في سؤر الحُمُر والسِّباع
أخبرنا الشافعي، قال أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن أبي [حبيبة] (١) -أو أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن جابر بن عبد اللَّه عن النبي - ﷺ - أنه سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحُمر؟ قال - ﷺ -: "نعم وبما أفضلت السباع كلها".
ابن أبي حبيبة هو: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي.
هذا الحديث، هكذا رواه أبو العباس الأصم، عن الربيع (٢).
وقد رُوِي عن الربيع أيضًا بهذا الإسناد، فقال: عن داود بن الحصين، عن أبيه، عن جابر.
ورُوي عن الشافعي أيضًا من طريق أخرى، عن داود، عن أبيه، عن جابر (٣).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين في الأصل [حنيفة] وهو تصحيف، والتصويب من الأم (١/ ٦)، والمعرفة للبيهقي (٢/ ٦٥) وكذا من ترجمته.
(٢) وأخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٦٢)، والبيهقي في السنن الكبير (١/ ٢٥٠)، وفي المعرفة (٢/ ١٧٦)، والبغوي في شرح السنة (٢٨٧) كلهم من طريق سعيد بن سالم به. وقد زادا محققا شرح السنة: (أبيه) بعد داود بن الحصين وقالا: هذه الزيادة لم ترد في (أ)، (ب)، واستدركناها من البيهقي وغيره.
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٦٢)، والبيهقي في السنن الكبير (١/ ٢٤٩)، وفي المعرفة (١٧٦٠، ١٧٦٤). من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود به. قال الدارقطني: إبراهيم هو إبراهيم بن أبي يحيى ضعيف، وتابعه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وليس بالقوى في الحديث. وقال البيهقي: إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي مختلف في ثقته وضعفه أكثر أهل العلم =
[ ١ / ٩٥ ]
ففي الرواية الأولى، يكون الحديث منقطعًا، وفي الثانية موصولًا.
وإبراهيم عند الشافعي، ثقة (١).
وداود بن الحصين: قد تكلم فيه (٢).
وقد أخرج عنه مالك، على أنه كان يكرمه، لأنه كان يروي عن عكرمة، والبخاري: قد أكثر الرواية عن عكرمة، فقال يحيى بن معاوية: هو ثقة.
"أَفْضَلَتْ": أبقت وتركت فَضْلَةً بعد ما أخذت منه.
"والفَضْلَةُ، والفُضَاَلةُ": بمعنىً نقول منه: فَضل يفضُل، وفَضِل يفضَلُ.
"والحُمرُ": جَمْعُ كَثْرَةٍ لحمار، ويجمع على حَمِير وحُمُر وأَحْمِرَة، وربما قالوا للأَتَان: حمارة.
ونعم: كلمة يجاب بها في الإيجاب، كما أن "بلى" كلمة يجاب بها في
_________________
(١) = بالحديث وطعنوا فيه وكان الشافعي يبعده عن الكذب. ثم ساق بإسناده إلى الشافعي قوله: كان إبراهيم بن أبي يحيى قدريًّا، قلت: (أي يحيى بن زكريا) للربيع: فما حمل الشافعي على أن روى عنه؟ قال: كان يقول: لأن يخر إبراهيم من بعد أحب إليه من أن يكذب وكان ثقة في الحديث. قال أبو أحمد: قد نظرت أنا في أحاديثه فليس فيها حديث منكر وإنما يروى المنكر إذا كان العهدة من قبل الرواي عنه أو من قبل من يروي إبراهيم عنه. قلت: وقد مال البيهقي إلى تقوية الحديث. فقد قال في المعرفة (١٧٦٨): فإذا ضممنا هذه الأسانيد بعضها إلى بعض، أخذت قوة، وفي معناه حديث أبي قتادة وإسناده صحيح والاعتماد عليه.
(٢) ووثقه أحمد أيضًا لكن ضعفه أكثر النقاد، قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن معين: ليس بشيء وفي رواية: صالح يكتب حديثه ولا يحتج به. وراجع مزيدًا على هذا في تهذيب الكمال (٢/ ٤٢).
(٣) وأجمل الحافظ القول فيه فقال في "التقريب": ثقة إلا في عكرمة، ورُمِي برأي الخوارج.
[ ١ / ٩٦ ]
النفي، تقول: "هل قام زيد؟ فيقول المجيب: نعم.
و"ما قام زيد" فيقول المجيب: بلى.
فإن أجاب "نعم" في النفي كانت تصديقًا، بمنزلة "بلى" يقول القائل: "ليس لي مال"، فيقول: "نعم"، أي ليس لك مال.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الحيوان على ضَرْبَيِنْ: طاهر، ونجس.
فالنجس: الكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما، وهذا سؤره، ولعابه، وعرقُةُ، كله نجس.
وأما الطاهر: فسؤره ولعابه وعرق طاهر.
وروي ذلك عن: عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: الأسآر على أربعة أضرب: -
ضرب نجس وهو: سؤر الكلب والخنزير والسباع كلها.
وضرب مكروه، وهو: سؤر جوارح الطير، والهر، وحشرات الأرض.
وضرب مشكوك فيه، وهو: سؤر البغل والحمار.
وضرب طاهر، وهو: سؤر كل حيوان مأكول.
وقد حكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: كل حيوان يؤكل لحمه، فسؤره طاهر، وكذلك حشرات الأرض والهر. وأما السباع، فعنه فيها روايتان؛ -
إحداهما: أنه طاهر، والآخر: أنه نجس.
وأما البغل، والحمار ففيهما عنه روايتان: أصحهما: أن سؤرهما نجس، والثانية: مشكوك فيه.
وقد أضاف النبي - ﷺ - إلى جواب السائل، جوابًا عن شيء لم يُسْأَلْ عنه،
[ ١ / ٩٧ ]
وهو قوله "وبما أفضلت السباع كلها" وإنما فعل ذلك، زيادة في البيان، لأنه كان - ﷺ - مُشَرِّعًا، وحيث رأى السائل قد سأل عن سؤر الحمر-وهم بها عارفون، ولها معانون- عَلِمَ أنه إلى معرفة ما هو أبعد عنه -وأجهل به أَحْوَجُ- وهي السباع، فَعَرَّفهُ الحكم فيها، لأن السباع مرسلة لنفسها في الصحاري، ومِنْ دَأْبها أن ترد الماء الذي يكون في الغدران والمناقع، من غير دافع ولا مانع.
وأما الحمر فلا ترد المياه إلا بمعرفة أصحابها، وهم قادرون على منعها، فأعلمهم الحكم في سؤر السباع التي لاحكم لهم عليها، لكثرة ترددهم في الأسفار، وسكناهم في الصحاري والفلوات، وأن أكثر مياههم التي يستعملونها، إنما هي مياه الغدران والأجمار والمناقع، وما أشبه ذلك.
وقد قال الشافعي -في القديم-:
أخبرنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب "أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل ورد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا".
وقال الشافعي -أيضًا في القديم:
أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار "أن عمر بن الخطاب ورد حوض مجنة، فقيل له: إنما ولغ الكلب فيه آنفًا، فقال عمر: إنما ولغ بلسانه؛ فشربه أو توضأ".
وهذا يدل على أن الماء الكثير، لا تؤثر فيه النجاسة، إذا لم يغير أحد أوصافه
***
[ ١ / ٩٨ ]