في سؤر الكلب
أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فيلغسله سبع مرات".
وأخبرنا الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات".
وأخبرنا الشافعي، عن ابن عيينة، عن أيوب بن أبي تميمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:
"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات، أولاهن -أو أخراهن بالتراب".
هذا حديث صحيح، متفق عليه، أخرجه مالك (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، وغيرهم من أهل العلم والرواية، من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، مجمعين على صحته.
فأما مالك: فرواه بالإسناد واللفظ في الرواية الأولى.
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن يوسف التَّنِيسي، عن مالك،
_________________
(١) الموطأ (١/ ٥٨ رقم ٣٥).
(٢) البخاري (١٧٢).
(٣) مسلم (٢٧٩).
(٤) أبو داود (٧١، ٧٢، ٧٣، ٧٤).
(٥) الترمذي (٩١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٦) النسائي (١/ ٥٢ - ٥٣).
[ ١ / ٩٩ ]
بالإسناد واللفظ.
وأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، بالإسناد.
ولمسلم عن علي بن حجر السعدي، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رُزَيْن، وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لْيغْسِلْهُ سَبْعَ مرات".
وله في أخرى، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عَن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب".
وله في أخرى، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام ابن منبه، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:
"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات".
وأما أبو داود: فرواه عن أحمد بن يونس، عن زائدة، في حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة مثل رواية مسلم.
وفي أخرى له عن المسدد، عن المعتمر، وعن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، جميعًا عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة بمعناه لم يرفعاه، وزاد "وإذا ولغ الهر غسل مرة".
وله في أخرى، عن موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال:
"إذا ولغ الكلب في إناء فاغسلوه سبع مرات، السابعة بالتراب".
قال أبو داود: وأما أبو صالح، وأبو رزين، والأعرج، وثابت الأحنف، وهمام بن منبه (١)، فرووه عن أبي هريرة، ولم يذكروا التراب.
_________________
(١) وزاد في السنن (وأبو السدي: عبد الرحمن).
[ ١ / ١٠٠ ]
وأما الترمذي: فأخرجه عن سوار بن عبد اللَّه العنبري، عن المعتمر بن سليمان، عن أيوب، بالإسناد قال: "يُغْسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب، سبع مرات أُولاَهُنَّ (١) بالتراب، وإذا ولغت الهرة غسل مرة".
وأما النسائي: فأخرجه عن قُتَيْبةَ بن سعيد، عن مالك، بالإسناد الأول واللفظ.
وعن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن ثابت مولى عبد الرحمن يزيد -عن أبي هريرة، بلفظ رواية الشافعي الثانية.
وأخرجه: عن علي بن حجر، مثل مسلم، رواية ولفظًا.
قال النسائي: ولا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله "فَلْيُرِقْهُ" (٢).
وفي الباب عن علي، وابن عمر، وابن عباس، مرفوعًا في الأمر بغسله سبعًا.
والاعتماد على حديث أبي هريرة لصحة طرقه وقوة إسناده.
قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.
"الولوغ": الشرب بطرف اللسان، يقال: ولغ الكلب في الإناء وُلوغًا، وأولغه صاحبه فهو مولوغ، وفِعْلُهُ يتعدى "بالباء، وفي، ومن" تقول: ولغ
_________________
(١) زاد في النسخة المطبوعة من جامع الترمذي (أو أخراهن) قال الشيخ أحمد شاكر -﵀-: هذا هو الصواب، وهو الذي في كل النسخ ما عدا (ت) فإن فيها بدله (أو قال: أولهن) وهو خطأ لأن الحديث رواه الشافعي عن سفيان، عن أيوب وفيه: (أو أُخراهن) انظر الأم.
(٢) وقال الحافظ في التلخيص (١/ ٢٣): قال ابن منده: تفرد بذكر الإراقة فيه: علي بن مسهر؛ ولا يعرف عن النبي - ﷺ - بوجه من الوجوه إلا من روايته، وقال الدارقطني: إسناده حسن، رواته كلهم ثقات. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريقه ولفظه: (فليهرقه) اهـ
[ ١ / ١٠١ ]
الكلب بشرابنا، ومن شرابنا.
"والكلب": معروف، وربما سمي غير الكلب من السباع كَلْبًا مجازًا.
"والإناء": معروف، وجمعه آنية، وسواء فيه ما كان من: المعدنيات، والحجارة، والجلود، والنبات، والعظام، وغيرها، الكل آنية.
"الغَسْل": -بفتح الغين- تنظيف الإناء والثوب والبدن ونحو ذلك، مما يكون عليه من نجاسة أو وسخ أو غير ذلك؛ تقول: غسلت الثوب غسلًا، والاسم الغُسْل -بالضم، والغِسْل -بالكسر- ما يغسل به من خَطْميّ وغيره.
"والمرات": -جمع مرة، وهي النوبة الواحدة، والدَّفْعَةُ الواحدة، من الأفعال والأقوال، ويجمع على "مرات" أيضًا.
"والأولى" و"الأخرى": تأنيث الأول والآخر، والهاء فيهما ضمير المرات، والنون نون جماعة المؤنث.
وقد جاء في بعض الروايات "أَوَّلُهُنَّ" بلفظ المذكر لأن تأنيث المرة غير حقيقي وفيه بُعْدٌ لأن في المرة تاء التأنيث، وهذا من نحو ما أُخِذَ على أبي العباس: ثعلب في كتاب "الفصيح"، في قوله: "فاخترنا أفصحهن" قالوا: كان الواجب أن يقول فُصْحَاهُنَّ، وله وجه، وقد جاء مثله في فصيح الكلام.
"والأراقة": صب الماء وتبديده، يقول أراق الماء يُرِيقُه: إراقه، وقد أبدلوا من الهمزة هاءً فقالوا: هَرَاقَ الماء هِرَاقَةً.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الكلب نجس الذات، وأنه إذا ولغ في الإناء -وفيه الماء القليل أو الطعام- نَجَّسَهُ، ووجبت إراقته، وغسل الإناء منه.
وبه قال من الصحابة: ابن عباس، وأبو هريرة، ومن التابعين: عروة بن الزبير.
[ ١ / ١٠٢ ]
وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأبي ثور، وأبي عبيد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه إلا أن أبا حنيفة قال: الكلب طاهر الذات إلا أن سؤره نجس.
وذهب الزهري، ومالك، وداود؛ إلى أن الكلب طاهر الذات، وأن الماء الذي ولغ فيه طاهر يجوز الوضوء به.
وقال الترمذي، والأوزاعي: يتوضأ به إذا لم يجد ماءً غيره.
وزاد الثوري: ثم يتيمَّم بعده.
ويدل على نجاسة عين الكلب، الأمر بتطهير الإناء من ولوغه.
ويدل على نجاسة الماء أمران: -
أحدهما: أن الكلب إنما باشر الماء، وقد أمر بتطهير الإناء الذي فيه الماء، فبالأولى أن يكون المباشر نَجِسًا.
والثاني: أنه قد جاء في إحدى روايات مسلم "فَلْيُرِقْهُ" والأمر بإراقته دليل على نجاسته، لأنه لو كان باقيًا على طهارته لم يأمر بإراقته.
ومن ذهب إلى طهارة الماء والإناء قال: إنما أَمَرَ بغسله تَعَبُّدًا، لا لأنه نجس.
وهذا القول كما تراه (١).
وأما عدد الغسلات: فمذهب الشافعي سبع إحداهن بالتراب وروي ذلك عن
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٣٢): التعليل بالتنجيس أقوى لأنه في معنى المنصوص، وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب بأنه رجس رواه محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح. ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه، وأذا ثبتت نجاسة سؤره كان أعم من أن يكون لنجاسة عينه أو لِنجاسة طارئة كأكل الميتة مثلًا، لَكن الأول أرجح إذ هو الأصل، ولأنه يلزم على الثاني مشاركة غيره له في الحكم كالهرة مثلًا، وإذا ثبتت نجاسة سؤره لعينه لم يدل على نجاسة باقيه إلا بطريق القياس، كأن يقال: لعابه نجس ففمه نجس لأنه متحلب منه واللعاب عرق فمه وفمه أطيب بدنه فيكون عرقه نجسًا وأذا كان عرقه نجسًا كان بدنه نجسًا اهـ بتصرف
[ ١ / ١٠٣ ]
ابن عباس، وأبي هريرة، وعروة، وطاوس، وبه قال مالك، إلا أن من أصحابه من قال: يفعل ذلك استحبابًا، وبه قال أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وروي عنه أيضًا أنها ثمانية.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتبر عدد، إنما يغسل حتى يغلب على الظن طهارته، كسائر النجاسات. والمستحب عند الشافعي: أن يكون التراب في المرة الأولى، لموافقته لفظ روايته، وليرد الماء بعدها، فينظف أثر التراب. وما عدا من لسان الكلب من باقي أعضائه وسائر أجزائه بمنزلة لسانه عند الشافعي.
وقال مالك: لا يجب غسل الإناء من باقي أجزائه، بناءً على أصل مذهبه في طهارة الكلب.
وكذا ينبغي أن يكون مذهب أبي حنيفة، في باقي أجزائه. واللَّه أعلم.
[ ١ / ١٠٤ ]