أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنا مع النبي - ﷺ -[في بعض أسفاره، فانقطع عقد لي فأقام النبي - ﷺ -] (١) على التماسه وليس معهم ماء فنزلت آية التيم".
هذا حديث صحيح متفق عليه، قد أخرجه بطوله الجماعة إلا الترمذي.
فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد: قالت: خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش؛ انقطع عقد لي، فأقام رسول اللَّه - ﷺ - على التماسه وأقام الناس معه؛ وليسوا على ماء وليس معهم ماء؛ فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة! أقامت برسول اللَّه - ﷺ - وبالناس؛ وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت عائشة: فجاء أبو بكر ورسول اللَّه - ﷺ - واضع رأسه على فخذي وقد نام، فقال: حبست رسول اللَّه - ﷺ - والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء! قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء اللَّه -﷿- أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما يمنعني من التحريك (٣) إلا مكان رسول اللَّه - ﷺ - على فخذي، فنام رسول اللَّه - ﷺ - حتى أصبح على غير ماء، فأنزل اللَّه تعالى آية التيمم،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والاستدراك من المسند بترتيب السندي (١٢٧).
(٢) الموطأ (١/ ٧١ - ٧٢ رقم ٨٩).
(٣) في الموطأ: (التحرك).
[ ١ / ٢٨٩ ]
فتيمموا؛ فقال أُسَيْدُ بن حُضَيْر: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته.
وأما البخاري (١): فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك بالإسناد واللفظ.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك إسنادًا ولفظًا.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد النفيلي، عن أبي معاوية [عن هشام بن عروة] (٤) عن أبيه، عن عائشة قالت: بعث رسول اللَّه - ﷺ - أسيد ابن حضير وأناسًا معه؛ في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي - ﷺ - فذكروا ذلك له، فأنزل اللَّه آية التيمم، زاد النفيلي: فقال أسيد: يرحمك اللَّه ما نزل بك أمر تكرهينه إلا [جعل اللَّه وللمسلمين ولك فيه فرجًا] (٥) [] (٦)، وللاستراحة.
و"ظِفَار" بوزن فِطَام مكسورًا غير منون، موضع باليمن وهذا الجَزْعُ ينسب إليه.
وأما أظفار فهو اسم لنوع من الجزع معروف (٧).
"والصعيد": التراب وقيل: هو وجه الأرض.
وأراد "بالطَّيَّبِ" الطاهر، ومنه الاستطابة للاستنجاء وهو: تطييب الرجل نفسه بإزالة الأذى عنه.
"والابتغاء": الطلب، ويجوز أن يكون منصوبًا ومرفوعًا، فأما النصب فلأنه
_________________
(١) البخاري (٣٣٤).
(٢) مسلم (٣٦٧).
(٣) أبو داود (٣١٧).
(٤) ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل، والاستدراك من سنن أبي داود.
(٥) من أبي داود.
(٦) وقع سقط بالمخطوط من ابتداء اللوحة (ب).
(٧) وللبيان نقول إن هذه الألفاظ جاءت في رواية أبي داود (٣٢٠)، ويحسن أن أذكر طرفًا منه: "أن رسول اللَّه - ﷺ - عرس بأولات الحبس ومعه عائشة فانقطع عقد لها من جزع ظفار".
[ ١ / ٢٩٠ ]
مفعول، أي حبس رسول اللَّه - ﷺ - الناس لابتغاء العقد، وأما الرفع فلأنه فاعل أي حَبَسَ ابتغاء العُقْدِ الناسَ.
و"يعيط" من العيط، تقول اعياط ويعيط بمعنى.
وقد جاء في رواية أبي داود: ولم يقبضوا من التراب شيئًا.
وفي رواية النسائي: ولم ينفضوا.
فإن صح الخلاف، فألأول: أراد أنهم لم يأخذوا بأيديهم من التراب شيئًا يقبض، إنما أخذوا منه ما علق بأكفهم عند ضربها بالتراب.
والثاني: أراد أنهم لما ضربوا أكفهم في التراب، وعلق بها ما علق منه لم ينفضوها؛ ليذهب بعض التراب المتعلق بها، إنما أبقوها على حالتها.
وكلا الأمرين سنة في التيمم، فإنه يستحب أن لا يتكلف أحد شيئًا من التراب بيده؛ أكثر مما يتعلق بها عند الضرب؛ وأن لا ينفض ما علق منه بها؛ وبيان المذهب في التيمم قد ذكرناه في حديث عائشة.
وقال الشافعي عند ذكر هذا الحديث: لا يجوز على عمار إذ كان ذكر تيممهم مع النبي - ﷺ - عند نزول الآية إلى المناكب إن كان من أمر النبي - ﷺ - إلا أنه منسوخ عنده، إذ قد روى هو أن النبي - ﷺ - أمر بالتيمم على الوجه والكفين، أو يكون لم يرو عنه إلا تيمُّمًا واحدًا، فاختلفت رواياته فتكون رواية ابن الصمة التي لم تختلف أثبت -ويريد برواية ابن الصمة الحديث الذي يجيء بعد-.
قال: وإذا لم يختلف فأولى أن يؤخذ بها؛ لأنها أوفق لكتاب اللَّه تعالى من الروايتين اللتين رويتا مختلفتين، أو يكونوا لما سمعوا آية التيمم عند حضور صلاة فتيمموا، فاحتاطوا فأتوا على عامة ما يقع عليه اسم اليد؛ لأن ذلك لا يضرهم كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء، فلما صاروا إلى مسأله النبي - ﷺ - أخبرهم أنه يجزئهم عن التيمم أقل مما فعلوا.
[ ١ / ٢٩١ ]
وهذا أولى المعاني عندي، فرواية ابن شهاب من حديث عمار بما وصفت لك من الدلائل -واللَّه أعلم-
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة قال: مررت على النبي - ﷺ - وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد عليَّ؛ حتى قام إلى جدار فَحَتَّه بعصًا كانت معه ثم وضع يده على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد عليَّ السلام.
قال الشافعي: وروى أبو الحويرث، عن الأعرج، عن ابن الصمة أن رسول اللَّه - ﷺ - بال فتيمم.
أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث: عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصمة أن رسول اللَّه - ﷺ - تيمم فمسح وجهه وذراعيه.
وأخبرنا الشافعي بإلإسناد قال: مررت بالنبي - ﷺوهو يبول فتمسح بجدار، ثم تيمم وجهه وذراعيه.
ذكر الشافعي هذا الحديث في ثلاثة مواضع من المسند، الرواية الأولى وهي أتمها: ذكرها في باب ذكر اللَّه على غير وضوء.
والثانية: ذكرها في باب التيمم.
والثالثة: ذكرها في كتاب اختلاف الحديث.
والحديث في نفسه صحيح (١) متفق عليه،
_________________
(١) نعم لكن بغير اللفظ المخرج. قال الحافظ في الفتح (١/ ٥٢٧): الثابت في حديث أبي جهيم بلفظ "يديه" لا ذراعيه فإنها رواية شاذة مع ما في أبي الحويرث، وأبي صالح من الضعف. =
[ ١ / ٢٩٢ ]
أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣) والنسائي (٤).
إلا أن رواية الشافعي هكذا وقعت، وفيها اختصار من جهة إبراهيم بن محمد، أو أبي الحويرث (٥)، لأن الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة، وإنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة؛ وسنبين ذلك في روايات البخاري ومسلم وغيرهما.
فأما البخاري: فأخرجه عن يحيى بن كثير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد اللَّه بن يسار مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري فقال أبو الجهيم: أقبل النبي - ﷺ - من نحو بئر جمل، فَلقِيَهُ رجل فسلم عليه، فلم رد النبي - ﷺ - حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه؛ ثم رد ﵇.
وأما مسلم: فأخرجه تعليقًا عن الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة بإسناد البخاري ولفظه.
وأما أبو داود: فأخرجه عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده، عن جعفر بإسناد البخاري ولفظه.
_________________
(١) = وقال في موضع آخر من كتابه (١/ ٥٣٠). الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حدث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم رفعه.
(٢) البخاري (٣٣٧).
(٣) مسلم (٣٦٩) معلقًا.
(٤) أبو داود (٣٢٩).
(٥) النسائي (١/ ١٦٥).
(٦) وعزاه الحافظ في التلخيص (١/ ١٥٣) إلى الطبراني في "الأوسط" "والكبير" وقال: فيه إبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى وهو ضعيف، لكنه حجة عند الشافعي، ورواه الشافعي في حديث ابن الصمة كما تقدم، وقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة، وقد جمع البيهقي طرق حديث عمار فأبلغ.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وأما النسائي: فأخرجه عن الربيع سليمان، عن شعيب بن الليث عن أبيه مثل البخاري.
وفي الباب: عن ابن عمر، وجابر، والبراء، ومهاجر بن قنفذ، وعبد اللَّه بن حنظلة.
قال الترمذي: وأحسن شيء روي في هذا الباب حديث ابن عمر.
"الجدار": الحائط وجمعه جُدُر، والجَدْرُ كذلك وجمعه جُدْران.
"والحتّ": أخو الحك، وقد تقدم بيانه.
وفي هذا الحديث فوائد منها:
تعيين المسح على الذراعين، ومنها: أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار التراب، لأن النبي - ﷺ - حت الجدار بالعصا، ولو كان مجرد الضرب كافيًا لكان لا يحتاج أن يحته.
ومنها: استحباب الطهارة لذكر اللَّه تعالى، فإنه قد صرح به في حديث ابن عمر أنه قال له النبي - ﷺ -: "لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهارة".
ولذلك جاء في حديث المهاجر بن قنفذ.
ومنها: أن السلام وإن كان واجبًا؛ فالمسلم على الرجل في مثل هذه الحالة مضيع حظ نفسه، فلا يستحق رد سلامه.
وفيه دليل: على كراهية الكلام عند قضاء الحاجة.
وفيه دليل: على أن من أراد ذكر اللَّه في الحضر؛ وهو على غير طهارة ولا ماء معه فله أن يتيمم.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن
[ ١ / ٢٩٤ ]
يسار: "أن النبي - ﷺ - ذهب إلى بئر جمل لحاجة، ثم أقبل فسلم عليه رجل، فلم يرد عليه حتى مسح يده بجدار ثم رد ﵇".
هذا الحديث هكذا جاء مرسلًا، وهو طريق من طرق حديث ابن عمر، وقد تقدم في باب الاستطابة ذكره؛ وذكرنا ما يتعلق به فلا حاجة إلى إعادته.
وقد أخرج الشافعي: من رواية الزعفراني عنه، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: كان يقول: التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين.
وأخرج الشافعي أيضًا: في كتاب علي وعبد اللَّه -بلاغًا- عن هشيم، عن خالد، عن أبي إسحاق أن عليًّا قال: في التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين.
وقد روي ذلك عن علي وقال: وضربة للذراعين (١).
_________________
(١) نقل المصنف -﵀- عن البيهقي في المعرفة (٢/ ٢٤ - ٢٥) كلامه وتصرف فيه وأغفل قول البيهقي: هكذا حكاه في كتاب علي، وعبد اللَّه، وهو منقطع وراجع المعرفة.
[ ١ / ٢٩٥ ]