أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت أنس ابن مالك يقول: "بال أعرابي في المسجد، فَعَجِلَ الناس إليه، فنهاهم عنه، وقال - ﷺ -: "صُبُّوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ ماءٍ".
هذا حديث صحيح، متفق عليه.
أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣).
فأما البخاري: فأخرجه عن عبدان، عن عبد اللَّه، عن يحيى بن سعيد، وعن خالد [بن] (٤) مخلد، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد نحوه.
وأما مسلم: فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس: "أن أعرابيًّا بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "دعوه لا تَزْرِمُوه"، قال: فلما فرغ، دعا بَدلْوٍ من ماءٍ فَصَبَّهُ عليه".
وفي أخرى: عن زهير بن حرب، عن عمر بن يونس الحنفي، عن عكرمة بن
_________________
(١) البخاري (٢٢١).
(٢) مسلم (٢٨٤، ٢٨٥).
(٣) النسائي (١/ ٤٧ - ٤٨).
(٤) من البخاري.
[ ١ / ١٣٧ ]
عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه - ﷺ -، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - مَهْ مَهْ! قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - لاتزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اللَّه - ﷺ - دعاه فقال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هو لذكر اللَّه والصلاة، وقراءة القرآن، -أو كما قال رسول اللَّه - ﷺ -- قال: وأَمَرَ رجلًا من القوم فجاء بِذَنُوبٍ من ماء فَشَنَّهُ عليه".
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن حماد [عن] (١) ثابت، عن أنس، مثل رواية مسلم الأولى.
وفي أخرى: عن قتيبة، عن عبيدة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس.
"الأعرابي": منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البادية الذين لا يحضرون الأمصار ولا يسكنونها، سواء كانوا من العرب أو من غيرهم.
"والعرب": كل من كان أصله عربيًّا، وإن لم يكن في بلاد العرب، كالذين [نزلوا] (٢) بلاد فارس، وغيرهم من الأمم لمَا فتحوها وأولدوا فيها، ولسانهم اليوم عجمي، أو تركي، أو أرمني أو غير ذلك، ولا يتكلمون بالعربية ولا يحسنونها، فهم عرب لأنهم ينتسبون إلى العرب.
وإنما نسب إلى الأعراب وهو جمع، لأنه جمع لا واحد له من لفظه، فَنُزِّلَ منزلة الواحد.
"والذَّنُوبُ": -بفتح الذال المعجمة- الَّدَّلْو العظيمة إذا كانت ملأى ماء،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [بن] وهو تصحيف، والعجيب أنه تصحف أيضًا في النسخة المطبوعة من السنن. وانظر تحفة الأشراف (١/ ١١٠)
(٢) في الأصل [تدبروا] والسياق بها غير متجه ولعلها صحفت والأقرب ما أثبتناه.
[ ١ / ١٣٨ ]
وقيل: إذا كانت قريبًا من الامتلاء، ولا يقال لها -وهي فارغة-: ذَنُوب، ويذكر ويؤنث.
"وإلإزْرَامُ" -بتقديم الزاي على الراء- القَطْعُ، أي: لا تقطعوا عليه بوله، تقول (١): زَرِمَ البولُ والدَّمْعُ وغيرُهما: إذا انقطع، وأزرمه غيره.
وقوله - ﷺ - "دعوه" إنما قال ذلك لوجهين أحدهما: أن الأعرابي قد كان أراق بعض الماء والكل في النجاسة كالبعض من حيث إنه نجس.
والثاني: أنه لو قطع بوله لتنجست ثيابه ولأعقبه داء في بدنه قاله الأطباء، فترجح جَانِبُ تَرْكِهِ حتى يُتِمَّ بَوْلَهُ على جانِبِ قَطْعِهَ لما قلنا، ولأنه أيضًا كان ينجس موضعين، وإذا ترك فالذي ينجس موضع واحد.
ترجيح الفتوى بالدلالة أصل من أصول الفقه، ولا ينفذ فيها عند تعارض الوجوه إلا الماهر.
وإنما سكت النبي - ﷺ - عن الأعرابي ولم يَلُمْهُ، لجِهله بحق المسجد، ومن أصول الشريعة أن الجاهل بالحرام إذا واقعه سلم من العقوبة والإثم، وقوله في الجهالة مقبول إلا أن يظهر من حاله وشاهد الأمن والوقت ما يدل على كذبه، فَيُقْضَى عليه بحكم العالم.
وقوله "مه مه" بمعنى اسكت، وتكرارها للمبالغة.
وقوله "فَشَنَّهُ عليه" قد جاء في كتاب مسلم، فيما قرأناه -وهو أخرج الحديث- بالشين المعجمة، وجاء في غيره بالمهملة.
فأما المعجمة فمعناها: تفريق الماء عليه من جهاته، من قولك: شنَنْتُ الغارة، إذا فرَّقها من الجهات والجوانب.
_________________
(١) كتب في الهامش: يقال.
[ ١ / ١٣٩ ]
وأما المهملة فمعناها الصَّبُّ والإراقة، فكأنه أشبه بالمعنى من المعجمة، لأن باقي الروايات قد جاء (١): "فصب عليه وأهراق عليه".
والذي ذهب إليه الشافعي: أن البول إذا أصاب الأرض فإنها تطهر بأن يُصَبَّ عليها ماء يغمرها، فَيُسْتَهْلَكُ به البولُ فتذهب رائحته ولونه.
وقال أبو حنيفة: إن كانت الأرض رَخْوةً ينزل فيها الماء فالصَّبُّ يُجْزِئُ، وإن كانت صُلْبَةً لم يجز فيها إلا الحفر ونقل التراب.
وليس للدّلو التي تُصَبُّ على البَوْلِ مقدارٌ محدود، وإنما هو وما يغمره ويستهلكه -كما قلناه.
على أن الشافعي قد قال في بعض كلامه: ويطرح على البول سبعة أضعافه من الماء، قالوا: لم يقل ذلك تقديرًا وإنما قاله تجربة.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: "دخل أعرابي المسجد وقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "لقد تحجّرتَ واسِعًا" فما لبث أن بال في ناحية المسجد، فكأنهم عجلوا عليه، فنهاهم النبي - ﷺ -، ثم أمر بذَنُوبٍ من ماء، أو سَجْلٍ من ماء فأهريق عليه، ثم قال النبي - ﷺ -: "عَلِّمُوا ويَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا".
وفي نسخة "أو سجل ماء".
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) البخاري (٢٢٠، ٦١٢٨).
(٣) أبو داود (٣٨٠).
(٤) الترمذي (١٤٧) وقال: وهذا حديث حسن صحيح.
(٥) النسائي (١/ ٤٨ - ٤٩).
[ ١ / ١٤٠ ]
فأما البخاري فأخرجه مُفَرَّقًا في موضعين:
أحدهما: عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قام النبي - ﷺ - في الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحمْ معنا أحدًا! فلما فرغ رسول اللَّه - ﷺ - قال: "لقد تحجرت واسعًا" -يريد رحمة اللَّه﷿.
والثاني: عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، أن أبا هريرة قال: "قام أعرابي في المسجد فبال، فتناوله الناس، فقال لهم رسول اللَّه - ﷺ -: "دعوه وهَرِيقوا على بوله سَجْلًا من الماء، أو ذَنُوبًا من ماء، فَإنَّما بُعِثتُمْ مُيسِّرِينَ، ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ".
وأما أبو داود: فأخرجه عن أحمد بن عمرو بن السرح.
[و] (١) ابن عبدة في آخرين، وهذا لفظ ابن عبدة، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، وذكر الحديث بطوله نحوه.
وأما الترمذي: فأخرجه عن ابن أبي عمر، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي كليهما عن سفيان، عن الزهري، بالإسناد نحوه بطوله.
وأما النسائي: فأخرجه عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي، عن محمد بن الوليد، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة، وذكر الفصل الأخير الذي يتضمن البول، كما أخرجه البخاري، إلا أنه قال: "دَلْوًا من ماء"، وأخرج الفصل الأول مفردًا كما أخرجه البخاري.
قوله "تَحَجَّرْتَ واسِعًا" يعني ضَيَّقْتَ رحمة اللَّه، وأصله: اتخذت عليه حجرة أي: حظيرة أحاطت به من جوانبه، لأن رحمة اللَّه موصوفة بالسعة،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل وإثباته هو الصواب، وكذا جاء في السنن.
[ ١ / ١٤١ ]
قال الله ﷿ (ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيء) (١) فحيث حصر الرحمة له وللنبي - ﷺ - قال له: لقد ضَيَّقْتَ الواسِعَ، وناحية المكان: جانبه.
"والذَّنُوب": قد ذُكِرَ، "والسَّجْلُ": الدَّلْو العظيمة إذا كان فيها ماء قَلَّ أو كَثُرَ، ولا يقال لها -وهي فارغة -: سجل، كما لا يقال للدلو -وهي فارغة-: ذنوب، والسَّجْلُ مذكر، جمعه سِجَال.
و"اليُسْرُ": ضد العسر، كالسعة والضيق، والرفق والعنف، المراد عَلِّمُوهم ما يلزمهم من أمور دينهم، وسهِّلوا عليهم، واسلكوا طريق الرفق في التعليم: ولا تشددوا عليهم، وتَلْقَّوْهُمْ بما يكرهون، فينفروا من قَبُولِ الدِّينِ، واتباعِ الهدى.
"ومُيَسِّرين ومُعَسِّرِين": منصوبان على الحال من الضمير في "بُعِثْتُمْ"، والواو في قوله "ويسروا ولا تعسروا" واو الحال أي: عَلِّمُوا وحالتكم في التعليم اليسر لا العسر، ويشهد بصحة ذلك الرواية الأخرى "فإنما بعثتم ميسرين لا معسرين".
وإضافة السَّجْلِ إلى الماء في قوله؛ "سَجْلَ مَاءٍ" إضافة بمعنى "من" بدليل ظهورها في الرواية الأخرى، في قوله: "سَجْلًا مِنْ ماءٍ".
وإنما جازت هذه الإضافة -وإن كان السَّجْلُ ليس من ماء- لأن السَّجْلَ والذَّنُوبَ لا يسمِّيان بهذا الاسم إلا إذا كان فيهما ماء، فإذا لم يكن فيهما ماء فليس بَسجْلٍ ولا ذَنُوبٍ، فلما تخصصت التسمية بوجود الماء فيهما ولزومه لهما، صارا كأنهما من الماء وبعض الماء.
"فَعَجَلَ الناس": يعني أطلقوا ألسنتهم في ذَمِّهِ وشتمه، وأيديهم في ضربه، كأنهم قد أخذوا من قولك: تناولت الشيء، إذا أخذته بيدك، ووقعت بفلان: إذا ذممته وشتمته، وما في هذا الحديث من الفقه قد تقدم في حديث أنس قبل هذا.
_________________
(١) الأعراف: [١٥٦].
[ ١ / ١٤٢ ]