في المذي
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبد اللَّه، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول اللَّه - ﷺ - عن الرجل إذا دنى من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ قال علي: فإن عندي بنت رسول اللَّه - ﷺ - وأنا أستحيي أن أسأله، قال المقداد: فسألت رسول اللَّه - ﷺ - عن ذلك؟ فقال:
"إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة".
هكذا أخرجه الربيع في المسند، وقال الشافعي في سنن حرملة: حديث سليمان بن يسار، عن المقداد، مرسل لا يعلم سمع منه شيئا (١)، لكن الحديث في نفسه حديث صحيح، متفق عليه أخرجه الجماعة.
وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وسهل بن حنيف، وابن عمر، وعبد اللَّه ابن سعد الأنصاري، وأبي بن كعب.
فأما مالك (٢): فأخرجه إسنادًا ولفظًا وزاد: "فلينضح فرجه بالماء".
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن أبي الوليد، عن زائدة، عن أبي حصين، عن
_________________
(١) قال العلائي في جامع التحصيل (١٩٠). سمع من جماعة من الصحابة منهم -المقداد بن الأسود. وفي الحاشية قال محققه: بهامش الظاهرية: لا يمكن سماعه من المقداد لأن الجمهور على أنه مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين فيكون مولده سنة أربع وثلاثين مع أن المقداد مات سنة ثلاث وثلاثين بلا خلاف نعلمه وبهذا صرح القاضي عياض في الإكمال فقال: وسليمان بن يسار لم يسمع من على ولا من المقداد.
(٢) الموطأ (١/ ٦٣٦٢ رقم ٥٣) وزاد فقط ذكر (الماء).
(٣) البخاري (٢٦٩).
[ ١ / ٢٣١ ]
أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: "كنت رجلًا مَذَّاءً فأمرت رجلًا أن يسأل رسول اللَّه - ﷺ - لمكان ابنته، فسأل فقال: "توضأ واغسل ذَكَرَك".
وأما مسلم (١): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي معاوية، وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى ويكنى: أبا يعلى، عن محمد ابن الحنفية، عن علي وذكر مثل البخاري، إلا أنه قال:
فأمرت المقداد بن الأسود فسأله.
وله روايات أخرى كلها نحو من هذا (٢).
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن عبيدة بن حميد الحذاء، عن الركين بن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي قال: "كنت رجلًا مذّاء، فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - أو ذكر له فقال رسول اللَّه - ﷺ - "لا تفعل؛ إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة؛ فإذا نضحت الماء [فاغتسل] (٤).
وفي أخرى: عن القعنبي، عن مالك بإسناده ولفظه.
قال أبو داود: رواه الثوري وجماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد، عن علي.
ورواه الثوري؛ والمفضل بن فضالة؛ وابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن علي.
_________________
(١) مسلم [٣٠٣].
(٢) وقد أخرجه من طريق سليمان بن يسار، عن ابن عباس عن علي به. وهذه الرواية تؤكد الانقطاع بين سليمان والمقداد.
(٣) أبو داود (٢٠٦ - ٢٠٧).
(٤) ما بين المعقوفتين بالأصل [واغتسل] وهو تصحيف وما أثبتناه هو مقتضى السياق وكذا جاء على الجادة عند أبي داود.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ورواه ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن المقداد (١).
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن محمد بن عمرو السَوَّاق، عن البلخي، عن هشيم، عن يزيد بن أبي زياد.
ورواه عن محمود بن غيلان، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد؛ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: سألت النبي - ﷺ - عن المذي؟ فقال: "من المذي الوضوء ومن المني الغسل".
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن هناد بن السري، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي.
وفي أخرى: عن عتبة بن عبد اللَّه المروزي، عن مالك بن أنس، بإسناده ولفظه.
ولهم روايات كثيرة لهذا الحديث، وهذه الروايات -وإن كثرت واختلفت- فبعضها عن علي، وبعضها عن المقداد، وبعضها لم يسم المقداد، فإن مدار المسند منها وهو قول النبي - ﷺ - على المقداد، أو الرجل الذي أمره يسأله، وهو وإن لم يُسَمِّه في بعض الطرق فإنما يريد به المقداد.
إلا ما جاء في رواية الترمذي: فإنه جعل عليًّا هو الذي سأل النبي - ﷺ -.
المراد من قوله "إذا دنا من أهله" إذا قرب من زوجته والزوجة من الأهل.
"والدنو منها" ملامستها ومباشرتها.
"والمَذْي": بفتح الميم وسكون الذال المعجمة، ما يخرج من ذَكَرِ الإنسان عند الملاعبة والتقبيل ونحو ذلك، تقول فيه: مَذَى يمذى، وأمذيَ يمذي.
_________________
(١) أبو داود (٢٠٨ - ٢٠٩) وقد تصرف المصنف في النقل فانظر الأصل.
(٢) الترمذي (١١٤) وقال: حسن صحيح.
(٣) النسائي (١/ ٩٦ - ٩٧).
[ ١ / ٢٣٣ ]
قال الأموي: المنيِّ، والمذيّ، والوديّ، مشددات والأكثر الأول.
"وماذا": لها معنيان باختلاف تقديرين:-
أحدهما: أن يكون "ما" و"ذا" جميعًا بمنزلة كلمة مفردة، وموضعها نصب بالفعل الذي يتعلق به.
والاخر: أن يكون "ما" التي للاستفهام و"ذا" بتقدير الذي وما بعده صلة، والعائد ضروري محذوف؛ ويجاب على حساب الموضع في القول القولى، يقال: ماذا صنعت؟ فيقول: خيرًا، ويجوز خير، ومعنى السؤال ما الذي يجب عليه بخروج المذي منه؟
"والحياء": تغير وانكسار يعرض للإنسان من خوف ما يعاب به أو يذم عليه.
واشتقاقه من الحياة، فكأنه جعل الحياء لما يعتريه من الانكسار والتغير، متنكس القوة منتفش (١) الحياة.
والحياء خصلة محمودة ممدوح عليها صاحبها، ولذلك قال - ﷺ -:
"الحياء من الإيمان" والحياء خير كله، ولا يأتي الحياء إلا بخير" (٢).
تقول استحييت منه، واستحييته بمعنىً، ويقال: استحيت بياء واحدة -أسقطو الياء الواحدة الأولى وألقوا حركتها على الحاء، وقيل: إنها لغة تميم والأولى لغة الحجاز، وهو الأصل.
"والنضح": بالحاء المهملة -الرش، نضحت البيت أنضِحه بالكسر، والنضخ -بالخاء المعجمة- أكثر من النضح، وقيل: هما سواء، تقول منه: نضحت أنضح -بالفتح.
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) وهذه الروايات لم تأت في سياق واحد وإنما جاءت من طرق وألفاظ منفردة. وأخرج الأول البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦)، واللفظ الثاني والثالث عند مسلم (٣٧) بنحوه.
[ ١ / ٢٣٤ ]
والمراد بالنضح في هذا الحديث: الغسل بالماء فإنه هو الواجب.
"والفرج": العورة، ويطلق كثيرًا على الدبر والقُبُل من الذكر والأنثى، وهو من الانفراج والفرجة بين الشيئين.
"ومذّاء": من أبنيةِ المبالغة، يقال لمن يكثر منه المذي كما يقال لمن يكثر منه الأكل والضرب أكَّال وضَرَّاب.
وفي إحدى روايات البخاري وغيره "توضأ واغتسل".
"وذَكَرَك": دليل على أن الاستنجاء، يجوز أن يقع بعد الوضوء وأن الوضوء لا يفسد بتأخير الاستنجاء عنه، لا سيما عند من لا يرى نقض الوضوء بلمس الفرج.
وأما من نقضه به، فإذا استنجى ولم يلمس فرجه بعد الوضوء؛ لم ينتقض وضوؤه.
"والذَّكَر" العضو المعروف، وجُمِعَ على "مذاكير" على غير قياس، كأنهم فرقوا بالجمع بين الذكر العضو، وبين الذكر ضد الأنثى.
قال الأخفش: المذاكير من الجمع الذي لا واحد له.
"والنضخ" بالخاء المعجمة الدفق، نضخت الماء إذا دفقته.
وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث، "فليغسل ذَكَرَه وأنثييه" (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٢٤، ١٢٦)، وأبو داود (٢٠٨، ٢٠٩)، والنسائي (١/ ٩٦)، وفي الكبرى (١٤٦) جميعًا عن عروة، عن علي به. وعند النسائي بلفظ (يغسل مذاكيره) قال أبو داود: رواه المفضل بن فضالة، وجماعة، والثوري، وابن عيينة، عن، هشام عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، ورواه ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المقداد عن النبي - ﷺ - لم يذكر "أنثييه". قلت: وإسناده مُعَلٌّ بالإرسال. =
[ ١ / ٢٣٥ ]
وغسل الأنثيين هو من باب الاستظهار والاحتياط في أمر الدين، وأنه ربما يكون قد نال: الأنثيين بعض المذي، فلذلك أمره بغسلهما، وقد قيل: من باب الطب أن الماء البارد إذا نال الأنثيين رد المذي وكسر غربه.
وفي هذا الحديث من الفقه: أن المذي نجس لأنه أمره بغسله، والذي ذهب [إليه] (١) الشافعي: أن المذي لا يجب منه الوضوء.
وبه قال الأئمة من الصحابة، والتابعين والمجتهدين ومن بعدهم، وحكمه حكم البول من غير فرق.
وذهب مالك: إلى أن المذي إذا دام بصاحبه فإنه لا يوجب الوضوء كدم الاستحاضة.
وقد أخرج الشافعي في كتاب القديم: عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: "إني لأجده ينحدر مني مثل الخريزة، فإذا وجد ذلك أحدكم فليتوضأ".
_________________
(١) = قال الحافظ في التلخيص (١/ ١١٧): عروة لم يسمع من علي، لكن رواه أبو عوانة في "صحيحه" من حديث عبيدة، عن علي بالزيادة وإسناده لا مطعن فيه، وروى أبو داود من حديث حزام بن حكيم، عن عمه عبد اللَّه بن سعد قال: سألت رسول اللَّه - ﷺ - عن الماء يكون بعد الماء قال: "ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة"، وفي إسناده ضعف وقد حسنه الترمذي. وقال المنذري في تهذيب السنن (١/ ١٤٨) على حديث عروة: أخرجه النسائي ولم يذكر "أنثييه" وقال أبو حاتم الرازي: عروة بن الزبير، عن علي مرسل. قال ابن القيم في الحاشية: وقد رواه أبو عوانة -ثم ساقه- وقال: وهذا متصل. وقال على حديث حزام بن حكيم الذي أشار إليه الحافظ: قال أبو محمد بن حزم: نظرنا في حديث حزام بن حكيم عن عمه فوجدناه لا يصح.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل وأثبتناه ليستقيم السياق.
[ ١ / ٢٣٦ ]
قوله: "مثل الخريزة" (١): يريد أنه يخرج مجتمعًا متكرر الأجزاء ثخينًا حتى كأنه خريزة -واللَّه أعلم.
وقد أخرجه الموطأ (٢) كذلك.
_________________
(١) الخرز: فصوص من حجارة، واحدتها خرزة. اللسان مادة خرز.
(٢) الموطأ (١/ ٦٣ رقم ٥٤).
[ ١ / ٢٣٧ ]