في تيمم الجنب
أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عباد بن منصور، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين أن النبي - ﷺ - "أمر [رجلًا] (١) كان جنبا أن يتيمم، ثم يصلي فإذا وجد الماء اغتسل".
قال الربيع: وذكر حديث أبي ذر: "وإذا وجدت الماء فأمسه جلدك".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) والنسائي (٤).
فأما البخاري: فأخرجه عن عبدان، عن عبد اللَّه، عن عوف، عن أبي رجاء بالإسناد، أن رسول اللَّه - ﷺ - رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول اللَّه، أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك".
وأخرجه: عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن عوف أطول من هذا، وفيه: ذكر سَفْرَةً سافرها مع النبي - ﷺ - وأنهم ناموا عن صلاة الصبح، وطلبوا الماء فلم يجدوه.
والحديث مشهور بطوله وفيه: "فلما انفتل من صلاته؛ إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم"؛ وذكر الحديث بتمامه.
وأما مسلم: فأخرجه عن أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، عن عبيد اللَّه
_________________
(١) ما بين المعقوفتين بالأصل [جنبًا] وهو خطأ والصحيح من المسند [١٢٩] بترتيب السندي.
(٢) البخاري (٣٤٤، ٣٤٨).
(٣) مسلم (٦٨٢).
(٤) النسائي (١/ ١٧١).
[ ١ / ٢٩٨ ]
ابن عبد المجيد، عن [سَلم] (١) بن زَرِير العُطَاردي، عن أبي رجاء، عن عمران، وذكر الحديث بطوله مثل البخاري؛ وذكر فيه "فصلى بنا الغداة؛ فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا؛ فلما انصرف قال له رسول اللَّه - ﷺ -: "يا فلان، ما منعك أن تصلي معنا" قال: يا نبي اللَّه، أصابتني جنابة، فأمره رسول اللَّه - ﷺ - فتيمم بالصعيد فصلى".
وأما النسائي: فأخرجه عن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه، عن عوف، عن أبى رجاء، مثل رواية البخاري المختصرة، إلا أنه أبدل لفظة "في" بـ "مع".
وأما حديث أبي ذر، الذي أشار إليه الربيع، فإنه حديث صحيح؛ قد أخرجه أبو داود (٢): في كتاب السنن، واحتج به على جواز تيمم الجنب إذا عدم الماء،
_________________
(١) بالأصل [سالم] وهو تصحيف، و"سَلْم" أخرج له الشيخان وهو مقل الرواية وضعفه بعض النقاد. وانظر تهذيب الكمال (١١/ ٢٢٢).
(٢) أبو داود (٣٣٢). وأخرجه الترمذي (١٢٤) من طريق خالد الحذاء وقال: روى هذا الحديث أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، ولم يسمِّه. وهذا حديث حسن صحيح. قلت: اختلف فيه على أبي قلابة على وجوه. ذكرها الدراقطني في العلل (٦/ ٢٥٢ - ٢٥٥) ورجح طريق خالد الحذاء، وكذا فعل أبو زرعة في علل الحديث (١/ ١١). وقال: أخطأ فيه قبيصة إنما هو أبو قلابة، عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر عن النبي - ﷺ -. قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٥٤). ورواه ابن حبان والحاكم من طريق خالد الحذاء، كرواية أبي داود وصححه أيضًا أبو حاتم، ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان وقد وثقه العجلي. وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول. اهـ، وقد دافع ابن دقيق العيد وأجاب عن هاتين العلتين كما نقل عنه الزيلعي في نصب الراية (١/ ١٤٩). واستحسن قوله الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١/ ٢١٦)، وقال الشيخ الألباني في الأرواء (١٥٣): إسناده صحيح، وصححه ابن حبان، والدارقطني، وأبو حاتم، والحاكم، والذهبي، والنووي، وله شاهد من حديث أبي هريرة وسنده صحيح.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وهذا لفظه، قال: حدثني عمر بن عون، ومسدد قالا: أخبرنا خالد، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر قال: اجتمعت غنيمة عند رسول اللِّه - ﷺ - فقال: يا أبا ذر، اُبْدُ فيها" فبدوتُ إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت رسول اللَّه - ﷺ - فقال: "أبو ذر" فَسَكَتُّ، فقال: "ثكلتك أمك أبا ذر لأمك الويل" فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بِعُسٍّ فيه ماء، فسترني بثوب، واستترت بالراحلة، واغتسلت فكأني ألقيت عني جبلًا، فقال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير".
[قال] (١) مسدد: "غنيمة" من الصدقة.
"الاعتزال": الانفراد من الجماعة والتَّنَخّي عنهم، اعتزل وتعتزل والعزل كله بمعنى، والاسم: العُزْلة.
وقوله: "فأمسه جلدك": يريد به الاغتسال من الجنابة، فذكر لفظ الإمساس في موضع الغسل؛ لأنه إذا مس جلده الماء فقد فعل ما يجب عليه من إيصال الماء إلى بشرته وشعره، تقول: مسست الشيء وأمسه، فلما أراد أن يعديه إلى مفعول ثان عَدَّاه بالهمزة فقال: "أَمِسَّه جِلْدَكَ".
وقوله: "ولا ماء" يريد ولا ماء عندي، أو ولا ماء أجد، فحذف ذلك ليكون النفي أبلغ وأعم، ويكون عذره عند رسول اللَّه - ﷺ - أتم، لأنه إذا قال: ولا ماء فكأنه نفى وجوده نفيًا عامًّا؛ أي ليس له وجود البتة؛ إذ لو كنت أظن له وجودًا أو أعرف له مكانًا لقصدته فاغتسلت وصليت، فقال له رسول اللَّه - ﷺ - حينئذ "عليك بالصعيد"، أي: اقصده وتعمده، تقول: عليك زيدًا؛ وعليك بزيد، أي خذه والزمه. وأما الفرق بين قوله: "في القوم"، و"مع القوم":
_________________
(١) بالأصل [فإن] وهو تصحيف والصواب هو المثبت كذا في السنن.
[ ١ / ٣٠٠ ]
فإن معنى "مع" المصاحبة، ومعنى "في" [الظرفية] (١)، وكلا المعنيين مستعمل في هذا المقام.
فمعنى "مع" أي ما منعك أن تصاحبهم في فعلهم وتتابعهم عليه؟.
ومعنى "في" أي ما منعك أن تكون في جملة المصلين؟
فجعل اجتماع المصلين ظرفًا قد خرج هو منه.
وقوله "اُبْدُ فيها" أي اخرج بها إلى البادية، تقول بَدَا الرجلُ يبدو بدوًا فهو بادٍ، إذا خرج إلى البادية وهي: البرية التي لاعمار فيها؛ والأمر منه "ابد" بحذف الواو للجزم.
"والبداوة": -بفتح الباء- الإقامة في البادية -وقد تكسر- وكأنه من الظهور، وتقول: بدا الأمر إذا ظهر، وأبديته: أظهرته.
"والمكث": الإقامة على الشيء واللبث تقول: مَكَث ومكُث بالفتح والضم، والاسم: المُكْث بضم، والمصدر: بالفتح.
وقوله: فقال: "أبو ذر فسكت"، هذا كلام يقوله المنكر على الإنسان فعله الذي لا يرضى له به؛ فكأنه لما قدم عليه عرفه ما كان منه، فقال له ذلك، أي مثلك لا يؤتى من هذه الجهة؛ وقد دل عليه الرواية الأخرى لهذا الحديث؛ فإنه قال فيها: هلكتُ يا رسول اللَّه، ويعضده أنه - ﷺ - أردفه بقوله: "ثكلتك أمك ولأمك الويل".
"والثكل": فقد الأم ولدها، وامرأة ثاكل وثكلى وثكول بفتح الثاء.
"والويل": كلمة عذاب ودعاء على المخاطب بها، تقول: ويل زيد وويل لزيد، وقد تقدم شرح ذلك مستوفيًا.
_________________
(١) بالأصل [الظريفة] وهو خطأ.
[ ١ / ٣٠١ ]
"والعس": القدح الضخم.
"والراحلة": البعير القوي على الأسفار والأحمال، هذا هو الأصل ثم كثر استعماله حتى أطلق على كل بعير.
ومعنى قوله: "كأني ألقيت عني جبلًا"، يريد ما كان نحوه من ثقل الجنابة التي كانت تمنعه من العبادة؛ وتحول بينه ويين الطاعة.
وهذا هل يختص بالأرواح دون الأجسام؟ ألا تراه جعل نفسه هالكًا فقال: هلكتُ يا رسول اللَّه؟! فسمى ترك الغسل وفوات الصلاة على الوجه المشروع هلاكًا، ولا ثقل أثقل من الهلاك.
وقوله: "الصعيد الطيب" يريد الذي ينبت، كذا ذكر أهل التفسير (١).
وفي ذلك دليل: على المنع من التيمم بغير التراب، كالجص والحجر وأشباه ذلك لأنه لا ينبت.
وقيل: أراد "بالطيب": الطاهر.
والذي ذهب إليه الشافعي وأكثر الأئمة من الصحابة والتابعين والمجتهدين: أن الجنب إذا لم يجد الماء تيمم وصلى.
وقد حكي عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والنخعي: أنه لا يجوز له
_________________
(١) وهو قول لبعض المفسرين ولم يتفقوا عليه. قال ابن جرير: أهل التأويل اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها، ولا غراس. وقال آخرون: بل هو الأرض المستوية. وقال آخرون: بل الصعيد: التراب. وقال آخرون: الصعيد: وجه الأرض. وقال آخرون: بل هو وجه الأرض ذات التراب والغبار. وأولى ذلك بالصواب قول من قال: هو وجه الأرض الخالية من النبات والغروس والبناء المستوية جامع البيان (٤/ ١٠٩).
[ ١ / ٣٠٢ ]
التيمم، وقيل: إنهم رجعوا عن ذلك، وهو الصحيح.
وقوله: "فإذا وجد الماء اغتسل" وهو المذهب وعليه الإجماع في الجنابة والحدث، أنه متى وجد المتيمم الماء؛ اغتسل إن كان جنبًا؛ وتوضأ إن كان مُحْدِثًا.
وحكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي أنهما قالا: لا يلزمه استعمال الماء.
وقد أخرج الشافعي في سنن حرملة: عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي خفاف ناجية بن كعب قال: قال عمار بن ياسر لعمر: أتذكر إذ مكثت أنا وأنت في الإبل، فأصابتني جنابة فتمعكت كما تتمعك الدابة، ثم أتيت النبي - ﷺ - فذكرت له فضحك ثم قال: "يكفيك من ذلك التيمم".
وهذا حديث صحيح، قد أخرجه أطول من هذا البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، النسائي (٤).
وأخرج الشافعي: في كتاب على وعبد اللَّه فيما خالف العراقيون عبد اللَّه بن مسعود، بلاغًا عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه قال: الجنب لا يتيمم.
قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا ويقولون: لا نعلم أحدًا يقول به.
قال الشافعي: ونحن نروي عن النبي - ﷺ - أنه أمر الجنب أن يتيمم.
يعني حديث عمران بن حصين المقدم ذكره.
_________________
(١) البخاري (٣٣٨).
(٢) مسلم (٣٦٨).
(٣) أبو داود (٣٢٢، ٣٢٣، ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٢٧). ثلاثتهم من طريق عبد الرحمن بن أبزى عنه بنحوه مطولًا.
(٤) النسائي (١/ ١٦٦)، من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن ناجية به.
[ ١ / ٣٠٣ ]