا، وبه قال مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والأخرى سبعة عشر، وبه قال أبو ثور، وداود، وروى ذلك عن علي بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح.
وقال أبو حنيفة والثوري: عشرة أيام.
وقال ابن جبير: ثلاثة عشر يومًا (١).
_________________
(١) قال ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ٤٥): وهذه الأقاويل كلها المختلف فيها عند الفقهاء في أقل الحيض وأكثره وأقل الطهر؛ لا مستند لها إلا التجربة والعادة، وكُلٌّ إنَّما قال من ذلك ما ظن أن التجربة أوقفته على ذلك، ولاختلاف ذلك في النساء عسر أن يعرف بالتجربة حدود هذه الأشياء في أكثر النساء، ووقع في ذلك هذا الخلاف الذي ذكرنا.
[ ١ / ٣٠٦ ]