أخبرنا الشافعي: أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، عن عبد العزيز بن محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "أمني جبريل عند باب البيت مرتين فصلى الظهر حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء بقدر ظله، وصلى المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح حين حرم الطعامُ والشراب على الصائم، ثم صلى المرة الآخرة الظهر حين كان كل شيء قدر ظله قدر العصر بالأمس ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب للقدر الأول ولم يؤخرها، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين".
قال الشافعي: وبهذا نأخذ؛ وهذه المواقيت في الحضر.
[ ١ / ٣٦١ ]
وهذا حديث صحيح (١)، أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣).
فأما أبو داود: فأخرجه عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن عبد الرحمن، بالإسناد واللفظ، وفيه: "في الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك"، وفيه " في العصر كان ظله مثله" ولم يقل "ظل كل شيء"، وكذلك في المرة الثانية في الظهر والعصر، ولم يذكر باب البيت (٤).
وأما الترمذي: فأخرجه عن هناد بن السري، عن عبد الرحمن، عن ابن أبي
_________________
(١) قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٢١) قال الترمذي: حسن صحيح، ورواه ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعبد الرحمن بن الحارث هذا تكلم فيه أحمد، وقال: متروك الحديث، هكذا حكاه ابن الجوزي في كتاب "الضعفاء"، وليّنه النسائي، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، ووثقه ابن سعد وابن حبان، قال في الإمام: رواه أبو بكر بن خزيمة في "صحيحه" وقال ابن عبد البر في "التمهيد": وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم اهـ. وقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٧٣). في إسناده عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة مختلف فيه، لكنه توبع، أخرجه عبد الرزاق، عن العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن عباس نحوه. قال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة، وصححه أبو بكر بن العربي وابن عبد البر. وراجع علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٨ - ١٢٩). والحديث صححه الشيخ الألباني -﵀- في الإرواء (٢٤٩) وذكر جملة من شواهده فانظره هناك.
(٢) أبو داود (٣٩٣).
(٣) الترمذي (١٤٩). وقال: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. وقال محمد: أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي - ﷺ -.
(٤) قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٧٣). اعترض النووي على الغزالي في قوله في هذا الخبر عند باب البيت وقال: المعروف عند البيت، وليس اعتراضه جيدًا، لأن هذا رواه الشافعي، وهكذا رواه البيهقي والطحاوي في "مشكل الآثار" بهذا اللفظ. اهـ بتصرف يسير.
[ ١ / ٣٦٢ ]
الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، بالإسناد واللفظ، إلا أنه قال في المغرب: "حين وجبت الشمس وأفطر الصائم"، وقال في الفجر: "حين بزق الفجر"، وقال في اليوم الثاني: "حين أسفرت الأرض".
وفي الباب: عن أبي موسى، وأبي هريرة، وبريدة، وابن مسعود، وأبي سعيد، وجابر، وعمرو بن حزم، والبراء، وأنس.
"أممتَ" القوم في الصلاة إمامة: أي كنتَ لهم إمامًا يقتدون بك، وأمَّني فلان أي صار لي إمامًا، وائتمَّ بفلان اقتدى به وجمع الإمام أئمة، وهو من الأمام -بفتح الهمزة- قدام الشيء وبين يديه.
"الفيء": مهموزًا معروف وهو ما كان من لدن زوال الشمس إلى حين المغيب؛ لأنه فاء يفيء إذا رجع.
و"الظل": ما كان من لدن طلوع الشمس إلى حين الزوال، والظل يفيء من الجانب الغربي بعد الزوال إلى الجانب الشرقي.
قال ابن السكيت: "الفيء" ما نسخ الشمس، والظل ما نسخته الشمس.
وقال غيره: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل؛ وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل.
والجمع أفياء، وفيوء.
و"الشِّرَاك"سير من سيور النعل التي تكون على وجهها، وقدر الشراك في هذا الموضع ليس هو على طريق التحديد؛ وإنما أراد أن يدل به على زوال الشمس أنه هو أول وقت الظهر، وقد جاء مصرحًا به في رواية أبي داود، ولا يكاد يَبِينُ الزوالُ في أول الأمر إلا بأقل ما يُرى من الفيء الذي يستبين بما قبل الزوال؛ وليس هذا المقدار مما يتبين به الزوال في جميع البلاد؛ إنما يظهر آثار
[ ١ / ٣٦٣ ]
ذلك في مثل مكة من البلاد التي تجتاز الشمس برؤوس أهلها؛ ولا يبقى حينئذ لشيء من الأشخاص ظل عند كون الشمس في خط نصف النهار، وهو ما تسامت الرؤوس من السماء، فإذا زالت الشمس ظهر للشخص القائم ظل من جهة الشمال، فأما ما عدا هذا الحد من البلاد مما لا يجتاز الشمس برؤوس أهله؛ فإن الظل من جهة الشمال لا ينعدم؛ بل يقل ويكثر بأحد أمرين.
إما ببعد تلك البلدة من معدل النهار من جهة الشمال وإما بانحطاط الشمس إلى البروج الجنوبية.
فإن الظل يكثر في جهة الشمال بكل واحد من هذين الأمرين وبهما جميعًا، فإنهما يجتمعان لبعض البلاد دون البعض.
ورسول اللِّه - ﷺ - إنما أخبر عن صلاة جبريل -﵇- وذلك بمكة هذا حكمها في هذا الظل عند الزوال؛ وذلك إذا كانت الشمس في الجوزاء والسرطان؛ لأنها إذا كانت في هذين البرجين فإنها تنحدر عن سمت رؤوس أهل مكة، ويظهر الفيء في الشمال كثيرًا، وزوال الشمس هو ميلها عن وسط السماء إلى جهة الغرب.
وقوله: "حين كان كل شيء بقدر ظله" هذا من مقلوب الكلام لأن الأصل حين كان ظل كل شيء بقدره؛ وقد جاء في رواية أبي داود كذلك غير مقلوب فإنه قال: حين كان ظله مثله.
و"الهاء" في "ظله": راجعه إلى جبريل -﵇.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وكذلك جاء في سياق حديث الشافعي في ذكر وقت العصر قال: "حين كان ظل كل شيء مثليه" فإن الشخص هو الذي يتقدر به الظل لا يتقدر هو بالظل؛ ولكن لما كان المراد في هذا الحديث إنما هو بيان الظل إذ به يحصل الاعتبار لا بالشخص فكأن الشخص وإن كان هو سبب الظل؛ فقد سقط النظر إليه باعتبار [] (١).
في الجو قَلَّ جرمه وصفى وشف تكاثفه، فإذا كانت الشمس قريبة من الأفق؛ وحال الغبار والبخار بين الناظرين وبينها، تكدر لونها وانكسر نورها ومال إلى الحمرة والاصفرار؛ فأراد بقوله: "والشمس بيضاء" أنها كانت عالية مرتفعة، وقد صرح به في بعض روايات هذا الحديث.
والغرض من ذلك تعجيل صلاة العصر، والمبادرة إليها في أول وقتها.
وأما قوله: "حية" فقد تقدم بيانه في حديث ابن عباس.
وقد جاء في بعض روايات الحديث قال: "حية وحياتها أن يتحد حرها".
و"العوالي": أماكن قريبة من المدينة، ولكنها عالية، وقد جاء في بعض الروايات: أنها من المدينة على أربعة أميال، وفي بعضها على ميلين أو ثلاثة ونحوه.
ووجه الجمع بين هذه التقديرات: أن ما كان منها قريبًا فهو على ميلين، وما كان منها أبعد من ذلك فثلاثة، وما بَعُدَ أكثر منه فأربعة.
وأما "قباء" فهو الموضع المعروف قريبًا من المدينة، وفيه المسجد الذي أسس على التقوى في قولٍ؛ وهو في مساكن بني عمرو بن عوف الأنصاري.
وقوله: "محلقة": أي مرتفعة، ومنه حلَّق الطائر إذا ارتفع في طيرانه.
وقد أخرج الشافعي في القديم: عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كتب إلى [أبي] (٢) موسى أن صَلِّ العصر والشمس بيضاء
_________________
(١) وقع سقط في المخطوط.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل والصواب ما إثباته وقد أخرج الأثر عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٣٦،٢٠٣٥) من وجهين آخرين بنحوه.
[ ١ / ٣٦٥ ]
نقية؛ قدر ما يسير الراكب ثلاثة فراسخ.
وأخرج: عن مالك، عن نافع، عن عمر بن الخطاب: كتب إلى عماله؛ أن صلوا العصر والشمس بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة.
وأخرج أيضًا بلاغًا: عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: صَلِّ العصر قدر ما يسير الراكب فرسخين.
وأخرج أيضًا: عن أبي منصور، عن ابن أبي ذئب، عن أبي حازم التمار، عن ابن حديدة صاحب النبي - ﷺ - قال: لقيني عمر بن الخطاب بالزوراء، فسألني أين تذهب؟ فقلت: الصلاة. فقال: طففت وتسرع (١)، فذهبت المسجد، ثم رجعت فوجدت جاريتي قد احتبست من الاستقاء فذهبت إليها برومة، فجئت بها والشمس طالعة.
وأخرج أيضًا: عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن قال: دخلنا على أنس ابن مالك بعد الظهر، فقام فصلى العصر، فلما فرغ من صلاته، ذكرنا تعجيل الصلاة أو ذكرها، فقال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "تلك صلاة المنافقين - ثلاثًا- يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس؛ فكانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان؛ قام فنقر أربعًا لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلًا".
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، النسائي (٥).
و"التطفيف": النقصان، يريد أنك أخَّرْتَ الصلاة وبخست نفسك بفوات فضيلة الوقت.
_________________
(١) عند البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤٢٩): [فأسرع] وقد أخرج الأثر معلقًا
(٢) مسلم (٦٢٢).
(٣) أبو داود (٤١٣).
(٤) الترمذي (١٦٠) وقال: حسن صحيح.
(٥) النسائي (٢/ ٢٥٤).
[ ١ / ٣٦٦ ]
المغرب: أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي نعيم، عن جابر قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي - ﷺ - ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بني سلمة ننظر إلى مواقع النبل من الإسفار" وأخبرنا الشافعي: عن ابن أبي فديك، عن [ابن] (١) أبي ذئب، عن سعيد (٢)، عن القعقاع بن حكيم قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه، وقال جابر: كنا نصلي مع النبي - ﷺ - ثم ننصرف فنأتى بني سلمة، فنبصر مواقع النبل.
متن هذا الحديث صحيح متفق عليه، قد أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤) عن رافع بن خديج.
وأخرجه أبو داود (٥): عن أنس بن مالك.
وأخرجه النسائي (٦): عن رجل من أسلم لم يسمه.
والشافعي: قد أخرجه عن جابر من الطريقين.
فالحديث في نفسه حديث صحيح، وإن اختلفت طرقه.
"التناضل" و"النضال": الترامي، و"الرماء بالسهام": المسابقة فيها، تقول: ناضَلْتُ فلانًا فنضلته، إذا غلبته ومنه قيل: فلان يناضل عن فلان؛ إذا تكلم عنه يعزره، وحامَى عنه.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وقد تكرر هذا السقط كثيرا والصواب ما أثبتناه.
(٢) مطبوعة المسند، (سعيد بن أبي سعيد المقبري).
(٣) البخاري (٥٥٩).
(٤) مسلم (٦٣٧).
(٥) أبو داود (٤١٦).
(٦) النسائي (١/ ٢٥٩).
[ ١ / ٣٦٧ ]
و"مواقع": جمع موقع، وهو الموضع يقع فيه السهم، ومنه قوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (١) أي مساقطها في الغرب.
و"النبل": السهام الصغار العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها؛ فإذا رجعوا إلى الواحد قالوا: سهم؛ وقد جمعوها على نبال وأنبال.
و"الإسفار": وقد تقدم ذكره وهو الإضاءة، والمراد به في هذا الحديث بقاء ضوء النهار، وهو غرض الشافعي من الاستدلال بهذا الحديث، لأن الذي ذهب إليه: هو القول بتعجيل صلاة المغرب؛ وليس عنده إلا وقت واحد، فإذا أخرها فرط في وقتها.
وإليه ذهب الصحابة والتابعون، ولا خلاف بين الفقهاء أن تعجيلها هو الأولى، وإن ذهب منهم ذاهبون إلى أن لها وقتين.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن زيد بن خالد الجهني قال: كنا نصلي مع رسول اللَّه - ﷺ - المغرب ثم ننصرف، فنأتى السوق ولو رُمِيَ نَبْلٌ لرئي مواقعها.
وهذا الحديث أيضًا مذكور لما ذهب إليه الشافعي من تعجيل صلاة المغرب؛ وأن النبي - ﷺ - كان كثير المحافظة على ذلك حتى أنه مع طول صلاته وتأنيه فيها -على ما قد ثبت عنه من ذلك- كان الإنسان إذا رمى سهمًا رأى أين يقع من الأرض، مع بعد المدى وصغر السهم، وأن الرمى في السوق؛ وفيه ما جرت به عادة الأسواق والجدر من إسراع الظلمة إليها، وأنها تحجب الضوء من الجانب الغربي عن الأرض؛ فاجتمع مع هذه الأوصاف رؤية النبل؛ وذلك من أوضح شيء في بقاء ضوء النهار؛ وتعجيل صلاة المغرب.
والأحاديث إذا تعاضدت على الحكم كان أثبت له.
وأخرج الشافعي في القديم: عن سفيان، سمع أبا عبيدة بن عبد اللَّه يقول: كان ابن مسعود يصلي المغرب إذا غاب حاجب الشمس ويحلف:
_________________
(١) الواقعة: [٧٥].
[ ١ / ٣٦٨ ]
والذي لا إله إلا هو إنه الوقت الذي قال الله ﷿ ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١) قال الشافعي: وقد حفظ غير سفيان هذا الحديث عن ابن مسعود؛ أنه قال: ما لها وقت غيره.
_________________
(١) الإسراء: [٧٨].
[ ١ / ٣٦٩ ]