أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد؛ فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط -وفي نسخة لغائط- ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرّمة؛ وأن يستنجي الرجل بيمينه".
قال الشافعي: هذا حديث ثابت وبه نقول.
وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، وأبو دواد (٢)، النسائي (٣).
فأما مسلم: فأخرجه عن الحسن بن خراش، عن عمر بن عبد الوهاب، عن يزيد زريع، عن روح بن القاسم، عن سهيل، عن العقعاع [عن] (٤) أبي صالح،
_________________
(١) مسلم (٢٦٥). قلت: وأعل الدارقطني وأبو الفضل الهروي هذا الطريق. قال الدارقطني: هذا غير محفوظ عن سهيل وإنما هو حديث ابن عجلان حدث به الناس عنه منهم: روح بن القاسم، كذلك قال أمية بن يزيد. انظر "التتبع والإلزامات" صـ ١٦٨ - ١٦٩ وانظر أيضًا "بين الإمامين مسلم والدارقطني" (٧٧).
(٢) أبو داود (٨).
(٣) النسائي (١/ ٣٨).
(٤) بالأصل (ابن) وهو تصحيف وقد تكرر هذا النوع من التصحيف كثيرًا.
[ ١ / ١٦٢ ]
عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:
"إذا جلس أحدكم على حاجته؛ فلا يستقبلن القلبة ولا يستدبرها".
وأما أبو داود: فأخرجه عن عبد اللَّه بن محمد النفيلي، عن ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، بالإسناد وذكر معنى حديث الشافعي بتقديم وتأخير.
وأما النسائي: فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، بالإسناد مثل أبي داود ونحوه، وقد رواه الشافعي في كتاب "القديم"، عن بعض أصحابهم، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، بإسناده مختصرًا في الأمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار، والنهي عن الروث والرمة.
وفي الباب عن عائشة، وخزيمة بن ثابت، وابن مسعود، وجابر، ورويفع بن ثابت.
اللام في قوله "إنما أنا لكم" لام الملك، أو لام أَجْل، أي لأجلكم.
"ومثل الشيء": شبهه ونطيره، يقال: هو مِثْلُهُ ومَثَلُهُ، وشِبْهُهُ وشَبَهُه، وهو اسم مُعْرَبٌ مضاف أبدًا، إلا أنه لا تفيد الإضافة فيه تعريفًا، تقول: مررت برجل مِثْلِكَ، فكل من عداه تناوله لفظ "مثل" إذا كان يشبهه، ولذلك يوصف به النكرة؛ فتقول:
مررت برجل مثلك، فيجوز هذا اللفظ أن يكون أراد أنه مَرَّ به وبمثله، وأنه مر بمثله لا به.
وقوله "بمنزلة الوالد" و"مثل الوالد" يعني أن الأب كما أنه يُعَلِّمُ وَلَدَهَ حُسْنَ الأدبِ في ما يأتيه ويَذَرُهُ من قول وفعل؛ فكذلك أنا لكم أعلمكم ما لكم وعليكم.
و"الغائط": في أصل الوضع الموضع المطمئن من الأرض.
[ ١ / ١٦٣ ]
ولما كان من عادتهم؛ أنهم يقضون الحاجة في أمثال تلك الأمكنة؛ تسترًا عن أعين الناظرين؛ لأنهم لم يكن لهم كُنُفٌ في البيوت، ولا كانوا يتخذون الحُشوش في الأفنية وكَثُرَ فِعْلُ ذلك منهم، سموا النجو نفسه الغائط تسمية الشيء بمكانه، فهو في أول الحديث كناية عن الموضع، وفي أثنائه كناية عن النجو.
وإنما فعل ذلك كراهةً لِذِكْرِ اسمه الخاص به؛ فإن من عاداتهم التأدب في ألفاظهم، واستعمال الكنايات في كلامهم، وصون الألسنة عما تصون عنه الأبصار والأسماع.
و"القِبْلة": الجهة التي يُصَلَّى إليها؛ قصدًا إلى البيت الحرام.
"واستقبالها": جَعْلُها في مقابل وجهه.
"واستدبارها": جعلها بالعكس من جهة ظهره، وفي إحدى الروايتين "بغائط" بالباء؛ فجعل الغائط هو الذي يستقبل به القبلة.
وفي الأخرى: "لغائط" باللام، جعل نفسه الذي يستقبل القلبة، ثم علل استقباله أنه لأجل الغائط والبول.
وقوله: "ولا بول" فذكر "لا" زيادة في البيان، وإيضاح لتفصيل جملة متوهمة؛ وذلك أنه لو قال: فلا يستقبلها بغائط وبول، جاز أن يكون النهى عن استقبالها بهما معًا، وعن استقبالها بكل واحد منهما على الانفراد، فأما حيث قال "ولا بول" فإنه زال ذلك الاحتمال، وصار التقدير: فلا يستقبلها بهذا ولا يستقبلها بهذا.
ويبقى حينئذٍ توهم جواز استقبالها بهما جميعًا؛ لأن اللفظ لا يدل عليه.
وينبني بهذا الاحتمال، أنه إنما نهى عن استقبالها، بالغائط والبول إكرامًا لها؛ تنزيهًا عن كل واحد منهما؛ فإذا كان قد نَزَّهَها عن كل واحد منهما، على الانفراد فلأن ينزهها عنهما أولى.
[ ١ / ١٦٤ ]
"والاستنجاء": استفعال من النجو وهو الخارج، أو من النجو -وهو المكان المرتفع من الأرض- لأنهم كانوا يَقصدون تلك الأماكن ليستتروا بها، وقيل أصل الاستنجاء نزع الشيء عن موضعه وتخليصه منه، ومنه قولهم: نجوت الرطب واستنجيته إذا جنيته، فيكون "اليستنج" إما إزالة النجو -الذي هو الحدث- عن بدنه، وإما الذهاب إلى النجوة من الأرض.
والباء في "بثلاثة" هي باء التسبب والمباشرة، مثل: كتبت بالقلم، وضربت بالسيف.
"ولا" في قوله "فلا يستقبل" ناهية، وفي قوله "ولا بول" نافية.
واللام في "وليستنج" لام الأمر وهي تجزم الفعل المستقبل، وجزم هذا الفعل حذف الياء، وهذه اللام إنما تدخل على أمر الغائب نحو: ليقم زيد، وقد دخلت على الحاضر شاذًّا، وقرئ به قوله سبحانه ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١) وفعل الأمر مبني عند البصريين من النُّحاة، إلا ما دخل عليه لام الأمر مثل هذا الفعل فإنه معرب، "والنهي" خلاف الأمر، تقول: نهيته عن كذا فانتهى أي: كَفَّ.
وقد اختلف الأئمة في كون الأمر بالشيء؛ هل هو نَهْي عن ضده أم لا؟.
فقال الذاهبون إلى قدم الكلام الذي اتصف به الرب -﷾- إنه وصف واحد يستحيل التعدد والتغاير، وهو خبر عن كل مخبر، وأمر بكل مأمور، ونهي عن كل منهي.
واختلفوا في أوامرنا التي نتصف بها.
فمن زعم أن حقيقة الكلام ترجع إلى ما في النفس؛ زعم أن الأمر بالشيء -على التنصيص؛ لا على التخيير- نَهْيٌ عن جميع أضداد المأمور به.
ومن زعم أن الكلام ينطلق على العبارات والحروف المنتظمة والأصوات، لم يُطلق القول بالأمر بالشيء نهي عن ضده؛ فإن الأمر عنده قول القائل: افعل،
_________________
(١) يونس: ٥٨
[ ١ / ١٦٥ ]
والنهي قوله: لا تفعل، ولكنه قال: الأمر بالشيء على الجزم، معنى التخيير يتضمن النهي من طريق المعنى، وليس هو عين النهي.
وذهبت المعتزلة بأسرها إلى: أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن أضداد المأمور به، لا من حيث الحقيقة ولا من حيث المعنى (١).
"والروث": الرجيع من كل حيوان، وكأنه بالدواب أخص، والروثة أخص منه، ويُجْمع على أرواث.
"والرِمّة" بكسر الراء: العظام البالية، والجمع رميم، فهو رميم (٢).
وموضع قوله "وأن يستنجي" جر لأنه معطوف على "الروث" "والرمة" لأن "أن" والفعل بمنزلة المصدر، تقديره والاستنجاء باليمين.
"والاستطابة": الاستنجاء، وسمي استطابة لما فيه من إزالة النجاسة؛ وتطهير موضعها من البدن، يقال: استطاب الرجل إذا استنجى فهو مستطب، وأطاب فهو مطيب، ومعنى الطيب هنا الطهارة.
"والخلاء": ممدودًا -موضع قضاء الحاجة، وأصله من الخلوة لأن من يريد قضاء الحاجة؛ فإنما يكون وحده ليخلو بنفسه، فسمي الموضع بذلك خاصة لهذا المعنى.
_________________
(١) قال ابن حزم في الأحكام (٢/ ٣٢٨): الأمر: هو نهي عن فعل كل ما خالف العمل المأمور به، وعن كل ضد له خاص أو عام، فإنك إذا أمرته بالقيام فقد نهيته عن القعود والاضطجاع والاتكاء والانحناء والسجود، وعن كل هيئة حاشا القيام، وإنما كان هكذا لأن ترك أفعال كثيرة مختلفة في وقت واحد واجب موجود ضرورة، لأن من قام فقد ترك كل فعل خالف القيام كما أخبرنا في حال قيامه، والنهي يقتضي اجتناب المنهي عنه كما أن الأمر يقتضي إتيان المأمور به، وقد بينا أن النهي عن الشيء أمر بتركه، والأمر بالترك يقتضي وجوب الترك، وبيَّنَّا أن الأمر بالشيء نهيٌ عن تركه، فالنهي عن الترك يقتضي الفعل الذي بوقوعه يرتفع تركه. وانظر تفصيل المسألة في البحر المحيط للزركشي (٢/ ٤١٦).
(٢) كذا بالأصل وفي النهاية (٢/ ٢٦٧) قال المصنف: الرمّةُ والرميم العظم البالي ويجوز أن تكون الرمة جمع الرميم.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقوله: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد": مثل الوالد كلام بسط وتأنيس للمخاطبين، لئلا يحتشموه ولا يستحيوا أن يسألوه فيما يَعْرِضُ لهم من أمر دينهم وإن كان مما يوجب الحياء، كما لا يستحيي الولد من مساءلة الوالد؛ فيما يعرض له من الأمور. وفي هذا بيان على أن على الوالد: أن يعلم ولده ما يلزمه من أمر دينه، لأنه قال: "بمنزلة الوالد أعلمكم".
والذي ذهب إليه الشافعي: أن استقبال القبلة واستدبارها؛ عند قضاء الحاجة والبول لا يجوز في الصحاري؛ ويجوز في البنيان وبه قال مالك، وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وروي ذلك عن العباس، وابن عمرو.
وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يجوز استقبالها في الصحراء والبناء.
وعن أبي حنيفة في استدبارها روايتان، وروي مثل ذلك عن أحمد.
وحكي المنع جملة عن أبي أيوب الأنصاري، وبه قال النخعي.
وقال داود، وربيعة: يجوز الأمران معًا فيهما، وروي ذلك عن عروة بن الزبير.
وأما الاستنجاء فإنه عند الشافعي واجب، وبه قال مالك في إحدى الروايتين عنه، وبه قال سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وداود.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الاستنجاء.
وأما النجاسة في الثوب وسائر البدن، فَيُعْفَى عن قَدْرِ الدرهم البعلي.
والاستنجاء إمّا أن يكون بالماء أو الحجر، أو ما يقوم مقام الحجر أو بهما جميعًا؛ والجمع بينهما هو الكمال، وبأحدهما هو الإجزاء، فإن استنجى بالماء فالذي يجزئه تنظيف المحل، وإن استنجى بالأحجار أو بما قام مقامها، فيلزمه الجمع بين الإنقاء واستيفاء العدد، فإن أنقى بما دون الثلاث لزمه إتمام العدد، وإن لم يُنْقِ بالثلاث زاد عليها حتى يُنقي، فإن أنقى بالرابعة أَوْتَرَ بخامسة
[ ١ / ١٦٧ ]
لقوله - ﷺ -: "من استجمر فليوتر" (١) وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال مالك، وداود: الواجب الإنقاء دون العدد.
وأما أبو حنيفة: فإنه لا يوجبه، ولكن يستحبه ولا يراعي العدد.
وقال الشافعي: يجوز الاستنجاء بما يقوم مقام الحجر، من كل جامد طاهر منق، غير مطعوم ولا محترم ولا متصل بحيوان.
وقال داود: لا يجوز بغير الحجارة، وحكى ذلك عن زفر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
قال الشافعي: ويستنجي بالحجارة في الوضوء؛ من يجد الماء ومن لا يجده، ولو جمعه رجل فاستعمل الحجر ثم غسل بالماء؛ كان أحب إلىَّ.
قال: ويقال: إن قومًا من الأنصار استنجوا بالماء، فنزلت فيهم ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٢).
قال الخطابي: ويعضد مراعاة العدد، ما ورد في حديث سلمان الفارسي: "وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار" ففي ذلك البيان الواضح؛ أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز -وإن وقع الإنقاء بما دونها- فلو كان الإنقاء هو المقصود فحسب، لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى ولا في ترك الاقتصار على ما دونها فائدة، فلما اشترط العدد لفظًا كان الإنقاء من معقول الخبر ضمنًا، ودل على أنه إيجاب للأمرين معًا؛ وليس هذا كالماء لأن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦١)، ومسلم (٢٣٧). كلاهما من حديث أبي هريرة وتمامه: (من توضأ فَلْيَسْتَنْثِرُ، ومن استجمر فليوتر).
(٢) يشير إلى ما أخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية من سورة التوبة ١٠٨. وراجع تخريجه من الإرواء (٤٥)، والتلخيص الحبير (١/ ١١٢).
[ ١ / ١٦٨ ]
الماء يزيل العين والأثر، فحل محل المحسوس المشاهد ولم يحتج فيه إلى الاستظهار بالعدد، والحجر لا يزيل الأثر إنما يفيد الطهارة من طريق الاجتهاد، فصار العدد من شرطه استظهارًا كالعدة بالأقراء؛ لما كانت دلالتها من جهة الطهور والغلبة على سبيل الاجتهاد؛ شرط فيها العدد وإن كانت براءة الرحم قد تكون بالقرء الواحد.
وقد أجاز الشافعي أن يستنجى بحجر له ثلاثة أحرف، بثلاث مسحات متفاصلة، وأقام ذلك مقام ثلاثة أحجار.
ومذهبه في تأويل الخبر: أن معنى الحجر أَوْفَي من اسمه، وكل كلام كان معناه أَوْفَى من اسمه وأوسع فالحكم للمعنى، الاستنجاء غير واقع بجميع الحجر بل ببعضه، فأبعاض الحجر كأبعاض الأحجار.
وأما نهيه عن الاستنجاء بالروث، فلأن الروث نجس؛ والمراد من الاستنجاء: التطهير، فما ليس بطاهر كيف يطهر نجسًا؛!
وأما العظم فإنه يدخل فيه كل عظم، ذَكِيٍّ أو ميتة حملًا على عموم اللفظ، وإنما نهى عنه؛ لأنه لزج أملس لا يكاد لملاسته يقلع النجاسة، وينشف البلة بل يبسطها وينشرها.
وقيل: إن العظم لا يكاد يَعْرَى من بقية دسم قد علق به، وقد جاء في بعض الحديث (١) "إن الروث علف دواب الجن، والعظم طعامهم" وهذا النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ نهي تحريم.
_________________
(١) أخرج مسلم (٤٥٠) عن ابن مسعود في ذهاب النبي - ﷺ - إلى الجن وفيه: "أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطَلَقَ بنا فأرانا اثارهم واثار نيرانهم. وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم اللَّه عليه يقع في أيديكم أَوْفَرَ ما يكون لحمًا؛ وكل بعرة علف لدوابكم؛ فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم".
[ ١ / ١٦٩ ]
وأما "النهي عن الاستنجاء باليمين"، فإنه نهي تأديب وكراهية في قول أكثر العلماء، لأن اليمين مُرْصَدَةٌ في أدب السنة؛ للأكل والشرب، والأخذ والعطاء، مصونة عن مباشرة الأذى وأماكنه؛ وعن مُمَاسَّة الأعضاء التي هي مجاري النجاسات، وجُعِلتِ اليسرى لذلك.
وقال بعض أهل الظاهر: إذا استنجى بيمينه لم يجزه، وجعلوه بمنزلة المستنجي بالروث والرِمّه لاشتراكها، ولأنهما في النهي في حديث واحد.
والفرق بينهما: ما قدمناه من وجه النهي عن الروث والرمة، فإن ذلك المعنى معدوم في اليمين، ولأن الروث والرمة هما المباشران للنجاسة؛ التي يراد إزالتها بالاستنجاء وليست اليد كذلك، فإنها آلة تستعمل في إيصال المزيل إلى محل النجاسة، واليمين فيها والشمال بمعنى.
فآداب الاستنجاء كثيرة، وهي معدودة في كتب الفقه.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي - ﷺ -: "أنه نهي أن تستقبل القبلة بغائط أو بول؛ ولكن شرقوا وغربوا"، فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنِيَت قِبل القلبة؛ فننحرف ونستغفر اللَّه.
هكذا رواه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث (١)، ورواه في كتاب الرسالة (٢) أن النبي صلى - ﷺ - قال: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها" ثم ذكر ما بعده.
والحديث حديث صحيح، متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (٣): فأخرجه عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن رافع بن
_________________
(١) اختلاف الحديث ص ٢٦٩.
(٢) الرسالة رقم (٨١١).
(٣) الموطأ (١/ ١٧٢ رقم ١).
[ ١ / ١٧٠ ]
إسحاق -مولى لآل الشفّاء وكان يقال له: مولى أبي طلحة، أنه سمع أبا أيوب الأنصاري -وهو بمصر- يقول: واللَّه ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس؟ وقد قال الرسول - ﷺ -: "إذا ذهب أحدكم لغائط أو بول، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه".
وقد أخرج المزني عن الشافعي هذه الرواية عن مالك.
وأما البخاري (١): فأخرجه عن علي بن عبد اللَّه عن سفيان بالإسناد واللفظ.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن زهير بن حرب، وابن نمير، ويحيى بن يحيى عن سفيان، بالإسناد واللفظ.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد، عن سفيان، إسنادًا ولفظًا.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن منصور، بالإسناد إلى قوله: "وغَرِّبُوا" وله في أخرى مثل رواية مالك.
"المراحيض": جمع مرحاض، وهو المُغْتَسَلُ، من رَحَضْتُ الثوب أَرْحَضُهُ إذا غسلته، فاستعير للكنيف لأنه موضع يغسل فيه أثر النجو والبول.
"وَقُبُلُ الشيء": جهته ومقابله.
وقوله: "شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا" خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، وأما من كانت قبلته إلى جهة الشرق أو جهة الغرب؛ فلا يجوز له أن يستقبلها ولا يستدبرها، فلا يُشَرِّق ولا يُغَرِّبْ.
وقد اختلف الناس في الاستقبال والاستدبار، لاختلاف الأحاديث الواردة
_________________
(١) البخاري (٣٩٤).
(٢) مسلم (٢٦٤).
(٣) أبو داود (٩).
(٤) النسائي (١/ ٢١ - ٢٢).
[ ١ / ١٧١ ]
فيها، وقد ذكرنا ذلك في حديث أبي هريرة.
وقد حمل الشافعي حديث أبي أيوب الأنصاري، على الصحاري وعلى أن الرخصة في البناء لم تبلغ أبا أيوب، ولذلك قال: "فننحرف ونستغفر اللَّه".
وقد أخرج المزني (١)، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع مولى ابن عمر أن رجلًا من الأنصار أخبره عن أبيه "أنه سمع رسول اللَّه - ﷺ - ينهى أن تستقبل القبلة لغائط أو بول".
_________________
(١) انظر معرفة السنن والآثار للبيهقي (١/ ٣٣٢).
[ ١ / ١٧٢ ]