في تأخير صلاة الصبح
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن [عمر] (١) ابن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج أن النبي - ﷺ - قال: "أسفروا بالصبح فإن ذلك أعظم لأجوركم" وقال "للأجر".
هذا حديث صحيح (٢)، أخرجه أبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥).
فأما أبو داود: فأخرجه عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان، قال: "أصبحوا بالصبح" الحديث.
وأما الترمذي: فأخرجه عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بالإسناد، وقال: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر".
وأما النسائي: فأخرجه عن عبيد اللَّه بن سعيد، عن يحيى [عن] (٦) ابن عجلان بالإسناد، قال: "أسفروا بالفجر" لم يزد.
والشافعي أخرج هذا الحديث في كتاب اختلاف الحديث؛ مع حديث عائشة
_________________
(١) بالأصل [عمرو] وهو تصحيف والصواب هو المثبت، وكذا جاء في مطبوعة المسند على الجادة.
(٢) قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٢٣٥). قال ابن القطان في "كتابه": طريقه طريق صحيح، وعاصم بن عمر وثقه النسائي، وابن معين، وأبو زرعة، وغيرهم، ولا أعرف أحدًا ضعفه ولا ذكره في جملة الضعفاء). ورواه ابن حبان في صحيحه اهـ. قلت: وصححه أيضا الشيخ الألباني -﵀- في الإرواء (٢٥٨).
(٣) أبو داود (٤٢٤).
(٤) الترمذي (١٥٤) وقال: حسن صحيح.
(٥) النسائي (١/ ٢٧٢).
(٦) سقط من الأصل، والاستدراك من السنن.
[ ١ / ٣٧٠ ]
الذي تقدم في التغليس بالفجر.
"أسفر الصبح": يسفر إسفارًا؛ إذا أضاء وانتشر ضوؤه.
وكذلك: أصبح يصبح إصباحًا، إذا أضاء.
و"الصبح" اسم للفجر أول ما يطلع، ولذلك قال: "أصبحوا به" و"أسفروا به".
وقوله: "أعظم لأجوركم" أو قال: "للأجر" هذا الشك من أحد الرواة، وأولى الروايات وأشبهها بكلام النبي - ﷺ - رواية الشافعي؛ لأنه خلص من كلفة السجع وتعمده؛ لأنه إذا قال: "بالفجر" و"الأجر" كان كالقاصد للسجع، وذلك غير مقصود في كلام النبي - ﷺ - غالبًا، فقد جاء السجع في كلام النبي - ﷺ - في مواضع، فإن ما لم يجئ فيه أكثر، ولذلك قال في روايته "أسفروا بالصبح" وهو أحسن من أن تقول: أصبحوا بالصبح لاختلاف اللفظتين ولفائدة المعنيين، وكذلك "أسفروا بالفجر" أحسن من "أصبحوا بالصبح"، لولا ما في السجع من مقالة "الفجر بالأجر"؛ والكل جائز مستعمل؛ والذي ذهب إليه الشافعي في أول الوقت بالصلاة قد تقدم.
قال الشافعي: وقال بعض الناس: الإسفار بالفجر أحب إلينا، وذكر حديث رافع هذا؛ ثم إنه رجح حديث عائشة في الغلس؛ بأنه أشبه بكتاب اللَّه -﷿- لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١) فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وحديث عائشة أشهر رجالا بالثقة والحفظ، ومع حديث عائشة جماعة كلهم يروون عن النبي - ﷺ - مثل معنى عائشة؛ منهم زيد بن ثابت، وسهل بن سعد وغيرهما.
قال: والذي لا يجهله عالم أن تقديم الصلاة في أول الوقت أولى بالفضل؛ لما يعرض للآدمين من الأشغال، والنسيان، والعلل، ولحديث رافع وجه يوافق
_________________
(١) البقرة: [٢٣٨].
[ ١ / ٣٧١ ]
حديث عائشة ولا يخالفه؛ وذلك أن النبي - ﷺ - لما حض الناس على تقديم الصلاة؛ وأخبر بالفضل فيها؛ احتمل من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر؛ فقال: أسفروا بالفجر حين يتبين الفجر الآخر معهما، فإن ابن عمر صلى بمكة مرارًا كلما بان له أنه صلاها أعاد، وإن أبا موسى فعل ذلك بالبصرة، فلعل الناس في زمان رسول اللَّه - ﷺ - قد كانوا يفعلون شبيهًا بفعلهما حين أخبر بفضيلة الوقت، فأراد النبي - ﷺ - -فيما نرى- الخروج من الشك؛ فأمرهم بالإسفار أي بالتبين.
قال: فإذا احتمل أن يكون موافقًا للأحاديث؛ كان أولى بنا أن لا ننسبه إلى الاختلاف، وإن كان مخالفًا. وقد قيل في معنى الإسفار في هذا الحديث أقوال:
منها: أنه قال: ربما قاله في وقت مخصوص؛ كالليالي المقمرة أو الليالي المغيمة التي لا يكاد الفجر يتضح فيها إلا بالإسفار.
ومنها: أنه أراد بالإسفار الطلوع، وتحقيق الظهور أي أنه لا يصلي إلا بعد أن يتيقن طلوع الفجر وإيضائه.
ومنها: أنه محمول على ما رواه أبو مسعود الأنصاري: "أن رسول اللَّه - ﷺ - غلس بالصبح ثم أسفر مرة، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه اللَّه -﷿- وهو حديث صحيح (١).
وقد ذكر الشافعي في ترجيح ما ذهب إليه؛ حديث: "أول الوقت رضوان
_________________
(١) قلت: بل هو معلول. أخرجه أبو داود (٣٩٤)، وابن خزيمة (٣٥٢) والدارقطني في سننه (١/ ٢٥٠ - ٢٥١) وغيرهم من طريق أسامة بن زيد، أن ابن شهاب أخبره، أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر فآخَّر العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل - ﷺ - قد أخبر محمدًا - ﷺ - بوقت الصلاة، فقال له عمر: أعلم ما تقول، فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: نزل جبريل - ﷺ - فأخبرني بوقت الصلاة فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه =
[ ١ / ٣٧٢ ]
اللَّه وآخره عفو اللَّه" (١).
وهو لا يؤثر على رضوان اللَّه شيئًا، والعفو لا يحتمل إلا معنيين عفو عن تقصير أو توسعة، والتوسعة يشبه أن يكون الفضل في غيرها، وقد سئل رسول اللَّه - ﷺ -[أي] (٢) الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة في أول وقتها" (٣) وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به.
_________________
(١) = ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات. فرأيت رسول الله - ﷺ - صلى الظهر الحديث. وفيه ذكر المواقيت. قال أبو داود: روي هذا الحديث عن الزهري، معمر، ومالك، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والليث بن سعد وغيرهم؛ لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه ولم يفسروه. وقال ابن خزيمة: هذه الزيادة لم يقلها أحد غير أسامة بن زيد. قلت: والحديث ثابت في صحيح مسلم بالشطر الأول كما أشار أبو داود، وقد أعل هذه الزيادة أيضا الدارقطني في العلل (٦/ ١٨٤ - ١٨٦). فقال: يرويه عروة بن الزبير عنه، واختلف عنه في الإسناد والمتن فرواه الزهري، عن عروة، عن بشبر بن أبي مسعود، عن أبيه أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول اللَّه - ﷺ - حتى عد خمسًا كذلك رواه أصحاب الزهري عنه، منهم: مالك، وابن عيينة، ويونس، وعقيل، وشعيب. ورواه أسامة بن زيد، عن الزهري، وذكر فيه مواقيت الصلاة الخمس، وأدرجه في حديث أبي مسعود. وخالفه يونس، وابن أخي الزهري، فروياه عن الزهري قال: بلغنا أن رسول اللَّه - ﷺ - وذكر مواقيت الصلاة بغير إسناد فوق الزهري، وحديثهما أولى بالصواب لأنهما فصلا ما بين حديث أبي مسعود وغيره.
(٢) روي من عدة طرق ولا يثبت منها شيء. قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٨٠): قال الحاكم: لا أحفظه عن النبي - ﷺ - من وجه يصح ولا عن أحد من أصحابه، وإنما الرواية فيه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر. وقال الميموني: قال أحمد: لا أعرف شيئا يثبت فيه يعني: في هذا الباب.
(٣) بالأصل [إلى] وهو تصحيف، والصواب هو المثبت كما في أصول التخريج.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٢٦)، والترمذي (١٧٠). من حديث أم فروة به، واللفظ لأبي داود. قال الترمذي: حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا عنه في هذا الحديث، وهو صدوق وقد تكلم فيه يحيى بن =
[ ١ / ٣٧٣ ]
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج، يحدثونه عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك في الموطأ (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري: فأخرجه عن عبد اللَّه بن مسلمة، عن مالك، بالإسناد واللفظ، إلا أنه قال في الصبح: "من أدرك من الصبح ركعة".
_________________
(١) = سعيد من قبل حفظه. قلت: وأصل الحديث ثابت في الصحيحين لكن بلفظ: (الصلاة على وقتها) وكذلك (الصلاة لوقتها). وقد حقق الشيخ أحمد شاكر هذه اللفظة في تعليقه على الترمذي (١/ ٣٢٦) وبين اختلاف الرواة فيها ونقل عن النووي في المجموع قوله: رواية: "في أول وقتها" ضعيفة. فانظر هذا المبحث فإنه نفيس وراجع أيضا نصب الراية (٢/ ٢٤١).
(٢) الموطأ (١/ ٣٩ رقم ٥).
(٣) البخاري (٥٧٩، ٥٥٦).
(٤) مسلم (٦٠٨).
(٥) أبو داود (٤١٢).
(٦) الترمذي (١٨٦) وقال: حسن صحيح.
(٧) النسائي (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ١ / ٣٧٤ ]
وفي أخرى: عن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فليتم صلاته".
وأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، بالإسناد واللفظ.
وفي أخرى: عن حسن بن الربيع، عن ابن المبارك، عن معمر، عن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي هريرة نحوه، إلا أنه قدم العصر على الصبح، وقال: فقد أدرك، فقد أدرك ولم يقل الصبح ولا العصر.
وأما أبو داود: فأخرجه بإسناد مسلم في هذه الرواية ولفظها.
وأما الترمذي: فأخرجه عن [الأنصاري] (١)، عن معن، عن مالك، مثل البخاري.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، إسنادًا ولفظًا.
وفي أخرى: عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مثله.
وله رواية أخرى: نحو من رواية البخاري الثانية، إلا أنه قال: "إذا أدرك أحدكم أول السجدة من صلاة العصر".
"أدركت الشيء" أدركه إدراكًا، إذا بلغته ووصلت إليه ولحقته.
"الركعة": عبارة عن الركوع المعروف مرة واحدة، ركع يركع ركعة، وهي في هذا الحديث عبارة عن مجموع: القراءة، والقيام، والركوع، والسجود،
_________________
(١) بالأصل [الأنصار] وهو تصحيف، وفي مطبوعة الترمذي [إسحاق بن موسى الأنصاري] وفي بعض نسخه جاء [الأنصاري] فقط كما أشار الشيخ أحمد شاكر -﵀- هناك.
[ ١ / ٣٧٥ ]
إلى أن يعود قائمًا للركعة الثانية، أو إلى أن يجلس للتشهد إن كانت الركعة الثانية؛ هذا في حق المنفرد، فإن المأموم إذا أدرك الإمام راكعًا فركع معه؛ اعتدت له ركعة وإن لم يقرأ شيئًا؛ ولهذا يقال: إن صلاة الصبح ركعتان، والظهر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات؛ بهذا التقدير. وهذه التسمية مجاز واتساع وهو من باب تسمية الشيء ببعض أجزائه، وكذلك قوله في رواية البخاري: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة الصبح" إنما يريد هذا المعنى؛ فعبر بالسجدة في هذه الرواية كما عبر بالركعة في تلك الرواية.
وقوله في رواية النسائي: "إذا أدرك أحدكم أول السجدة" فإنما أريد به السجدة الأولى لا أول السجود، فإن الإجماع على خلافه.
وقد جاء في بعض الروايات "من أدرك ركعة من الصبح".
وفي أخرى: "من أدرك من الصبح ركعة".
وبينهما فرق: وذلك أن من قَدَّمَ الركعة؛ فلأنها هي السبب الذي يحصل به الإدراك، وأن الحكم بصحة الصلاة مبني على إدراكها؛ فلما كانت بهذه الحال قدمها في الذكر؛ للعناية بها وأن الفائدة مقرونة بها.
وأما من قدم الصبح والعصر قبل الركعة، فلأن هذين الاسمين هما اللذان يدلان على هاتين الصلاتين دلالة خاصة تتناول جميع أوصافها بخلاف الركعة.
فلهذا تدل على أوصاف الصلاة، فقدم اللفظ الأهم الجامع لما يريد أن ينوط الحكم به؛ وهو صحة الصلاة وإدراكها.
وكذلك جاء في رواية: "فقد أدرك الصبح" وفي رواية "فليتم صلاته" وكلاهما بمعنى، إلا أن أحدهما كناية، والآخر صريح.
فإن أدرك الصبح لم يرد به أن تلك الركعة التي أدركها قبل طلوع الشمس أجزأته عن صلاته الصبح؛ إنما يريد أنها أجزأته عن الأداء؛ وإن خرج الوقت
[ ١ / ٣٧٦ ]
بدخوله في الركعة الثانية إلا أنها إنما تجزئه عن الصلاة إذا صلى الركعة الثانية وإن كانت الشمس غاربة؛ وبهذا القدر استغني عن التصريح به بقوله: "فقد أدرك الصبح".
وأما قوله: "فليتم صلاتة" فإنه صريح في الإجزاء، ألا تراه كيف أبان عن الوصف الذي به يحصل الإجزاء، وهو الإتمام والمجيء بالركعة الأخرى في الصبح والثلاث في العصر، ولم يحتج هنا أن يقول: "فقد أدرك" لأنه إذا أمره بإتمام الصلاة مع وقوع بعضها في وقتها، وبعضها في غير وقتها؛ فقد أجاز له ذلك وأمضاه، ولذلك قد جاء في بعض الروايات بتقديم الصبح على العصر وفي بعضها بالعكس، فأما تقديم الصبح؛ فلأنها أول صلاة يبتدئ بها الإنسان في أول يومه وأول أعماله، ولأن هذا الحكم الذي تعرض لذكره هو مقرون بطلوع الفجر، وكان الابتداء به أولى؛ لأن الطوع قبل الغروب.
وأما تقديم صلاة العصر في الذكر، فلأن لها شرفًا على غيرها، بقوله - ﷺ -:
"الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (١).
فلذلك جعلها الأكثرون الصلاة الوسطى، لأن حفظ وقتها ومعرفته فيه صعوبة، وليس كوقت غيرها من باقي الصلوات؛ ألا ترى أن كل واحدة من الصلوات يُدْرَكُ وقتها الخاص والعام؟، فإن الصبح وقتها بطلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، والظهر بالزوال، والمغرب بمغيب الشمس، والعشاء بمغيب الشفق وهذه حدود يشترك فيها كل بصير.
وأما العصر فيحتاج في معرفة وقتها إلى معرفة الظل وزيادته ونقصانه وحفظ مقدار ظل الزوال، لبسطه (٢) من الظل، وهذا إنما يعرفه الخواص من العارفين بالأوقات، فحيث كانت بهذه الصفة من الإشكال؛ قدمها في الذكر اهتمامًا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) كذا في الأصل.
[ ١ / ٣٧٧ ]
بشأنها، وتوفرًا على المحافظة عليها.
وهذا الوجه من ألطف ما قيل في تعليق قول من ذهب إلى أنها الصلاة الوسطى، وأن التخصيص بالمحافظة عليها؛ إنما كان لهذا السبب الذي ذكرناه.
وأما تخصيص هاتين الصلاتين بالذكر من بين سائر الصلوات فعنه جوابان:-
أحدهما: أنه ليس هذا الحكم خاصًّا لهما، بل يعم جميع الصلوات عند أكثر العلماء، فإنه قد جاء في حديث آخر عن أبي هريرة مما اتفق على إخراجه مالك (١) والبخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، أن النبي - ﷺ - قال:
"من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".
وجاء في حديث عبد اللَّه بن عمر مما أخرجه النسائي (٧)؛ أن النبي - ﷺ - قال: "من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات؛ فقد أدركها كلها إلا أنه يقضي ما فاته".
والجواب الثاني: أن هاتين الصلاتين؛ هما طرفا النهار أولًا وآخرًا، وآخر وقتيهما هو طلوع الشمس وغروبها، وهو ظاهر لا لبس فيه، بحيث إن المصلي إذا صلى بعض الصلاة وطلعت عليه الشمس أو غربت؛ عرف خروج الوقت، فلو لم يعين - ﷺ - هذا الحكم وعرف المصلي أن صلاته تجزئه؛ لظن فوات الصلاة
_________________
(١) الموطأ (٤٢٨ رقم ١٥).
(٢) البخاري (٥٨٠).
(٣) مسلم (٦٠٧).
(٤) أبو داود (١١٢١).
(٥) الترمذي (٥٢٤) وقال: حسن صحيح.
(٦) النسائي (١/ ٢٧٤).
(٧) النسائي (١/ ٢٧٥) وفي الكبرى (١/ ٤٨٢ رقم ١٥٤١) لكن من حديث سالم مرسلًا.
[ ١ / ٣٧٨ ]
وبطلانها بخروج الوقت، وليس كذلك آخر أوقات باقي الصلوات، فإنها لا تعرف حقيقة إلا بعد الاعتبار والتدقيق، فإذا صلى المصلي بعض صلاة الظهر آخر وقتها؛ ودخل عليه وقت العصر ولم يتم صلاته، فإنه لا يحس بدخول وقت العصر ما لم يهتبر الظل، وكذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء، إذا أخر صلاة العشاء إلى آخر الليل؛ فإنه لا يكاد يدرك أول جزء يطلع من الفجر؛ لأنه إذا لم يضئ له الشرق ويتسع؛ لم يكد يدرك طلوعه، وحيث كانت صلاة الفجر وصلاة العصر مخالفتين لها في الصلوات بهذا الوصف الذي ذكرناه؛ خصصهما بالذكر. واللَّه أعلم- ولأنها قد جاء لهاتين الصلاتين من الفضيلة ما لم يأت لغيرهما لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (١) وقوله -عز من قائل- ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٢) وقول النبي - ﷺ -.
"فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" (٣)، ثم قرأ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ الغروب، وقد سماهما صلاة البردين، والعصرين، وحث عليهما في غير موضع، وقال.
"يتعاقب فيها ملائكة الليل وملائكة النهار" (٤) ونحو ذلك، ولأن النبي - ﷺ - قد نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلو لم يبين لهم صحة صلاة من أدرك ركعة من هاتين الصلاتين، لظن أن الصلاة تفسد بدخول هذين الوقتين وهو يصلي، فعرفهم ذلك ليزول هذا الوهم.
_________________
(١) النور: [٣٦].
(٢) آل عمران: [٤١].
(٣) أخرجه البخاري (٥٥٤).
(٤) أخرجه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢)، من حديث أبي هريرة، لكل بلفظ (يتعاقبون فيكم ملائكة ..) والظاهر أن المصنف -﵀- ذكره بالمعنى.
[ ١ / ٣٧٩ ]
والذي ذهب إليه الشافعي العمل بهذا الحديث في هاتين الصلاتين وفي غيرهما من الصلوات، أنه متى أدرك المصلي من وقت الصلاة ركعة؛ أتم ما بقي منها وإن خرج الوقت.
وإليه ذهب: مالك، وأحمد، وإسحاق.
وكان أبو ثور يقول: إنما ذلك لمن نام أو سهى، ولو تعمد ذلك أحد كان مخطئًا مذمومًا بتفريطه.
وقد روي ذلك عن الشافعي، وهو غير مشهور من مذهبه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يَصِحُّ ذلك في العصر دون الصبح، فإذا أدرك ركعة من صلاة الصبح وطلعت الشمس، فسدت صلاته وعليه القضاء ولا يلزمه ذلك.
قال الشافعي: ومن أخر العصر حتى صار كل شيء مثليه في الصيف أو قدر ذلك في الشتاء، فقد فاته الاختيار، ولا يجوز أن يقال: قد فاته وقت العصر مطلقًا، واحتج بهذا الحديث.
وفي هذا الحديث: دليل على أن من أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة من المعذورين كالمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ، والنفساء، والحائض إذا طهرت؛ فإن الصلاة تجب عليه.
وللأئمة في ذلك خلاف مذكور في كتب الفقه.
الإبراد بالظهر.
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" وقال: "اشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربّ أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسَينْ: نفس في الشتاء، ونفس في
[ ١ / ٣٨٠ ]
الصيف، فأشد ما تجدون من الحر فمن حرها، وأشد ما تجدون من البرد فمن زمهريرها".
وفي رواية: عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - مثله إلى قوله: "جهنم" إلا أنه قال "فأبردوا على الصلاة".
وفي أخرى: عن الثقة، عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - مثله.
وأخرجه الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك": عن مالك، عن أبي الزناد، إلى قوله: "جهنم".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه بالرواية الثانية إلى قوله: "جهنم".
وفي أخرى: عن عبد اللَّه بن زيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [و] (٢) عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة مثله إلى قوله: "في الصيف".
وقال: "أبردوا عن الصلاة" ولم يقل: "أكل بعضي بعضًا".
وأخرج الشافعي هذه الرواية: عن مالك، من رواية المزني عنه، وأخرجها في القديم: من رواية الزعفراني عنه.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن علي بن [عبد] (٤) اللَّه، عن سفيان، إلى قوله: "في الصيف" ثم قال: "أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير".
_________________
(١) الموطأ (١/ ٤٦ رقم ٢٨ - ٢٩).
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل والمثبت من الموطأ؛ وهو الصواب.
(٣) البخاري (٥٣٣، ٥٣٤، ٥٣٦).
(٤) ما بين المعقوفتين بالأصل (عبيد) وهو تصحيف؛ والصواب هو المثبت. وعلي هو ابن عبد اللَّه المديني شيخ البخاري مشهور.
[ ١ / ٣٨١ ]
وفي أخرى: عن أيوب بن سليمان، عن أبي بكر، عن سليمان، عن صالح ابن كيسان، عن الأعرج وغيره، عن أبي هريرة.
وعن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر أنهما حدثاه أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:
"إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم".
وله روايات أخرى تتضمن شكوى النار خاصة، فلم يذكرها (١).
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن قتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث، عن الزهري، بالإسناد عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة مثل الشافعي إلى قوله: "جهنم".
وفي أخرى: عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وابن المسيب، مثله.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن يزيد بن خالد بن موهب، وقتيبة بن سعيد، عن الليث، بالإسناد، إلى قوله "جهنم".
وقال قتيبة: فأبردوا عن الصلاة.
وقال ابن موهب: بالصلاة.
وأما الترمذي (٤) والنسائي (٥): فأخرجاه عن قتيبة، عن الليث، بالإسناد، إلى قوله: "جهنم" وقال: "عن الصلاة".
وفي الباب: عن أبي ذر، وأبي سعيد، وأبي موسى، وأنس.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كتاب "بدء الخلق" باب صفة النار وأنها مخلوقة، وذكر تحت الباب جملة من الأحاديث وفيها شكوى النار إلى ربها.
(٢) مسلم (٦١٥).
(٣) أبو داود (٤٠٢).
(٤) الترمذي (١٥٧) وقال: حسن صحيح.
(٥) النسائي (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
[ ١ / ٣٨٢ ]
"اشتد": افتعل من الشدة: القوة، أي إذا قوى الحر، وأصل اشتد اشتدد فسكنت الدال الأولى وأدغمت في الثانية.
"والإبراد": من البرد تقول منه: أبرد الرجل إذا فعل فعلًا، وقد انكسر الحر وضعفت شدته.
قال الأزهري: يقول الركب في السفر إذا زاغت الشمس فقد أبردتم فروحوا، "وأبرد القوم" إذا صاروا في آخر القيظ. "والإبراد في الصلاة": هو تأخير صلاة الظهر عن أولها في شدة الحر إلى أن ينكسر الحر قليلًا، وله أحكام نذكرها في آخر الكلام على هذا الحديث.
"والفَيْح": سطوع شدة الحر وانتشاره، وأصله من كلامهم السعة والانتشار، ومنه قولهم: مكان أفيح، فجعل شدة الحر من فيح جهنم، ولذلك أردفه بقوله "اشتكت النار إلى ربها".
"والزمهرير": شدة البرد، والميم أصلية، ويجوز أن يكون قد أخرج الكلام مخرج التشبيه، أي كأنه من نار جهنم. والوجه الأول.
"والصيف والشتاء": معروفان، والذي كان عند العرب في تقسيم السنة أنهم كانوا يجعلون كل ثلاثة أشهر منها قسمًا، فقسم منها هو عندهم الربيع، والذي يسميه الناس الخريف، لأن الثمار تخترف فيه أي تجتني؛ وأوله عند حلول الشمس في أول برج الميزان، وذلك نصف أيلول، وآخره عند خروج الشمس من برج القوس، وذلك نصف كانون الأول، وله من المنازل العقرب، والزبان، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة.
والقسم الثاني: هو الشتاء، وأوله عند حلول الشمس أول برج الجدي، وذلك نصف كانون الأول، وآخره عند خروجها من برج الحوت وذلك نصف آذار، وله من المنازل سعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية
[ ١ / ٣٨٣ ]
وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو المؤخر، والرشا.
والقسم الثالث: الصيف وهو عند الناس الربيع، وأوله عند حلول الشمس في برج الحمل في نصف آذار، وآخره عند خروج الشمس من برج الجوزاء، وذلك نصف حزيران وله من المنازل، السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع.
والقسم الرابع: القيظ وهو عند الناس الصيف، وأوله عند حلول الشمس في برج السرطان، في نصف حزيران وآخره عند خروجها من برج السنبلة؛ في نصف أيلول وله من المنازل: النثرة والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك.
ومنهم من يقسم السنة أربعة أقسام أخرى:-
الأول: أيلول، وتشرين، وتشرين (١).
والثاني: كانون، وكانون (٢)، وشباط.
والثالث: آذار، ونيسان، وأيار.
والرابع: حزيران، وتموز، وآب.
وكأن هذه القسمة أقرب إلى الاعتدال، وتلك أقرب إلى قسمة البروج ومسير الشمس.
ومنهم من قسم السنة قسمين:-
الصيف، الشتاء، فجعل الصيف ستة أشهر أولها نيسان وآخرها آذار، والذي أراد به النبي - ﷺ - من الصيف؛ فإنما هو القيظ لأنه هو الزمان الذي يستحب فيه الإبراد.
_________________
(١) أي: تشرين أول وتشرين ثاني.
(٢) كذلك: كانون أول وكانون ثاني.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وقد جاء في بعض الروايات "فأبردوا بالصلاة" وفي بعضها "فأبردوا عن الصلاة" والفرق بينهما أن الباء لا تخلو أن تكون للإلصاق؛ أو للاستعانة، أو زائدة، وكل هذه الأوجه لائقة بهذا الموضع صالحة له، إلا أن بعضها أحسن من بعض.
وأما "الإلصاق": فنحو قولك: مررت بزيد، فإن الباء ألصقت المرور بزيد، وكذا هذا كأن الباء ألصقت الإبراد بالظهر. وأما التي للاستعانة: فكقولك: كتبت بالقلم، فكأن صلاة الظهر هي التي استعنت بها على الإبراد، فصرت مبردًا بسببها إلا أن الإبراد إنما هو لشدة الحر لا للصلاة، ولكن صار خاصًّا بها للاستعمال؛ لأنه لما جعل الإبراد في هذا الوقت لأجل تأخيرها، صارت كأنها هي التي فعلته وحملت عليه.
وأما الزيادة: فكقولك: "بحسبك قول السوء، أي: حسبك" فإذا جعلنا في الحديث زائدة، صار المعنى أبردوا الظهر أي أخروها إلى أن يذهب شدة الحر لكن مع إثباتها يكون الإبراد فعلا قاصرًا لازمًا للمصلي، ومع حذفها يكون متعديًا أي: احملوها على أن تبرد هي، وفيه بعد، وأولى هذه الأوجه الثلاثة، أن تكون للاستعانة.
وأما قوله: "فأبردوا عن الصلاة" فإن معناها المجاوزة، تقول: صفحت عن فلان أي جاوزته فلم أعاقبه، فهي في هذا الحديث بمعنى تجاوزوا وقتها المختص بها، واعبروه إلى أن ينكسر الحر.
وفي هذا دليل على أن الوقت الأخص والأولى في الصلوات هو الأول، لأنه أَمْرٌ بالترخص أو بالتخصيص في شدة الحر، ومجاوزة الوقت الخصيص بها لأجل الحر؛ وما يتجاوز الإنسان أمرًا إلا وقد ترك ما هو أولى به، لاسيما إذا كانت المجاوزة رخصة أو تخصيصًا لهذه، ويجوز أن يكون التقدير في "أبردوا عن الصلاة"، أخروا الصلاة لكنه أراد أن لا يقرن لفظ التأخير بالصلاة، صيانة لها
[ ١ / ٣٨٥ ]
عن هجنة التأخير، فقال: أبردوا عن الصلاة.
وإنما قلنا: إن معنى "أبردوا" "أخروا" من قبيل المجاز، لأن التأخير من ثمرة الإبراد، فكنى عن الشيء بما يؤول إليه، كقول الشاعر:
وما العيش إلا نومة وتشرق وتمر على رأس النخيل وماء.
فسماه "تمرًا" وإنما يكون وهو على رأس النخيل رُطَبًا فما قبله.
وقد جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: "أخر عني" أي تأخر عني وأخر عني تمسك.
وفي قوله: "اشتكت النار إلى ربها" مسألة أصولية هل هذه الشكوى حقيقية بكلام أم هي مجاز عبَّر فيه بلسان الحال عن لسان المقال؟ كما قال الراجز:
يشكو إلىّ جملي طول السرى وأي الأمرين قدّر كان جائزًا
لأن الكلام عند المحققين من الأصوليين وأهل السنة؛ ليس من شرطه وشرط العلم في القيام بالجسم؛ إلا الحياة.
فأما الهيئة والبنية واللسان، فليس من شرطه، فإذا خلق اللَّه في النار حياة؛ وُجِدَ منها الكلام الذي هو الكلام الحقيقي، ولو قلنا: إنه الكلام العرفي الذي هو الأصوات والحروف، لكان خلق اللَّه لها لسانًا تنطق به، ألا ترى أنه قد جعل لها عينين، قال النبي - ﷺ -: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ بين عَيْنَيْ جهنم مقعدًا"، قالوا يا رسول اللَّه: أو لجهنم عينان؟! قال:
[ ١ / ٣٨٦ ]
أو ما سمعتم إلى قول اللَّه -﷿-: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (١) " (٢).
وإن قلنا إنه مجاز عن لسان الحال، فالأمر فيه ظاهر.
وقوله: "فأذن له بنفسين" إشارة إلى أنها مطبقة محاط عليها بجسم مكتنفها من جميع نواحيها؛ لم يتصور باضطرامها أن تتنفس، وكانت الحكمة في التنفس عنها، إعلام الخلق بأنموذج منها.
وأما قوله في البرد: "إنه من بردها"، والنار لا توصف بالبرد، فلأن مذاب الأجسام إما أن يكون حارًّا أو باردًا، فلما جمع اللَّه نوعي العذاب المعد للأجسام، عبر بأحدهما عن الآخر وأطلق عليه مجازًا واتساعًا، كقولهم:
القمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الإبراد إنما يجوز بأربعة شرائط:
الأولى: أن تكون الصلاة جماعة في مساجد الجماعات.
والثانية: أن يكون شدة الحر.
والثالثة: أن يكون في البلاد الحارة، كالحجاز، والعراق، واليمن وما يقرب منها مما يشتد فيه الحر.
_________________
(١) الفرقان: [١٢].
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٣١ - ١٣٢ رقم ٧٥٩٩). وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٥٣): فيه الأحوص بن حكيم ضعفه النسائي وغيره، ووثقه العجلي ويحيى بن سعيد القطان في رواية، ورواه عن الأحوص محمد بن الفضل بن عطية، ضعيف. وقال ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٩٥): هذا الحديث لا يصح، لأن محمد بن الفضل قد كذبه يحيى بن معين والفلاس وغيرهما، وقال أحمد بن حنبل: ليس بشيء، وإنما وضع هذا من في نيته الكذب. قلت: والحدث متواتر بلفظ (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار). وليست فيه هذه الزيادات.
[ ١ / ٣٨٧ ]
والرابعة: أن يقصد الناس الصلاة من الأماكن البعيدة.
وقيل: إن البعيد والقريب سواء.
وحد البرد: هو أن ينكسر الحر ويحصل للحيطان فيء يجوز الساعي إلى الصلاة فيه.
وقال مالك: الأفضل أن يؤخرها حتى يصير الفيء قَدْرَ ذراع.
وقال أبو حنيفة: تعجيلها في الشتاء أفضل، وتأخيرها في الصيف أفضل، ولم يراع ما ذكرنا من الشروط، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقد اختلف أصحاب الشافعي في الإبراد:
فقال بعضهم: إنه سنة للأمر الوارد فيه بقوله: "أبردوا" ولأن شدة الحر تذهب بالخشوع فسنه لمراعاة ذلك.
وقال بعضهم: إنه رخصة، لأن الشافعي قال: أمر رسول اللَّه - ﷺ - بتأخيرها في الحر توسعًا منه ورفقًا، مثل توسعته في الجمع بين الصلاتين.
وأما "الإبراد بالجمعة"، فقد اختلف أصحاب الشافعي.
فقال قوم: يبرد بها كما يبرد بالظهر.
وقال قوم: لا يبرد بها، لأنهم أمروا بالتبكير إلى الجمعة، وانتظارها في الجامع يشق عليهم ويؤذيهم حره.
تأخير صلاة العشاء
لم يرد في المسند حديث، وإنما المزني روى عن الشافعي، عن سفيان، عن الزهري: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللَّه - ﷺ -:
"إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء".
[ ١ / ٣٨٨ ]
أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
وأخرج أيضًا المزني: عن الشافعي، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي - ﷺ - وذكر مثله أخرجه البخاري (٥)، ومسلم (٦).
_________________
(١) البخاري (٦٧٢).
(٢) مسلم (٥٥٧).
(٣) الترمذي (٣٥٣).
(٤) النسائي (٢/ ١١١).
(٥) البخاري (٦٧١).
(٦) مسلم (٥٥٨).
[ ١ / ٣٨٩ ]