لم يرد في المسند حديث في التثويب، ولكن قال الزعفراني في كتاب القديم: قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن الزهري، عن حفص بن عمر بن سعد القرظ، أن جده سعد كان يؤذن في عهد رسول اللَّه - ﷺ - لأهل قباء، حتى انتقله عمر في خلافته، فأذن بالمدينة في مسجد رسول اللَّه - ﷺ -، فزعم حفص أنه سمع من أهله أن بلالًا أتى النبي - ﷺ - لِيُؤْذِنَهُ بالصلاة -صلاة الصبح- بعد ما أذن، فقيل: إن رسول اللَّه نائم، فنادى بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فَأُمِرَّتْ في تأذين الفجر منذ سنها بلال" (١).
قال الشافعي: أخبرنا غير واحد من أصحابنا، عن أصحاب عطاء، عن أبي محذورة أنه كان لا يثوِّب إلا في أذان الصبح، ويقول إذا قال: حي على الفلاح: الصلاة غير من النوم.
قال الشافعي: أخبرنا رجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليًّا كان يقول في أذان الصبح: الصلاة غير من النوم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن التثويب يستحب في صلاة الصبح.
قاله في القديم وفي البويطي، وكرهه في استقبال القبلة والجديد.
قال أبو إسحاق: ففي المسألة قولان، أصحهما الأخذ بالثبوت.
وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
_________________
(١) وأخرجه البيهقي في السنن الكبير (١/ ٤٢٢)، وانظر المعرفة (٢/ ٢٦٢).
[ ١ / ٤٢٦ ]
وأما أبو حنيفة، فحكى عنه التثويب في الفجر، في أثناء الأذان مثل الجماعة، وحكى عنه التثويب بعد الفراغ من الأذان وقبل الإقامة.
ويشبه أن يكون الشافعي إنما كره التثويب في الأذان لانقطاع حديث بلال وأبي محذورة، وانقطاع الأثر الذي رواه فيه عن عليٍّ، وأنه لم يروه في الحديث الموصول عن ابن محيريز عن أبي محذورة.
والقول القديم أصح، فإن التثويب قد جاء مرويًّا في حديث أبي محذورة، رواه أبو داود في السنن، وقد ذكرنا طريق حديثه في الفرع الأول، وروى ذلك عمر، وابن عمر، وأنس بن مالك.
ومعنى التثويب لغة: هو الرجوع في القول مرة بعد مرة فكل داعٍ مثوب، وثوَّبَ فلان بالصلاة إذا دعي إليه، والأصل فيه الرجل يجيء متصرخًا فيلوح بثوبه، فسمي الدعاء تثويبًا، فتثويب الأذان قوله: الصلاة خير من النوم مرتين، وتثويب الصلاة، الصلاة بعد المكتوبة وقد يجيء التثويب في الحديث بمعنى الإقامة لأنها بعد الأذان.