أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كَبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة أو أبي قتادة- الشك من الربيع بن سليمان أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءًا فجاءت هرة تشرب منه، فقالت: فرآني أنظر إليه، فقال: تعجبين يا ابنة أخي؛ إن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إنها ليست بِنَجَسٍ إنها من الطَّوَّافين عليكم أو الطوافات".
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا الثقة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه ابن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - مثله أو مثل معناه.
وقد رواه الربيع، عن الشافعي، في موضع آخر وقال: وكانت تحت ابن أبي قتادة -لم يشك- وفيه: فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت منه.
وقال في القديم: وذكر الأوزاعي، والدُّسْتُوَائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - ما معناه هذا المعنى.
وهذا الحديث صحيح مشهور (١).
_________________
(١) قال الحافظ في التلخيص (١/ ٤): وصححه البخاري، والتزمذي، والعقيلي، والدارقطني. وأعله ابن منده بأن حميدة وخالتها كبشة محلهما محل الجهالة ولا يعرف لهما إلا هذا الحديث. فأما قوله: إنهما لا يعرف لهما إلا هذا الحديث، فمتعقب بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس رواه أبو داود، ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة، وأما حالها فحميدة روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى، وهو ثقة عند ابن معين، وأما كبشة فقيل: إنها صحابية، فإن ثبت فلا =
[ ١ / ٨٩ ]
أخرجه مالك في الموطأ (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
فأما مالك: فأخرجه بهذا الإسناد الأول، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة الأنصاري، عن حُميْدة بنتِ أبي عبيدة، عن خالتها كبشة بنت كعب ابن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أنها أخبرتها "أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا فجات هرة لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني انظر إليه قال: أتعجبين يا ابنة أخي! قالت: فقلت نعم.
فقال: إن رسول اللَّه - ﷺ - قال: إِنَّهَا ليست بِنَجسٍ إنها من الطَّوافِينَ عليكم أو الطوافات".
هكذا رواه يحيى بن يحيى، عن مالك.
حُميدة: -بضم الحاء وفتح الميم- ابنة أبي عبيدة بن فروة.
_________________
(١) = يضر الجهل بحالها. وقال ابن دقيق العيد: لعل من صححه اعتمد على تخريج مالك، وإن كل من خرج له فهو ثقة عند ابن معين، وأما كما صح عنه فإن سلكت هذه الطريقة في تصحيحه -أعني تخريج مالك- وإلا فالقول ما قال ابن مندة. اهـ. قلت: وصححه أيضًا الحاكم وابن حبان وابن خزيمة. والنووي في المجموع ونقل تصحيح سنده عن البيهقي، وقال الحاكم: قد صحح مالك هذا الحديث واحتج به في "موطئه" وقد شهد البخاري ومسلم لمالك أنه الحاكم في حديث المدنيين فوجب الرجوع إلى هذا الحديث في طهارة الهرة. وراجع هذه الأقوال من نصب الراية (١/ ١٣٧). والإرواء (١٧٣) وصححه هناك.
(٢) الموطأ (١/ ٥٠ رقم ١٣) قال يحيى: قال مالك: لا بأس به إلا أن يرى على فمها نجاسة.
(٣) أبو داود (٧٥).
(٤) الترمذي (٩٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - والتابعي ومن بعدهم مثل الشافعي وأحمد وإسحاق: ولم يروا بسؤر الهرة بأسًا وهذا أحسن شيء روى في هذا الباب، وقد جَوَّد مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة ولم يأت به أحدا أتم من مالك.
(٥) النسائي (١/ ٥٥، ١٧٨).
[ ١ / ٩٠ ]
ورواه ابن وَضَّاحٍ وغيره من أصحاب مالك، حَمِيدة: -بفتح الحاء وكسر الميم- بنت عُبَيْدِ بن رفاعة.
وهو الصواب كما رواه عنه الشافعي، وكذلك انفرد يحيى بن يحيى بقوله: خالتها.
وأما أبو داود: فرواه عن القعنبي، عن مالك، بإسناده من طريق ابن وَضَّاح ولفظه، إلا أنه قال: حُمَيْدة -بالضم.
وأما الترمذي: فرواه عن إسحق [بن موسى] (١) الأنصاري، عن معن بن عيسى، عن مالك مثل أبي داود.
وأما النسائي: فرواه عن قتيبة بن سعيد، عن مالك -مثل أبي داود؛ "والطَّوَّافَات" بغير "أو".
والخلاف الواقع في زوج كبشة أنه أبو قتادة، أو ابنه، مَنشَأُهُ من أصحاب مالك، فإنهم اختلفوا عليه.
والصحيح أنها كانت تحت عبد اللَّه بن أبي قتادة، وبذلك يشهد قول أصحاب التواريخ، والأنساب.
والشافعي كذلك رواه، وإنما الشك من الربيع لا منه.
وكذلك رواه أكثر المحققين (٢).
قال الترمذي: سألت عنه محمد بن إسماعيل -يعني البخاري-؟ فقال
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [مع شيء] وهو تحريف واضح، والمثبت من جامع الترمذي.
(٢) قال الترمذي: وقد روى بعضهم عن مالك: (وكانت عند أبي قتادة) والصحيح: ابن أبي قتادة. وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣١٩): ورواه ابن المبارك، عن مالك، عن إسحاق بإسناده مثله إلا أنه قال: "كبشة امرأة أبي قتادة"؛ وهذا وهم منه وإنما هي امرأة بن أبي قتادة.
[ ١ / ٩١ ]
جَوَّدَ: مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره (١).
وفي الباب عن عائشة، وابن عباس، والحسن بن علي، وغيرهم.
"السَّكْبُ": الصَّبُّ، وماء مسكوب: يجري على وجه الأرض من غير حفر.
وسَكَبَ الماء بنفسه، يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى.
والوَضُوءُ -هاهنا بالفتح- وهو: الماء الذي يًتَوَضَّأُ به.
والِهرُّ: السِّنَّوْرُ، والأنثى هِرَّة.
وجمع الهر: هِرَرَة، بوزن عنبة، وجمع الهرة: هِرَرْ بوزن عنب.
"وإصغاء الإناء": إمالتهُ.
"والعجب": الحالة التي تعرض لمن رأى شيئًا، أو سمعه أو علمه، وخفى عليه سببه.
فكأنها لمَّا رأته وقد أصغى لها الإناء عجبت من فعله ذلك، حيث خفي عليها حديث النبي - ﷺ -: "إنها ليست بِنَجَسٍ"، فلما سمعته زال عجبها.
"والبنت والابنة": تأنيث الابن، إلا أنها أُنِّثَتْ بعد التغيير والحذف والتعويض، فإن أصل ابن "بَنَو" "بوزن حمو" فحذفت الواو، وعوض منها الهمزة في أولها، وأُسْكِنَتْ الباءُ، وأما بنت، فلما حذفت الواو من أصل ابن زيدت تاء التأنيث قبل التعويض، وسَكَنَتِ النونُ.
وجمع الابنة والبنت: بنات لا غير.
والنَّجَسُ -بفتح الجيم-: مصدر يقع على الواحد والاثنن والجماعة، ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث.
فإذا كسروا الجيم، ثنوا، وجمعوا، وأَنَّثوا.
_________________
(١) نقل هذا القول البيهقي في المعرفة (٢/ ٦٨) ولم أره في "العلل الكبير" للترمذي.
[ ١ / ٩٢ ]
"والطَّوَّافُ": الذي يدور حول الإنسان والبيت، وغير ذلك.
وهو: "فَعَّال" من طاف يطوف، وهذا (١) الياء للمبالغة، فإن "ضَرَّابًا"، أكثر من "ضَارِب"، وهو الذي يكثر وقوع الفعل منه، ويتكرر مرات.
"وإنَّما": حرف مُرَكَّبٌ من حرفين، هما "إنَّ" و"ما" "فإنَّ" للتحقيق و"ما" كافَّة، فلما دخلت عليها كَفَّتْهَا عن الذي يَخُصُّها، وهو: نصب الاسم، تقول قبل دخولها: "إنَّ زيدًا قائمٌ"، وبعد دخولها "إنَّما زيدٌ قائمٌ".
وحدث لها مع التركيب معنىً مُسْتَجَدٌّ، وهو: قَصْرُ الحكم على الشيء، أو قصر الشيء على الحكم تقول في الأول: "إنما المنطلقُ زيدًا"، وفي الثاني: "إنما زيدٌ المنطلق" فقصرت الانطلاق على زيد، وقصرت زيدًا على الانطلاق.
وهكذا قوله: "إنما هي من الطَّوَّافين" قَصَرَ الِهَّرةَ على الطواف، ولكنه جعلها بعضًا مِنْ كل، بقوله "من الطوافين" فإن القصر غير موجود فيها.
ولقوله - ﷺ - "من الطوافين والطوافات" تأويلان:-
أحدهما: أنه شَبَّههًا بخدم البيت، وبمن يطوف على أهله للخدمة، ومعاناة الاشتغال، كقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) يعني: العبيد والخدم.
والثاني: أن يكون شَبَّهَهَا بمن يطوف بالإنسان للحاجة والمسألة، يريد أن الأجر في مواساتها؛ كالأجر في مواساة من يطوف بها للحاجة، ويتعرض للمسألة.
وإنما قال: "من الطوافين والطوافات" بِجَمْعِ السَّلاَمَة، وجمع السلامة إنما هو لمن يعقل، لأنه لما أضافها ونسبها، وشبهها بهم؛ حسن له ذلك.
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) النور: [٥٨].
[ ١ / ٩٣ ]
والذي جاء في بعض الروايات بـ "أَوْ" وفائدته: أنها إما أن يكون ذكرًا أو أنثى، فجاء بحرف الشك لذلك.
وأما ماجاء منها بواو العطف، فلأنه أراد أن ما يطوف بكم منها، يكون ذَكرًا أو أنثى.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الهرة طاهرة الذات، بمنزلة طهارة ما يؤكل لحمه. وسيجيء في الفرع الثاني، تفصيل القول في الحيوانات -إن شاء اللَّه تعالى.
قال الشافعي: وخالفنا بَعْضُ الناسِ، فَكَرِهَ الوضوءَ بِفضلِ الهرة، واحتج بأن ابن عمر كره الوضوء بفضلها.
قال الشافعي: في الهر حديث أنها ليست بِنَجَسٍ، فَيُتَوَضَّأُ بفضلها، ويُكْتَفَي بالخبر عن النبي - ﷺ - ولا يكون في واحد قال بخلاف ما رُوي عن النبي - ﷺ - حجة.
وقد ذكر الشافعي في "الأم"، أخبارًا تفرق بين الكلب وغيره من الحيوانات، وتلك الأخبار تَرِدُ في مَوْضِعِها -إن شاء اللَّه تعالى.
[ ١ / ٩٤ ]