في مباشرة الحائض
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، أن عبد اللَّه (١) أرسل إلى عائشة يسألها: هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: [لتشد] (٢) إزارها على أسفلها؛ ثم يباشرها إن شاء.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك في الموطأ (٣) بالإسناد واللفظ هكذا موقوفًا على عائشة.
وقد أخرجه الجماعة عن عائشة مسندًا؛ فيما تحكيه عن رسول اللَّه - ﷺ - ومباشرة نسائه.
فأما البخاري (٤): فأخرجه عن إسماعيل بن الخليل، عن علي بن مسهر، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا فأراد رسول اللَّه - ﷺ - أن يباشرها، أمرها أن تتزر في فور حيضتها؛ ثم يباشرها؛ قالت: وأيكم يملك إربه كما كان النبي - ﷺ - يملك إربه؟ ".
وأما مسلم (٥): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب،
_________________
(١) اختلفت النسخ في ضبط اسم المُرْسِل ففي الأصل هكذا (عبد الله) وفي نسخة السندي (عبيد الله)، وعند مالك من رواية يحيى بن يحيى بالتصغير، وكذا في الاستذكار (٣/ ١٨٢)، وفي نسخة محمد بن الحسن بالتكبير. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٤١) عن ابن عمر ولم يسمه، وعبد الله وعبيد الله كلاهما أبناء عبد الله بن عمر وكلاهما محتمل، وهما ثقتان فالاختلاف غير قادح. والله أعلم.
(٢) بالأصل [لتشدد] وهو تصحيف ولم أره بهذا اللفظ في مصادر التخريج وكذا في المسند بترتيب السندى.
(٣) الموطأ (١/ ٧٥ رقم ٩٥).
(٤) البخاري (٣٠٢).
(٥) مسلم (٢٩٣).
[ ١ / ٣٠٩ ]
وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا؛ أمرها رسول اللَّه - ﷺ - فتأتزر بإزار، ثم يباشرها.
وفي أخرى: عن أبي بكر، وعلي بن حجر، عن علي بن مسهر، بإسناد البخاري ولفظه.
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود نحو مسلم مختصرًا.
وقال: ثم يضاجعها زوجها، وقال مرة: ثم يباشرها.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن بندار [عن] (٣) عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مختصرًا نحوه.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم [و] (٥) عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل، عن عائشة.
وفي الباب: عن أنس بن مالك، وميمونة، وزيد بن أسلم، وعكرمة.
"المباشرة": مفاعلة من إلصاق البشرة -وهي ظاهر جلد الإنسان- بشرة غيره، هذا هو الأصل؛ ثم استعير للجماع ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ﴾ (٦) أي: لا تجامعوهن، وذلك أن الحائض
_________________
(١) أبو داود (٢٦٨).
(٢) الترمذي (١٣٢)، وقال: حسن صحيح.
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل وبندار هو لقب محمد بن بشار يروى عن عبد الرحمن بن مهدي وعند الترمذي في المطبوع قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي.
(٤) النسائي (١/ ١٨٩).
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل وإثباته لازم، وقد ذكر النسائي تحت باب "مباشرة الحائض" الإسنادين منفصلين.
(٦) البقرة: [١٨٧].
[ ١ / ٣١٠ ]
لا يجوز جماعها، ويجوز مباشرتها.
"والإزار": يريد به ما تشده على وسطها؛ مما يستر محل الجماع من منديل أو ثوب أورغيره.
والسراويل في معناه، لأنه يختص بلباس ذلك المحل.
وفي رواية البخاري: تتزر -بتشديد التاء- وإنما اللفظ تأتزر بالهمز لأنه تفعل من الإزار؛ و"فاء" الكلمة إنما هي همزة لا تاء، وهذا من تحريف الكُتَّابِ أو جهلة الرواة (١).
وأما رواية مسلم: فلم تجىء فيها إلا "تأتزر"، وفي رواية للبخاري أيضًا (٢).
"في فَوْر حيضها": فور كل شىء أوله وابتداؤه.
"والإِرْب": الذكر.
وقوله: "أيكم يملك إربه" تريد: أن النبي - ﷺ - كان يغلب هواه ويكف شهوته وأنتم لا تقدرون، وكان يباشر نساءه وهُنَّ حُيَّضٌ ولا يقع فيما هو حرام؛ وغيره لو هَمَّ بذلك ربما وقع في الحرام، تعني: إتيان الفرج في حال الحيض.
ويُروى الأَرَب: بالفتح أي الحاجة.
وهذا الحديث: أخرجه الشافعي في كتب أحكام القرآن (٣).
قال الشافعي: قال بعض أهل العلم بالقرآن في قول اللَّه -﷿- ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٤) أن تعتزلوهن يعني في مواضع
_________________
(١) قال العيني في شرح البخاري (٣/ ١٦٥) بعد نقل قول ابن الأثير: وقال ابن هشام: وعوام المحدثين يحرفونه فيقرءونه بألف وتاء مشددة، ولا وجه له لأنه افتعل من الإزار ففاؤه همزة ساكنة بعد همزة المضارعة المفتوحة وكذا الزمخشري أنكر الإدغام .. أهـ. وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٨١): أنكر أكثر النحاة الإدغام حتى قال صاحب المفصل: إنه خطأ لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين، وحكاه الصغاني في مجمع البحرين.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٨٢): وللكشميهيني "أن تأتزر" بهمزة ساكنة وهي أفصح.
(٣) أحكام القرآن ص٥٢.
(٤) البقرة: [٢٢٢].
[ ١ / ٣١١ ]
الحيض، وكانت الآية محتملة لما قال، ومحتملة أن اعتزالهن اعتزال جميع أبدانهن؛ فدلت سنة رسول اللَّه - ﷺ - على اعتزال ما تحت الإزار منها وإباحة فوقه وذكر الحديث.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الاستمتاع بما فوق الإزار؛ وهو ما فوق السرة وبما تحت الركبة جائز بالإجماع، وأما بينهما هو داخل تحت الإزار فإن الوطء فيه محرم؛ نص عليه في الأم وأحكام القرآن.
وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف.
وذهب الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن، وغيرهم: إلى جواز ذلك.
وقد أخرج الشافعي من رواية المزني عنه، عن مالك؛ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنت أُرَجِّلُ رأس رسول اللَّه - ﷺ - وأنا حائض".
"الترجيل": التسريح والغسل.
وقد أخرج في كتاب حرملة، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول اللَّه - ﷺ - معتكفًا في المسجد؛ فأخرج إليَّ رأسه فغسلته وأنا حائض".
وهاتان الروايتان من حديث عائشة.
وهو حديث صحيح له طرق كثيرة؛ وقد أخرجه الجماعة (١) بأسرهم على اختلاف ألفاظهم واتفاقها.
_________________
(١) البخاري (٢٩٥)، ومسلم (٢٩٧)، وأبو داود (٢٤٦٧ - ٢٤٦٩)، والنسائي (١/ ١٤٧ - ١٤٨)، وابن ماجه (٦٣٣) ومالك في الموطأ (١/ ٧٦ رقم ١٠٢).
[ ١ / ٣١٢ ]